الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

لماذا تتردد فكرة الحرب في إذهان العراقيين؟

اعداد:  حسني عماد حسني العوضي 

  • المركز الديمقراطي العربي

“إذن هي الحرب؟”… يتردد هذا القول كثيراً اليوم في جلسات العراقيين الذين لم يمض وقت طويل على خروجهم من حرب دامية ضد تنظيم داعش الإرهابي، حيث بات التوتر المتصاعد بين واشنطن وطهران حديث أبناء البلد الذي يشكل اليوم مسرح صراع نفوذ بين الخصمين اللدودين.

وبحسب موقع الشرق الأوسط، فإنه مع سماع صوت آذان المغرب في العاصمة بغداد، تخلو الشوارع في هذه الأيام من شهر رمضان، يعود الصائمون إلى بيوتهم لتناول الإفطار. ويقول الناس بأن “المدينة فارغة، كأننا في أيام الحرب”.
ليلة الخميس الماضية أكدت الولايات المتحدة وجود تهديد وشيك ضد مصالحها في العراق، الأمر الذي دفعها إلى تقليص عدد موظفيها في السفارة في بغداد وفي القنصلية في أربيل، هذا وسط معلومات عن تحرك فصائل مدعومة من إيران، أبرزها الحشد الشعبي، لنشر صواريخ قرب قواعد أميركية في العراق، وكذلك اتخذت دول غربية إجراءات مماثلة، على غرار هولندا التي علقت عمل بعثتها العسكرية في العراق بسبب تهديد أمني، كما أعلن الجيش الألماني تعليق تدريبه للجنود العراقيين.

وربطت واشنطن إجلاء موظفين من بغداد بتهديد وشيك على صلة مباشرة بإيران، إذ نقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن مسؤول في الخارجية الأميركية أن التهديد حقيقي وتقف وراءه ميليشيات عراقية بقيادة الحرس الثوري الإيراني، وأضاف أمام صحافيين في واشنطن أنه تهديد وشيك يطال طواقمنا.

بدورهما، سعت السعودية والإمارات إلى تدويل الهجمات التي استهدفتهما أخيراً، إذ قدمتا شكويين إلى مجلس الأمن في شأن الحادث الخطير ضد الناقلات قبالة ميناء الفجيرة الذي شكّل تهديداً لسلامة وأمن الملاحة الدولية، وفي شأن استهداف الحوثيين لمحطتين لضخ النفط في الدوادمي وعفيف في السعودية، وطالبت المملكة مجلس الأمن باتخاذ إجراءات عاجلة.
على أبواب الرابعة….حروب الخليج الثلاثة؟

بتصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في الأيام الأخيرة، أعاد إلى الأذهان أجواء الحروب الثلاثة التي عاشتها منطقة الخليج أعوام 1980 – 1988 بين العراق وإيران، والثانية حرب الكويت عام 1990 – 1991، والثالثة خلال غزو العراق عام 2003، لتنذر هذه الأجواء بحرب رابعة في الأفق، وفيما يلي تفاصيل هذه الحروب التي كانت علامة فارقة في مسيرة دول الخليج بشقيها العربي والفارسي.

1- حرب الخليج الأولى:

حرب الخليج الأولى، أو الحرب العراقية الإيرانية، أطلقت عليها الحكومة العراقية آنذاك اسم “قادسية صدام”، في حين عرفت في إيران باسم “الدفاع المقدس”، فنشبت الحرب بين العراق وإيران من سبتمبر 1980 حتى أغسطس 1988، إثر التوترات الحدودية على “شط العرب”، حيث بدأت الاشتباكات الحدودية المتقطعة بين البلدين، ثم اتهم العراق إيران بقصف البلدات الحدودية العراقية في 4 سبتمبر 1980، معتبراً ذلك بداية للحرب.

إثر ذلك ألغى الرئيس العراقي الراحل، صدام حسين، اتفاقية الجزائر الموقعة عام 1975 مع إيران، واعتبر مياه “شط العرب” كاملة جزءاً من المياه الإقليمية العراقية، وكان هدف نظام صدام حسين من الحرب إسقاط نظام الثورة الإيرانية الذي أقامه آية الله الخميني، في حين كان هدف الأخير تصدير الثورة للعراق تمهيداً لدمج البلدين في نظام “الولي الفقيه” السائد في إيران.

نال نظام صدام حينها دعماً كبيراً من الغرب، خاصة الولايات المتحدة، إلى جانب دول الخليج وجميع الدول العربية عدا سوريا وليبيا، واستمرت الأعمال العدائية بينهما إلى 20 أغسطس 1988، رغم دعوات مجلس الأمن لوقف إطلاق النار ، إلا أن انتهت الحرب بقرار مجلس الأمن رقم 598، الذي قبله الطرفان، والعودة إلى اتفاقية الجزائر التي قسمت مياه “شط العرب” بين العراق وإيران.

وخلفت الحرب نحو مليون قتيل من الطرفين، وخسائر مالية بلغت 400 مليار دولار أمريكي، كما دامت ثماني سنوات، لتكون بذلك أطول نزاع عسكري بين دولتين في القرن العشرين، وواحدة من أكثر الصراعات العسكرية دموية، وأثرت الحرب على المعادلات السياسية لمنطقة الشرق الأوسط، وكان لنتائجها بالغ الأثر في العوامل التي أدت إلى حرب الخليج الثانية والثالثة.

2- حرب الخليج الثانية:

هي حرب بدأت بغزو نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين للكويت في 2 أغسطس 1990، وانتهت في 28 فبراير 1991، عندما أعلن العراق استسلامه وقبوله الانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط، وأطلقت عليها الحكومة العراقية حينها “أم المعارك”، والكويتية “حرب تحرير الكويت”، وأطلقت عليها الولايات المتحدة عسكرياً اسم “عملية درع الصحراء”، ويراها المؤرخون والسياسيون حرب الخليج الثانية.

تطور النزاع في سياق حرب الخليج الأولى، وفي منتصف عام 1990 اتهم العراق الكويت بسرقة النفط عبر الحفر بطريقة مائلة، كما طالب الجانب العراقي بتعويضات مالية من الكويت بـ 10 مليارات دولار.

وبعد فشل مفاوضات جدة، إثر تعنت الجانب العراقي، اجتاح جيش صدام حسين الكويت خلال ساعات في 2 أغسطس 1990، وأعلن بعدها بأسابيع دمج الكويت في العراق، وفُرضت بعدها عقوبات اقتصادية على العراق، وطالب مجلس الأمن القوات العراقية بالانسحاب من الأراضي الكويتية دون قيد أو شرط، ومنحها مهلة 40 يوماً في ديسمبر من ذلك العام للانسحاب.

وفي ظل تعنت نظام صدام حينها، ورفضه الانسحاب، نجحت واشنطن والرياض في تشكيل تحالف مكون من 34 دولة غربية وعربية وإسلامية بقيادة الولايات المتحدة لتحرير الكويت، وبنهاية مهلة الـ 40 يوماً بدأ التحالف عملية تحرير الكويت من القوات العراقية في 17 يناير 1991، واستمرت حتى 28 فبراير، عندما أعلن نظام صدام حسين استسلامه وقبوله الانسحاب من الكويت دون قيد أو شرط.

نتج عن الحرب خسائر بشرية واقتصادية جمة، حيث قتل نحو 100 ألف مواطن من البلدين أغلبهم عراقيون، فاقتصادياً تم إشعال وتدمير أكثر من 727 بئراً نفطية من أصل 1080 بئراً كويتية، وقدرت قيمة المفقود من النفط والغاز الطبيعي من تلك الآبار بنحو 120 مليون دولار يومياً، حتى إطفائها بالكامل في أبريل 1991، كما وصل مجمل الخسائر  في جميع القطاعات إلى 80 مليار دولار حسب تقديرات وزارة المالية الكويتية، كما قدرت تكلفة العمليات العسكرية حينها بـ 61 مليار دولار أمريكي، دفعتها الكويت والإمارات والسعودية، كما أجبر العراق على دفع تعويضات للكويت.

3- حرب الخليج الثالثة:

هي حرب قادتها الولايات المتحدة التي شكلت تحالفاً من 20 دولة من مختلف دول العالم لإسقاط نظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين، استمرت من 20 مارس إلى 9 أبريل 2003م، وتعرف بعدة أسماء؛ كالغزو الأمريكي للعراق، أو “معركة الحواسم” كما لقبتها الحكومة العراقية، وإعلامياً تعرف بحرب الخليج الثالثة، أو “عملية حرية العراق” عند أمريكا وحلفائها.
وقد عاش العراق تداعيات حرب الخليج الثانية حتى سقوط نظام صدام عام 2003، حيث فرض المجتمع الدولي عقوبات قاسية عليه؛ عقاباً لغزو صدام للكويت وتهديده الملاحة وإنتاج الطاقة العالمية، وتمهيداً للحرب أصدرت الإدارة الأمريكية، في أكتوبر 1998، “قانون تحرير العراق” الذي كان عبارة عن منح 97 مليون دولار لقوى المعارضة العراقية، لتكون قادرة على إسقاط نظام صدام.

لكن بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وإدراج اسم العراق في “محور الشر”، بدأت الجهود الدبلوماسية الأمريكية بالتحرك للإطاحة بحكومة صدام حسين، حيث قدمت إدارة الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش عدة تبريرات لشن الحرب، والتي تركزت أساساً على تأكيد أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، وأن حكومة صدام تشكل تهديداً كبيراً للولايات المتحدة وحلفاء التحالف وشعب العراق، وأنه لا بد من إنهاء قمع أحد أشرس الدكتاتوريين الظالمين وجلب الديمقراطية إلى شعب العراق.

وبدأت حرب الخليج الثالثة في 20 مارس 2003 بعد انقضاء 90 دقيقة على المهلة التي أعطاها جورج بوش لصدام حسين ونجليه لمغادرة العراق وتسليم الحكم لسلطة انتقالية اقترحتها جامعة الدول العربية وحظيت بقبول الأمم المتحدة لتفادي الحرب، ولاقت الحرب دعم قوى داخلية متمثلة في الشيعة في الجنوب، والأكراد في الشمال، لكن في المقابل واجهت رفضاً من قوى عالمية حليفة لواشنطن كفرنسا.

وكانت العمليات العسكرية لإسقاط صدام سريعة، وتميزت بانهيار سريع للجيش العراقي في وجه القوات الأمريكية وحلفائها، فبعد نحو ثلاثة أسابيع، وتحديداً في 9 أبريل 2003، سقط حكم صدام حسين الذي استمر 24 عاماً، وفي 15 من الشهر نفسه أعلنت القوات المسلحة الأمريكية بسط سيطرتها على جميع الأراضي العراقية.

وخوفاً من تكرار ما حدث في حرب الخليج الثانية من إشعال النيران في حقول النفط، أحكمت القوات البريطانية سيطرتها على حقول نفط الرميلة وأم قصر والفاو بمساعدة القوات الأسترالية، وبعد الحرب لم يعثَر على أي أدلة قوية للتحقق من وجود أسلحة دمار شامل، كما واجهت التبريرات لشن الحرب والتي جمعت من قبل الاستخبارات انتقادات شديدة داخل الولايات المتحدة وعلى الصعيد الدولي.

وتتفاوت التقديرات للعدد الإجمالي لقتلى الحرب؛ فقد أفادت دراسة أعدها معهد الاستطلاعات البريطاني في صيف عام 2007 بأن عدد قتلى الغزو من العراقيين بلغ حتى ذلك التاريخ قرابة مليون شخص، أما منظمة الصحة العالمية فتعتقد أن حصيلة القتلى العراقيين تتراوح بين 104 آلاف و230 ألفاً، وهو قريب من تقديرات وثائق ويكيليكس المسربة عام 2010 والتي أشارت إلى مقتل 109 آلاف عراقي منذ بداية الغزو، في حين اعترف الجيش الأمريكي بمقتل نحو 77 ألف عراقي بين يناير  2004 وأغسطس 2008، نتيجة أعمال العنف الطائفية التي عمت البلاد، كما تؤكد واشنطن مقتل 4000 جندي أمريكي خلال الغزو والفترة التي أعقبته حتى العام 2008م، وأفادت صحيفة ذي ديلي تلغراف البريطانية يوم 16 مارس 2013 -في دراسة لتكاليف الغزو نشرت حصيلتها بمناسبة ذكراه العاشرة- أنه كلف الولايات المتحدة وحدها ما يزيد على 801 مليار دولار.

الحرب علي داعش:

في 18 ديسمبر 2011، أعلنت الولايات المتحدة أن جيشها أكمل انسحابه من العراق ذلك اليوم، وأن الانسحاب جاء تطبيقاً للاتفاقية الأمنية الموقعة مع الحكومة العراقية عام 2008م، وبمرور الوقت ومع دخول المنطقة في أحداث الربيع العربي، شهدت بعض الدول العربية غياب الأمن وعد الإستقرار، مما أتاح الفرصة لظهور الحركات المتطرفة في المنطقة وعلي رأسها تنظيم داعش، ولم تسلم العراق من هذا التنظيم الذي سيطرعلي مساحات كبيرة من العراق، إلا أنه مع بدايات عام 2019م، انتهي هذا التنظيم من الشرق الأوسط لينتقل إلي آسيا معلناً عن تأسيس ولاية جديدة بإسم “ولاية الهند” في إقليم كشمير المتنازع عليه بين الهند وباكستان.
إجمالاً، يمكن القول بأنه؛

كانت لزيارة بومبيو إلى العراق الأخيرة إشارة واضحة لمستوى القلق الأمريكي من حلفاء إيران قاصدا الحشد الشعبي من دون أن يسميه، مع تصاعد التوتر بين واشنطن وطهران في الأيام الأخيرة، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الأمريكية (بنتاغون) إرسال حاملة الطائرات “أبراهام لنكولن” وطائرات قاذفة إلى الشرق الأوسط، بزعم وجود معلومات استخباراتية بشأن استعدادات محتملة من قبل طهران لتنفيذ هجمات ضد القوات أو المصالح الأمريكية، فإن الحرب على إيران ستكون أسوأ من الحرب على العراق عام 2003، على الرغم من كارثيتها حينها.

ويتمتع الحشد الشعبي العراقي بولاء كبير لإيران في العراق ويعتبر قوة رئيسية في البلاد لها امتداد على كل الأراضي العراقية، وفي حال نشبت الحرب ستكون إيران قادرة الاعتماد على الحشد الشعبي لضرب الولايات المتحدة وكل ما يتعلق بها في العراق، منها المقرات الدبلوماسية الأمريكية والقواعد الأمريكية المنتشرة فيه والتي تحتوي على عدد غير قليل من القوات التي ستصبح هدفا لها، ولكن في حالة نشوب حرب جديدة بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة ، ماذا سيحدث للعراق الذي لم يتعافي من آثار الحروب الماضية عليه….

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق