الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

القوة الناعمة الإيرانية تجاه العراق بعد عام 2003

اعداد : وسام ناظم الخيكاني – دكتوراه علوم سياسية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

المحور الاول/ القوة الناعمة :

هي القدرة على التأثير على سلوك الاخرين من خلال الجاذبية دون استخدام العنصر المادي الاكراه كما هي القوة العسكرية في القوة الصلبة ، ذا اردنا ان نلحظ القوة الناعمة من ناحية السلوك، فهي كيف نستطيع ان نجذب سلوك الانسان وتفكيره دون اي نوع من الارغام . هذا يعتمد على متلقين ومفسرين يؤمنون بمشروعية ما تقدمه لهم، وهذه الامور غير مادية ، فلا يمكن قياس قابلية الانجذاب ، فمثلا المجتمع الذي لا يقبلك ويرفضونك لا يمكنك ان تجذبهم فانت هنا لا تملك قوة ناعمة ، آلية عمل القوة الناعمة تعتمد على اشخاص متلقين يملكون القابلية والاستعداد النفسي على تقبل الثقافات والاراء، علماً ان اول من وجد هذا المفهوم هو جوزيف ناي احد الاكاديميين الامريكيين ورئيس جهاز الاستخبارات الوطنية الامريكية وصاغ جوزيف ناي هذا المصطلح في كتابه الصادر عام 1990 بعنوان “مُقدرة للقيادة: الطبيعة المتغيرة للقوة الأميركية”. .

المحور الثاني / القوة الناعمة الايرانية :

تعد القوة الناعمة الايرانية من اهم وسائل السياسة الخارجية الايرانية ، وان ادوات القوة الناعمة الايرانية هي كما يلي .

  • اولاُ /الثقافة :

وتمتلك إيران مخزونًا كبيرًا لتوليد القوة الناعمة من هذا المصدر عبر ، (اللغة) إذ أن اللغة الفارسية عنصر أساسي في جذب الأمم الأخرى على اعتبار أنها دخلت في تركيب العديد من اللغات الأخرى السائدة اليوم في العالم ، كذلك (السياحة) وتُصنَّف إيران على أنها واحدة من عشر دول سياحية هي الأفضل من ناحية التاريخ والمواقع الأثرية، وتجذب إيران حوالي 3,2 مليون سائح سنويًا وفق أرقام عام 2011 (الغالبية العظمى منهم للسياحة الدينية ، مع خطط لجذب 20 مليون بحلول عام 2025 ،

  • ثانياُ /القيم السياسية :

تمتلك إيران نظامًا سياسيًا هجينًا -إن صحّ التعبير- يبتكر مفهوم “الديمقراطية الدينية” باعتباره نموذجًا فريدًا من نوعه يصلح أن يكون مصدرًا من مصادر القوة الناعمة الإيرانية لما يقدمه من جديد في هذا الموضوع ، وكونه بديلاً عن النظم التقليدية المعروفة في العالم ، يقول رئيس مجلس الشورى (البرلمان) الإيراني علي لاريجاني: إن إحدى أهم مآثر “روح الله الخميني” مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الإطلاق، تكمن في أنه قدّم نموذجًا للـ”ديمقراطية الدينية” التي تستند إلى التصويت الشعبي ومقاومة الظالم بما يتماشى مع القيم الإسلامية
يقود النظام طبقة من رجال الدين على رأسهم الولي الفقيه المرشد الأعلى ، وهذه القيم عنصر جذب كبير للشعوب الاخرى خاصة الشعوب التي ترتبط معها بالروابط المذهبية.

  • ثالثاً /السياسة الخارجية :

تكتسب السياسة الخارجية أهمية قصوى كونها المصدر الأكبر من مصادر توليد القوة الناعمة للبلاد والأكثر فعالية وتأثيرًا على الإطلاق. ويتضمن الدستور الإيراني إشارة واضحة إلى السياسة الخارجية للبلاد ضمن الفصل الأول المخصص ، “للأصول العامة”؛ إذ يشير البند 16 من المادة الثالثة من الفصل الأول من الدستور إلى هذا الموضوع بالقول:

“تنظَّم السياسة الخارجية للبلاد على أساس المعايير الإسلامية والالتزامات الأخوية تجاه جميع المسلمين والحماية الكاملة لمستضعفي العالم” ، أما الفصل العاشر فيتضمن أربع مواد، تقول المادة 152: “تقوم السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية على أساس الامتناع عن أي نوع من أنواع التسلط أو الخضوع، والمحافظة على الاستقلال الكامل، ووحدة أراضي البلاد، والدفاع عن حقوق جميع المسلمين، وعدم الانحياز مقابل القوى المتسلطة، وتبادل العلاقات السلمية مع الدول غير المحاربة”. ، هذا النوع من الطروحات يُعتبر مصدرًا أساسيًا من مصادر القوة الناعمة لدى إيران، وإذا ما أُضيف إلى الأيديولوجية الإيرانية والتي هي عبارة عن مجموعة من الطروحات الثورية والمبادئ الدينية، فإنها تُعد المصدر الأساسي والأكبر في توليد القوة الناعمة للبلاد .

  • المحور الثالث / القوة الناعمة الايرانية تجاه العراق :

عملت إيران على نسج أنشطة القوة الناعمة في منهجها الحكومي الشامل بما يعكس نفوذها في العراق. وتحقيقاً لهذه الغاية، فقد اتخذت تدابير وقائية واتبعت سياسات تجارية لا تحقق مصلحة العراق بالدرجة الاولى وانما مصلحتها الخاصة ، لاسيما بعد العقوبات الامريكية عليها، وحاولت السيطرة على شبكة من رجال الدين في العراق بدافع الرابط المذهبي لتحقق مصالحها ، كما حاولت التأثير على الرأي العام العراقي من خلال أنشطة المعلومات فقط بثت الافكار المسموعة والمقروءة بأن إيران الحليف الاول للعراق بدافع التقارب الديني والمذهب والجغرافي .

وفي حين أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين والعراقيين قد عبّروا عن قلقهم من أن الجيش العراقي لن يكون مستعداً لتأمين المجال الجوي والمياه الإقليمية للبلاد عندما ترحل القوات الأمريكية بحلول نهاية عام 2011، فإن القوة الناعمة الإيرانية كانت تبث الاخبار والتطمينات للشعب العراقي والقادة العراقيين بضرورة الانسحاب الامريكي من العراق حتى يكون الدور الاكبر في العراق لها ، وتأتي القوة الناعمة الايرانية تجاه العراق من خلال ما يلي :

اولاُ /العامل الاقتصادي.

عززت إيران من روابطها التجارية والاقتصادية مع العراق للحصول على مكاسب مالية وتحقيق القدرة على التأثير على جارها. ومن خلال إغراق العراق بمنتجات وسلع استهلاكية رخيصة ومدعومة، وبها قوضت ايران من القطاعات الزراعية والتصنيعية للعراق ، وعملت على بناء للسدود وتحويلها للأنهار التي تغذي المجرى المائي لشط العرب وهذا قد قوض من الزراعة العراقية في الجنوب وأعاق جهود إحياء الأهوار في العراق. وأن العديد من العراقيين يرون أن إيران تتلاعب بهذه الإمدادات لأغراض سياسية ، وقد وصف رستم قاسمي في عام 2015 وهو رئيس هيأة التعاون الايراني العراقي ، أن السوق العراقية المكان المناسب للتجار الايرانيين ، وما يشجع على ذلك أن ميزانية العراق وصلت إلى(147) مليار دولار مقابل عدد سكان لايتجاوز (40) مليون نسمة ، وقد بلغ حجم الصادرات الإيرانية إلى العراق خلال النصف الأول من عام 2015 نحو ملياري و213 مليون دولار ، وطبقآ لأحصائيات الجمارك فأن الميزان التجاري بين جمهورية ايران والعراق بلغ( 98،5%) لصالح إيران .

لاسيما إن البعد الاقتصادي يتمثل فى السعي إلى الهيمنة على الأسواق العراقية، وإغراقها بالبضائع والسلع الإيرانية ذات الأسعار الرخيصة، مقارنة بالبضائع والسلع المستوردة من الدول الأخرى، والتركيز على الجوانب الاستهلاكية لا الإنتاجية بهدف احتكار منافذ الإنتاج لإيران دون العراق. أضف إلى ذلك أن ثمة توقعات بارتفاع مستوى التبادل التجاري بين الدولتين من 12 مليار دولار عام 2014 إلى 30 مليار دولار 2020 ، وبقدر ما تستطيع إيران تعطيل البنى الاقتصادية، والصناعية، والزراعية، ستزود الأسواق العراقية بما يلبي الطلب فيها، وتعمل إيران على أن يكون لها دور في مشاريع الأعمار والاستثمار في المحافظات التي أستعادة الحكومة العراقية السيطرة عليها، وإخراج عناصر “داعش” منها، وستعمل إيران على الاستفادة من القطاع المصرفي في العراق لسد حاجتها من العملة الأجنبية التي تحتاج إليها، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها ، إذ كان العراق هو المنفذ الاقتصادي المهم في تخفيف أثر تلك العقوبات .

ثانياً /العامل الفكري :

لقد كان أحد أهداف إيران الرئيسية منذ الثورة عام 1979 هو تأمين سيادة أيديولوجيتها الرسمية في المجتمعات الشيعية في جميع أنحاء العالم. من خلال رجال الدين المدربين وفق الأسلوب التقليدي للأسلام الثوري الايراني وإرسالهم الى العراق ، قد تكون إيران مستعدة الآن لتحقيق هذا الهدف، عبر الاستخدام المفرط لأموال الدولة من أجل تمويل أنشطة رجال الدين. وعلاوة على ذلك، فإن وفاة عالم الدين اللبناني المؤثر آية الله العظمى حسين فضل الله، الذي لقي تدريبه في النجف، فضلاً عن تقدم سن واعتلال صحة آية الله علي السيستاني ، العضو الأول في مدرسة النجف ومرجعيتها، وهو مصدر التقليد لنحو 80 بالمائة من جميع الشيعة في كل أنحاء العالم ، يجعل مدرسة النجف معرضة للنفوذ الإيراني .
ولقد أصبح العراق وجهة رئيسية للسياح الدينيين الإيرانيين. إذ يزور نحو 40,000 إيراني المدن المقدسة في العراق شهرياً، كما تشير التقديرات إلى أن حوالي ثلاثة إلى أربعة ملايين شخص يزورون العراق أثناء الاحتفالات السنوية بذكرى عاشوراء. كما أن النجف، وهي مركز تقليدي للعالم الشيعي ويبرز نجمها كمركز سياسي عراقي هام وربما تأتي بعد بغداد مباشرة، قد أصبحت محط تركيز الاستثمارات الإيرانية التي تفيد على نحو غير متناسب، حلفاء طهران من السياسيين المحليين. وبهذه الطريقة تشتري إيران نفوذها في العراق.

ثالثاً /العامل الثقافي:

تتنافس إيران، إلى جانب جهودها الأخرى، من أجل الفوز بعقول وقلوب العراقيين من خلال الأنباء والبرامج الترفيهية باللغة بالعربية التي تعكس وجهة نظر طهران حول الأخبار المتعلقة بالعراق والمنطقة ، ومن خلال قناة العالم الايرانية الناطقة باللغة العربية ، لاسيما المسلسلات التاريخية ذات التمثيل الايراني الذي تعطي فكرة جيدة عن الدراما الايرانية ومدى التطور الحاصل فيها والذي تعد عامل جذب ايراني في العراق . بيد لم تلق جهود الدعاية هذه سوى نجاح محدود ولم تتمكن من التعويض عن الأعمال الإيرانية التي أسفرت عن رد فعل معادٍ لإيران في كثير من الاحيان .

ومنذ عام 2003، أبرزت بيانات الاستطلاعات بصورة مستمرة أن أعداداً كبيرة من العراقيين يعتقدون أنه كان لإيران تأثير سلبي في الغالب على السياسات العراقية ولا يرون أن نموذج الحكم في إيران قابلاً للتطبيق في العراق، ورغم أنشطة إيران الإعلامية، فقد ظل هذا التصور ثابتاً إلى حد ما منذ عام 2003 ، وذلك لان العراق يتكون من مزيج متنوع من الاعراق والمكونات الدينية والمذهبية والقومية ، ولم تستطيع القوة الناعمة الايرانية من نقل التجربة الايرانية الى العراق .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق