الشرق الأوسطعاجل

أنجيلا ميركل في الميزان

اعداد:- م.م أسعد عبد الحسين العكيلي – المركز الديمقراطي العربي

 

أولاً:-بدايات حياتها السياسية

ولدت (أنجيلا دوروثيا ميركل) في العام (1954) في مدينة هامبورغ الألمانية، لأب قس مسيحي، ومن ثم انتقلت للعيش مع عائلتها في أحدى أرياف برلين، إذ تميزت  بالتفوق الدراسي منذ بدايات حياتها، وحصلت على الدكتوراه في الفيزياء من جامعة لايبتزغ(1). وعينت في منصب المتحدث الرسمي لأول حكومة منتخبة في ألمانيا الشرقية برئاسة (لوثر دي مايتيسره) إذ شكلت المحطة الأولى لانطلاق حياتها السياسية ومن ثم بدأت المستشارة الألمانية (انجيلا ميركل) حياتها السياسية في العام (1990)، وتحديداً بعد سقوط جدار برلين في العام (1989)، والإعلان عن أتفاق توحيد الألمانيتين (الشرقية والغربية)، إذ انتخبت في (البوندستاغ Bundstag) عن ولاية (مكلنبورغ فوربومرن ) عن الحزب المسيحي الديمقراطي، وحظيت باهتمام المستشار الألماني آنذاك (هلمنت كول)، إذ اسند أليها وزارة المرأة ومن ثم البيئة في العام (1994)، وقد شكل بروز نجم المستشارة الألمانية (انجيلا ميركل) محطة مهمة في حياة الحزب المسيحي الديمقراطي، لاسيما بعد تزعمها الحزب في عام (2000)، خلفاً للمستشار (هلمنت كول)، فهي أول أمرأة تنتمي في أصولها المذهبية إلى البروتستانت لتتزعم حزب معظم قيادييه وأعضائه من المذهب الكاثوليكي، فضلاً عن ذلك فهي تنحدر من ألمانيا الشرقية لتتزعم حزب يرجع في أصوله إلى ألمانيا الغربية، وبذلك تعد أول أمراة بارزة في الحياة السياسية الألمانية(2).

 

ثانياً:- وصولها إلى السلطة وموقفها من قضايا (اليمين المتطرف، المهاجرين)

شكلت انتخابات عام (2005) في ألمانيا المحطة الأهم في الحياة السياسية (لانجيلا ميركل) كونه أول أمرأة تتبوأ منصب المستشار منذ تأسيس الدولة الوطنية الألمانية عام (1871)، لاسيما بعد الإطاحة بمنافسها (جيرهارد شرودر) زعيم الحزب الديمقراطي الاشتراكي، واندماج حزبي المسيحي والديمقراطي الاشتراكي ليشكلا (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) داخل البرلمان الألماني (البوندستاغ)(3).

بيد أن هذا الصعود بدا منذ الوهلة الأولى لا يمثل نوعاً من الترف السياسي بالنسبة لميركل، لاسيما بعد بروز تحديات جمة ولعل الأزمة المالية العالمية لم تكن الأخيرة في هذا الخصوص، وما رافقها من تصاعد الاحتجاجات من بعض القوى والأحزاب السياسية ذات الإيديولوجيات اليمينية تجاه السياسات المتبعة من قبل حكومة ميركل(4).

إذ أوجدت الأزمة المالية العالمية في عام (2008)، مناخاً مناسباً لولادة نزعة يمينية متطرفة شكلت احتجاجاً واسعاً ضد النظام السياسي الألماني بسبب المساعدات المالية المقدمة لإنقاذ اليونان والبرتغال واسبانيا، وحاولت هذه النزعة التأثير على الانتخابات الألمانية لعام (2009) للإطاحة  بحكومة ميركل، إلا أنها فشلت بسبب ضعف هذه الحركة، فضلاً عن غياب المبررات الموضوعية التي من شأنها أن تحدث تغيراً في مراكز الأحزاب والقوى السياسية(5).

وهكذا بدأت المواقف العدائية بين حكومة ميركل والأحزاب اليمينية تتصاعد مع تقادم الزمن، وهذا ما أتضح جلياً في خطاب زعيم حزب البديل اليميني (كونراد ادم) آبان انعقاد الجلسة التأسيسية للحزب في عام (2013) الذي هاجم المستشارة الألمانية ووصفها بالخيانة للقومية والثقافة الألمانية بسبب تبنيها لسياسة (الباب المفتوح) والتسامح مع المهاجرين، ورد على ميركل قائلاً “إذا ما رأى ممثلو شعبنا أن واجبهم يكمن في الحجر على الشعب، فأن علينا أن نمتلك ما يكفي من الوعي الذاتي للنظر إلى اتهامنا بالشعبوية امتيازاً لنا. وان نذكر العالم بأجمعه بان الديمقراطية في مجموعها ممارسة شعبوية؛ لأنها تعطي الكلمة الأخيرة للشعب، الشعب وليس من يمثله”(6).

وقرر الحزب خوض الانتخابات البرلمانية لعام (2013)، على الرغم من حداثة تأسيسه، وتوج بحصوله على (7,4%) من نتائج الانتخابات، وبذلك فشل في الوصول إلى العتبة الانتخابية التي تمكنه من دخول البوندستاغ(7). أما الانتخابات الإقليمية التي أجريت في العام (2016)، أي بعد مرور ثلاثة أعوام على تأسيس الحزب، إذ بذل الحزب جهوداً مضنية من أجل خوض هذه الانتخابات مستغلاً بذلك الإحداث الأمنية التي شهدتها ألمانيا، لاسيما حادثة الاعتداء التي استهدفت مركز التسوق في مدينة ميونخ في (23 يوليو 2016) والتي راح ضحيتها (9) أشخاص، وجرح (16) آخرين، إذ حمل الحزب بشكل مباشر مسؤولية الاعتداءات هذه إلى المهاجرين غير الشرعيين وحكومة ميركل(8). إذ حصد الحزب على (5,12%) من عموم الانتخابات الإقليمية في ألمانيا، وتعد مقاطعات شرق ألمانيا هي الأكثر تفوقاً في نتائج الحزب، إذ حصل في برلمان مقاطعة (براندنبورغ) على (2,12%)، وفي مقاطعة (تورينغن) على (6,10%)، أما بالنسبة لمقاطعة (سكسونيا والت) فقد حصل على (7,9%) من أصوات الناخبين(9). وقد أخذ الصراع السياسي والانتخابي منحى تصاعدياً، لا يقتصر على أحزاب اليمين المتطرف فحسب، بل لوحظ هناك انقساماً واضحاً بين الاتحاد الحاكم ( الديمقراطي والمسيحي) على خلفية التوتر بين ميركل ووزير داخليتها (هورست سيهوفر) بسبب أزمة المهاجرين، الذي أخذ يهدد بتفكك هذا الاتحاد والذي دام هذا التوتر لأكثر من أسبوعين، قبيل الإعلان عن الاتفاق لفتح ممرات عبور للمهاجرين باتجاه النمسا، ومن المحتمل أن يؤدي هذا الأخير إلى توتر العلاقة المستقبلية بين النمسا وألمانيا(10). ويتضح من كل ما تقدم بأن السياسات المرنة التي انتهجتها ميركل تجاه المهاجرين، كانت سبباً رئيساً لدوامة الصراع مع جميع الأحزاب السياسية الألمانية بما في ذلك بعض قيادات الحزب المسيحي الديمقراطي الذي تتزعمه ميركل، مما جعلها تفكر جدياً بتقديم استقالتها واعتزال الحياة السياسية بعد أكثر من عقد ونيف على استمرارها في السلطة.

ثالثاً: استقالة (أنجيلا ميركل) من السلطة بحلول عام (2021)

كشفت المستشارة الألمانية (انجيلا ميركل) في مؤتمر صحفي في يوم الاثنين (29 أكتوبر/ تشرين الأول 2018)، عن عزمها عدم الترشح لمنصب المستشار لولاية جديدة مع انتهاء ولايتها الحالية بحلول عام (2012)، فضلاً عن تقديم استقالتها عن رئاسة الحزب المسيحي الديمقراطي بانتهاء مدتها في ديسمبر/ كانون الأول(11). وأثناء ذلك أعلنت بعض وسائل الاعلام الالمانية عن توجه الحزب الديمقراطي المسيحي عن ترشيح (فريدريك ميرتس) لزعامة الحزب، ويعد ميرتس من أكثر قيادات الحزب عدائية لميركل، إذ سبق لها أن طردته من الحزب المسيحي، ليشكل إعلان ميركل بداية لعودته إلى الحياة السياسية وعلاوة على ذلك فقد أشارت معظم الكتابات المعنية في الشأن السياسي إلى أن أسباب الاستقالة إلى تراجع التأييد الشعبي لميركل، ولعل أخرها النتائج الانتخابية السلبية في مقاطعة (هيسن)، بيد أن هذا لا يمثل الحقيقة الكاملة، لكون هذه الكتابات ركزت على جانب معين، وأهملت الكثير من الأسباب التي تقف وراء هذا الإعلان، ويمكن الإحاطة ببعض جوانب هذه الأسباب، ومن أهمها:-

  • أخذت الجغرافية الانتخابية لأحزاب اليمين المتطرف بالاتساع في ألمانيا، لاسيما في مقاطعات شرق ألمانيا، مما سببت تأكل في شعبية (أنجيلا ميركل)، بدأت مألاتها منذ الأزمة المالية العالمية في عام (2008).
  • بدأت البرامج الانتخابية للتيارات المعارضة لسياسات حكومة ميركل أكثر شعبوية، في تنديدها بوجود الأجانب (Xenophobia)، من خلال التركيز على المهاجرين غير الشرعيين، في ظل تنامي الثقافات الدخيلة على الرأي العام الألماني من قضايا الاعتداءات الجنسية التي ارتكبها المهاجرين، وتصاعد معدل الاعتداءات الارهابية على المراكز الحيوية، مقابل عجز حكومة ميركل عن أيجاد حلول شاملة وكافية لمعالجة هذا الملف.
  • أتساع المعارضة السياسية لشخصية (أنجيلا ميركل) داخل حزبي المسيحي الديمقراطي، والاشتراكي الديمقراطي، وهذا ما أوجد تقليص في حرية الحركة بالنسبة لميركل، لاسيما بعد المحاولات الأخيرة التي قادها بعض قيادات حزبها.
  • الدور الأساسي والبارز الذي يؤديه الإعلام المعارض لسياسة ميركل، إذ تؤدي الصحف أنتشاراً رائجاً في هذا المجال، والتي يمكن أن يعزى أليها الدور الأكبر في تراجع شعبية ميركل.
  • ويتضح من كل ما تقدم بأن جميع الأسباب السالفة الذكر فرضت طوق من الحصار على ميركل، أدركت من خلالها بضرورة الاستقالة واعتزال الحياة السياسية نهائياً.

قائمة المصادر:-

  • أراجيك، من هي انجيلا ميركل Angela Merkel؟ دراسة منشورة على الرابط الأتي:- http://www.arageek.com
  • مركز الجزيرة نت، ميركل… المرأة المتربعة على عرش المستشارية الألمانية، 17/02/2018 متاح على الرابط الأتي:- aljazeera.net
  • المصدر نفسه.
  • زينب مجدي محمد محمد علي، تأثير الأزمة المالية العالمية على صعود أحزاب اليمين المتطرف في دول الاتحاد الأوربي (2009-2014)، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2016، ص101.
  • أسعد عبد الحسين خنجر، الهجرة غير الشرعية وانعكاساتها على النظم السياسية في أوربا الغربية، رسالة ماجستير، كلية العلوم السياسية، الجامعة المستنصرية، 2018، ص102.
  • يان فيرنر مولر، ما الشعبوية؟، ترجمة: رشيد بوطيب، منتدى العلاقات العربية الدولية، الدوحة، 2017، ص11-12.
  • فارس يواكيم، “اليمين المتطرف في ألمانيا أمس واليوم وغدا”، في مجموعة مؤلفين: اليمين المتطرف في الغرب وقضايا الإسلام، مجلة أواصر، منتدى العلاقات العربية الدولية، العدد الأول، الدوحة، 2017، ص28.
  • جاسم محمد، أجهزة استخبارات أوروبا في مواجهة خلايا داعش (ترهل أجهزة استخبارات أوروبا)، المكتب العربي للمعارف، القاهرة، 2017، ص4-5.
  • فارس يواكيم، المصدر السابق، ص28.
  • العربي الجديد، استقالة وزير الداخلية الألماني على خلفية أزمة الهجرة، دراسة منشورة في 2 يوليو 2018، متاح على الرابط الأتي:-

http://www.alaraby.co.uk

  • عربي بوست، ميركل تودع السلطة.. المستشارة الألمانية تعلن عن موعد تخليها عن منصبها بعد نكسة انتخابية، دراسة منشورة في 29/ 10/، 2018 متاح على الرابط الأتي:- http://arabicpost.net
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق