الشرق الأوسطعاجل

السودان … انتفاضة نائم على الشوك!

بقلم : مصطفى محمود شحاتة، باحث في العلوم السياسية 

  • المركز الديمقراطي العربي

 

لفتت الاحتجاجات السودانية إلى إمكانية انهيار نظام سياسي راسخ في السودان لقرابة ثلاث عقود، في أعقاب احتجاجات الربيع العربي التي أطاحت بأنظمة عربية كان يصعب التنبؤ بانهيارها.

ولربما يعيد الحراك السوداني الراهن للأذهان مشهد الانتفاضة المصرية في يناير 2011 من زاوية المطالبات ووتيرة التصعيد، إلا أن اختلاف طبيعة وظروف كل حالة يضعف المقاربة، كما كان واضحا في اختلاف منحنى التعاطي مع الأزمة لكل نظام، وذلك يدعو قبل القول في الاحتجاجات إلى استيضاح طبيعة الحياة السياسية في السودان، وتأثرها بالظروف الخارجية المحيطة.

طبيعة وظروف:

فقد عرف السودان بعد الانفصال احتجاجات شعبية قليلة، اندلعت في معظمها بوازع غلاء المعيشة والفساد، تمكّن بعضها من الإطاحة بنظم حكم عسكرية بدعم من قيادات عسكرية معارضة للنظام، كما في احتجاجات 1964 واحتجاجات 1985 التي أتت في الأخير بالنظام القائم، بينما فشل البعض الآخر في إحداث أي تغيير في الواقع الملموس نظرا لافتقاده ذاك المعطى.

وقد أيقن النظام القائم محددات بقاءه، فحرص من بداية ولايته في 1989 على توحيد الصف العسكري وتعزيز نفوذه وإن على حساب رفاهية السودانيين، ما كان ينذر بوقوع احتجاجات شعبية على النظام، وينذر في المقابل بفشلها كما في 1994 و2011 و2012.

وإذ يمكن النظر إلى أبرز قضايا السودان كنماذج مرشدة للتعرف على ملامحه السياسية، نرى أنه في الداخل واجه مشكلاته الانفصالية بالاستسلام للانفصال، وخارجا تعامل بشكل سلبي في قضية “حلايب وشلاتين” الحدودية مع مصر، وسلّم للطرف الأقوى في قضية سد النهضة دون النظر إلى الأخطار المستقبلية التي قد تلحق به جراء إكمال السد وتشغيله.

بيد أنه يتلاشى التورط في أي توجه خارجي أو تبني موقف صريح من منطلق يقينه بضعف شرعيته بين المجتمع الدولي، وأن أي حركة نحو الخارج قد تعيد الذاكرة الدولية إلى التصنيف الأمريكي القديم للسودان كمحور من محاور الشر الثلاث في العالم.

نخلص أن السودان لم يواكب الربيع العربي، ولم تصله سوى موجات اهتزازية ضعيفة من الاحتجاج مقارنة بالزلازل التي ضربت عواصم عربية أخرى، وأنه لم يكن الهدف الأول في المخططات التي كالت المنقطة.

ويظهر السودان مستغرق في عزلة سياسية منقطعة عن الأحداث الراهنة، إما لنجاح مؤسسات الدولة في تعتيم المشهد السياسي الداخلي والأفول الحذِر عن الخارج، وإما لضعف آليات وقنوات المعارضة رغم نشاطها على أرض الواقع.

ومن ناحية أخرى، فقد اختلف الظرف السياسي المحيط بالأزمة تماما عنه أثناء الربيع العربي، فقد كانت الأرصاد العالمية متأهبة لاحتجاجات الربيع العربي إلى حد يثير الشك في كونها مؤامرة خارجية، واليوم في ظل منطقة مشتعلة بالصراعات، انخرطت فيها قوى مختلفة، تواجه القوى العالمية الفاعلة تحديات أخرى أكثر أهمية، تتعلق بأمنها الداخلي، كأزمة الثقة بين القيادة والشعب في الولايات المتحدة، والاحتجاجات الاقتصادية الداخلية التي تعاود روسيا من حين إلى حين، وانكفاء أوروبا على قضايا الانسحاب البريطاني، والهجرة غير الشرعية، والإرهاب، .. وأخيرا احتجاجات باريس وخطورة تمددها، أما دور القوى الإقليمية والعربية رغم تزايده على نحو غير مسبوق، يظل هو المتغير التابع في عناوين الصراع.

زيارة مفاجئة:

يكمن عنصر المفاجئة في زيارة “البشير” إلى دمشق في كونه أول رئيس عربي يزور سوريا منذ اندلاع أزمتها، بزعم بحث آفاق المرحلة المقبلة والظروف والأزمات التي تمر بها البلدان العربية، والمفاجأة في جزء منها خاص بشخصية السودان المنزوي كما أشرنا.

وبقدر المفاجأة لا يمكن التسليم بأن الزيارة التي أشعلت فتيل الاحتجاج في السودان هي قرار خالص من رأس “البشير”، ربطا بالرغبة العربية التي تتماشى مع الرغبة الروسية في كسر العزلة السياسية لسوريا وإعادة المقعد السوري في الجامعة العربية.

في حين تعد السودان نقطة تعارض بين سعي روسيا ودول أوروبية للحصول على معدن اليورانيوم -الذي أعلنت السودان توافر مخزونات تجارية منه، وبين الولايات المتحدة المتمسكة رسميا بموقفها المعادي للسودان الذي يستضيف شركات تنقيب روسية جاهزة للاتفاق حول المعدن المشع.

رقعة الشطرنج:

تتضح الرؤية أكثر بالربط بين ثلاث تصريحات تواليا، فبعد إعلان الخرطوم وجود سفارات أجنبية تدير الاحتجاجات في الشارع السوداني، صرحت واشنطن بتبطيء عملية الانسحاب من سوريا، وأخيرا أصدرت روسيا مرسوم رئاسي لتسهيل دخول السفن الروسية لموانئ السودان، إذ أن المنطقة تأصلت بالصراع، وبات هدوء الوضع في سوريا مقترن برقعة عربية أخرى.

كما يبدو الباعث الاقتصادي لا يزال محور الصراع في المنطقة العربية، فالاحتجاجات رغم قوتها لا تعبر عن رغبة جدية في الإطاحة بـ”البشير”، فالخيار المألوف في الإطاحة بأي نظام حكم في العالم الثالث دائما متاح، إما بالتعويل على جناح عسكري يوالي الشعب حتى إسقاط النظام، وإما بتضيق الخناق الخارجي عليه، وهو ما أبعده “البشير” عن فضاء الاحتمال بإعلانه الحصول على دعم من ست دول عربية -وروسيا من وراء القصد في مواجهة أزمته، كما يعد “البشير” فرصة ذهبية لا تعوض بالنسبة لأي قوة طامعة اقتصاديا، فهو لا زال مطلوب دوليا باتهامات جنائية، وهذا يجعله دائما الحلقة الأضعف في أي تفاوض.

برهنت الاحتجاجات السودانية على أن الواقع السوداني لا يتعارض مع الواقع الجديد في المنطقة العربية، وكان من غير المنتظر أن يبتعد السودان المخزون بالخيرات والثروات طويلا عن المشهد، فيظل احتمال تنحي النظام ضعيف، خاصة وقد أدرك السودانيون النهاية العاصفة للربيع العربي كما شهدوا بدايته من بعيد.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق