الشرق الأوسطعاجل

مسيرات العودة: ومصيرها المجهول في ظل محاولات الالتفاف عليها

بقلم : إسماعيل محمد – غزة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

في الثلاثين من آذار/ مارس الماضي وفى ذكرى يوم الأرض, وضعت الخطوات الأولى لمسيرات العودة الكبرى, والتي رأى فيها الغزيون بكافة أطيافهم فصائل تنظيمية ومواطنين, أنها المخرج الوحيد أمامهم لتصدي لكافة المخططات الاسرائيلية التي تهدف إلى تصفية القضية الفلسطينية, وذلك وفق مخطط “صفقة القرن” التي يتم إعداده من قبل الإدارة الأمريكية بدعم سخي من بعض الدول العربية إضافة إلى رفض الشعب الفلسطيني استمرار فرض إسرائيل حصار خانق على غزة شل كافة المرافق الحياتية منذ أكثر من عشر أعوام, في خضم كل هذه الأزمات المتراكمة ومحاولات التهويد المستمرة التي أصبحت تسير بشكل علني سواء من العدو أو الصديق, أراد الشعب الفلسطيني الذي يرزخ تحت الاحتلال على مدار سبعون عاماً, تقديم أغلى ما يملك لانتزاع حقوقه المسلوبة, إيماناً منه بحتمية النصر ولو بعد حين, حيث هبت رياح “مسيرة العودة وكسر الحصار” لتطفئ نار صفقة العصر.

اللافت في الأمر, أن إسرائيل فشلت إلى جانب السلطة الفلسطينية في الوصول لنتائج ايجابية من خلال الرؤية الثنائية القائمة على فرض العقوبات على قطاع غزة, والتي من شأنها تركيع حماس وإجبارها على تسليم إدارة القطاع, ومن باب أخر انفجار الشعب بوجه حماس نتيجة تأزم الأوضاع باعتبارها الحاكم والمسؤول عن حياتهم, خاصة مع رؤية كلا من الطرفين أن ارتفاع نسبة الانتحار والهجرة في صفوف الشباب الغزى تهيئ الأمور لذلك.

حماس بددت تلك الأوهام والتحمت مع أطياف العمل السياسي من أجل إيجاد مخرج لها, ونجحت في حشد الطاقات الشبابية من خلال تشكيل حراك سلمي أعاد الاعتبار للقضية الفلسطينية من جديد, وأظهر صورة الولاء الموحد في وجه الاحتلال تحت راية علم فلسطين من خلال تشكيل غرفة عمليات مشتركة تضم كافة فصائل المقاومة الفلسطينية.

يبدو جلياً, أن إسرائيل فعلاً أخطأت التقدير من خلال اعتمادها على عامل الزمن وفق ما قدمته دول إقليمية لها, والتي لجأت إسرائيل إليها للخروج من مأزقها من خلال أقناعها أن مع مرور الوقت ستتوقف المسيرات وسيضعف الحراك, خاصة مع دخول فصل الشتاء ستتلاشى هذه المسيرات بشكل تدريجي, وستخسر حماس جولتها وستسقط ورقتها أمام الشعب, لكن الواقع عكس ذلك فالنشاط الجماهيري على الحدود يشهد توافد كبير رغم سوء الأحوال الجوية السائدة.

طوال فترة الصراع, استبعدت اسرائيل خروج مثل هذه الحشود لاعتقادها أن غزة تمتاز بنمط العسكرية, فيما أن الخوف من الحراكات الشعبية يأتي من الضفة الغربية, لكن في الواقع أن إسرائيل أخطأت التقدير في ظل امتزاج النمط الشعبي والعسكري معاً في قطاع غزة, فمع قرب دخول المسيرات عامها الأول, اشتدت حدتها وتنامت أعدادها, وأصبحت ملاذ الشباب ينتظرون يوم الجمعة من كل أسبوع بفارغ الصبر لمواجهة ومقارعة الاحتلال, فالأمر أزعج اسرائيل مع تزايد وتيرة الاحتكاك مع الجنود حتى وصل الحال بقص السلك الفاصل والدخول لمسافات قصيرة داخل الاراضى الاسرائيلية.

بغية كل هذه المراهنات والتي باءت بالفشل من قبل إسرائيل, أدارت إسرائيل ظهرها للسلطة بعد أن فشلت العقوبات في ردع حماس, والتي رأت فيها أن تزايد هذه الضغوطات لن يصب في مصلحة اسرائيل شيئاً, وأن ما تفعله السلطة بحق غزة سيقلب الطاولة على اسرائيل, المنظور العام من الجولات المكوكية التي يبذلها جهاز المخابرات العامة المصري الراعي لهذه المفاوضات الغير مباشرة بالتوازي مع الفصائل الفلسطينية وإسرائيل, يتضح من خلاله أن هناك التفاف عربي منحاز لإيجاد مخرج لإسرائيل على حساب الفلسطينيين, كون أن جهاز المخابرات المصري سعى كثيراً للتضييق على حماس, ولا يزال يعتقل عدداً من أفرادها, حماس تعي جيداً ما يدور حولها وتقرأ ما بين السطور بتأني لما يجرى من تفاهمات وما يطرح عليها من إغراءات تجعلها تتراجع عن هذه المسيرات, لكن حماس تدرك أنها أصبحت شريكة مع كافة الفصائل الفلسطينية في اى قرار, فليس بوسعها القبول بأي حل دون الرجوع والتشاور مع كافة الفصائل الفلسطينية.

اسرائيل باتت تدرك حاجة حماس الماسة للمال أكثر من أي فترة مضت نتيجة تشديد الحصار على غزة وتجفيف كافة منابع الأموال, ورأت في تهديدات قائد حماس في غزة يحيى السنوار والذي أعطى إسرائيل مهلة محددة لإدخال منحة قطر المالية, أن حماس باتت تحارب من أجل حل أزماتها المالية, فقدمت تسهيلات مبدئية بما يخص تجاوز أزمة الكهرباء في غزة, بعد تزويد محطة الكهرباء بالوقود القطري والسماح بإدخال منحة قطر المالية لموظفيها العاملين في الشق المدني والمقررة لمدة 6 أشهر, سماح اسرائيل لدخول المنحة ياتى في إطار تخفيف حدة العنف من قبل الفلسطينيين بعد أن تطورت أساليب المقاومة الشعبية وباتت إسرائيل في حالة إرهاق قصوى, بعد حرق ألاف المحاصيل الزراعية بفعل الطائرات الورقية الحارقة, لكن مع قرب الانتخابات الاسرائيلية المقررة في أبريل المقبل, وتلقى رئيس الوزراء الاسرائيلى بنيامين نتنياهو انتقادات بتسهيل إدخال الأموال إلى حماس عبر الاراضى الاسرائيلية بشكل علني, يحاول كسب شعبية مؤيده من خلال اللعب على الوتر الحساس فيما يخص التحكم بإدخال المنحة المالية لغزة, حيث يمنع نتنياهو إدخال المنحة الحالية بسبب أعمال الشغب التي تشهده الحدود, فيما تدرك حماس هي الأخرى جيداً, أن الوقود والمال ليس هو السبب الذي خرج من أجله الجماهير, وقبولها بذلك من باب مصلحتها الشخصية سيفقد الحركة جماهيرها المؤيدة لها, بذلك وفى ظل انحسار المخرجات المناسبة لوقف المسيرات وتزايد زخمها الجماهيري, تبقى المسيرات أمام واقع ومصير مجهول, أما الوصول لتهدئة تلبى متطلبات الطرفين وأما الدخول في مواجهة عسكرية لا تحمد عواقبها.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق