الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

 جذور الازمة في الثورة الفلسطينية

بقلم : د. محمد خليل مصلح – المركز الديمقراطي العربي

لم تكن ازمة الثورة بداية مع اتفاقية اوسلو؛ جذور الازمة ابعد من ذلك التاريخ والحدث؛ حيث لا نتجنى ان قلنا انها من البدايات في طبيعة الفكر السياسي للثورة الفلسطينية؛ انطلقت وعبنها على العدو ان يقبل بالحق الفلسطيني ويعترف بالهوية الفلسطينية مقابل الاعتراف الفلسطيني بالوجود الاسرائيلي؛ ما يفسر الرفض المطلق من الكيان الاسرائيلي وقياداته التاريخية الاعتراف بالوجود السياسي الفلسطيني وهذا يعكس رفض استجابة مانحيم بيغن في محادثات كامب ديفيد مع السادات الرفض القوي للحديث عن دولة وحقوق فلسطينية و لم يتزحزح عن فكرة الحكم الذاتي بالتفسير الاسرائيلي الادارة المدنية دون حق تقريرالمصير، ورفض غولدا مائير الاعتراف الفلسطينيين كشعب ورفض استخدام كلمة فلسطيني في احاديثها ومن قبلها بن غوريون اذ كانو يرون في فلسطين كلها ملك لهم وان قرار الامم المتحدة 194 لن يحول دون فرض السيطرة على باقي الارض وخاصة العاصمة القدس وترسيم الحدود التاريخية بحسب الفكر التوراتي والرواية التوراتية.

امام هذا الواقع في الفكر السياسي الفلسطيني الذي يبحث عن الهوية؛ حيث لجأت الثورة الفلسطينية الى الكفاح المسلح لتحقيق الهوية وتثبيتها، وانتزاعها بالقوة من العالم والكيان الاسرائيلي؛ اذ يعتبر الفضل للبدايات بكل ما فيها وما عليها؛ هي من انتزعت الاعتراف بالهوية الفلسطينية؛ بالطبع لم يكن الخلل فقط في الفكر السياسي الفلسطيني بل كان في ميزان القوى الاستراتيجي الاقليمي والدولي في المنطقة؛ كانت الثورة تقريبا شبه عارية طول الفترة، وهي تظن انها ترتكز على دعم عربي قومي فترة الستينات وبداية السبعينات؛ الى ان حدثت الصدمة بحرب ايلول1970 و التي اصابت الروح المعنوية و نظرية العمق والدعم العربي وجسم الثورة الفلسطينية؛ فكشفت عجز النظام الثوري العربي للدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية ان لم يكن التواطؤ والتآمر عليها؛ بالخروج من الاردن الى لبنان، والصدمة الكبرى المصيرية في حرب بيروت وانكشاف عورات النظام العربي وخنوعه للامريكان والكيان الاسرائيلي؛ في حرب قادها شارون كوزير حرب العدو حتى وصل الى مشارف بيروت العاصمة، وفرض الحصارعلى الثورة، و الخروج بدون سلاح ثقيل الى انحاء متفرقة من الوطن العربي، ومن ثم دخلت الثورة الفلسطينية في ازمة بمعنى الكلمة؛ تفكك المنظومة السياسية والعسكرية والجمود السياسي، ولم تخرج الثورة والقيادة الفلسطينية من صدمتها ولا حالة الاحباط الا بانفجار الاحداث داخل فلسطين غزة بالخصوص وانتقالها الى الضفة، وانطلاق ما اطلق عليها انتفاضة الحجارة الاولى 1987 حيث شكلت المخرج السياسي المصيري لمنظمة التحرير الفلسطينية، و الراحل ياسر عرفات، وعادت لتبحث عن اوراق القوة فيها وللعودة الى المسرح السياسي والاقليمي والدولي.

البحث عن الحلول السياسية:

بعد بيروت كان التحرك واضحا جدا في اتجاه القبول بالمبادرات السياسية وعلى سبيل المثال مبادرة الرئيس الامريكي رونالد ريغان ؛ حيث كان موقف ابو عمار بعدم الرفض او القبول وكان الموقف العربي لا يرفض هذه المبادرة بالتفصيل؛ لكن اكيان الاسرائيلي اعتبر القبول بها من اي اسرائيلي خيانة، وفي توديع شارون وزير الجيش الاسرائيلي لنظيرة وزير الدفاع الامريكي في 3/9/1982 “انه قد حان الوقت لبدء مفاوضاتمع جيراننا على اساس تفاقيات كامب ديفيد .. واضاف ان اسرائيل تتوقع ان تعامل بانصاف خاصة من قبل اصدقائها .. وان كل تدخل من الخارج وكل محاولة لفرض حل يجب اعتبارها على انها خطأ فادح”؛ اما شامير وزير الخارجية اكد” ان ذلك ليس مشروعا للسلام بل مجرد افكار ترفضها اسرائيلمطلقا لانها تعرض كياها وامنها للخطر”.

ولقد جاء على اثرة المشروع العربي للسلام الذي عقد في مدينة فاس بالمغرب، وكان قائم على الانسحاب من جميع الاراضي العربية المحتلةالتي احتلت عام 1967 بما فيها مدينة القدس؛ لكن تم رفضه من قبل الكيان الاسرائيلي.

لا شك ان العرب ومنظمة التحرير كانت تبحث عن مخرج لازمتها السياسية البنيوية خاصة الانظمة الوطنية المدعومة من الاتحاد السوفيتي، وهذا ما مايز تلك المرحلة تراجع الكفاح المسلح وبلورة المشاريع من جميع الاطراف، والتي لم يتعاطى معها الكيان الاسرائيلي للعودة الى حدود 1967 او الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، وهذا الطعم الذي ضيق كل الخيارات امام منظمة التحرير والعرب حتى قبل الفلسطينوين بالوفد المشترك والعمل في اطار الوفد الاردني للسلام، وكانت الجائزة الكبرى والمصيبة في نفس الوقت الاعتراف بالوجود اليهودي والدولة الاسرائيلية مقابل الاعتراف بالمنظمة ممثل شرعي للفلسطينيين، وتأجيل الاعتراف بالدولة الفلسطينية، والوجود والقضايا الجوهرية للمفاوضات.

اوسلو الخديعة والسقوط:

مسار اوسلو والقبول به من قبل قيادة منظمة التحرير استعجال لثمرة الانتفاضة الاولى تحت الخوف وفزاعة انها البديل بقياداتها الجديدة الوطنية والاسلامية عن القيادة التاريخية ومنظمة التحرير الفلسطينية؛ اندفع المرحوم ياسر عرفات بكل قوة لتوظيف الانتفاضة الاولى لصالح منظمة التحرير في مسار التفاوض والتنازل والاعتراف بالكيان الاسرائيلي مقابل عودة لمنظمة التحرير فيما سمى غزة اريحا اولا؛ هذا النفق الذي لم نخرج منه حتى الان.

بعد خمسة وعشرين عاما لم تخرج الدولة الفلسطينية الى النور، فشلنا على الصعيد الوطني؛ لم يعد هناك نظام سياسي جامع وواضح بل ازداد التشرذم بغياب معالم المشروع الوطنيالفلسطيني، و تلاشت قوة منظمة التحرير لصالح السلطة الفلسطينية المولود المشوه ومعالم الانقسام السياسي والجغرافي يتشكل اليوم في اطار الصراع على من يقود المرحلة السياسية، ورفض فريق اوسلو الاعتراف بفشل مشروعهم والقبول بالتراجع واتاحة الفرصة لاعادة صياغة المشروع الوطني وهندسته بروح وطنية وصياغة جماعية تستوعب المتغيرات السياسية والفكرية الداخلية والاقليمية؛ بمفهوم ثوري كفاحي ومقاومة بكل الوسائل دون اسقاط اي شكل منها او تجريمه كما يقوم به فريق اوسلو اليوم بتجريم الكفاح المسلح وادانته امام العالم ومكافحته داخليا في اطار التنسيق الامني مع الكيان الاسرائيلي المحتل بالرغم من عدم وفائه بالاتفاقية وعدم الالتزام بتعهداته.

الخلاصة:

جذور الازمة مستفحلة لكنها ليست مستعصية على الحل لكنه يحتاج الى الوقت بشرط الاعتراف به من قبل المركبات السياسية الفلسطينية؛ فهي ليس قدر واوسلو ليست قدرنا؛ لذلك واجبنا الوطني ان نفكر الان ماذا بعد اوسلو وفشل الحلول المطروحة عبر التفاوض مع الاحتلال وان ازمة المسار السياسي وازمة النهج الكفاحي المسلح في ظل البيئة الاقليمية المعادية والتي تصطف مصالحها مع الولايات المتحدة والكيان الاسرائيلي الذي يتمتع بعلاقات وقبول وعدم ممانعه لدمجه في منظومة الامن القومي في المنطقة لمواجهة لمواجهة ما يعتبره العرب العدو المركزي بالتماهي مع الكيان الاسرائيلي ايران والحركة الاسلامية والمقاومة بغض النظر عن الثمن الذي يفعونه بالتازل عن القضية الفلسطينية.

ويزاد الامر وضوحا ان بناء التوازن الاستراتيجي من قبل النظام العربي الحالي مستحيل، وايضا لا يشكل اولوية او ذات اعتبار في وجود التحالف مع الكيان الاسرائيلي، واذا فكر العرب بالتوازن، فلن يكون ضد الكيان الاسرائيل المحتل.

لذلك خيارات الفلسطينيين محدود وهي تتمثل في اعادة بناء المشروع الوطني في اطار الشراكة والتوافق الوطني الجماعي وتجاوز مرحلة اوسلو او العمل على اسقاطها نهائيا مع رموزها وما ترتب عليها من التزامات للكيان الاسرائيلي الغاصب بمعنى سحب الاعتراف بقرار من المجلس الوطني الفلسطيني بدولة الاحتلال الاسرائيلية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق