الشرق الأوسطعاجل

تطور الوجود الإسباني في منطقة شرق المتوسط

اعداد : شريف الرفاعي – باحث متحصص في الشأن الإسباني

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

أضحت العلاقات الأوربية-العربية والأوربية-الشرق أوسطية تفرض نفسها بشدة على الساحة الدولية، وقد يرجع ذلك إلى عدة عوامل منها العوامل منها الإطار التاريخي الذي فرض نفسه بقوة في حقبة ما بعد الاستعمارية وتحرر الشعوب من الاستعمار الغربي، وبالحديث عن الاستعمارية الأوربية يجب الإشارة إلى مناطق تمركز القوى، بينما كانت انجلترا وفرنسا يقتسما النفوذ في الشرق العربي بصورة واضحة كانت إسبانيا، تحت حكم فرانكو، ترفض الانخراط في الحرب العالمية الثانية إلا أنها كانت أكثر ميلًا لدول المحور نتيجة الدعم الألماني الذي قدم في السابق لتدعيم مركز فرانكو مما جعله يقدم على اقتحام جبل طارق، المقاطعة الواقعة جنوب إسبانيا والتابعة لبريطانيا، إلا أن عدم قدرة القوات الإسبانية في جزر الكناري والمغرب الإسباني على صد أي هجوم بريطاني جعله يتراجع عن هذه الفكرة.

ومع ظهور حركات التحرر وانتشار حق تقرير المصير بدأت الجهود تبحث عن شكل جديد للتعاون العربي-الأوربي فذهب اتجاه إلى التعاون بشكل عام بين دول حوض البحر المتوسط فيما أطلق عليه العلاقات المتوسطية؛ وحاولت الدول الأوربية فتح جسور مع دول شرق المتوسط وشمال إفريقيا من خلال دول جنوب أوربا مما جعل إسبانيا معبرًا هامًا ولاعبًا أساسيًا في هذا السياق.

العلاقات الإسبانية-العربية في النصف الثاني من القرن العشرين:

بدأت العلاقات الإسبانية مع الدول العربية، خاصةً الواقعة شرق البحر المتوسط تتطور مع بداية النصف الثاني من القرن العشرين، فلم توقع الحكومة الإسبانية إلا اتفاقيتين مع الحكومة المصرية في النصف الأول من نفس القرن، إلا أنه خلال حقبة الستينيات ازدادت وتيرة التعاون بشكل ملحوظ وهو ما انعكس على العلاقات بين الدولتين، ففي اكتوبر من عام ١٩٦٠ وقعت الحكومتان اتفاقية ”التجارة والدفع” وهي التي أُلحقت خلال الستة أعوام التاليين بثلاث بورتوكولات تدعمها، وفي الأعوام التالية وُقع عدد من البروتوكولات والاتفاقيات التي تنوعت بين التعاون الثقافي والعلمي والفني، ومن الناحية التجارية ينظم العلاقات بين البلدين اتفاق المشاركة المصرية الأوربية الذي وقعته مصر في يونيو ٢٠٠١ ودخل حيز التطبيق في ٢٠٠٤.

ولم تزدهر العلاقات المصرية الإسبانية إلا مع تولي ”خوسيه لويس ثاباتيرو” الحكومة على إثر فوز الحزب الاشتراكي بالانتخابات البرلمانية في ٢٠٠٤ و٢٠٠٨، فبعدها قام وزير الخارجية الإسباني موراتينوس بزيارة مصر في ٢٠٠٩ في مستهل جولته بالشرق الأوسط لزيارة عدد من الدول منها مصر وسوريا وإسرائيل وكذلك للتمهيد لزيارة رئيس حكومته للمنطقة.

وبدأت العلاقات الإسبانية تأخذ المنحى الإيجابي مع سوريا باتفاق الصداقة والتعاون عام ١٩٥٢ مرورًا باتفاق التعاون الثقافي للعام ١٩٧٢ وصولًا إلى اتفاقيات التوأمة بين عدد من المدن وإقامة المجلس الاستشاري لرجال الأعمال السوريين والإسبان، وبلغ حجم التبادل التجاري بين سورية وإسبانيا عام ٢٠٠٨ بحسب إحصائيات غرفة تجارة دمشق نحو ٣١.٥ مليار ليرة سورية منها 7ر11 مليارات واردات من إسبانيا في حين تشكل الصادرات نحو ١٩ مليار ليرة سورية وبدءا لعام 1996 سجل الميزان التجاري بين البلدين فائضا لمصلحة سورية ووصل هذا الفائض إلى 135ر8 مليارات ليرة عام ٢٠٠٨ بعدما كان يسجل عجزا لمصلحة إسبانيا.

ومع بدايات الألفية الثالثة تطورت العلاقات الإسبانية السورية بشكل ملحوظ بعد زيارات بشار الأسد لإسبانيا في أعوام ٢٠٠٣ و ٢٠٠٤ و ٢٠٠٨ وزيارة ملك إسبانيا خوان كارلوس وزوجته الملكة صوفيا لدمشق في عام ٢٠٠٣.

ومن ناحية العلاقات الإسبانية-العراقية فاللافت للنظر أنه مع مطلع القرن الحادي والعشرين استقال القائم بأعمال السفير الإسباني في بغداد نتيجة تصريح قالته بالاسيو، وزيرة الخارجية الإسبانية، بعد جلسة تعارف مع وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في واشنطن، وفي ذلك التصريح قالت بالاسيو: “حسنًا، أقول بكل وضوح إن العالم سيرتاح بدون (الرئيس العراقي) صدام حسين، وهذه هي إجابتي الآن”، ورأى الدبلوماسي الإسباني أن هذا التصريح يتعارض وقواعد وأعراف القوانين الدولية التي من المفترض أن تسير عليها الدول المتحضرة.

ومن الجدير بالذكر في هذا الإطار أن زنار، رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، كان قد وصل للحكم عام ١٩٩٦ في وقت نمو واضح للاقتصاد الإسباني ولكن مع بداية دورته الثانية في العام ٢٠٠٠ اتجه معدل النمو الاقتصادي إلى الانخفاض مما أدى بالمواطنين إلى عدم انتخاب حزبه، الحزب الشعبي، في انتخابات عام ٢٠٠٤ واتجهوا إلى الدعم الواضح للحزب الاشتراكي، وكان للأزمة العراقية دور في ذلك، فقد تظاهر ما يقرب من ٤ مليون مواطن إسباني لرفض التدخل في العراق على عكس ما أعلن زنار، فقد اتخذ رئيس الحكومة الإسبانية موقفًا مواليًا لچورچ بوش وقد ظهر ذلك جليًا في قمة القادة الأوربيين للاتحاد الأوربي، ففي حين أعلن الطرف الفرنسي والألماني رفضهما التدخل في العراق مال الطرف الإسباني للتدخل وهذا ما رفضه، بحسب استطلاعات الرأي، ٩٠٪ من المواطنين الإسبان.

التوجهات الإسبانية بمنطقة شرق المتوسط في الوقت الحالي:

تباينت المواقف الرسمية وغير الرسمية التي قدمت من إسبانيا إزاء القضية الفلسطينية، فمن ناحية نجد أنه قد يتعرض الفرد للسجن في إسبانيا لمجرد التغريد ضد أعمال العنف الإسرائيلية، ومن ناحية أخرى نجد الباحثين والصحفيين يدينون مواقف الحكومة الإسرائيلية يومًا بعد يوم، وقد ظهر هذا بوضوح بعد انتفاضة الأقصى لعام ٢٠٠٠ والتي صورت الصحافة الإسبانية على إثرها ”شارون” كسبب عودة الصراع العربي-الإسرائيلي إلى الظهور مرة أخرى.

لم يستمر موقف إسبانيا الداعم لإسرائيل على نهج واحد، فقد أجمع البرلمان الإسباني في عام ٢٠١٤، وإن لم ينفذ حتى الآن، على قرار بالاعتراف بالدولة الفلسطينية، وعملت إسبانيا على تطوير علاقتها مع الحكومة الفلسطينية، كما أشار وزير الخارجية الإسباني ”خوسيب بوريل” في لقاء مع رياض المالكي، وزير الخارجية الفلسطيني، والذي أشار إلى أن ”ترامب يريد أن يكون جزء من المشكلة وليس جزء من الحل”.

أما بخصوص الأزمة السورية فقد كانت إسبانيا من أوائل الدول التي سارعت بالتدخل، فحسب صحيفة ”ال بايس” الإسبانية فإن ثاباتيرو، رئيس الوزراء الإسباني الأسبق، أرسل في شهر يوليو من عام ٢٠١١ مستشاره الخاص ”بيرناندينو ليون” ليقترح على الأسد توفير مقر آمن له في مدريد، غير أن ”ليون” الذي كان يشغل منصب المبعوث الأوربي الخاص إلى المنطقة اقترح إقامة مؤتمر لتسوية الأمر في مدريد، وقال ليون عند عودته “اشعر أن الأسد لن يتنازل عن أي شيء أساسي”.

وفي عام ٢٠١٤ عقد لقاء بين وزير الخارجية الإسباني ”خوسيه مانويل جارسيا” وسيرجي لافروف، وزير الخارحية الروسي، حول الأزمة السورية في بازل على هامش اجتماع وزراء خارجية منظمة الأمن والتعاون، وتعمل الأقاليم الإسبانية منذ عام ٢٠١٦ على استقبال الأطفال اللاجئين جراء الأزمة السورية وتوفير ملجأ آمن لهم، ففي عام ٢٠١٦ قامت السلطات الأندلسية بتوفير ٢٤ مكان لطالبي اللجوء من الأطفال السوريين غير المصحوبين ثم استقبلت ١٦ طفلًا آخر، وبحسب المفوصية السامية للأمم المتحدة لشئون اللاجئين، فقد اتصلت بها حكومات أخرى مثل كتالونيا وبلاد الباسك لاستقبال عدد من الأطفال.

عملت إسبانيا على تطوير علاقاتها مع مصر منذ في أعقاب ثورتي يناير ويوليو، فتم توقيع اتفاقية توأمة مؤسسة في مايو ٢٠١٥ مع برنامج دعم الشراكة المصرية الأوربية بوزارة التعاون الدولي المصرية، ويهدف هذا التعاون إلى تقديم دعم فني وتقني للمؤسسات الحكومية المصرية من نظيراتها الإسبانية، وفي نفس الشهر شهد السيسي وماريانو راخوي، رئيس الوزراء الإسباني، توقيع عدد من الاتفاقيات في مجال الثقافة ومكافحة الجريمة، كما شهدا توقيع ثلاث مذكرات تفاهم بمقر رئاسة الحكومة الإسبانية بقصر لامونكلاو.

يظهر عام ٢٠١٩ بداية جديدة للعلاقات الإسبانية-العراقية فبعد أن كانت إسبانيا جزء من التحالف الدولي ضد العراق وبعد تدعيمها لسياسات جورج بوش في القضاء على نظام صدام حسين قام ملك إسبانيا فليبي السادس بزيارة للعاصمة العراقية بغداد في يناير من عام ٢٠١٩ التقى خلالها الرئيس العراقي برهم صالح.

استمر مئات من الجنود الإسبان في العراق كون اسباني عضو أساسي في التحالف الدولي ضد داعش، وقامت القوات المسلحة لإسبانيا بعد من المناورات مع القوات المسلحة العراقية كما بقي عدد من القادة الإسبان لتدريب الجنود، وجاءت زيارة الملك فيلبي السادس لبغداد كأول زيارة من نوعها بعد ٤٠ عام، مما يوضح تعاظم الموقف الإسباني في منطقة الشرق الأوسط وشرق المتوسط على وجه الخصوص.

مصادر:

Alonso,Carmen López (2007), Changing Views of Israel and the Israeli-Palestinian Conflict in Democratic Spain (1978-2006), Center for European Studies Working Paper Series, Harvard University.

King of Spain visits Iraq, first in 40 years, available in:

http://www.arabnews.com/node/1444261/middle-east

تاريخ الزيارة: ٢٠/٦/٢٠١٩

https://www.unhcr.org/ar/news/latest/2017/6/5954ed5a9.html

تاريخ الزيارة:١٠/٧/٢٠١٩

https://www.alittihad.ae/article/76129/2011/%D8%A5%D8%B3%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%AA%D9%82%D8%AA%D8%B1%D8%AD-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D9%82%D8%A8%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%AF-%D9%88%D8%B9%D8%A7%D8%A6%D9%84%D8%AA%D9%87-%D9%84%D8%AD%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B2%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%B1%D9%8A%D8%A9

تاريخ الزيارة: ١١/٧/٢٠١٩

تطور العلاقات الأوربية العربية بين الطموح والتردد.

متاح على:

http://www.ablcc.org/news-events/in-the-spotlight/548-the-development-of-arab-european-relations-between-ambition-and-hesitation

تاريخ الزيارة: ٥/٧/٢٠١٩

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق