الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

قضية مصير … ومبادرات الإرث المعقد لمعرفة قضية الصحراء الغربية

بقلم : د شبيلي فاطمة الزهراء – أكاديمية و باحثة – الجزائر

  • المركز الديمقراطي العربي

يمكن العودة إلى أيام إحتلال فرنسا للجزائر 1830 الذي ما لبث أن توسع كثيرا ليضم مناطق مغربية في الجنوب ــــــ بلاد الجريد ـــــ ،و إستمر توسع الجزائر الفرنسية على حساب مناطق عديدة من بينها الصحراء الشرقية و غرب تونس و ليبيا و شمال النيجرو مالي،و تقاسمت فرنسا الصحراء الكبيرة و ما تزخر به من ثروات باطنية مع إسبانيا قبل أ ن تنسحب عن شقها المحتل عام 1962،بينما بقيت إسبانيا تحتل الجزء الخاص بها حتى عام 1975،أين ظهر المشكل !؟

القضية الصحراوية بهذا المعنى هي إرث الإحتلالين الفرنسي و الإسباني اللذين غيرا تركيبة المنطقة ،حيث أصبحت مجالا للصراعات السياسية و الإقليمية بين منظومتي المغرب الملكي و الجزائر الجمهورية و كذلك للصراع بين أقطاب عالميين !!؟

و قد انتزعت جبهة البوليساريو قرارا من المجلس القضائي للاتحاد الأوروبي حرم المغرب وفرنسا من فرصة التسويق لاعتراف أوروبي مبطن بمغربية الصحراء الغربية عبر تعميم اتفاقية الشراكة بين المغرب والاتحاد على أراضي الصحراء الغربية، حيث أكد “أن اتفاق الشراكة للتبادل الحر الموقع سنة 2012 بين الاتحاد الأوروبي والمغرب لا يسري على الصحراء الغربية” بما يعني أن المجلس القضائي لا يعترف بمغربية الصحراء الغربية، ويرى أن المغرب والصحراء الغربية إقليمان مختلفان لا يخضعان لسيادة واحدة.

أصبحت قضية الصحراء قضية إستعمار، 70 دولة معترفة بالصحراء الغربية ،و العديد من المنظمات الدولية و على رأسها الإتحاد الإفريقي ، والملف موجود بين يدي الأمم المتحدة و الجزائر مافتئت تجدد الدعم و التضامن و التعاطف مع الشعب الصحراوي في نضاله من أجل حقه في تقرير مصيره و تسوية النزاع و الإلتزام بالمسار الأممي و لا ننسى هنا تجديد الإتحاد الأوروبي تأكيده على دعم جهود الأمين العام للأمم المتحدة من أجل التوصل إلى حل يسمح بتقرير مصير الشعب الصحراوي و تنظيم إستفتاء و التوصل لحل عادل و دائم و مقبول من طرفي النزاع ــــ المملكة المغربية و جبهة البوليزاريو ـــــــ الممثل الوحيد للشعب الصحراوي في إطار التفاهمات المطابقة للأهداف و المبادئ المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة .

و قد طغت نقطة الخلاف هذه و بقيت سيدة الموقف بين علاقات الجزائر و المغرب البلد الجار و الشقيق و تباينت بشأنها وجهات النظر و الجزائر تطرح مقاربة شاملة تتضمن الحوار المباشر ،لنتفرغ لمهمة أسمى و هي إعادة بعث و إحياء مشروع إتحاد المغرب العربي الكبير الذي تتطلع إليه شعوبنا،رغم إعلان تأسيس هذا الإتحاد سنة89 في الجزائر،لكنه بقي مجردهيكل بدون روح ،تعصف به الخلافات و الإنقسامات بالرغم من كل ما يجمع هذا الإقليم المنسجم لغويا،دينيا و ثقافيا ،لأننا نرى أنه لا يمكن فصل قضية الصحراء عن مشروع الإدماج .

ما يحصل حاليا هو حالة الإستقطاب الدولية و الإقليمية الراهنة ،بين إمريكا و روسيا الدائرة معاركها من اليمن إلى سوريا ،هي في صلب أسباب تصعيد التوتر في موضوع الصحراء الغربية ،فالمغرب ينحاز إلى معسكر سياسي يضم دول الخليج و الأردن ،فيما لا تنفك الجزائر إلى تأييد قضايا سوريا ،العراق ،حزب الله و يتم ذلك بالتزامن مع الإندفاع الروسي الكبير في المشرق العربي و خاصة التدخل في سوريا.

و إذا نظرنا إلى التوتر بين المنظمة الأممية و المغرب الشقيق ضمن هذا السياق العالمي والإقليمي فلن يصعب علينا تحديد إتجاه قضية الصحراء الغربية ــــ الساقية الحمراء و واد الذهب ـــ .

و قد أثارت دعوة الملك “محمد السادس” إلى إنهاء الخلافات مع الجزائر جدلًا متصاعدًا حول مدى إمكانية تجاوز الإرث المعقد و التاريخي للأزمات والتوترات بين الدولتين ، إذ أتت الدعوة المغربية مدفوعة بالتقارب الجزائري – الموريتاني، والسعي لتعزيز التنسيق الأمني، والتهديدات العابرة للحدود.

وفي المقابل، تواجه المبادرة المغربية عدة تحديات، يتمثل أهمها في:

الحواجز الثقافية الناجمة عن ضعف الثقة، وتاريخ الصراع والتنافس الإقليمي، والخلافات الحدودية بين الدولتين. قام الملك “محمد السادس”، في نوفمبر الحالي 2018، بإلقاء خطاب بمناسبة الذكرى الـ43 للمسيرة الخضراء للحديث عن العلاقات المغربية – الجزائرية، داعيًا إلى حل الخلافات بين الدولتين: “أؤكد اليوم أن المغرب مستعد للحوار المباشر والصريح مع الجزائر الشقيقة، من أجل تجاوز الخلافات الظرفية والموضوعية، التي تعيق تطور العلاقات بين البلدين.

ولهذه الغاية، أقترح على أشقائنا في الجزائر إنشاء آلية سياسية مشتركة للحوار والتشاور، يتم الاتفاق على تحديد مستوى التمثيلية بها، وشكلها وطبيعتها”، على أن تتمثل مهمة هذه الآلية في دراسة جميع القضايا الخلافية، كما يمكن أن تمثل فرصة للتعاون الثنائي بين الدولتين، لا سيما في قضيتي الإرهاب والهجرة غير الشرعية بحسب الخطاب.

ولم يأتِ أيُّ ردٍّ رسميٍّ من الجزائر على هذا الخطاب، كما لم تعلق وسائل الإعلام الرسمية على الخطاب، فيما تباينت ردود أفعال وسائل الإعلام الخاصة، ما بين مؤيدين لهذا الحوار لحل الخلافات والمشكلات العالقة، ومعارضين يرون أن هذا الحوار مجرد مناورة استراتيجية من المغرب.

وبعد ما يزيد عن أسبوع من إلقاء الخطاب أرسل الرئيس الجزائري “عبدالعزيز بوتفليقة” برقيةً إلى الملك “محمد السادس” ليهنئه بالذكرى الـ63 لاستقلال بلاده: “يسعدني، والشعب المغربي الشقيق يُحيي الذكرى الثالثة والستين لاستقلاله المجيد، أن أعبر لجلالتكم عن أخلص التهاني وأزكى التبريكات، راجيًا من الله العليّ القدير أن يحفظكم وأسرتكم الملكية الشريفة، ويديم عليكم نعم الصحة والسعادة والهناء، ويحقق للشعب المغربي المزيد من التقدم والازدهار تحت قيادتكم الرشيدة”، ولم تُشرْ البرقيةُ إلى دعوة المغرب للحوار المباشر، وهو ما رآه المحللون رفضًا لهذه الدعوة. يشير المتابعون أن هناك عدد من الدوافع أهمها :

أ ــ التقارب الجزائري ـــ الموريتاني:

حيث يرى بعض المحللين أن الجانب المغربي لديه حساسية من المعبر الحدودي البري الذي تم افتتاحه بين الجزائر وموريتانيا في أوت الماضي 2018 بهدف معلن هو زيادة التبادل التجاري بين الدولتين، ونقل الأشخاص، وتعزيز التعاون الأمني ، وقد يكون المعبر الجديد بديلًا للمعبر الحدودي “الكركرات” الذي يربط المغرب بموريتانيا وبعمقها الإفريقي.

يضاف إلى هذا قيام وزير الخارجية الموريتاني “إسماعيل ولد الشيخ أحمد” بزيارة إلى العاصمة الجزائر في أكتوبر 2018 قبيل محادثات جنيف حول قضية الصحراء ، ومن ثم قد يؤدي فتح حوار مباشر مع الجزائر إلى وضع حدٍّ للتوترات الجيوسياسية بالمنطقة .

بــ ـــ مناورات “اكتساح 2018”: قامت الجزائر في سبتمبر 2018 بتنظيم مناورات جوية وبرية بالذخيرة الحية على الحدود الجنوبية الغربية مع المغرب، وقد أُطلق على هذه المناورات اسم “اكتساح 2018″، وهو ما يحمل عددًا من الرسائل، وقد جاءت هذه المناورات بعد التغييرات الهيكيلة داخل الجيش الجزائري، واقتراب الانتخابات الرئاسية في الجزائر، ومن ثمّ جاءت الدعوة للحوار لمنع حدوث أي تطورات عسكرية في هذه المنطقة مما قد يعرقل المسار التفاوضي برعاية أممية لإيجاد حل سلمي للنزاع حول الصحراء الغربية .

ت ـــ تعزيز التنسيق الأمني: حيث قد يؤدي الحوار بين المغرب والجزائر في حال عقده إلى التنسيق بينهما في مجموعة من القضايا التي تُعتبر مشكلة لكلا الدولتين، مثل: الهجرة غير الشرعية، وتفادي الضغط الخارجي من الدول الأوروبية، حيث طالب الاتحاد الأوروبي في اجتماع القمة في بروكسل في جويلية 2018 “بوضع منصات هبوط للمهاجرين الذين يتمّ إنقاذهم في البحر الأبيض المتوسط، على أمل التحكم في تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى أوروبا من خلال إنشاء مراكز استقبال في شمال إفريقيا، حيث يمكن تسجيل طلبات اللجوء ودراستها هناك”، وهو المقترح الذي عارضته كل من الجزائر والمغرب.

ث ـــ دعم مفاوضات جنيف: جاءت المبادرة المغربية متزامنة مع التحضيرات الأممية لعقد مائدة مستديرة في الفترة من 5 إلى 6 ديسمبرالمقبل 2018 حول قضية الصحراء، وهو ما دفع المغرب لاستباق هذا النقاش، والدعوة إلى حوار بين الطرفين، مما يساعدها في إبداء حسن النية .

  • تحديات التقارب

1ـــ المشكلات التاريخية:

يؤثر على العلاقات المغربية الجزائرية تراكم العديد من الأزمات بينهما، والتي لا يزال لها تأثير حتى الوقت الحالي. فعلى سبيل المثال، بعد تفجير فندق “أطلس إسني” بمراكش في عام 1994 اتهمت المغرب المخابرات الجزائرية بالوقوف وراء الهجوم الإرهابي، وقامت بفرض التأشيرة على المواطنين الجزائريين، وفي ردٍّ على ذلك قامت الجزائر بإغلاق الحدود البرية بينهما، ولا تزال هذه الحدود مغلقة حتى الآن. يضاف إلى هذا قضية الصحراء، والدعم الذي تقدمه الجزائر لجبهة البوليساريو التي ، والمواجهات العسكرية بين البلدين فيما يعرف بـ”حرب الرمال” في عام 1963.

2 ـــ مخيمات تندوف:

تتزايد الخلافات بين المغرب والجزائر بشأن سكان مخيمات تندوف الذين يقيمون في المخيمات التابعة للبوليساريو، حيث قامت الجزائر بتفويض سلطة إدارة مخيمات تندوف الجزائرية إلى البوليساريو، و تحاول الرباط استخدام هذه الورقة لدفع الدول الصديقة لاتخاذ مواقف واضحة تجاه قضية الصحراء، وتمكين المواطنين الصحراويين من الحصول على أوراق هوية تُمكِّنهم من العودة إلى المغرب و هذا ما يرفضه الصحراويون جملة و تفصيلا.

3 ـــ تهريب المخدرات:

أصبحت المدن الجزائرية غارقة بالمخدرات المهربة من المغرب ، وهو ما ينكره الرباط، حيث سبق وأن صرح رئيس الوزراء الجزائري “أحمد أويحيى” في جانفي 2018 بأن المغرب يقوم بتهريب المخدرات إلى الجزائر: “إن قوات الأمن الجزائرية تحتجز على الأقل مرة في الأسبوع قناطير من المخدرات قادمة من المغرب”

4 ـــ التوجه المغربي إلى إفريقيا:

يتصاعد التنافس الجزائري المغربي في إفريقيا، لا سيما بعد قيام المغرب بالدخول إلى مختلف هياكل الاتحاد الإفريقي، ويتضح هذا التنافس على سبيل المثال من خلال قيام المغرب بتوقيع اتفاق لمد خطٍّ لأنابيب الغاز مع نيجيريا عبر غرب إفريقيا في جويلية 2018، وفي المقابل اتجهت الجزائر لتفعيل اتفاق إنشاء خط غاز لاجوس الجزائر. و في النهاية تبقى تطلعات الشعبين إلى إزالة كل ما يفرقهما في ظل تقرير مصير الصحراء الغربية و إعادة تفعيل إتفاقية المغرب العربي ليصبح واقعا لما يزخر به من ثروات .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق