الشرق الأوسطتقدير الموقفعاجل

توجهات السياسة الخارجية السعـودية تجاه الـقـضايا العربـية في ظل عهد محمد بن سلمان

اعداد : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي 

 

مقدمة:

باتت السياسة الخارجية السعودية في الراهن في ظل ولي العهد محمد بن سلمان تثير الكثير من التساؤلات حول مساراتها أهدافها وتداعياتها على الدول العربية، فبعد التفاؤل الذي نشرته “رؤية المملكة السعودية 2030 ” بقيادة بن سلمان الداعية الى الانفتاح والازدهار، الرقي والتطور للمملكة، لم تنعكس في مجملها على السياسة الخارجية السعودية بل أضحت تتخبط وتسير فاقدة للتوازن السياسي في التعامل مع عدة قضايا الداخلية والخارجية على حد سواء.

أسلوب بن سلمان الاندفاعي والهجومي كما يراه محللون نابع من كونه شخصية تطمح للقيادة السياسية للمملكة وتبيان نفسه كقائد مميز في الدول العربية بسرعة، وما ان أعلنه والده الملك سلمان بن عبد العزيز وليا للعهد في عفو ملكي صدر في 21 جوان 2017 حتى ظهر التهور في أبشع صوره في السياسة الخارجية السعودية ولعل الحرب القاسية التي تخوضها المملكة على اليمن دليل على ذلك.

استياء داخلي سعودي وعربي وحتى دولي كبير من الأداء السعودي في ملف حقوق الانسان والحرب على اليمن، وحصار قطر، ومقتل خاشقجي… رغم محاولات تغطية ذلك بمساومات وصفقات تخرجها من الحرج، من هنا نسأل:

  • كيف تعاملت المملكة العربية السعودية مع القضايا العربية الراهنة؟
  • ماهي نتائج ذلك في المرحلة المقبلة؟

نناقش الموضوع في المحاور التالية:

  • أولا: توجهات السياسة الخارجية السعودية تجاه القضايا العربية
  • ثانيا: قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي
  • ثالثا: تداعيات السياسة الخارجية السعودية في عهد بن سلمان  

أولا: توجهات السياسة الخارجية السعودية تجاه

  1. القضية الفلسطينية: أثبت ولي العهد السعودي بن سلمان في سياسته الخارجية انحيازا غير مسبوق لسياسة ترامب غير النزيهة في دعم ( إسرائيل ) والتخلي عن القضية الفلسطينية ، و اصبح يعمل على نشر ما اصطلح عليه إعلاميا بـ ” صفقة القرن”[1] وهو مشروع أمريكي ـ صهيوني لتصفية القضية الفلسطينية وكافة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، وأبدت السياسة الخارجية السعودية في عهد بن سلمان تساهلا في إيجاد بديل عن القدس كعاصمة للدولة الفلسطينية وهو ” أبو ديس ” كجزء من تطبيق هذه الصفقة.

يلاحظ في ظل هذه السياسة السعودية التي تقود الخليج العربي أن هذا الأخير يسارع في خطوات التطبيع مع (إسرائيل) ، فمؤخر في أكتوبر المنصرم  زار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين سلطنة عمان زيارة رسمية  ، وزارت وزيرة الثقافة الإسرائيلية الامارات ، كذلك زير الاقتصاد الإسرائيلي زار قطر في اطار منتديات اقتصادية و هذه الزيارات ( الإسرائيلية ) جاءت متزامنة لدول خليجية ليس لها علاقات دبلوماسية رسمية معها ، ولم يخرج تنديد او شجب سعودي على هذه الزيارات بل موافقة ضمنية عليها ، هذا من المتوقع ان يزور رئيس الوزراء أيضا البحرين .

في العدوان الأخير الإسرائيلي على غزة نوفمبر الجاري دعم كتاب وامراء سعوديون وخليجيون على مواقع التواصل الاجتماعي حق (إسرائيل في الدفاع عن نفسها) ضد ما سموه ” إرهاب حماس ” في غزة، كلها مؤشرات واضحة عن تشير للتقارب السعودي ومعه الخليجي مع (إسرائيل) على حساب القضية الفلسطينية المركزية.

  1. النزاع السوري: تبنت السعودية حيال سوريا والنزاع المسلح فيها سياسة خارجية متشددة، لعدة اعتبارات على رأسها التحالف السوري الإيراني، حيث دعت لرحيل واسقاط الرئيس السوري بشار الأسد، ودعمت المعارضة السورية السياسية الممثلة الهيئة العليا للمفاوضات برئاسة رياض حجاب مقرها في الرياض، وأيضا منصة الرياض … حيث وفرت لهم ملاذات امنة ومنابر سياسية لطرح وكانت تحمل مقترحات لحل النزاع السوري وفق المصلحة السعودية وليس وفق مصلحة الشعب السوري وكانت من بين اللذين صوتوا لإخراج سوريا من الجامعة العربية وتسليم مقعدها للمعارضة، والى اليوم مع تقدم في وتيرة التسويات ترفض المملكة المقترح الداعي لإعادة سوريا للجامعة العربية.

أما في الميدان العسكري قدمت السعودية دعما عسكريا للفصائل المسلحة لتغيير موازين القوى العسكرية على ارض المعركة في سوريا، ورحبت باي طرح يطلب منها التدخل عسكريا في سوريا، فضلا عن ذلك رحبت بالضربة العسكرية التي وجهها ترامب لسوريا بذريعة استخدام الأسلحة الكيميائية حتى قبل ان تثبت التحقيقات صحة ذلك.  في المجمل أدت المملكة دور المعرقل في تسوية النزاع السوري.

  1. ايـــران: العلاقات السعودية ـ الإيرانية تمر بأسوء مراحلها ليس من اليوم ولكن منذ عقود، فالصراع السعودي ـ الإيراني ليس له طابع ديني ـ كما تروج له الكتابات الغربية ـ ولكنه صراع سياسي استراتيجي حول النفوذ ومصالح ومن له الاحقية في قيادة العالم الإسلامي، فالاتهامات التي تكيلها إيران للسعودية او السعودية لإيران تدور حول دور مزعزع للاستقرار لكل واحدة منهما تجاه الأخرى في منطقة ونفوذهما المتنامي في اليمن، لبنان، العراق، ودعم القضية الفلسطينية، وسوريا.

باركت السعودية الخطوة الامريكية بالانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي الايراني وبالتالي عودة العقوبات الاقتصادية القاسية على إيران، ورأت انها ردا على عدم الالتزام الإيراني ببنود الاتفاق ودورها السلبي في سوريا واليمن، والعراق…، علما ان وكالة الدولية للطاقة الذرية والشركاء الأوروبيين أكدوا التزام إيران ببنود الاتفاق النووي، وأعلنوا مواصلة العمل به حتى في ظل انسحاب الولايات المتحدة الامريكية منه.

اقتصاديا عرضت السعودية على الشركاء في منظمة أوبك زيادة انتاجها من النفط لتغطية الحصة الإيرانية منه في ظل عجز إيران عن بيع نفطها بطريقة قانونية نتيجة العقوبات، وقد هددت إيران بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي امام الملاحة الدولية في حال تم تصفير حصتها من النفط.

  1. الــيــمـن: يعاني اليمن منذ ثلاث سنوات ونيف حربا عنيفة منذ تدخل” التحالف السعودي” بأهدافه التي أعلنها تحريره من جماعة الحوثي المدعومة من ايران و إعادة الشرعية له، فمنذ 2015 بات اليمن يعيش حالة عجز حقيقية وصلت لتصنيفه كدولة فاشلة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وعسكريا في تقرير أممية، فحالة الحصار والقصف العسكري العنيف التي يشنها التحالف على الأسواق والمستشفيات وحتى ولائم الاعراس ومجالس العزاء بذريعة انها تحوى الحوثيين انهار اليمن نتيجة ارتفاع عدد القتلى من المدنيين اغلبهم من نساء و أطفال، و تفشي الأوبئة والامراض، فضلا عن ذلك أدى الحصار على موانئ محافظة الحديدة في اليمن التي تدخل عبرها المواد الغذائية الطبية الى مجاعة حقيقية للملايين من أطفال اليمن.

شكلت هذه السياسة السعودية في اليمن استياء دولي ودعت عدة أطراف اممية من دول أوروبية ومنظمة الأمم المتحدة، منظمات حقوق الانسان، منظمة الأغذية العالمية … دعت السعودية لوقف تدخلها في اليمن، علاوة على ذلك دعا نواب امريكيون السلطات في بلادهم وقف بيع الاسلحة السعودية نتيجة سياستها في اليمن.

  1. قـطــر: دشن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان عهده بأزمة دبلوماسية مع الدولة الجارة قطر، وفي الخامس من جوان 2017 [2]قررت السعودية وعدد من الدول المتحالفة معها كالبحرين، الامارات، مصر، اليمن، موريتانيا، جزر القمر، جزر المالديف قطع العلاقات الدبلوماسية مع قطر، واختارت الأردن وجيبوتي تخفيض التمثيل الدبلوماسي مع قطر وفرض حصار عليها.

الأسباب الحقيقية وراء الازمة لا تبدو واضحة، ولكن ما نقلته وسائل الاعلام ان أسباب الازمة تعود مشاركة قطر في صفقة بين أطراف في العراق و سوريا لإطلاق سراح رهائن قطريين اختطفوا في العراق و ذكرت صحفية نيويورك تايمز ان الصفقة سمحت بإخلاء 2000 معتقل مدني من مضايا ، اما فيناننشال تايمز فقد اضافت ان قطر دفعت 700 مليون دولار لأطراف “شيعية” و 120 ـ 140 لهيئة تحرير الشام .  من جهة أخرى ساهمت اختراقات وقرصنة المواقع القطرية ونشر تصريحات وهمية لأمير قطر يؤيد فيها إيران وحماس وحزب الله و (إسرائيل)، وصفت قطر هذه التصريحات بالكاذبة والمغلوطة.

تطورت الازمة الى انهاء السعودية دور قطر في التحالف السعودي في اليمن، والغت شركات الدول المشاركة في الحصار رحلاتها الى قطر، أغلقت وزارة الثقافة والاعلام السعودية مكتب الجزيرة في المملكة وسحب الترخيص منها. أعلنت السعودية وباقي دول الحليفة معها تصنيف 59 فردا و12 كيانا مرتبطين بقطر في قوائم الإرهاب.

طلبت السعودية والدول الحليفة معها بجملة من الطالب لإنهاء الازمة مع القطر كان أبرزها غلق قناة الجزيرة، قطع العلاقات مع إيران، اغلاق القاعدة العسكرية التركية في قطر ووقف أي تعاون عسكري مع انقرة، قطع العلاقات مع الاخوان المسلمين، تسليم مطلوبين بتهم الإرهاب…. اعتبرت قطر كل هذه المطالب غير ضرعية وتدخلا سافرا في شؤونها الداخلية.

ثانيا: قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي  

أحدثت قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي بطريقة وحشية داخل قنصلية بلاده في إسطنبول في الثاني من أكتوبر الماضي وما أعلنه الاعلام التركي بشأن تفاصيل اغتياله والاتهامات التي وجهت للسعودية، أحدثت استياء دولي واسع ليس بشان طريقة اغتياله فقط ولكن أيضا في مجمل الرواية التي ساقتها السعودية في حيثيات القضية التي رأى فيها المجتمع الدولي ناقصة ومتناقصة في الكثير من اجزائها، طالبت منظمات اممية ودول أوروبية بتحقيق دولي عادل ومحاسبة المسؤولين الحقيقيين عليها، زاد ذلك من وتيرة الضغوطات الداخلية والخارجية على المملكة السعودية[3] .

التفاعل الدولي مع قضية اغتيال خاشقجي وتحميل المسؤولية الكاملة للمملكة وضع مستقبلها في خطر ومكانتها في تراجع، وبدأ التساؤل في هذه القضية كيف يستمر ولي العهد محمد بن سلمان في الحكم بعد القضية.

  ثالثا: تداعيات التوجهات لسياسة الخارجية السعودية في عهد بن سلمان

أدت توجهات السياسة الخارجية السعودية إزاء القضايا العربية الى تداعيات كبيرة على السعودية منها:

  • تورط السعودية في جرائم حرب وانتهاك حقوق الانسان في اليمن وجريمة الخاشقجي.
  • تراجع مكانة السعودية في العالم نتيجة سياستها في اليمن وسوريا
  • تصاعد الخلاف والصراع الداخلي في الاسرة الملكية داخل السعودية بين مؤيد لسياسات بن سلمان ومعارضا لها.
  • تزايد الاستغلال الأمريكي للسعودية وممارستها لسياسة ابتزازية تجاهها في عقد عدة صفقات عسكرية جديدة لصالح الولايات المتحدة على حساب السعودية
  • تحول الصراع في المنطقة العربية من صراع عربي ـ صهيوني الى صراع عربي إسلامي.
  • تزايد بؤر عدم الاستقرار في المنطقة العربية وتغلل أوسع للتنظيمات الإرهابية.
  • تزيد حملات التطبيع بين الدول عربية و(إسرائيل) على حساب القضية الفلسطينية.

خاتمة:

    في مدة قصيرة تمكنت سياسة ولي العهد محمد ابن سلمان من ادخال المملكة السعودية في حالة سياسية غير متوازنة و توريطها في اكثر من النزع و قضايا حقوق الانسان، وجرائم حرب ، نتيجة سلوكه الحاد والهجومي المندفع و نقص خبرته السياسية في إدارة شؤون البلاد، و مثل هذه السياسات من شانها ادخال في صراع داخلي بين ملوك و امراء الاسرة الحاكمة بدأت مؤشراته تظهر عقب ثبوت تورط ولي العهد في مقتل الصحفي خاشقجي، وهذا بالتالي سيؤثر سلبا على ما حققته المملكة من تطور اقتصادي و على مكانتها في الخارج ، اذن تحديات كبيرة تواجه السعودية في ظل سياستها الحالية خاصة إزاء القضايا العربية السابقة ، ومن شأنها ان تضغط عليها اما نحو التصعيد أكثر أو العودة لسياسة الحكمة والتعقل وهذا ما نتمناه .

[1]ـ محمد أبو سعدة ، محمد بن سلمان ملكا ، ماذا بعد ؟، تقديرات سياسية ، إسطنبول : المعهد المصري للدراسات ، 2017 ، 03.

[2] ـ السعودية 2018.. تهدد مستقبل بن سلمان و تنذر بثورة في القصر ، موقع السودان اليوم ، 03 / 01 / 2018 ، على الرابط الالكتروني :

https://alsudanalyoum.com/news 

[3] ـ أمجد احمد جبريل ، بعد مقتل خاشقجي : السعودية الى اين ؟ ، موقع العربي الجديد ، على الرابط الالكتروني :

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2018/10/16

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق