الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

الدوافع الثقافية لحادثة نيوزيلندا

اعداد : روضة الديب  – باحثة في العلوم السياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المقدمة:

تعود ظاهرة الاسلاموفوبيا تاريخيًا إلى بدايات القرن العشرين ،وتصاعدت هذه الظاهرة بشكل كبير  في العقود الثلاثة الاخيرة من هذا القرن، حيث تفسر الظاهرة نظرة الغرب إلى المسلمين والمجتمعات الشرقية بشكل عام ، حيث يعود تاريخ ظهورها إلى عام 1910 ” وتطورت بين أعوام 1999 و2001 ، وفسر مراقبون ذلك “بتراكم مجموعة من العوامل، من بينها هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001 ، والتطورات التى تلتها من تصاعد خطاب اليمين المتطرف في اوروبا واستغلاله للمسلمين عبر التحريض عليهم كوسيلة من وسائل الحشد الانتخابي .

ولا يوجد تعريف دولي محدد  لظاهرة الاسلاموفوبيا على الرغم من  انها تشهد في الاونة الاخيرة وبداية من القرن الحادي والعشرين تزايد كبير في الكتابات التى تتناول ابعاد هذه الظاهرة ، فعلي الرغم من تصاعد مشاكل هذه الظاهرة إلا أنها لا تزال غير معترف بها دوليًا، ويمكن أن تعرف الاسلاموفوبيا بشكل عام علي أنها الخوف المبالغ فيه من الاسلام والمسلمين والذي تشكل بفعل مجموعة من القوالب الثقافية والاجتماعية النمطية التى تتسببب في التحيز واقصاء المسلمين من كافة مناحي الحياة في المجتمعات الغربية .

وتشكلت ظاهرة الاسلاموفوبيا بفعل مجموعة من العوامل المتشابكة والمترابطة مع بعضها البعض، فهى مكونة من عوامل اجتماعية وثقافية واقتصادية وسياسية.

وسيتم في هذه الورقة الاشارة إلى العوامل الثقافية ودورها في تفسير ظاهرة الاسلاموفوبيا، خاصة بعد حادثة ِنيوزيلندا التى وقعت في الخامس عشر من مارس الماضى والتى راح ضحيتها 50 شخص في هجوم دموى  استهدف مسجدين في مدينة “كرايستشيرش” النيوزيلندية، أثناء تأديتهم صلاة الجمعة، وأصيب عدد اخر منهم.

طبيعة الصراع الثقافي: العنصرية سهم موجه للمسلمين

لا يزال البعض من الكتابات الاوروبية  تعيد كتابة حقبة الصراعات التاريخية بين الدولة العثمانية سابقا واوروبا الصراع عبر  تعزيز هذه التصورات بذكريات هذا الصراع وسيطرة الدولة العثمانية على  جزء كبير من شرق وجنوب شرق أوروبا  بالإضافة إلى ذلك ، أصبح ينظر إلى  المسلمون في الغرب على أنهم  متمرديين يرفضون الاعتراف بمزايا “الحضارة” التي منحها لهم الاستعمار ، لأنهم نظروا إلى العديد من حركات نضال الشعوب ضدهم على اساس انه صراع بين الشرق والغرب([1]) .

وقد مثل هذا التفسير عامل تحفيزي لمنفذ حادثة نيوزيلندا على قتل خمسين شخصًا ، فالعبارات التى كتبت على سلاحه كانت عبارة عن اسماء معينة وتواريخ لمعارك قديمة وقعت بين الشرق والغرب منها “إسكندر بك” القائد الألباني ضد الدولة العثمانية، “شارل مارتيل” قائد جيش الفرنكيين الذي حارب المسلمين في معركة بلاط الشهداء، “ماركو أنطونيو براجادينو” القائد الذي خالف الاتفاقية في فاماجوستا وقتل الأسرى الأتراك، “ألكسندر بيسونت” وهو شخص قتل 6 أشخاص بهجوم على مسجد في كندا 2017، كما كتب على السلاح “أهلا بكم في جهنم وضد اللاجئين”.

ذلك أن  “الثقافة” أصبحت بطرق عديدة مناسبة “للعنصرية” كوسيلة لتفسير التناقضات الاجتماعية.بل وتركزت عليها العنصرية المعادية للمسلمين عبر بعض الكتابات كـ”صراع الحضارات” التي صاغها “برنارد لويس” لأول مرة ثم تحدث عنها  “صموئيل هنتنجتون” ، والذي سوقت كتاباته أن الصراع القادم بين الشرق والغرب سيكون جزء اساسى منه صراع ” ديني” هذا بالاضافة إلى نظرة اليمين المتطرف إلى العرق الابيض على انه هو المتفوق، ويضع  المسلمين على أنهم “الآخرون” وأن وجودهم تهديد وجودي للحضارة الغربية “. وبالتالي اصبحت هذه النظرة  الأيديولوجية العنصرية محرك ثقافي للتحامل الشعبي ضد المواطنين المسلمين في مختلف الدول الغربية .

وكدليل أخر  علي تفوق هذه النظرة في عقلية البعض من المواطنين الغربيين هو ما كشفت عنه وسائل اعلام كندية من ظهور جماعة يمينية متطرفة، تحمل السلاح لـ”الدفاع عن البلاد ضد المسلمين”، وتطلق على نفسها اسم “3 بالمئة”، وترفع شعار “نحن في حالة حرب وفي قلب الكفاح”([2]) .

الاختلافات الثقافية: فشل في إدارةالتنوع

لعبت الاختلافات الثقافية بين الغرب والمسلمين دافع اساسي ولا يمكن الاستهانه به في تفسير ظاهرة الاسلاموفوبيا علي اعتبار أن الاختلافات الثقافية قد تؤدي إلى نشوء صراعات بين الاجناس المختلفة أن لم يحسن إدراة هذا التنوع الثقافي، وعلي ذلك لعبت العوامل الثقافية دور في تصاعد ظاهرة الاسلاموفوبيا، خاصة إذا رأينا أن أغلب التعريفات والتفسيرات التى توضع لاسباب هذه الظاهرة تتحامل علي المسلمين عبر اتهامهم بأن سياستهم هى التى تدفع الاخرين للهجوم عليهم([3]) .

كما ربطت المدراس الفكرية الغربية الحديث عن الاسلاموفوبيا بالعنف والمواجهة المسلحة بل وبالصراع بين “المسيحية” و”الاسلام الراديكالي” وصورته علي أساس أنه هو المنافس القوى لتفوقهم الحضارى.

ويتضح ذلك من خلال ما كتبه بعض مؤيدي الحادث الارهابي في نيوزيلندا علي جدران المسجدين الذان شهدا الحادثة حيث كتب علية عبارة ” لنبق اقوياء”([4])، وهى عبارة في فحواها تحمل طابع ثقافي عنيف غرز عبر سنين طويلة، ايضا بالقراءة في البيان الصادر من منفذ الحادث الارهابي يتضح تلك النظرة العنيفة تجاه المسلمين حيث جاء في إحدى عبارات بيانه أن  هناك “مؤامرة” تجري علي “الاوروبيين” من قبل المسلمين وأنه نفذ هذه العملية في سبيل الدفاع عن “التفوق الابيض” كما اسماه([5]) .

وبالتالي، هذا  يفسر أن العنصرية والدوافع لهذه العملية من الاطار الثقافي استندت إلى مفاهيم ذاتية قائمة علي اسس الاختلافات العرقية والدينية ،كما تشير إلى ترسخ مفهوم التفوق للعنصر الابيض في عقلية البعض تجاه نظرتهم للمسلمين)[6]).

ومن جانب اخر البعض يفسر  هذه العملية من الجانب الثقافي علي اساس انها ذات  دافع يتمثل في نظرة البعض إلى الجماعات الارهابية علي انها تمثل الصورة الحقيقية للمسلمين وبخاصة تلك التى وقعت في عواصم غربية بداية من أحداث الحادي عشر من سبتمر 2001 مرورًا بالحوادث التى اتركبها تنظيم “داعش” في العواصم الاوروبية .

ولكن على الرغم من أن هذا التفسير يعتبر جزء من اسباب ظاهرة الاسلاموفوبيا إلا أن المسلمين هم أكثر من تضرروا من هذه العمليات التى تشنها الجماعات الارهابية)[7]  .(

وختامًا، يجب الاشارة إلى أن التصريحات التي أدلت بها رئيسة الوزراء نيوزيلنديه قد تكون بمثابة اللمسات العلاجية الهامة في الأوقات الصادمة ، ولكنها لن تكون قادرة على مواجهة العوامل الأساسية التي تشجع الإسلاموفوبيا ، فقط التعليم الذي يؤكد على مناهضة العنصرية وقبول التنوع الثقافي والديني هو وحده القادر على القيام بذلك. وهذه العملية  تستغرق وقتًا طويلاً وأن الطريق إلى هذا الهدف ربما لا يزال ممتلئًا بأعمال عنف مستوحاة من دعاة التفوق الابيض والحضارة الغربية .

خاصة في ظل وجود عاملين يدفعان بالعامل الثقافي للواجهة دائما في ظاهرة الاسلاموفوبيا وهي الخلفيات التاريخية القديمة للصراع بين الشرق والغرب، التطور في وسائل الاتصالات جعل نقل المعلومات اسهل واسرع وذلك باعترف مرتكب مذبحة نيوزيلندا علانيةً أنه استلهم أفكاره من اصحاب شعارات  التفوق الأبيض وقرر التصرف بناءً عليها.

الهوامش:

[1]-Mohammed Ayoob, The Roots of Islamophobia, https://bit.ly/2UhdEyN.

[2] – مليشيا إرهابية في كندا تهدف لإبادة المسلمين،صحيفة الخليج اون لاين، https://bit.ly/2PaN7lX

[3] – شريف درويش اللبان،الإسلاموفوبيا والغرب، محاولة لفهم حادث نيوزيلندا ، المركز العربي للبحوث والدراسات،https://bit.ly/2CHe7Es  

[4] -هانى زايد، قراءة الأدمغة تفرض حضورها على حادث نيوزيلندا الإرهابي،موقع العلوم المعرفية، https://bit.ly/2PeMMii

[5] New Zealand shooting: Brenton Tarrant charged after 50 killed in attacks on two mosques in Christchurch, The telegraph, https://bit.ly/2HvWqei

[6] – RALPH LEONARD, Islamophobia and the ‘Racism’ Factor, https://bit.ly/2DfBK7A.

[7] – Mohammed Ayoob, The Roots of Islamophobia, Opcit.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق