الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الحرب ضد الفساد في العِراق أَخطر مِن الحرب ضد داعش

بقلم : د. مروان سالم العلي – استاذ جامعي- كُلية العلوم السياسية – جامِعة الموصل- تخصُص استراتيجية وعلاقات دولية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

إِنَّ من أولى الشِعارات واقواها التي تُطلق عِند تسلُم كُل حكومة جديدة مهامها شِعار مُكافحة أَو مُحاربة الفساد والمُفسدين والقضاء على مظاهر الفساد الحكومي وهدر المال العام وتطبيق مبدأَ سيادة القانون دون تمييز أَو استثناءات حتى أَصبح هذا الشِعار موالاً تعود الناس على ترديده في الأَعراس والحفلات الشعبية.

والفساد بكافة وجوهه الإِدارية والمالية والسياسية هو ظاهِرة عرفتها المُجتمعات كافة في الأَزمِنة والعصور كلُها, فهو ظاهرة عالمية مُستمرة ومُنتشِرة في مُعظم دول العالم وتختلف شموليتها مِن مُجتمعٍ لأخر, لأنها لا تخص مُجتمعاً بذاتهِ أَو مرحلة تاريخية بعينها، ومع ذلك ثبت بالدليل القاطع أَنَّ حجم الظاهِرة أَخذ في التفاقُم إِلى درجةٍ أَصبحت ظاهِرة الفساد تُهدد مُجتمعات كثيرة بالجمود ورُبما بالانهيار، وإِحدى العقبات الأَساسية التي تُهدد التنمية في العالم.

فبضعف الوازع الديني والردع القانوني يستشري الفساد وتشتد سواعِده ليُمارس عمله المُدمر على المُجتمع ومؤسسات الدولة المُختلفة. كما أنَّ الضعف الذي يعتري الدول وعلى رأَسها دولتنا العِراق يُعد عامِلاً مُهِماً في انتِشاره، فضلاً عن أَنَّ التحولات الانتقاليـة التي تمـرُ بها بعض المُجتمعـات تؤدي إِلى عـدم وجـود رادع وعِقـاب يمنع هذه الظاهرة بسبب ضعف حكـمُ القانـون وترهُل الإِدارات واستِعدادهـا للإِضرار بالمال العام. فالفساد وضع الاقتصاد العِراقي نحو المزيد مِن التدهور والتأَخر في المشاريع التي يُراد مِنها التنمية والتقدُم وإِعادة البِناء.

وعلى الرغم من أنَّ العِراق هو ثاني أَكبر مُنتج للنفط في مُنظمة الدول المصدِرة للنفط (أوبك) ويتلقى عشرات مليارات الدولارات سنوياً من بيع الخام، لكن الحكومات العراقية لا تزال عاجزة عن توفير الخدمات الأساسية للسُكان. وللفساد تداعيات سلبية كبيرة على التنمية في العِراق مِن بينها مواجهة المُستثمرين الأَجانب ضغوطاً كبيرة على أَعمالهم في ذلك البلد. وارتباط الفساد بالعِراق ظل محل اهتِمام المؤَسسات الدولية قبل المحلية والإقليمية.

ويؤمن كثير مِن العِراقيين كُلياً بأنهم يعيشون في أَكثر دول العالم فساداً. ومِن أَكثر مظاهر الفساد انتِشاراً في العِراق هي الواسطة والمحسوبية والرشوة وسوء استغلال الوظيفة والمنصب والاعتِداء على المال العام وهذه المظاهر لا تقتصر على فئة مُعينة وإِنما تبدأَ مِن كبار موظفي القطاع العام والخاص إِلى صغار الموظفين وهذا ما يجعل مُكافحة هذه الآفة في غاية الصعوبة وبِحاجة إِلى أُطر منهجية صحيحة وعادِلة بعيداً عن المُحاباة والمحسوبية. وقد اقرت هيئة النزاهة العِراقية المُرتبطة بالبرلمان في عام2018 بأنَّ العِراق فقد بسبب الفساد الحكومي نحو(320) مليار دولار في السنوات الـخمسة عشر الماضية. وقد تسلمت منذ إنشائها قبل عدة أعوام آلاف القضايا المُتعلقة بالفساد، بلغت في الربع الاول فقط من هذا العام (9832) حُسِم منها (4443) قضية.

ففي عام2017 حل العراق في المركز (169) بين (180) دولة على مؤشر الفساد الذي تنشره منظمة الشفافية الدولية. ويصنف مؤشر إِدراك الفساد البُلدان والأقاليم على أساس مدى فساد قطاعها العام. وقد بلغ العراق أعلى درجة له في الفساد في عام2007 بحصوله على الترتيب (178) بينما سجل أَدنى مستوى في عام2003 بترتيب (113). وكما موضح أدناه:

مستويات الفساد في العِراق – مُنظمة الشفافية الدولية:

وتستخدم مُنظمة الشفافية الدولية مقياساً مِن صفر إِلى مائة، ويعني الرقم صفر “شديد الفساد” و مائة “نظيف جدا”. وأَدناه عدد النقاط التي سجلها العراق في مؤشر الفساد خِلال السنوات الست الماضية.

مستويات الفساد في العِراق- النزاهة العالمية:

إِزاء ذلك باتت “المعركة ضد الفساد في العِراق أَخطر مِن معركة الإِرهاب”. هذا ما قاله رئيس الوزراء العِراقي الأَسبق (حيدر العبادي) بعد إِعلان القضاء على داعش في العِراق في نهاية العام2017. فمُكافحة الفساد والقضاء عليه يعزز الثقة بأجهزة الدولة ويُحقق العدالة ويُساهم في الانتعاش الاقتصادي والحفاظ على موارد الخزينة لصرفها في الأَولويات الضرورية للدولة. فمُكافحة الفساد واجب وطني يُحتم على كُل مُخلص أَنَّ يُساهم في القضاء عليه دون تهاون أَو مُحاباة لأنها مصلحة عامة مُقدمة على أَي مصلحة خاصة ولذلك فإنني اقترح في هذا المجال أَنَّ يكون في كُل دائرة حكومية مكتب تابع لهيئة مُكافحة الفساد تُسهل على المواطنين التبليغ عن أَي شُبهة فساد في تلك الدائرة وتخلق جواً مِن الثقة في مؤَسسات الدولة وتكون دافع لِكُل موظفي الدولة الابتعاد عن مواطن الفساد وتجنبه ونكون بذلك قد حققنا الهدف والغاية المنشودة في مُحاربة هذه الآفة الضارة المُدمِرة التي تنعكس أثارها على الوطن ككُل.

إِنَّ النجاح في مواجهة الفساد ليس بالأَمر السهل ولا يمكن تحقيقه في المدى القصير، وانما يتطلب استراتيجية مؤسسية مُتسقة ومُتماسكة واسِعة النطاق ومنظور بعيد الأَجل، تكفل الكشف عن مواطن الفساد الإِداري والمالي وإجراء التحريات والتحقيقات عن جميع قضايا الفساد وتقديم الإِرشادات التوعوية بالآثار السلبية لهذه الآفة على التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية على حدٍ سِواء.

أنَّ الاستراتيجية الفاعِلة لِمُكافحة الفساد يجب أَنَّ تتضمن العناصر الآتية:

  1. الإِرادة السياسية للقيادة: لا يمكن بأَي حالٍ مِن الأَحوال مُكافحة الفساد، دون وجود قيادة رشيدة في القمة، وجميع الجهود الأُخرى لا يمكن أنَّ تنجح بدونها (رغم عدم كفايتها بحد ذاتها)، فالقيادات تضع الإجراءات التشريعية وتُنفذ القوانين وتُطالب بأَداء الواجبات بِكُل ثقة دون خوف أَو مُحاباة. أنَّ الإِرادة السياسية للإِداري تقوم على سن التدابير القسرية دون تمييز وفرض العقوبات الصارِمة على المُخالفين للوقاية مِن الفساد، وبِناء الخدمة المدنية المهنية والخاضِعة للمُساءلة، وإنشاء نظُم الإِدارة المالية السليمة والشفافية.
  2. إِصلاح القطاع العام: الدول التي تتميز بانخِفاض مستوى الفساد هي تِلك الدول التي تجري إِصلاح لمؤسساتها العامة مثل اصلاح البرلمان، والسلطة القضائية، وإِصلاح الخدمة المدنية؛ إذ تُبين التجربة أَنَّ أَساس الجدارة والتوظيف وتعزيز شروط الرعاية والعقوبات، يضمن حوافز مُناسِبة ويخلق الاحتراف ويُقلل فرص الفساد. ناهيك عن أَهمية وجود الوكالات المُستقلة المُتخصِصة لِمُكافحة الفساد وهيئات الرقابة التي تعد مكوِنات مُهِمة من الاستراتيجية الوطنية لِمُكافحة الفساد؛ مثل (اتحاد الغرف التجارية، مكتب المُفتش العام، والهيئات الانتخابية المُستقلة وهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية. ويجب أَنَّ تتمتع هذه الهيئات بالمهنية لأداء واجباتها وأَنَّ تكون مُستقلة عن التلاعُب السياسي.
  3. الإِصلاح القانوني والقضائي: لا شك إِنَّ التدابير القانونية البحتة وحدها لا يمكن أَنَّ تكون فعالة تماماً في مُكافحة الفساد، بل يجب أَنَّ تُشكل جزءً أساسياً مِن استراتيجية تتضمن أنظمة قانونية ولوائح تعمل جيداً، وكذلك العملية الإدارية والمؤسسات التي يتم بواسطتها تنفيذها. وهذا يتطلب نِظام قانوني مُستقل، فضلاً عن وجود قضاء فعال ومُساءلة محمية مِن التدخُل السياسي.
  4. المُجتمع المدني: إِذ يعد القطاع الخاص وجماعات المصالح والمهنيين وزُعماء الدين مِن اللاعبين الرئيسيين الذي يمكنهُم من بِناء تحالُفات ضد الفساد، كما تلعب وسائل الإِعلام المُستقلة دوراً حيوياً في توعية الجمهور وفضح الفساد وبِناء الدعم لِمُكافحته.
  5. كما أَنَّ شِعار مُكافحة الفساد يحتاج بالإِضافة للتطبيق القانوني السليم إِلى وعي فكري منهجي تجاه هذه الظاهرة مِن المسؤولين والمواطنين على حدٍ سِواء ووضع أسُس ومعايير واضِحة تضمن حسن تطبيق القانون بصورة تُسهل على الجميع كشف مواطن الفساد والتبليغ عنه ومعاونة أَعضاء هيئة النزاهة العِراقية للوصول إِلى الحقائق التي تؤَدي إِلى مُعاقبة المفسدين وحماية العدالة الاجتماعية ولذلك فانه يترتب على الجهات المعنية بهذا الموضوع اتخاذ كافة التدابير والإِجراءات اللازمة لتشريع قوانين لِمُكافحة الفساد وتطبيقها بصورة جدية عبر تطوير سياسات فعالة والتعاون مع جميع الجِهات المحلية والإقليمية والدولية لِمُحاربة أوكار الفساد وإنزال العقوبات الرادِعة بحق المُفسدين بغض النظر عن المُسميات والمناصب.
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق