الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الاحتجاجات الشعبية في فرنسا: قراءة في العوامل الداخلية والخارجية وتداعياتها على أمن فرنسا وأوروبا  

اعداد : أميرة أحمد حرزلي، باحثة في العلوم السياسية والعلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي .  

 

مقدمة:

تشهد فرنسا منذ أسابيع حالة قصوى من الاستنفار الأمني على وقع سلسلة احتجاجات شعبية العارمة التي ينظمها أصحاب السترات الصفراء، هذا ان الربيع الأوروبي الفرنسي كما يصفه متابعون هو الأكبر منذ تولي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سدة الحكم في 14 ماي 2017 ، على خلفية الزيادة في أسعار الوقود والضرائب وغلاء المعيشة…، في ظل انخفاض شعبية الرئيس الفرنسي نتيجة سياسته الاقتصادية التي عادت بأثار سلبية على المجتمع الفرنسي خاصة ذوي الدخل المحدود.

يبدي الرئيس الفرنسي وحكومته شيء من التناقض في التعامل مع المواطنين المحتجين، بحيث يرى ان مطالبهم محقة وتحل بالحوار من جهة ومن جهة أخرى يرفض التنازل عن خفض سعر الوقود والضرائب واخذ تدابير جادة للحد من انتشارها وتصاعدها، سيما أن بعض المدن الفرنسية أخرى كمرسيليا وليل وروان…والبلدان الأوروبية الاخرى كبلجيكا التي تأثرت بشكل واضح بالاحتجاجات، في ذات السياق تتخوف الحكومة الفرنسية من خروج الاحتجاجات عن السيطرة، حيث تصاعدت إلى أعمال عنف وشغب ومواجهات عنيفة بين المحتجين وقوات الشرطة، وطالب المحتجون برحيل ماكرون و حكومته.

في ظل هذه الازمة الاجتماعية الكبيرة التي تعيشها فرنسا يمكن طرح عدد من الإشكاليات التالية:

  • ماهي أسباب الاحتجاجات الفرنسية؟ كيف ستتعامل الحكومة الفرنسية مع الاحتجاجات الاجتماعية الراهنة؟ وكيف سيؤثر ذلك على مستقبل الرئيس الفرنسي؟
  • كيف ستستغل أحزاب اليمين المتطرف الفرنسية الوضع الراهن لتمرير سياساته؟

نناقش الموضوع على النحو التالي:

  1. تفاصيل الاحتجاجات الفرنسية الراهنة

نظم مجموعة من المواطنين الفرنسيين من كافة الفئات الاجتماعية رجال ونساء ذوي الدخل المتوسط والضعيف يطلقون على أنفسهم ” أصحاب السترات الصفراء ” تظاهرات سلمية في بدايتها، وتطورت تدريجيا الى احتجاجات عنيفة في اسبوعها الثالث، تخللها غلق الطرق ببقايا الاشجار وحرق إطارات السيارات واشتباكات عنيفة بين المحتجين الذين يقذفون الحجارة وبالمقابل ترد شرطة مكافحة الشغب بالضرب ورش غاز المسيل للدموع لتفريقهم، الاحتجاجات خلفت عدد كبيرا من الإصابات وجروح في صفوف المحتجين والشرطة.

المحتجون الذين يقدر عددهم بخمسة ألاف محتج قادموا من ضواحي مختلفة مهمشة قريبة العاصمة باريس واخرون قدموا من مدن أخرى فقيرة تجمعوا في الساحات الرئيسية لها، والقريبة من شارع الشونزيليزي  المشهور والمؤدي الي قصر الإليزيه أين يريد المحتجون الوصول اليه  لإيصال صوتهم للحكومة بالتخلي عن سياسات التقشف وخفض أسعار الوقود و الضرائب وتحسين الأوضاع المعيشة ، ومع تعنت الرئيس الفرنسي ورفض مطالبهم و وصف وزير الداخلية الفرنسي المحتجين بالمخلين بالأمن العام ، رفع المحتجون سقف مطالبهم الى رحيل ماكرون و حكومته.

  1. خلفيات وأسباب الاحتجاجات الفرنسية

يرجع محللون دوليون متابعون للشأن الفرنسي ان الاحتجاجات ليست وليدة اللحظة بل لها تراكمات سابقة، فالأستاذ عماد الدين الحمروني من أكاديمية العلوم السياسية في باريس يرجع حالة الاحتقان الشعبي الراهنة في فرنسا للسياسات الاقتصادية الرأسمالية السابقة التي خلقت فجوة كبيرة بين الأثرياء البرجوازيين الذين يتهربون من دفع الضرائب وبين الفقراء الذي يُجبرون على دفع الضرائب. فالاحتجاجات حسبه غير مؤطرة ولا موجهة بل عفوية تعبر عن الواقع المعيشي والاجتماعي لفرنسا. كذلك يضطلع العامل الخارجي فيما يحدث في فرنسا من خلال دور دونالد ترامب الدولي في قيادة تحالف يمني عالمي يشمل اسبانيا والبرازيل، إيطاليا، ألمانيا … ضد السياسات الوطنية ولطالما سخر من ماكرون على مواقع التواصل الاجتماعي حين انخفضت شعبيته.

من جهته يرى الأستاذ ماجد نعمة رئيس تحرير افريقيا واسيا في باريس الأغلبية الساحقة من الشعب الفرنسي تدعم الاحتجاجات حتى وأن لم يخرج للاحتجاجات والتعبير عن رأيها، كذلك الامر الملفت ان التظاهرات في فرنسا لا تمثلها وحدها بل تمثل كامل أوروبا، لان الديمقراطية فيها مزيفة تخدم الأقلية الاوليغارشية، ولتشابه الأنماط المعيشية والسياسات الاقتصادية فيها.

زيدان خويلف، الأكاديمي في جامعة باريس، يرى أن الاحتجاجات في ظل حكم ايمانويل ماكرون تصاعدت لان من ساهم في اعتلاءه الحكم ودعمه هم رجال المال والاعمال وسياسته الراهنة تخدمهم ولا تخدم الفرد الفرنسي.

فالواضح اذن ان ارتفاع أسعار الوقود الى 2.9 سنت والضرائب وغلاء المعيشة … ساهمت في اندلاع الاحتجاجات وزاد من تصعيدها استخفاف السلطة بها ومحاولة قمعها، فالمشهد الفرنسي الراهن بات يشبه ما حدث قبل سبع سنوات ونيف في الوطن العربي.

فضلا عن ذلك ومع ضبابية المشهد الاحتجاجي الراهن في فرنسا حول حقيقة ما يحصل لا يمكن تأكيد أو نفي التدخلات الخارجية بشكل واضح، و لكن الأكيد ان التدخلات الخارجية تستفيد من الاحتجاجات و أعمال الشغب و الفوضى أسوة بما حصل فيما يسمى بالثورات العربية أو حتى الثورات الملونة و هنا يرى ليوبوف ستيبوشوفا في مقال له في صحفية برافدا رو الروسية   موسوم ب ” الفرنسيون يتفكرون : هل بدأ ترامب ثورة ملونة عندهم” ، حيث ذكر ان الاحتجاجات الفرنسية استخدمت فيها رموز و علامات الثورة الملونة ك لون السترات ، الحفاظ على الحشود لفترة طويلة ، شبان يلبسون أقنعة سوداء يخربون و يهاجمون الشرطة ، رفع هتفات تدعو لتغيير السلطة ” على ماكرون ان يرحل “[1]  .

  1. تداعيات الاحتجاجات الفرنسية على أمن اوروبا

الى حد الان تسير وتيرة الاحتجاجات الفرنسية في وتيرة متصاعدة نحو مزيد من اعمال الشغب والتخريب في ظل تجاهل الحكومة لمطالب المحتجين، وهذا له تداعيات عكسية على أمن فرنسا وامن البدان الأوروبية المجاورة، فالمخاوف الان تتركز في كيفية حصر هذه الاحتجاجات والتخفيف منها حتى لا تنتقل الى مدن فرنسية أخرى وبلدان الأوروبية المجاورة ضمن ما يعرف نظريا بـ “عامل الانتشار ” وبلجيكا أبرز المتأثرين بهذه الحركة احتجاجية مشابهة.

بدون شك ستترك الاحتجاجات اثارا على مستقبل ماكرون السياسي على اعتبار ان مطالب المحتجين في تحسين الظروف المعيشية والتخلي عن سياسات التقشف الاقتصادية …مطالب محقة، من المتوقع ان يستغل اليمين المتطرف الذي يتمتع بشعبية كبيرة في فرنسا بقيادة مارين لوبان، ويدعو أنصاره لتكثيف التظاهرات ضد سياسات ماكرون الفاشلة التي أدخلت فرنسا في ازمة اجتماعية وربما يدعوه صراحا للتنحي عن السلطة وتنتقل عدوى كل ذلك اذا نجح في فرنسا الى الدول الأوروبية الأخرى أين تتمتع أحزاب اليمين المتطرف بشعبية كاسبانيا و إيطاليا و غيرها .

في ظل أزمة الاحتجاجات والفوضى تجد التنظيمات الإرهابية ذلك فرصة لارتكاب اعمال إرهابية عبر خلاياها النائمة في أوروبا، وحسب ما ذكرت صحفية ” ذا الصان” البريطانية ان تنظيم ” داعش ” اعطى أوامر لمجموعتين متشددتين تابعتين له في اوروبا باستغلال الاحتجاجات الفرنسية، حيث نشرت ملصقات في الشوارع مكتوب عليها ” يا ايتها الذئاب المنفردة استغلوا الاحتجاجات في فرنسا ” لاستهداف المدنيين[2].

وقد شهدت فرنسا أواخر السنوات الماضية مع اقتراب احتفالات أعياد الميلاد ونهاية السنة الميلادية اعمال إرهابية عنيفة متزامنة شملت قتل ودهس حشود من المواطنين … التي راح ضحيتها الالاف من المدنيين الأبرياء.

خاتمة:  

الاحتجاجات الفرنسية الراهنة لها ابعاد داخلية تعود للسياسة الاقتصادية الفرنسية المنتهجة التي تضرر منها المواطن الفرنسي و زادت من تدهور أوضاعه الاجتماعية ، كما لها ابعاد خارجية في سيستثمرها خصوم فرنسا في تصفية حساباتهم السياسية ، سواء الولايات المتحدة الامريكية أو أحزاب اليمين المتطرف لتمرير سياساتهم في الداخل ، او حتى التنظيمات الإرهابية في ارتكاب عمليات إرهابية كما حصل في السنوات الفارطة.  فاذا ما سارعت السلطات الفرنسية بأخذ تدابير استثنائية لاحتواء أزمة الاحتجاجات قبل اتساعها أكثر وخروجها عن سيطرة السلطة، فسيكون أمن فرنسا وكامل أوروبا مهددا بشكل حقيقي من أكثر من طرف و على كافة المستويات.

[1]ـ احتجاجات فرنسا: لعبة أمريكية ام اعمق من ذلك ؟ موقع قناة روسيا اليوم، على الرابط الالكتروني :

https://arabic.rt.com/press/985447

[2] ـ داعش يحرض “الذئاب المنفردة” للعب على وتر احتجاجات فرنسا ، موقع سكاي نيوز ، على الرابط الالكتروني :

https://www.skynewsarabia.com/world/1203190

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق