احدث الاخبارمقالات

الموجة الأولى- لدول الربيع العربي

بقلم :  درويش خليفة

 

بعد أن تجاوزنا بعض الشيء من فوضى دول الربيع العربي، أصبح إعادة ترسيم الحدود الدولية من الماضي.

ولكن يصعب علينا التنبؤ في الاتجاهات الفكرية التي ستغزو المجتمعات ما بعد حالة الاستقرار، وهنا أسأل نفسي هل تستطيع القوى التقدمية العصرية من وضع قدم لها على الساحة العربية وتقوم بتنفيذ وعودها في إصلاح بنى الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية؟

وسؤالي هنا يأتي بعد إزاحة القوى الدخيلة على دول الربيع العربي “قوى التطرف والانفصال” على سبيل المثال.

وهل سيعاد إنتاج الأنظمة السلطوية بلبوسً جديد؟ الأوتقراطية العلمانية على سبيل المثال، أي تبقى السلطة في يد رجل واحد، يتفرد في حكمه وفي قيادته للدولة وفق أجنداته كما فعل الراحل حافظ الأسد في بداية حكمه، قبل أن يتحول لديكتاتور إله.

  • مراحل الربيع العربي
  • الحركات الدخيلة على الربيع العربي
  • دور القوى المجتمعية والسياسية في توجيه الجماهير
  • سيناريوهات ما بعد الثورة السورية

بدأ الربيع العربي كالصيف حارقاً معه من أشعل الشرارة الأولى للربيع العربي الشاب التونسي.

“طارق الطيب محمد البوعزيزي”، بعد أن أضرم النار بجسده بعد مصادرة بلدية ولاية سيدي بوزيد لعربته التي يبيع عليها الخضار وصفعه من قبل الشرطية “فادية حمدي” وعدم نظر السلطات في شكوته المقدمة ضدها.

لتتحرك عواطف ومشاعر أبناء مدينته وتعم المظاهرات أرجاء المدينة وتنتقل الاحتجاجات للعاصمة التونسية وباقي المدن المطالبة بتنحي الرئيس التونسي آنذاك زين العابدين بن علي، وقد سميت بثورة الياسمين.

وبدوره رضخ بن علي لمطالب الشعب التونسي بالتنحي في 14يناير 2011. ولينتقل بعدها للعيش في مدينة جدة السعودية.

ومن هنا انتقلت عدوى الربيع العربي إلى مصر التي أعطى الجيش المصري درسا في الوطنية في بداية الأمر بعدم تدخله لصالح السلطة، إلى أن تحول لمدافع عن حسني مبارك ونظامه، وبعد عدة مناشدات غربية له بالحفاظ على مصر وإبقاء البلد بحالة استقرار، انصاع مبارك لمطالب المتظاهرين ليقوم بتسليم الحكم للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 11 فبراير 2011.

وليتنقل بعدها الرئيس المتنحي للإقامة في مدينة شرم الشيخ المصرية على ساحل البحر الأحمر.

ثم أتت ثورة 17 فبراير/ شباط 2011 في ليبيا والتي أدت لمراحل عنف مبكرة نتيجة استهزاء الرئيس الراحل القذافي بمطالب الثوار، المحتجين على قيادته للبلد، والتي انتهت بتدخل عسكري لحلف الشمال الأطلسي (الناتو) أدى لمقتل القذافي في ظروف غامضة في 20 أكتوبر/تشرين الأول 2011.

وهذا ما أدخل ليبيا في صراع مسلح عشائري في مراحله الأولى بين قبيلة القذافي والقبائل المعارضة لحكمه. لينتقل النزاع بعد مقتل القذافي، بين أطراف الحكم: قائد الجيش خليفة حفتر ورئيس حكومة الوفاق الوطنية فايز السراج ورئيس مجلس النواب عقيلة صالح التي تدعم الدور الروسي في بلادها.

لتبقى الذهنية العشائرية هي المسيطرة بعد سنوات من الصراع المسلح واحد اسباب استمراره.

وفي السياق ذاته رأى اليمنيين أن الفرصة متاحة للخلاص من حكم الراحل “علي عبد الله الصالح” الذي حكم اليمن 33 عام.

بعد أن تنحى عن السلطة بمبادرة خليجية تضمن عدم ملاحقته قانونياً في فبراير/شباط 2012، وذلك بعد 11شهرا من التظاهرات ضد نظام حكمه.

وعلى ما سبق يبدو الراحل علي عبد الله الصالح لم يرق له ابتعاده عن السلطة، فقام بالتحالف مع الحوثيين في 2014 لإخراج الرئيس اليمني عبد ربه منصور من السلطة. عبر لعب دور في تأمين كتلة من التحالفات العشائرية والعسكرية ولكن الخلافات المالية وسباق النفوذ حال دون استمرار هذا التحالف قبل مقتله بأيام قليلة.

ليعلنوا ميليشيا الحوثي مقتله في 4 ديسمبر/كانون الأول 2017 في العاصمة صنعاء.

وفي منتصف آذار 2011 اندلعت شرارة الثورة السورية خاتمة ثورات الربيع العربي في حوران، تحديدا في مدينة درعا جنوب سوريا، بعد أن اعتقلت قوات الأمن السوري، الأطفال الذين كتبوا على جدران مدرسة الأربعين في درعا البلد. وأهانت أهاليهم من قبل ابن خالة الرئيس عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي في المدينة.

لتجتاح المظاهرات المناوئة للنظام عموم محافظة درعا مطالبةً بدايةً بإزاحة المحافظ فيصل كلثوم والعقيد عاطف نجيب رئيس فرع الأمن السياسي.

ولكن سرعان ما تعامل معها الأمن برعونة أدت لاستشهاد الشابين “محمود الجوابرة وحسام عياش” لتكون شرارة الحراك السوري في وجه الظلم والطغيان. وحيث أن رأس النظام كان قد صرح قبل اندلاع الثورة السورية أن الوضع في سوريا مختلف، في إشارة منه على أن عملية التغيير تتطلب أجيالاً وسنوات عمل جادة.

وفي مجمل ثورات الربيع العربي كان لقوى دخيلة دور في تحريف مطالب المحتجين ورواد التغيير على سبيل المثال (استطاعت عدة قوى سياسية مصرية الركوب على خيل ثورتها، دون مراعاةٍ لمطالب الشباب الثائر في تحسين مستوى معيشتهم وزيادة دخلهم عبر إيجاد فرص عمل تتناسب وإمكانياتهم).

أما في ليبيا فكان للقبائل دوراً في دخولها على خط الثورة وامتلاكهم الأسلحة لتقيهم غدرات الزمن ولكن سرعان ما تأسلم البعض من الشباب الليبي كحالة تعبر عن انفصالهم القبلي وانتمائهم الديني.

وكذلك الحال في اليمن عبر تجييش الحوثيين لمريديهم في عسكرة الحراك السلمي وتحويل اليمن لساحة حرب، أحداثها ترتبط طائفياً بما يجري في سوريا لسنوات عدة من الصراع المسلح.

وبعد سيطرة الحوثيين على العاصمة اليمينة صنعاء في منتصف 2014. أخذت دول الخليج والسعودية على وجه الخصوص زمام المبادرة بتشكيل حلف عربي لاستعادة الشرعية حسب قولهم، والقضاء على قوات المتمردين “الحوثيين” المدعومين إيرانياً كي لا يكونوا يوماً ما خنجراً في خاصرة المملكة العربية السعودية.

أما في سوريا فكان لتسليح ثورتها انعكاساً سلبياً على مطالب الثوار السلميين الذين طالبوا بالتغيير الإيجابي والتحول الديمقراطي بعد سنوات من انتظار خطط التنمية التي وعد بها الرئيس، وريث الحكم في الجمهورية العربية السورية.

فكان لتسليح الثورة إفرازات لا تتماهى مع مطالب الحراك كدخول مقاتلين أجانب ينتمون لتنظيم القاعدة/ جبهة النصرة. وكذلك دخول مقاتلين يتبعون لميليشيا PKK/PYD قوات الحماية الذاتية الكردية ليمثلوا حالة قومية مطالبة بالانفصال أو فيدرالية قومية على أقل تقدير.

ولكن سرعان ما تسارعت الأحداث في بداية آذار 2013 ليبصر الضوء تشكيل جديد تحت مسمى تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ويقوم بقضم مناطق سيطرة الثوار والسيطرة عليها ليعلن فيما بعد عن تسمية جديدة باسم تنظيم الدولة الإسلامية.

وبعد ممارسته الإجرامية بحق كل من يعارض دولتهم المزعومة، تشكل تحالف دولي للقضاء على هذا التنظيم في النصف الأول من عام 2014.

وحتى تاريخ تحرير هذا المقال مازال لتنظيم داعش جيباً في ريف دير الزور الشرقي.

  • دور القوى المجتمعية والسياسية في توجيه الجماهير:

إن عملية التغيير في المجتمعات ليست بالأمر الهين ولا تتم في يوم وليلة، وأن إدخال أي مفهوم أو ثقافة جديدة داخل أي مجتمع هو ليس بالأمر السهل كذلك. إن هذه الثورات هي حركة ديناميكية في مجتمعاتنا أوجدت أثراً كبيراً في الناحية السياسية والاجتماعية على الأخص، فكان من نتاج هذه الثورات هو تبلور مفهوم جديد وثقافة جديدة في مجتمعاتنا، ألا وهو مفهوم إعادة الثقة بنفوس الشعوب ومقدرتهم على التغيير.

إنه لعامل مهم في تاريخ الثورات وتاريخ أي شعب يطالب وينادي بتغيير الواقع، وخاصةً عندما يصبح التغيير مطلبا شعبيا وجماهيريا، فيكون مصدر قوة وطاقة تأكل الأخضر واليابس، عندما تحمله الشعوب. حيث كانت هذه الطاقة كفيلة بقلب أنظمة وتغيير حكومات بسلاح غير معهود، لقد كان سلاح الكفاح السياسي والصراع الفكري لتغيير الواقع السياسي.

حقيقةً باستثناء المنصات الإعلامية المستقلة ومنظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب المعارضة للأنظمة في دول الربيع العربي لم تظهر قوى مجتمعية حاملة للواء التغيير والتحول الديمقراطي في هذه الدول، حيث كان دورها إسعافياً مخدراً لألم الشعوب العربية الطامحة، أكثر منه استراتيجياً يسهم في تحقيق مطالبهم في الحرية والعدالة الاجتماعية.

ولكن ما بعد انتهاء الصراعات المسلحة وكتم صوت البنادق قد نشهد انفراجاً وصوتاً مزلزلاً للقوى المجتمعية، لتكون اللبنة الأولى في بناء الدولة عبر مؤسسات ذو حكم رشيد ونقابات ومنظمات مجتمع مدني يرافقهم في تصحيح المسار وسائل إعلامية مستقلة تهدف لحياة كريمة مستمدة من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان.

  • سيناريوهات ما بعد ثورة سوريا:

مازالت احتمالات الحل السوري مفقودة في ظل تضارب الأجندة الدولية في سوريا ووجود 39 قاعدة عسكرية أجنبية على الجغرافية السورية موزعة بين القوات الروسية والإيرانية والتركية والأميركية، وبدرجة أقل لفرنسا وألمانيا.

النظام يناور بين حلفائه الروس والإيرانيين بالرغم من خلافات الأخيرتين البينية ولكن سرعان ما يتجاهلون خلافاتهم عندما يكونوا بمواجهة الأمريكان في تصويت على قرار أممي أو في مجلس الأمن الدولي.

بالمقابل الأمريكان ما يهمهم من سوريا دحر تنظيم داعش وتمرير مشروع صفقة القرن بعد تعزيز الصراع الطائفي الشيعي السني والذي أتاح للسنة ممثلين بدول الخليج بتقبل لقاءاتهم المتكررة في الآونة الأخيرة بين الدبلوماسيين وأقرانهم من الإسرائيليين.

حيث شهدنا مؤخراً إعادة فتح سفارة الإمارات والبحرين في سوريا وزيارة خاطفة للرئيس السوداني عمر حسن البشير كخطوة لإعادة الأسد للحضن العربي.

سوريا الآن تخضع لمناطق نفوذ عسكرية قد يبقى الحال على ما هو عليه لحين بلورة حل وفق القرار الدولي 2254 ومخرجات جنيف1 ذات الصلة بالشأن السوري، والذي أعتقده منصف بحق السوريين بعد سنوات المخاض التي عاشتها البلد بتهجير ما يقارب الستة ملايين في دول الجوار وأوروبا ونزوح مالا يقل عن خمسة ملايين آخرين.

ومازلت أؤكد على أن إسكات صوت البنادق سيعيد لسوريا الحياة السياسية التي افتقدتها منذ تولي السلطة من قبل العسكر بلبوسهم الحزبي (بعثنة الجيش وعسكرة الحزب).

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق