fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

محمد بن زايد والمعضلة الجزائرية

بقلم : د.  فريد بغداد  – كاتب جزائري

فريد بغداد
  • المركز الديمقراطي العربي

 

إتهم المشير خليفة حفتر الجزائر باستغلالها للأوضاع الأمنية في ليبيا و اجتياز جنودها للحدود الغربية الليبية فتوعدها بنقل الحرب إليها ، و بالإضافة إلى كون حفتر يريد أن يوصل رسالة إلى طرابلس عبر مخاطبته للجزائر على طريقة ” إياك أعني ياجارة ” ؛  مفادها أنه باستطاعته الوصول إليها بما يعني ضمنيا تمدّده في الغرب اللّيبي ، فإنّ كلام حفتر له دلالات  أخرى لا تقف عند ظاهر الكلمات و الحروف .

فليس من مصلحة حفتر أن يدخل في حرب مع الجزائر و هو غارق في مآزق داخل المنطقة الشرقية التي يزعم سيطرته عليها ، و قد ثبت فشله في السيطرة حتى على بنغازي فأنّى له أن يطال الغرب المتاخم للجزائر ؟ و يبدو أن حفتر لم يكن يتكلم منطلقا من إرادته الذاتية ، فمن يا ترى  له مصلحة تجعله يستفز الجزائر بغرض تحوير مواقفها باتجاهه و إقحامها في الأزمة اللّيبية و ما الذي سيجنيه من وراء هذا الاستفزاز ؟

من له مصلحة في استفزاز الجزائر ؟

إن البحث في خريطة تحالفات حفتر في المنطقة يساعد على معرفة من تكلم حفتر بلسانه و بمكنوناته ، و لن تعدو إحدى دولتين إمّا فرنسا أو الإمارات أو ربما كلاهما معا ، و معرفة المصلحة الكامنة وراء استفزاز  حفتر للجزائر يساعد في معرفة صاحب المصلحة .

قد يكون ما صرّح به حفتر زلّة لسان سببها استرساله في حديث أدّى إلى انفعاله الأمر الذي حدا به إلى البوح بمكنوناته و بالتالي فهذا ناجم عن لا شعور يوضح كمّ ضغط صاحب المصلحة لافتعال شيء ما و استفزاز الجزائر ، أو أنّ ذلك مقصود بدافعٍ و بإيعاز مباشر من المستفيد من جرّ الجزائر نحو تبني مواقف معينة تخدم قضاياه ، و في كلا الحالتين يظهر الدّور الخارجي في تحريك حفتر بغية التأثير على سلوك الجزائر .

إنّ البحث عن المصلحة في ذلك يحيلنا إلى ما سيجلبه استفزاز الجزائر و يجعل منها طرفا في النزاع اللّيبي و يجردها من دور الوسيط في رأب الصدع بين الفرقاء الليبيين و بالتالي استقرار ليبيا ، هذا الاستقرار و بعد ما ثبت تقهقر قوات حفتر و انكماشها إلى منطقة الشرق ، و عدم امتلاكه لشرعية دولية في مقابل تزايد الاعتراف الدولي بحكومة طرابلس و تعامل أغلب القوى الدولية و الإقليمية معها ككيان شرعي يمثل دولة ليبيا ؛ ليس في صالح فرنسا إجهاضه فهي لا يهمها من يحكم ليبيا في مرحلة ما بعد الحرب طالما أن مصالحها الجيواستراتيجية داخلها مصانة و مضمونة .

غير أنه بالنسبة للإمارات فإنّ أي استقرار يجلب الإسلاميين إلى سدّة الحكم أو في أقل تقدير يجعل منهم شريكا قويا في السّلطة أو طرفا فيها هو في غير صالحهم و لا يتفق مع أجندتهم في ليبيا و حتى في المنطقة برمتها ، و هم ما تحركوا منذ البداية إلا من أجل هندسة الخريطة السياسية لليبيا ما بعد القذافي و رموا بكل ثقلهم في أتون الصراع الليبي كطرف في الأزمة يُظهِر عداءا صارخا للقوى التغييرية و الثورية في ليبيا و على رأسهم الإسلاميون .

الخلافات الجزائرية الإماراتية:

و إذا كانت علاقة الجزائر بالإمارات قائمة في بعدها السياسي على التعاون داخل جامعة الدول العربية بحكم الأخوة  والجوار الإقليمي العربي على ضوء من مبدئها في عدم التدخل في شؤون الغير و حرصها الشديد على عدم الزج بجيشها خارج حدودها الإقليمية ، و في شقها الإقتصادي تستند إلى تحقيق المصلحة المشتركة في إطار ” الكلّ رابح ” ؛ فإنّ النزعة التدخلية لدولة الإمارات العربية بغرض فرض واقع يتلاءم مع تحقيق أهدافها الإستراتيجية في منطقة المغرب العربي تكشف أن استثماراتها في الجزائر ليست ذات طبيعة اقتصادية محضة ، بقدر ما هي أداة لتحقيق تلك الأهداف .

لم يكن هنالك ما يعكر صفو العلاقات الجزائرية-الإماراتية ، فعلاقة بوتفليقة الشخصية بشيوخ الإمارات التي نسجها و وطّدها أيام كان في منفاه الإختياري عقب وفاة الراحل هواري بومدين متنقلا بين دول الخليج ساهمت في تعزيز أواصر العلاقة الإماراتية مع اعتلائه الحكم سنة 1999 ؛ حينها بدأت الإستثمارات الإماراتية تتدفق على الجزائر .

مع بداية ثورات الربيع العربي التي تفجّر جانب كبير منها على طول الحدود الشرقية للجزائر و مسّ نظامين سياسيين ، تبيّن العداء الذي تكنّه الإمارات لفلسفة هذه الثورات و وقوفها ضد مخرجات المسار السياسي الذي أعقبها باستعمال جميع الوسائل المعلنة و الخفية منها على حد سواء ، هنا بدأت زاوية الخلاف في وجهات النظر بين البلدين حيال هذه الأزمات تأخذ شكل الخط المستقيم و تحيل إلى تناقض تام في مقاربات كلا الطرفين في التعاطي مع الأحداث ، ففي الحين الذي نأت الجزائر بنفسها عمّا يدور خلف حدودها ، تدخلت الإمارات من على بعد آلاف الأميال ، و لم يقف سلوكها عند هذا الحد بل سعت لوضع الجزائر على سكتها و إرغامها على تبني مواقفها .

و أهم محطات المسار التي خالفت فيه الجزائر مواقف الإمارات كان في امتناعها عن اعتبار جماعة الإخوان المسلمين و حركة حماس الفلسطينية و حزب الله اللبنانية تنظيمات إرهابية ، و مع صدور بيان رسمي تدعو فيه الجزائر أطراف النزاع في الأزمة الخليجية إلى ضرورة ضبط النّفس و حل الخلافات البينية على أساس من عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول بدا امتعاض دول الحصار و من بينها الإمارات واضحا ، ففي الوقت الذي كانت تنتظر من الجزائر موقفا متطابقا مع العديد من الدول التي أعلنت مقاطعتها لقطر جاء الموقف الجزائري محايدا لا يصطف مع أحد و يدعو للحوار و التهدئة و ضرورة عودة العلاقات لسابق عهدها ، و هو ما قرأته دول الحصار على أنّه انحياز للموقف القطري الرافض لقطع العلاقات .

كما أنّ رفض الجزائر للدخول في التحالف الإماراتي-السعودي في اليمن و تمتين الجزائر لعلاقاتها الوثيقة أصلا مع إيران من خلال زيارة جواد ظريف للجزائر نهاية العام الماضي ؛ جعل الإماراتيين يعتبرون ذلك في غير صالحهم و مسعًى جزائريا معارضا لمنهجيتهم المندفعة في التعامل مع الأحداث داخل البلدان العربية و الدّول الإقليمية .

و قد بلغ الخلاف الإماراتي-الجزائري مداه حينما أسهمت معلومات استخباراتية مصدرها جهاز الاستعلامات الجزائري بالتنسيق مع المخابرات الفرنسية و الألمانية في كشف تورط الإمارات في محاولة انقلابية في تونس بعد فضح لقاءات سرية لجهات إماراتية مع وزير الداخلية التونسي كانت الإمارات تخطط لإسقاط نظام السبسي بتواطئه معها ، غير أن إجهاض الجزائر لهذا المخطط أدى إلى إقالة الوزير التونسي ، و امتعاض أبوظبي من سلوك الجزائر .

ما يريده بن زايد من الجزائر:

الخلاف الحادّ  الذي يصل حدّ التناقض و الذي يحبط مشاريع الإمارات في المنطقة ، و التي يجب لها أن تمرّ عبر بوابة الجزائر ؛ و يؤجل حلمها في التخلص من إسلاميي المغرب العربي إلى الأبد و في أحيان كثيرة يكون وراء اندفاعها لتوريط الجزائر في أزمات تقع على حدودها المباشرة ، لم تزل الجزائر مصرّة على النأي بنفسها عنها ، و تريد الإمارات من خلال هذا التوريط إضعاف الجزائر و من ثمّ إجبارها على الرضوخ لمطالبها في تجريم الإخوان و التضييق على الإسلاميين و إقصائهم من الساحة السياسية فضلا عن توقف الجزائر عن مدّ تونس و حكومة طرابلس مستقبلا بمعلومات استخبارية تتعلق بما تحيكه ضدهما من مؤامرات تستهدف هندسة المشهد السياسي بما يخدم مصالحها في المنطقة و تلك التي لها انعكاسات على نشاط الإسلام السياسي في المشرق العربي خصوصا في مصر .

و على الرغم من إحباط الجزائر لمساعي و أهداف بن زايد في المنطقة في العديد من المواقف و المرّات  ، غير أنّه يبدو أن ذلك لن يثني من عزمه على تعديل المشهد المغاربي بما يتفق مع استراتيجيته في إزاحة الإسلاميين من الخريطة السياسية لدول المغرب العربي ، فالإمارات قد ألقت بقضها و قضيضها في المنطقة العربية لاستئصال شأفة الإسلاميين و من المستبعد جدا أن تتراجع عن تنفيذ هذه الخطة قيد أنملة .

أمّا عن وسائله في المرحلة القادمة فمن الواضح أنّها ستكون مليئة بالمؤامرات الداخلية ، و في الجزائر يبدو أن بن زايد استنفد جميع أوراقه الترغيبية و الاستفزازية مع النظام الحالي ، فهل سيلجأ إلى استعمال تكتيك جديد أكثر جرأة قائم على التدخل في توجيه المشهد السياسي الجزائري بما يفرز رئيسا جديدا يؤيده و ينفذ مخططاته خصوصا و نحن على مقربة من رئاسيات أبريل 2019  و غير بعيدين عن إحباط المحاولة الإنقلابية التونسية ، و لا يخفى على أحد الدّور الإماراتي في اعتلاء ترامب لرئاسة الولايات المتحدة و من قبلها إنقلاب السيسي و المحاولة الإنقلابية الفاشلة في تركيا ، مع بن زايد كل شيء وارد .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق