الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

ترامب والعلاقات الخليجية – الإيرانية: احتدام الأزمة وخطر المواجهة

اعداد الباحث : أحمد  عيسى  – باحث متخصص في العلاقات الدولية وشئون الشرق الاوسط

  • المركز الديمقراطي العربي

 

بيد أن العوامل  السياسية والاقتصادية والعسكرية  المتضافرة مسبقاً في بوتقة واحدة وجعلت منحني العلاقات الأمريكية الإيرانية في الحقبة الاوبامية ياخذ طريقه الوعر نحو التصاعد المفرط  وبكل ما تبعه من وئام مصالح وتناسق سياسيات أنتهت للأبد ودخلت في عداد التاريخ ، وهوالوئام السياسي الذي تجسد في سلسلة التفاهمات الإيرانية الأمريكية المشتركة والتنازلات الإمريكية المقدمة علي نحو غير مسبوق وبصورة جعلة منها محط انتقاد الكثيرين علي خليفية البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل . وهو ما جعل من تلك الفترة من التفاهمات وبما لا يدع مجالا للشك علي النقيض فيما يخص مصالح الخصم الخليجي لطهران وفقاً لما سماه البعض تخلي واشنطن عن حلفائها الخليجيين التقليديين .

لكن لم يدم الامر طويلا فسرعان ما هبت العاصفة واخذت في طريقها كل الطموحات الإيرانية ولم تترك لها  املاً يرجى في اي إمكانية للحفاظ علي ما قد سبق لها وأن اتفقت عليه بشأن برنامجها النووي مع الادارة الأمريكية السابقة اذ ان ترامب جاءت رياحه بما لم تشتهيه سفنها واورد الاتفاق المبرم معها مورد العبث والهذيان.[1]

الطبيعة البنياوية للعلاقات الخليجية الإيرانية:

تعتبر العلاقات الخليجية الإيرانية من أحدى أهم أشكال العلاقات التى تثير حولها الكثير من القلاقل والاضطرابات السياسية في منطقة الشرق الأوسط لما تحويه بداخلها من تداعيات محمومة واحتمالات مواجهة بين طرفين إقليمين على طرفي نقيض ولاسيما في العقد ونيّف الاخيرين، لذا يصبح من الاهمية  بمكان الوقوف على طبيعتها لتوضيح ماهيتها والتحقق من كنهها عن كثب من خلال مستويات التحليل الثلاثة التي وضعها كينيث والتز علي النحو المبين أدناه:[2]

  • مستوي تحليل الفرد القائد: يمكن من خلال هذا المستوى من التحليل الوقوف علي طبيعية الدوافع التي تحرك أطراف الصراع وتجعل منه من أخطر أنواع الصراعات التي تضرب المنطقة بعنف وشراسة أن لم يكن أخطرها على الاطلاق،فالقادة السياسيين وصناع القرار القابضين على زمام الأمور والمتربعين علي قمم السلطة في الدول الاطراف في الصراع تحركهم مؤثرات عقيدية مذهبية وتسيطر عليهم مشاعر البغض والكرة وعدم الاحترام تجاه الطرف الآخر وهو ما يعزو الى أعوام مديدة من الحقد الدفين الذى يضمره طرفي الصراع ويجد صداه في أغلبية الدوائر الرسمية وغير الرسمية ويغذية الرأي العام الثائر في تلك الدول ناهيك عما توفره الإمكانات الوطنية ذات الاصول النفطية من فرص حقيقة لاندلاع مثل هذه  النزاعات.
  • مستوى التحليل الدولة: اذا ما ارتقينا بالتحليل قليلاً لنصل به إلى مستوى أبعد نسبياً من المستوى سالف الذكر وليكن مستوى تحليل الدولة يتبين لنا إلى اي مدى تصبح حتمية الصراع بين الطرفين نافذة وضرورة التراشق بينهما واردة ،فالمؤسسات الرسمية الرابطة على أراضي الدول الخليجية من ناحية وايران من ناحية أخرى تخدم وبصورة كبيرة حتمية الصراع بكل ما ينطوي عليه من فرص وتحديات ولاسيما اذا ما اخذنا في الاعتبار ان طرفي الصراع يعتمد على نحو محض على الثروة النفطية كمصدر للدخل وهو ما يجعلهما طرفي منافسة فضلا عن سباق التسليح العسكري الضالعين فيه.
  • مستوى تحليل النظام الدولي: في نظام دولي فوضوي كهذا الذي نعاصره الآن تصبح الثقة الزائدة للاعب الدولي في حسن نوايا الفاعلين الدوليين الاخرين أمر غير مقبول أو غير منطقي،وهو ما يدفع أطراف الصراع إلى بلوغ مستوى ملائم من القوة بمفهومها الشامل ما يجعلها في الوضع الذي تأمن فيه علي نفسها من أى عمل عدوان يتوخى النيل من إستقلالها السياسي أو يتطاول علي سيادتها.وإذا ما نظرنا عن كثب إلى طبيعية النظام الدولي الذي تدور فيه العلاقات الإيرانية الخليجية نجد أننا امام قوتين اقلميتين تسعى كل منهما لبسط النفوذ وامتلاك القدرات وتعبئة الموارد وفرض الهيمنة ما يخدم تطلعاتها كقوى اقليمية صاعدة،وهذا في ظل ارتباط كل منهما بإحدى القوتين العظميين-two major powersروسيا والولايات المتحدة الأمريكية- على نحو يتوافق مع نظام دولي أقرب ما يكون إلى الثنائية القطبية خاصة مع الصعود الروسي المتزايد بوتيرة أسرع ما تكون منذ الحرب الباردة.

الطموحات الإيرانية وحتمية المواجهة:

 أخطر أنواع الصراعات التي تكون الدولة- كأهم فاعل فى العلاقات الدولية على الاطلاق- طرف رئيسي فيها تلك التى ترتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة بمصالحها القومية الأساسية التى هي فى حقيقة الأمر تستهدف حماية الكيان المادي والسياسي للدولة وضمان بقائها فى مواجهة كافة الأخطار الخارجية وهي مصالح لا تقبل مقايضتها او المساومة عليها وفقا لما يسميه البعض it can not be compromised or traded وتكون الدولة مستعدة لان تدفع اى ثمن مهما كان باهظا للدفاع عنها،وهو ما يمكن أن يتمثل في طبيعة الصراع الدائر بين طرفيه -الدول الخليجية وإيران -ولاسيما في ظل طموحات إيران التوسعية في السيطرة علي المنطقة العربية وخاصة تلك التي تخص الدول الخليجية المجاورة لإعادة الأمجاد الفارسية القديمة بناء على أساليب ممنهجة لتصدير الثورة وفقا للمفهوم المعروف- ولاية الفقيه-وهو ما تخشاه الدول الخليجية على نفسها خصوصا مع تزايد مخاوفها بأن يتآكل كيانها السياسي في هذة البوتقة الشيعية المجاورة وهو ما يجعلها مستعدة للوصول بالصراع إلى أقصى مستوايته خطورة ضامناً لوجودها وبقائها ضمن عداد الدول المستقلة وفي سياق كهذا الذي أوردناه أعلاه تصبح المواجهة حتمية بين طرفي الصراع وتتعمق فرصها إلى أبعد حد.[3]

الأزمة الخليجية القطرية وتأثيرها على خريطة التحالفات الاقليمية وهيكل الاستقطاب الدولي:

وتيرة الاحداث في المنطقة العربية آخذة في التسارع بصورة فاقت حدود ما هو متوقع وعلي نحو لم يسبق له مثيل في علاقات دول خليجية تجمعها روابط وموروثات فكرية ودينية وثقافية مشتركة مع بعضها البعض،الامر الذي قد يؤدي إلى تغير صورة المنطقة وهياكل تحالفتها وفقا لمعطيات المرحلة الراهنة بكل ما تحمله من مستجدات في مجملها خطيرة علي وضعها كأكثر مناطق العالم تذبب واضطراب،فقطر كدولة متخبطة آكلة على كل موائد أطراف الصراع الذي يضرب المنطقة بشراسة وعنف أحدثت  بتواجهاتها الأخيرة  تطورات وتحولات بالمنطقة ما لم يقدر علي فعله أعتى أنواع الاستراتيجيات وأحكمها صياغة علي الاطلاق، وهو ما يعمق من فرضية حدوث تحولات خطيرة في هياكل التحالفات التقليدية التي تشهدها المنطقة  في هذه الفترة الملبدة بالغيوم مما سيجعلنا قبال تحالفات جامدة أقرب إلى الشمول والاستغراق منه للمرونة وحرية الانتقال وما يعمق من قوة هذه الفرضية ما ترتب على الهجمة الدبلوماسية الاخيرة على قطر من انتقال تركيا من حالة حيادها الدائم فيما يتعلق بالقضايا التي تدخل في صميم العلاقات الخليجية الإيرانية لتنضم إلى المحور الإيراني القطري المنضوي في النهاية تحت لواء الحليف الروسي وفي المقابل نجد أن باقي الدول الخليجية ومصر من جانبهما ستقف على الجانب الأخر كمحور خليجي عربي تجره القاطرة الأمريكية لنكون أمام محورين علي طرفي نقيض.[4]

ترامب وصعود مؤشر المواجهة:

        احتمالية حدوث مواجهة مباشرة بين طرفي الصراع قد تعمقت بصورة كبيرة فاقت معها حدود ما هو متوقع منذ أن وصل ترامب إلى سدة الحكم وقبض علي زمام الأمور في البيت الأبيض،ويمكن أن نقف على حقيقة تصاعد مؤشر الخطر المتداعي من زيادة إحتمالية المواجهة المباشرة في الدعم الأمريكي للحلفاء الخليجيين التقليديين علي نحو ما قد سلف وحدث في قمة الرياض المنصرمة مايو الماضي، وقد تموضع  ذلك في جملة الصفقات المبرمة بين الطرفين لتزويد الحليف الخليجي بالعتاد الحربي الذي من المحتمل أن يٌرجح كفتهم في حالة نشوب نزاع مسلح أو هكذا يتصورون ،ناهيك عن الهجوم  السياسي الأمريكي الذى طال طهران وصورها على أنها محور الشر في العالم والداعم الأكبر للارهاب.[5]

سيناريوهات محتملة :

الأجواء التي تخيم على المنطقة ضبابية والرؤية متعذرة إلى أبعد حد مما يستحيل معه استشراف ما يحمله المستقبل من تداعيات بشأن ما ستكون عليه المنطقة في المستقبل القريب،وإن كان مرجح أن يتخذ الصراع أحد السيناريوهات الاتية:[6]

  • السيناريو الخطي الاتجاهي: يتمثل هذا السيناريو في بقاء الأوضاع علي حالها متأرجحة بين الشد والجذب دونما أدني احتمال لتصعيد الأزمة الى مستوي المواجهة المسلحة أو أن يكون هناك إمكانية عملية لحلها والوصول بها إلى بر الأمان عبر سلسلة تفاهمات خليجية إيرانية مشتركة تخفض من وتيرتها المتسارعة ،وتستند هذه الفرضية إلى كون طرفي الصراع أكثر رشداً وعقلانية فى التعامل مع الصراع الدائر بينهما لإدراكهما عواقب حدوث مواجهة مباشرة لن يكون هناك رابح فيها وذلك من منطلق وقوف أطراف دولية نووية كبرى- روسيا والولايات المتحدة الأمريكية- خلفهما كحلفاء لطرفي الصراع وهو ما يحقق عامل الردع النووي المشترك.
  • السيناريو الإصلاحي التفاؤلي: يتمثل هذا السيناريو في إمكانية حسم هذه الأزمة والوصول بها الى منعطف جديد يجعل من إمكانية حلها أمر ممكن،وذلك عبر سلسلة تفاهمات مشتركة بين طرفي الصراع تراعي مصالح كل طرف وتطلعاته وطموحاته وتأخذ في حسبانها ما ينطوي عليه الصراع الدائر من مخاطر وتحديات في مجملها خطيرة علي أوضاعهم كدول. وهذا السيناريو قد يتحقق في حالة تخلي الحليف الروسي عن إيران بناء علي تطورات قد تحدث في العلاقات الأمريكية الروسية مع تولي الرئيس ترامب -وهو ما يرجحه البعض- وقد تجد تلك التطورات جذورها في مصالح أمريكية روسية مشتركة common interests وتقارب قد يكون ممكن في العديد من القضايا ومن بينها القضية الإيرانية الخليجية وهو ما يدفع في نهاية المطاف بايران الى سلك مسلك سلمي غير الذي تسلكه عبر وسيلة التفاوض وغيرها من الوسائل السليمة .
  • السيناريو الراديكالي التشاؤمي: يتمثل هذا السيناريو في أن إندلاع المواجهة العسكرية بين طرفي الصراع أمر من الواقعية بمكان،وما يعمق من قوة هذة الفرضية كون الطرفين تجمعهم مصالح متعارضة conflicting interestes تختلف وتبتعد أكثر مما تتفق وتتلاقى وذلك على النحو الذى سبق وأن بيناه مسبقاً.

وأخيراً فإنه من الصعوبة بمكان ترجيح كفة أي من السيناريوهات سالفة البيان لاعتبارات عدة تتعلق بطبيعة الظاهرة الاجتماعية نفسها بطبيعتها المتقلبة باستمرار فضلا عن الضبابية التي تخيم علي أجواء الصراع وإن كنا نميل إلى السيناريو الراديكالي التشاؤمي لتماشيه مع ما يجري على الساحة من أحداث.

[1] http://ncmes.org/ar/events/169

[2] اسماعيل صبري مقلد ،العلاقات السياسية الدولية النظرية والواقع ،(القاهرة،المكتبة الاكاديمية،2011)ط1 ص37

[3]  اسماعيل صبري مقلد ،مرجع سابق ،ص14

[4] www.skynewsarabia.com/web/article/957849

[5] https://arabic.cnn.com/middle-east/2017/05/21/riyadh-declaration-2017-full-text

[6] ساحلي مبروك،مناهج وتقنيات الدراسات المستقبلية(جامعة ام البواقي ،الجزائر)ص1

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق