الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

عندما لا تدوم المصالح: هل تخلت الولايات المتحدة عن الاكراد بسوريا؟

 اعداد : محمد عادل عثمان – باحث في العلوم السياسة   

  • المركز الديمقراطي العربي

 

ادي قرار الرئيس الأمريكي بأنهاء العملية العسكرية التي تخوضها القوات الامريكية في سوريا ضد تنظيم “داعش” بقوة قوامها الفي جندي، إلى طرح عدد من السيناريوهات المستقبلية حول ما ستؤول إليه الازمة السورية وأطراف الصراع فيها، وبخاصة الطرف الكردي الذي أقحم نفسه في دائرة الصراع بحثًا عن مكاسب سياسية تحقق له حلم إقامة “دولتهم الكردية”.

توقيت لافت:

جاء قرار الولايات المتحدة بسحب قواتها من سوريا في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن وأنقرة التغلب على موجة جديدة طويلة من التوترات، وفي الوقت ذاته يؤكد هذا الامر الخلفية السياسية التي تعبر عن فكر الإدارة الامريكية الحالية بقيادة الرئيس “دونالد ترامب” مستشار الامن القومي الامريكي ” جون بولتون” ووزير الخارجية “مايك بومبيو” حيث يعرف عن هذه الإدارة في اغلب قادتها الالتزام بالنهج الأمريكي المتحفظ في السياسة الخارجية،  في الدفاع المصالح الوطنية الأمريكية وحتى وإن اقتضى الأمر التدخل العسكري أو الانسحاب من أى صراع عسكري.

ومن جانب اخر غدت الانتصارات التي تحققت من قبل الجيش السوري على الجماعات المسلحة إلي تغير أنماط المعادلة على الأرض حول كيفية إدارة أطراف الصراع للازمة السورية حيث بات على الولايات المتحدة أن تتخذ نهج جديد في التعامل مع هذه الازمة خاصة أن الانتصار السوري يعني انهزام الولايات المتحدة امام خصمها الأول روسيا.

سيناريوهات عديدة: 

لكي نقيم مدي تأثير هذا القرار على الموقف الكردي من المعادلة السورية هناك عدة سيناريوهات قد تقود بنا إلى وضع إطار يرسم ابعاد قرار الانسحاب على المكون الكردي في سوريا: –

1.كارثة دموية: تسعي الولايات المتحدة وفقا لما اشارت إليه تقارير إلى سيناريو كارثي أن تم بالفعل سيكون محرقة كبري وسيكون الاكراد هم و”قودها”([1])، ان صح التعبير، حيث يدور هذا السيناريو حول التقاء القوات التركية مع القوات الكردية والقوات الحكومية السورية، (فالولايات المتحدة تعلم أن القوات السورية ستتحرك علي الأرض لتسيطر علي مناطق الاكراد) مما يعني الدخول في صراع دموي سيكون الاكراد هم ضحيته الاولي. 

   ويتيح هذا السيناريو إعادة التحرك الأمريكي مرة اخري لإيفاق هذا الصراع ولكن بشروطهم، فعندما أتي الرئيس الأمريكي ” دونالد ترامب” أعلنها صراحة أنه” لا شيء بدون مقابل”، بل وراي أن سوريا والشرق الأوسط ساحة لاستنزاف موارد بلاده، خاصة ان تكلفة الحرب الامريكية في المنطقة بلغت منذ عام 2001 أكثر من 7 تريليونات دولار منذ دخلوها في 2001.

فالنسبة للولايات المتحدة  سيناريو العودة مطروح، وذلك وفقا لما صرحت به السكرتيرة الاعلامية للبيت الابيض ” ساره ساندرز” عنما قالت إن الولايات المتحدة مستعدة للعودة مرة اخري إلى سوريا للدفاع عن مصالحها في أي وقت، وقد أكد علي هذا الموقف التصريح الذي صدر من وزير الخارجية الأمريكي السابق ” ريكس تيلرسون” والذي اكد علي أن الإدارة الامريكية الحالية لن تكرر خطأ الانسحاب العسكري من العراق ([2]).

وفي الوقت ذاته تعلم الإدارة الامريكية أن هذا الانسحاب يعني ظهور إيران وبقوة في سوريا وستعمل علي زيادة تدخلها الغير مباشر في شمال سوريا دون اعتبار لأي أحد. وبالتالي فأن هذه النقطة ستكمون بمثابة مبرر اخر للعودة الامريكية ، كما يمكن أن يمثل الانسحاب الأمريكي بمثابة تهديداً لأمن تركيا وتحويل منطقة شمال سوريا لفخ عسكري تقع فيه القوات التركية.

 2.توافقت معقدة: قد يجبر هذا الانسحاب الحكومة التركية على التوافق مع كلًا من سوريا وروسيا وإيران من أجل إيجاد صيغة توافقية جديدة، خاصة أن تركيا تعلم ان روسيا فتحت قنوات للتواصل مع الاكراد.

وبالتالي قد يستعين الاكراد بروسيا في دعمهم  للدفاع عن انفسهم ضد أي تحرك عسكري  تركي، كما أن تركيا على علم أيضا بإن روسيا تلعب بورقة الاكراد لانها تريد منع الولايات المتحدة من أي حليف محلي لها في الصراع السوري([3]) .

  1. الصيد الثمين: بحثت الولايات المتحدة عندما دخلت الصراع السوري عن حليف جديد لمواجهة تمدد تنظيم “داعش” من جانب ومن جانب اخر ضرب المصالح الروسية على الأرض، فوقع الاختيار الأمريكي على الاكراد في شمال سوريا لما لهم من أهمية واهداف بعيدة المدي كانت ترسمها الولايات المتحدة آنذاك حول الضغط على تركيا باللعب عليها بورقة الانفصال الكردي من جهة ومن جهة اخري استخدامهم بصورة غير مباشرة في تأجيج الصراعات الداخلية بين مكونات الشعب السوري. لكن من المعروف أن السياسة لا تعترف سوى بلغة المصالح وليست ثابته على موقف واحد.

فقرار الولايات المتحدة بسحب قواتها من سوريا يعني أن الأكراد باتوا صيد ثمين لتركيا حيث أصبح الطريق إليهم سهلًا وهو ما أعلن عنه الرئيس التركي بشكل ضمني عندما قال إنه ” لكوننا شركاء استراتيجيين مع الولايات المتحدة فينبغي على واشنطن أن تقوم بما يلزم. والآن جاء الدور على شرق الفرات”([4])

وهذا السيناريو قد عبرت عنه صحفية كردية تدعي” أرين شيكموس” حاولت أن تستشرق مستقبل الاكراد في سوريا قائلًة إن “لدينا كل الحق في أن نكون خائفين، إذا انسحبت الولايات المتحدة وتركونا فإن مصيرنا سيكون مثل أكراد كردستان العراق في عام1991 “ ([5]).

فمن الواضح أن سياسة الولايات المتحدة الجديدة تجاه تركيا تدور حول تصفية الخلافات في سوريا، والدليل على ذلك صفقة صواريخ باتريوت التي وقعتها الحكومة الامريكية في اليوم الذي أعلن فيه عن الانسحاب الأمريكي من سوريا وهو عرض لا يمكن رفضه.

4.فقدان الحلفاء: الانسحاب الامريكي من سوريا سيؤثر بشكل كبير على القوات الاجنبية الأخرى التى تشارك في القتال ضد تنظيم “داعش” والتى تقدم بصورة مباشرة او غير مباشرة دعم للقوات الكردية التى تشاركها الحرب على داعش.

لذلك فأن بعض المئات من الجنود الفرنسيين والبريطانيين وغيرهم سيكون من الصعب عليهم الاستمرار هناك من دون الدعم الامريكي وبالتالي فقدان الاكراد لأى دعم مباشر قد تقدمه هذه الدول إليهم بعد الخروج من سوريا ([6]).

وقد يؤدي إلى عودة تنظيم “داعش” مرة اخري للتمدد خاصة ان هناك تقارير تشير بأن هناك ما يقرب من 5000 الاف داعشي منتشرين في مناطق متفرقة من سوريا وينتشر الكثير منهم في المناطق الحدودية مع العراق بشمال سوريا([7]).

ولذلك يمكن القول بإن الانسحاب الأمريكي من سوريا يؤثر على مستقبل الاكراد في سوريا بل وعلى القضية الكردية برمتها لأنهم بذلك باتوا صيد ثمين أمام تركيا، وبالتالي قد يجد الاكراد أنفسهم مجرين بالتخلي عن حلم إقامة دولتهم والتقارب مع الدولة السورية والوصول إلى قدر من التوافقات فيما بينهم.

الهوامش:

[1] – هناء الكحلوت: في حال تخلّت واشنطن عنهم.. ما خيارات أكراد سوريا؟، صحيفة الخليج اون لاين، https://bit.ly/2Tezbbx

[2] – منال حميد: واشنطن بوست: لهذه الأسباب لن يسحب ترامب قواته من سوريا، صحيفة الخليج اون لاين، https://bit.ly/2TfGRdD.

[3] – Guney Yildiz, US withdrawal from Syria leaves Kurds backed into a corner, BBC News, https://bbc.in/2Va7an5.

[4]– أردوغان: أكدنا لترامب ضرورة انسحاب الإرهابيين من شرق الفرات، وكالة الانباء الروسية، https://bit.ly/2QXQpfx.

[5] – Martin Chulov, Julian Borger: US Syria pullout draws Kurdish condemnation and Putin’s praise, the Guardian,https://bit.ly/2AdAH6n.

[6] – ibid.

[7] – Syrian Kurds left behind as Trump pulls out US troops, Public Radio International, https://bit.ly/2AgincQ.

 

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق