fbpx
الشرق الأوسطعاجل

تركيا في مواجهة شعبوية الاطلسي   

 اعداد الباحثة : إيمان غالب الحرازي – المركز الديمقراطي العربي

 

لم تكن العلاقات التركية مع أوروبا أو الولايات المتحدة على خط تاريخها ذات معالم واضحة، فسعي تركيا الدائم منذ قيامها لخلق شخصية خاصة بها، تتوافق فيها السمات الاورواسيوية و الإرث العثماني مع سمات الدولة الليبرالية الحديثة، جعلها تتمتع بالقدرة على التموضع الفعال على الساحة السياسية الدولية، وتصبح إحدى القوى المؤثرة في النظام العالمي .

وكان حكام تركيا على اختلاف مرجعياتهم الفكرية والأيديولوجية قد لعبوا الدور الابرز في خلق هذه الشخصية، فعقب الحرب العالمية الأولى حاول أتاتورك التملص من الشخصية الشرقية والاتجاه نحو الغرب، مع وجود قاعدة شعبية كبيرة لم ترغب بذلك التوجه، بينما شهدت الالفية  تحولا كبير في تلك السياسات حيث اتجهت تركيا نحو الشرق الممثل الاول للإرث العثماني، دون الانسلاخ من التجربة الأوروبية التي طالما ارادت من خلالها ضمان الحماية لامنها القومي وتعزيز مكانتها الاقتصادية في العالم، وتجسدت تلك الصورة لتركيا من خلال سياسات أروغان الجامعة بين تلك السمات مع التوجه القوي نحو بناء قوة اقتصادية هائلة، مكنتها من أن تكون أحدى القوى المؤثرة في العالم، وتواجه تركيا اليوم تحديا خطيرا يعصف بأهم مرتكزات قوتها وذلك بالانهيار السريع لليرة  مقابل الدولار الامريكي .

وبدأت الازمة بين تركيا والولايات المتحدة على خلفيه رفض تركيا تسليم القس الأمريكي أندرو برنستون المعتقل في تركيا بتهمة التعاون مع فتح الله غولن وحزب العمال الكردستاني في التخطيط للانقلاب الأخير، وكانت تركيا قد طالبت الولايات المتحدة بتسليم فتح الله غولن والمعروف بخصومته لأردوغان والمتهم الأول في التخطيط للانقلاب والذي اتخذ من الولايات المتحدة مكان للإقامة منذ العام 1999م، الا أن الأخيرة رفضت بحجة نقص الأدلة، ما دفع تركيا للقيام بإجراء مماثل وهو رفض تسليم برنستون، فاتخذت الولايات المتحدة إجراءات عقابية تجاه تركيا بفرض مزيد من الرسوم على الواردات التركية خصوصا واردات الالمنيوم والفولاذ، فتخطت هذه الأزمة كل الابعاد الاقتصادية والسياسية والحدود الجغرافية لتركيا لتمتد للعالم أجمع، محدثة تغييرات غير متوقعة في مسلمات اللعبة السياسية.

حيث واجهت تركيا فرض العقوبات من قبل الولايات المتحدة بمزيد من العناد والاندفاع نحو كلا من روسيا وإيران وكذا الصين، فقطعت حصار إيران بإعلان شراءها للغاز الايراني، كما وشجعت على الإنتاج المحلي والتصدير، والاعتماد على الأسواق الآسيوية في استيراد الالكترونيات وغيرها، وكل ذلك باستخدام الليرة التركية بدلا من الدولار. وساهم عدم انضوى تركيا ضمن الاتحاد الأوروبي، في الابتعاد قليلا من قيود العملة الموحدة، التي كانت ستحد من حركتها وعدم قدرتها على التبادل التجاري والاقتصادي بمرونة أكبر فخلق لها حماية من الاستسلام السريع امام الضغوط الامريكية.

ويتجاوز بعض المحللين مسألة العداء بين تركيا والولايات المتحدة لتلك الاسباب، الى رغبة أمريكا الحقيقية في تضييق الخناق على التنين الصيني الصاعد بقوة والمهدد لأمريكا كقوى وحيدة وعظمى منذ انهيار الاتحاد السوفيتي، عن طريق خلق أزمات اقتصادية لحلفاء الصين الاستراتيجيين أو من تربطهم بها علاقة اقتصاد قوية كتركيا، فسياسات ترامب المتطرفة وعداواته المستحدثة مع حلفاء الولايات المتحدة التقليديين ساهم بشكل كبير في تقريب المسافات بين أوروبا ممثلة بألمانيا وبين روسيا والصين وكذا ايران.

غير أن البعض الاخر يجد في سياسات تركيا عجزا عن قراءة الواقع بشكل سليم، فتركيا تعاني من ازمة حقيقة، لم تكن وليدة الساعة، فالتراجع الاقتصادي وزيادة الدين العام مع حالة من التضخم الشبه مستمر، يضع تركيا في موقف خطير، خصوصا أن الولايات المتحدة  تفرض سيطرتها على المحيط الإقليمي لتركيا، بالإضافة أن  هذه الازمة تؤثر على بعض الدول الناشئة اقتصاديا كالبرازيل وجنوب أفريقيا وكذا الهند ما يعني توجه المستثمرين نحو الدولار لضمان مصالحهم، في حين توجد توقعات بعدم استطاعة الليرة من التعافي التام والعودة الى قوتها السابقة حتى في حال انتهاء هذه الازمة.

ويبقى السؤال الأهم هو حول الخطوات التي سيتخذها الاتحاد الأوروبي في هذه الحالة، فالترابط الاقتصادي بين تركيا والاتحاد الأوروبي قد أعاد معضلة الاتحاد الى الواجهة، فقد اتهم الاتحاد الأوروبي بعدم قدرته على تجنب المشكلات الاقتصادية وعدم قدرته على حلها كما هو الحال مع اليونان، فالأهمية التي تتمتع بها تركيا تفرض الكثير على الأوروبيين في التحرك الجاد بشأن التخفيف من حدة هذه الازمة ، فتركيا تمثل البوابة الشرقية لأوروبا، وتمتلك مفاتيح جوهرية تتمثل في مسألة الأمن سواء بتهديد التنظيمات الإرهابية كداعش، او كمتلقي اول لعبء المهاجرين، بالإضافة الى كونها شريك  اقتصادي مهم خصوصا لدول أوروبية تعاني من أزمات اقتصادية كإسبانيا وإيطاليا، والاهم من ذلك أنها الدعم الأكبر لحلف الناتو في مواجهة الأخطار التي تتهدد القارة العجوز،

فهل سيتجه الاتحاد الأوروبي للخروج من العباءة الامريكية، وتجاوز المخاوف تجاه العدو المتخيل (روسيا) وهو ما يعني توصل الاتحاد الأوربي مع روسيا الى تقارب في القضايا الأمنية، الامر الذي يعني التخفيف من الهيمنة الامريكية على القرارات والتوجهات في السياسة الخارجية للاتحاد، وأولى هذه الخطوات تتجسد فيما دعا اليه الرئيس الفرنسي ماكرون حول أنشاء قوة دفاعية لأوروبا خارج حلف الأطلسي الذي تسيطر أمريكا من خلاله على سياسات الاتحاد الأوربي الخارجية، أم سيبقى حبيسا لفكرة السلمية التي تأسس عليها ورهنا للمخاوف الأتية من الحليف الأول الولايات المتحدة الامريكية؟

وفي حال استطاعت تركيا تخطي هذه الازمة، دون اللجوء للحلول السياسية، فأن ذلك سيعود بنتائج سلبية على الاقتصاد الأمريكي  حيث سيلعب كسر احتكار الدولار على التبادل التجار والاقتصادي العالمي، الى اضعاف الاقتصاد الأمريكي وتراجع الهيمنة الامريكية على العالم، فتركيا تتجه الى ضخ المزيد من الاستثمارات ودعم القطاعات الاقتصادية في الداخل وفتح السوق امام المنتجات الصينية والكورية، بالاعتماد على الليرة، ومن جهة اخرى ولأول مرة في التاريخ بدأت الصين بالتعامل التجاري والاقتصادي بالاستناد الى العملة الوطنية، متمثلة بشراء النفظ الإيراني باليوان بدلا عن الدولار. كما وتعمل روسيا حاليا في الدفع نحو مزيدا من التقارب مع تركيا وكذا المانيا ، في حين تحاصر المشكلات الداخلية ترامب من كل الجوانب، ما يعني أن احتمالات صمود تركيا  تجاه هذه الازمة يتضاعف.

للمزيد:

1-حقائق عن الاقتصاد التركي: سياسات أردوغان “تزيد الطين بلة https://www.dw.com/ar/%D8%AD%D9%82%D8%A7%D8%A6%D9%82

2 كيف تتعلم أوروبا الكف عن القلق وحُب القوة؟ مقال منشور على قناة الجزيرة http://www.aljazeera.net/knowledgegate/opinions/2018/8/17/%D9%83%D9%8A%D9%81  

3- كاتب أمريكي: انهيار اقتصادي عالمي على الأبواب

http://www.aljazeera.net/news/presstour/2018/8/18/%D9%83%D8%A7%D8%AA%D8%A8

4-انهيار الليرة التركية.. مؤامرة خارجية أم سياسات خاطئة؟ http://midan.aljazeera.net/reality/economy/2018/6/7/

 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق