مقالات

انسحاب أمريكا هي الخطوة المتوقعة؛ فالمأمولة

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو – المركز الديمقراطي العربي

 

كل التوقع بأن شعب الولايات المتحدة الأمريكية يُجْمِع على أن الرئيس الأمريكي الحالي دونالد ترامب لا يشبه سوى نفسه؛ متفرِّدٌ بشخصيته وسلوكه وأدائه؛ من الصعوبة بمكان إيجاد تقاطع بينه ورؤساء أمريكا السابقين وربما اللاحقين أيضاً. وكل الاعتقاد بأن شعوب العالم وقبلها شعب سوريا تجمِع بأن الأزمة السورية باتت أعقد الأزمات العالمية وعقدّت معها كل الملفات؛ المربوطة معها، ولا تكاد أزمة/ ملف معقد في العالم إلّا ومربوط مع هذا الملف؛ وليس العكس. وبالرغم من الاجماعين سوى أن خطوة الرئيس الأمريكي كانت متوقعة والمفاجئ فيها هو التوقيت.

مرة أخرى يجب التذكير على أنه ليس الكرد الذي جلب الأمريكان -على وجه الخصوص- إلى الضفة الشرقية من الفرات؛ واهم إلى درجة الشيزوفرانيا من يفكّر ذلك لحظة.

إنما الذي جرى وتأسس هو حلف دولي عابر للقارات تشكّل بهدف محاربة الإرهاب الذي أعلن دولته (دولة الإسلام في العراق والشام- داعش)على قسم من سوريا وقسم في العراق، وأعلن عاصمته في الرقة السورية. وباتت هذه الدولة السوداء التي رُسِمت لها مليارات الدولارات (أكثر من مرة نوهنا إلى أن داعش أشبه بشركة مساهمة؛ موجودة ومستخدَمة وتتعكز)؛ باتت بخطر وجودي على الشعوب وبخطر إبادة ثقافات المنطقة برمتها؛ استهدف الإيزيديين كإيزيديين، استهدف وجودية عموم الكرد، واستهدف عموم الشعوب، فكان تشكيل التحالف الدولي ضد الإرهاب تحالف الضرورة؛ تحالفاً مفتوحاً، ومن أجل ذلك فقد شاركت عشرات البلدان في أهم معركتين ابتدأ العصر الحديث بهما: معركة تحرير الرقة والموصل.

وتم اعلان الشراكة وقوات سوريا الديمقراطية حينما كانت كوباني تقاوم المخرز بالعين. سبق هذا الإعلان فشل الأمريكان في وقت الرئيس أوباما من تدريب جماعات مسلحة تتبع للمعارضة؛ فبعد تدريبها ورصد نصف المليار دولار كانت أولى انجازاتها التحاق هذه الجماعات عدداً وعدة إلى جبهة النصرة: كلكم تتذكرون ذلك، إذْ أننا نتذكر بأن إيجاد بديل لقوات سوريا الديمقراطية من قبل أمريكا لم ينقطع؛ ولكنها كانت تفشل دائماً، كما أننا الذين نتذكر ويتذكر الغير بأن طرفاً ما كما واشنطن لم تحاول بشكل جدي من تحقيق إضفاء سياسي في تمثيل لمجلس سوريا الديمقراطية في أي محفل من محافل الاجتماعات السورية؛ وإنْ كانت فاشلة، في الحقيقة كانت قوات سوريا الديمقراطية ولم تزل تحارب من أجل شعبها أيضاً في المناطق المسؤولة عن تحقيق السلام فيها، ولم تنظر إلى نفسها لحظها بأنها بندقية في يد الغير، كانت شريكة معلنة في حلف الضرورة/ التحالف العالمي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب.

وبالرغم من تحقيق الانتصارات وفق هذه الشراكة/ الضرورة؛ فتحوّلت وحدات حماية الشعب والمرأة إلى رمز عالمي ضد الإرهاب؛ وهذا مكتسب رمزي مهم؛ سوى أن التشويش كان على أشده وسوق الأوهام كانت في أوجها. وصل البعض القول بأن اسرائيل ثانية يتم تشييدها في روج آفا وشمال سوريا. وهذا عار عن الصحة ولا أساس له.

لا بل وهم آخر، وهي قبل كل شيء رغبة سلوكية عصابية مزمنة، وهي ناجمة بالأساس عن الدولتية القومية المركزية التي تحمل السبب الرئيسي في كل بلاءات الشرق الأوسط؛ جسم غريب نزل إلى تربة الشرق الأوسط؛ فلا هي نمت ولا هي استطاعت ترويض الشعوب؛ كل الذي فعلته جلب المزيد من التدخل إلى المنطقة وإنماء خطاب الكراهية والشعوبية المقيتة والتقسيم والتفتيت، وهذه الأمور كلها دفعت بأن تأتي الإدارة الذاتية الديمقراطية كمفهوم وكمشروع ديمقراطي كند وخصم لها وبديل جذري لها. كل الوجودات اليوم في سوريا –على طرفي الفرات- وُجِدت بهدف محاربة داعش والنصرة والجماعات المسلحة المرتبطة بها.

وكل وطني سوري ينظر إلى هذه الوجودات بأنها كانت الموجودة بحكم الضرورة، وللضرورة الوطنية فمن المؤكد بأن الاجتماع السوري متفق على أنه يأتي يوم لتغادر كلها؛ بالطبع  إذا ما كان في البال وجود سوريا. كما أنه لا مشكلة لهذه الإدارة الذاتية –أدنى مشكلة- مع الشعوب في تركيا؛ بالأخص الشعب التركي؛ إنما كل المشكلة بوجود احتلال تركي لعفرين ولجرابلس والباب ولاعزاز؛ ويتم منذ مدة التحضير لاحتلال تركي لإدلب ولحلب وكل شمال سوريا.

كل هذه الاحتلالات تأتي كمرحلة أولى تتبعها مراحل أخرى تحت ذريعة وحجة باطلة بأن أكثر من حارب الإرهاب؛ القوات السورية الديمقراطية للإدارة الذاتية؛ باتوا بالمهددين للأمن القومي التركي؛ هذا زعم أنقرة؛ وهو الباطل جملة وتفصيلاً. ولأن أساس الإدارة الذاتية هو المجتمعية كقوة في الأمة الديمقراطية؛ فلا يمكن الاستناد لفكر الأمة الديمقراطية في ظل الاحتلال؛ كافة الاحتلالات التركية: عفرين لا تختلف عن لواء اسكندرون وعن الجولان وعن كل شبر محتل. أي أن تجسيد الأمة الديمقراطية تؤكد صون السيادة؛ فالأمة الديمقراطية أساساً جغرافية حرة من أجل العيش المشترك فأخوة الشعوب.

يعتبر قرار الرئيس الأمريكي بالانسحاب من سوريا متوقع؛ وهو بالأساس بحكم المعمول به بخاصة أنه المتخذ سابقاً ولحقه التعديل وبات بحكم المنفّذ الآن، لكن يبقى قراراً جاء قبل إنجاز المهمة؛ مهمة إنهاء داعش وتجفيف مصادره الفكرية والمالية والمادية، وهنا يكمن بأن القرار جاء بالمفاجئ. لكن هذه المفاجئة لا تخص مجلس سوريا الديمقراطية وشعب شمال شورق سوريا إنما يتعداها؛ فهذا القرار أشبه  بسحب البساط من تحت أقدام الجميع من دون استثناء.

وفي اختفاء هذه الجزئية؛ اختفاء مفاجئ أمريكي؛ لن يسلم منه أي تحالف صار ما بين القوى المتدخلة –إقليمية كانت أمْ دولية- في الشأن السوري، لا بل أن بعض التحالفات تشكلت بالأساس كي تكون خصم سياسي في أحسن أحواله للتحالف الدولي. وإذا ما جاء تشكيل الآستانة في إحدى أهم وظائفه لسحب التركي من الحضن الأمريكي وإحداث تصادم بينه والأمريكي وزيادة الخلاف ما بين دول أعضاء الناتو، فإن هذه الخطوة/ القرار يكون بتداعيات على ذلك؛ إذْ لم يعد هذا السبب بالموجود؛ فمن المتوقع بشكل كبير أن ينال هذا الانسحاب أو سحب البساط من الآستانا.

من الممكن جداً أن تستمر الآستانة لكن ليس بالشكل الذي بدأ به؛ ربما يتغير وربما يصبه التوسيع، كما أن مثل هذا حدث بالنسبة لتجمع 20 دولة أنتجت فيينا أكتوبر ونوفمبر 2015، كما حدث ذلك سابقاً مع مجموعة أصدقاء سوريا واجتماع جنيف1 2012. أي أن عدم وجود الأمريكي اليوم ليس بالسيء بالرغم من أنه كان الإيجابي في تحجيم داعش.

كما أنه إذا ما لم يلحق هذا القرار اجتماع سوري سوري برعاية روسية فإن داعش بحد ذاته يناله التضخم في ظل التهديدات التركية لاحتلال وقضم المزيد من الجغرافية السورية من قبل تركيا.

مشهد اليوم إبان قرار الانسحاب الأمريكي يُذّكِّر بالمشهد الذي سبق مقاومة كوباني؛ مع اختلاف في شيء واحد بأن المقاومون في كوباني كانوا يقاومون داعش، أما اليوم فكوباني والجزيرة وكامل شرقي الفرات مقبلين على مقاومة شرسة ضد الاحتلال التركي وإرهاب داعش في الوقت نفسه؛ بالطبع إذا ما تركت الأوضاع في حالة فوضى ودون اتفاق سوري سوري ما بين السلطة في دمشق ومجلس سوريا الديمقراطية وبرعاية أممية وروسيّة بشكل خاص.

صون السلم والأمن المتحصلين من خلال المكتسبات المتحققة، ومنع تدمير إضافي لسوريا؛ هي الأولويات التي انطلقت منها الإدارة الذاتية الديمقراطية منذ تأسيسها إلى اليوم.  لا يتصور أحد أننا عاجزون بالقيام على أية خطوة تضمن مكتسبات شعبنا وتؤكد الدور الإيجابي الذي حظينا به طيلة سنوات الأزمة السورية. لكن نحرص على طول الخط أن تكون رؤانا فخياراتنا بالوطنية السورية. ولا يتصور أحد بأن المشهد الأخير سيكون وفق ما تشكّل من ردود أفعال في اللحظات الطارئة الأخيرة (إبّان قرار انسحاب الأمريكي من شرقي الفرات)؛ نعيدها هنا ونكررها هنا أيضاً: نحن هنا وتأسست الإدارة الذاتية قبل التحالف مع التحالف الدولي بقيادة أمريكا ضد الإرهاب، قُوي المشروع اثنائه بشكل أكثر حينما كسر شوكة الإرهاب؛ سوى أننا باقون ما بعده. وما النتائج الصحيحة كي تبدو حتمية طالما كانت البداية صحيحة؛ والبداية في شمال وشرق سوريا هي الصحيحة فهي المستمرة.

المقاومة كانت السبب في تأسيس الإدارة الذاتية، المقاومة كانت السبب في اكتساب الإدارة الذاتية بقواتها العسكرية رمزية عالمية ضد الإرهاب. المقاومة تكون السبب في جعل النموذج/ المشروع الديمقراطي المعمول به ووفقه في الحل السوري. كما أنه من المبكر –ربما المبكر جداً- الحديث عن النتائج؛ التي لا تبدو بالقريبة، بخاصة إذا ما أدركنا بأن أمام السوريين مرحلة كاملة بطولها وعرضها؛ قد تكون طويلة أكثر مما يتوجب. يبقى الحاسم هنا دائماً دوام المقاومة. ومن المقاومة تتخلق الدبلوماسية وتظهر دائما الحلول التي يستفيد منها الجميع. وتنهي كافة الاحتلالات التركية وفي مقدمة هذه الاحتلالات احتلال تركيا لعفرين.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق