fbpx
مقالات

إدلب التركية وحلب أيضاً؛ لو اكتفينا بالمراقبة

بقلم الباحث السياسي: سيهانوك ديبو

  • المركز الديمقراطي العربي

 

التزاحم في الخطط حيال سوريا. الوثائق التي تعج بخصوصها. الرؤى المتناقضة التي ظهرت مؤخراً؛ بشكل خاص؛ من أنقرة 24 أبريل نيسان المنصرم إلى (قمة) طهران أول جمعة من أيلول الحالي. إلى اجتماع كبار المستشارين لرؤساء ألمانيا وفرنسا وروسيا وتركيا في الرابع عشر من هذا الشهر في استانبول؛ إلى (قمة) سوتشي ما بين بوتين وأردوغان. تُظهر كلها بأنها أمزجة متقلبة على تناقض كبير مع التي أنتجتها أو أوصلت بها إلى مثل هذا الحال البيّن من التناقض. لا علاقة ذلك بديالكتيك هيرقليطس وجدلية هيغل، وبالغلوِّ الذي أحدثه ماركس في الديالكتيك حينما طوّعها بنتيجة الحتمية. تشير كل هذه التقلبات إلى نتيجة مفادها لا شيء مسبق جاهز حيال الأزمة السورية مئة بالمئة. إنما يتم صناعتها في أقنية تهدف المزيد من اجتراحات الممكن لقطب المتيّسر. هذه النتيجة عصيّة فهمها من قبل الموبوئين بنظرية المؤامرة. حتى لو كنا نعيش في قلب المؤامرة. هذه النتيجة تشبه فصل الخريف الذي يمسكنا اليوم ببدايته أو نمسك بداية حلوله. في سوريا وحدها اليوم أكثر من عشرين بلد. لكل بلد أجندته في سوريا. تموضعات كثيرة في تحالفات متغيرة.

والراصد لمشهد سوريا من 18 آذار 2018 وحتى 18 أيلول 2018؛ ليجد بأن تسعة شهور مرت بدأت من احتلال تركيا العسكري لعفرين إلى تهيئة ضم إدلب واحتلالها من قبل تركيا. وإذا ما بقي السوري مكتفياً بالرصد والمراقبة ليجد بعد تسعة شهور أخرى في أقصى حدها كي تكون حلب بالعثمانية أو التركية. لا علاقة ذلك بتحليل أو ما شابه إنما بما تسميه أنقرة بالعمق الاستراتيجي. عمق أنقرة الاستراتيجي يتمثل بإبقاء كل شعوب الشرق الأوسط متخلفة وفي حالة السكون ليتم توجيه سياسات الإبادة والإنكار والإنهاء إليها الواحدة تلو الأخرى. إضافة إلى تهديد غيرها كما حال تهديد أنقرة وسلطانها للشعوب في تركيا وبشكل واضح منذ آب أغسطس 2015 وقت الانتخابات البرلمانية التركية المكررة؛ حينما كانت تركيا وقتها برلمانية أو تشهد بعض حالات في أدنى مستوى لها من البرلمانية. تركيا اليوم كما عموم بلدان الشرق الأوسط سجون على شاكلة دول. سجن على حدود سجن آخر. كما أن تركيا اليوم تشهد البداية الحقيقية لأزمة متكاملة في مختلف جوانبها: السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدبلوماسية التي تتخبط في صفر المستوى بعد أن غنّى أحد العثمانيين الجدد بأن أنقرة مقبلة إلى صفر المشاكل. لكنها بقيت أغنية كأمنية لا أمل في تحقيقها.

أكثر من عشرين دولة موجودة اليوم في سوريا؛ لكل واحدة منها أجندة خاصة بها وخاصة بالجارة التي لها وخاصة بالمحيط الذي تتواجد فيه وخاصة في التحرك المسموح لها من على مستوى العالمية. كل هذه الدول؛ علاوة على الأمم المتحدة المتمثلة بمندوبها الخاص إلى سوريا؛ باركت تفاهم سوتشي ما بين تركيا وروسيا حيال إدلب. إلّا أنه يبقى الهش. هذه المباركة لا علاقة لها لا من قريب ولا من بعيد بحماية شعب إدلب؛ وإنْ كان فإنه في ذيل القائمة، لها كل العلاقة بعدم تصادم الدول على شكل مواجهة مباشرة؛ إذْ أكثرهم غير جاهزون لمثل هذه المواجهة. سيّما دخول سوريا إلى المواجهة ما بين الأصلاء بعد إنهاء غالبية الوكلاء، وحدث ذلك منذ احتلال تركيا لعفرين. لها العلاقة بمباركة أنقرة على كل الجرائم التي ارتكبتها والمسؤولة عن ارتكابها عن طريق جماعاتها الإرهابية، لا بل يبدو هذا التفاهم بمثابة إظهار مكافئة تركيا ومنحها إدلب بما حمل؛ وهذه المرة –لمرة أخرى- بالحفاظ على (المدنيين) في إدلب. وإذا ما كان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد وجه تهمة التحدث باسم الإرهاب لشريكه في الآستانا أردوغان في (قمة) طهران. حينما اقترح تضمين الهدنة ووقف اطلاق النار؛ فإن كليهما مررا فحوى ذلك وأكثر من ذلك؛ حينما ثبّتا منطقة منزوعة السلاح تبدء في منتصف اكتوبر تشرين الأول المقبل التي تتضمن بدورها بداية وقف اطلاق النار والهدنة سوياً! واعطاء أردوغان الوقت الذي كان يبحث عنه ليس من أجل اقناع النصرة الإرهابية بحل نفسها إنما بهدف نقل المستعصي من الإرهابيين في مواجهة ووحدات حماية الشعب والمرأة في الشهباء أو لاحقاً إلى كوباني والجزيرة، أما الطيّعين من الإرهابيين فيتم دمجهم فيما تسميه أنقرة بجيش التحرير الوطني السوري؛ الكذبة الكبرى في تاريخ الأزمة السورية. علماً بأن مثل هذا الدمج لن يكون بالمشهود له للمرة الأولى إنما بالمعمول به منذ هجوم النصرة الإرهابية على سريي كانيي/ رأس العين في تشرين الثاني 2012. وبشكل فاضح في احتلال تركيا لجرابلس  حوالي المئة دقيقة في 24 آب 2016 وتتالياً في احتلال الباب واعزاز. أما في احتلال عفرين فكان مثل هذا الدمج على أشده. دمج ما أمكن دمجه من المرتزقة.

  عشرة ملاحظات على (تفاهم) إدلب في سوتشي؛ ونتيجة 

1- يبدأ نص التفاهم المزمع بعبارة غير صحيحة البتة. بمفاد أن روسيا وتركيا وبوصفهما راعيين لوقف إطلاق النار في سوريا… إلى نهاية الجملة. حبذا لو يتم ذكر منطقة واحدة أو حي واحد حدث فيه وقف إطلاق النار من (غربي الفرات) برعاية الثنائي.

2- الذي خرج من سوتشي جاء بعيداً عن طموحات ثلاثي الآستانا إنْ بشكل منفرد أو مجتمعين حيال المعلن عنه بخصوص إدلب. لكن بالرغم من أنه يمكن توصيف التفاهم بإبقاء الحال كما عليه فإنه من الصعب أن يجد المتفق عليه طريقاً إلى الترجمة الفعلية. على الأقل بحلول الشهر تقريباً. ولعله منذ الآن تتحضر البدائل. التي إنْ تكن فإنها لن تستطع أن تكون بالمنفردة في ظل الأفعال وردود الأفعال الدولية الإقليمية التي ظهرت إبان دق طبول معركة إدلب من قبل ضامني الآستانا منذ أكثر من شهر.

3- كسبت أنقرة من الجميع وقتاً يقدر بثلاث أسابيع كي تحرّك جماعاتها المسلحة من رقعة إلى أخرى داخل سوريا، أي إطالة الأزمة السورية. لتظهر أنقرة مرة أخرى بأنها المسؤولة الكبيرة عن الأزمة السورية ودخولها من مرحلة إلى مرحلة. لكن إدلب بدون أنقرة؛ يعني بدون وصاية على من تسميهم أنقرة بالمعارضة المعتدلة؛ فإن ذلك يعني بأنها فقط تبقى بالمحتلة لبضع مناطق سوريّة. في مقدمتها عفرين.

4- منْ (حركة سوتشي) أو في التفاهم الذي أُعلن عنه فقد تم شطب معركة إدلب أو تأجليها قسرياً على العكس من رغبة موسكو التي قررت عن دمشق، وكذلك أنقرة التي قررت وتقرر عوضاً عن تنظيم جبهة النصرة وكافة الجماعات المسلحة التي تحرص أن لا تنتهي.

5- الحديث عن منطقة منزوعة السلاح بالذي خرج عن سوتشي قبل يومين يبقى مجرد سيناريو من ضمن المتبقي القليل من السيناريوهات التركية الهادفة إلى منح جيشها شرعية احتلاله لمناطق سوريّة وبالتالي إفشال مشروع الحل الديموقراطي الّذي تمثله الإدارة الذاتية في شمالي وشرقي سوريا، وبالتالي، تعميق الأزمة السورية أكثر.

6- عدم ظهور طهران من سوتشي الأخير له تفسير متعلق بعدم ظهورها غير المرغوب فيه والذي تحرص واشنطن؛ معها كتلة كبيرة دولية وإقليمية أن تكون كذا، وفي الوقت نفسه يبدو أن حرص طهران بالبحث عن ظهور أكثر توازناً سيّما أنها حسمت أمرها بأن تبقى في سوريا؛ هي والكتائب المرتبطة بها. حتى اللقاء المرجح ما بين طهران وواشنطن في فترة لاحقة.

7- التفاهم المزمع في سوتشي له العلاقة أيضاً بأن الآستانا لن تصلح أن تكون بالمغرد خارج سرب جنيف. بالأساس جنيف حتى اللحظة لم تلد بالمخرجات التي تلامس حل الأزمة السورية. في عقد ثماني جنيفات وفي ظلّ القرارات التي صدرت عنها والمواقف وعشرات التصاريح  حدث أقسى أنواع العنف ضد شعب سوريا. فكيف إذا ما أدركنا بأن الاىستانا لم تكن لها العلاقة –سوى بالجغرافية الجبرية- بكل سوريا. المرجح هنا بأن يتم دمج أخير للآستانا. بكل الأحوال انتهى وأنهت معها كل شكل من أشكال المعارضات التي عوّلت عليه.

8- موسكو أيضاً متأزمة، وليست فقط أنقرة. وإن كانت الأخيرة بشكل مضاعف، وبأن تأثير أنقرة أقل بكثير من تأثيرات موسكو في ساحات متعددة. لكن موسكو رأت في (تكويعة) سوتشي وبشكل خاص بعد أن رأت حظوظ الآستانا/ لجنة الدستور من سوتشي قد انخفضت إلى أدنى درجة، وبعد أن رغبت تتويج الحسومات العسكرية -بعد السماح لتركيا باحتلال طارئ لعفرين- بنصر سياسي في إدلب؛ استعصى ذلك عليها. ورأت بأن العودة إلى جنيف والنظر بعينين منفتحتين إلى ورقة المجموعة المصغرة بات بالأمر المفروض عليها. حتى يتم ترويض أنقرة.

9- مشكلة إدلب. لا بل قضية إدلب. مثل قضية احتلال عفرين. وتكوّم الآلاف من عناصر التنظيمات الإرهابية فيها منذ فترات متسلسلة، تم إضافة أضعافاً عليها تم نقلهم من مختلف المناطق السورية تحت يافطة (المصالحة). ما كان ليصير لو لم تشترك في هذا التكويم موسكو وأنقرة وطهران. أي أن عقدة المنشار المتعلقة بالجانب المدني والحفاظ على حياة شعب إدلب يعود بالأساس إلى توريد الخطر بشكل متدرج ليصل اليوم إلى درجة عالية من الخطورة. وبالتالي فإن الحفاظ على حياة المدنيين لن يكون فقط أمام احتمالية مؤكدة لنزوحهم إلى تركيا؛ مع العلم بأن ذلك هو الأسهل للمدنيين لكنه الأخطر عليهم وعلى الإتجار بهم من قبل أنقرة وتعرضهم كمادة ابتزاز على كامل أوربا. لذا فإن المناطق المسؤولة عن أمنها قوات سوريا الديمقراطية هي الأفضل في ذلك لشعبنا في إدلب ولعموم النازحين السوريين إلى تركيا. وهنا يجب أن تقوم الأمم المتحدة –أوربا المتضررة بشكل خاص- بالتنسيق والعمل مع إدارة شمال وشرقي سوريا في هذا الجانب الإنساني إن كان بالأساس يهمها هذا الجانب. هذا الجانب الذي لم يلاحظه أحد حينما تعرض مليون سوري نصفهم من سكان عفرين الأصليين والآخر من النازحين السوريين إلى أقصى وأقسى درجة عنف وخطر عشية احتلال تركيا ومرتزقتها لعفرين. وحتى اللحظة.

10-  مرتبط بالذي يسبقه. أنقرة تود بشكل فاضح. أن تعيد سيناريو سلخ لواء اسكندرون. خلق حالة أمر واقع، ووصاية لا مفر منها. وأخيراً اجراء استفتاء بهدف الضم والسلخ وتشريع الاحتلال. وأن أنقرة رأت في تفاهم سوتشي نافذة لمثل هكذا تهيئة. من المفترض أن يكون للسوري رأي في ذلك. إنها قضية سيادة. يجب على السوريين أياً كان انتمائهم أن يوجهوا سهام التشكيك إلى مصدر الخطر أي إلى أنقرة بدلاً من التهمة التي تود تركيا –بشكل خاص- أن تمررها على الكثيرين بأن الكرد إما إرهابيين أو انفصاليين. يجب وضع حد لهذه المهزلة اللا أخلاقية قبل كل شيء. وأن خلاص الشعوب تتحدد بداية ونهاية وفق خياراتهم الديمقراطية. واليوم تبدو مصانة بشكل كبير وفق مفهوم الأمة الديمقراطية. اختراع كردي ناجم عن حجم مأساتهم التاريخية الآنية. وأنهم شعب أسوة بجميع شعوب المنطقة والعالم. لهم الحق في تقرير مصيرهم وفق تفسيره الديمقراطي.

– ملاحظة تصلح أن تكون نتيجة: معركة الانعطاف نحو الحل السوري تبدأ في عفرين وليس في إدلب. كم مرة على السوري أن يعلم. وعلى بلدان الإقليم. والعالم المهتم بأمر سوريا وأمرها. بأنه من عفرين تنقسم سوريا أو تحل أزمتها. وأن تركيا لن تقف مكتوفة الأيدي مجرد توقيع تفاهم سوتشي المزمع إنما ستكبر قفزاتها مرة أخرى ويجب أن لا نتفاجئ حينما نرى حشود الإرهاب وجيش السلطان على تخوم كوباني وتل أبيض والجزيرة. التهديد بهدف التمرير. لكن يجب التأكيد مرة أخرى: بأن تركيا الضعيفة. اختار حاكمها الاستبدادي أن تكون الضعيفة من بعد أظهرها بالدولة المارقة. ليس لها الحظوظ سوى التقعر والتكوم حول مشاكلها الداخلية التي لن تنتهي.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق