الشرق الأوسطعاجل

خديعة التصعيد التركي – الامريكي والانتقال للفصل الثالث من صفقة القرن

بقلم: د. هبة جمال الدين – مدرس العلوم السياسية- معهد التخطيط القومي- عضو المجلس المصري للشئون الخارجية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تطالعنا الاحداث المتسارعة بوجود توترات مستمرة بين الولايات المتحدة الامريكية وتركيا بسبب شراء تركيا لصفقة الصواريخ الروسية أن “إس-400” رغما عن الارادة الامريكية، بل أن البعض أخذ يغالي في وصف التعنت التركي بأنه يهز مكانة امريكا في العالم كقطب اوحد يجب أن تطاع اوامره وأن ما اقدمت عليه تركيا يؤكد أنها كشفت عن ضعف ووهن الارادة الامريكية خاصة أن كل ما اعلنت عنه كرد فعل هو رفض بيع الطائرات الامريكية “إف-35” لتركيا. وكأنها تؤكد أن العالم تغير وأن قدرة الولايات المتحدة علي امتلاك أدوات التأثير قد تراجعت أمام ارادة قوى جديدة تثبت قدرتها على الصعود وتحدي الارادة الدولية خاصة في ظل تصعيدها لعدد من الازمات الدولية مع العديد من الدول والقوى في العالم في وقت واحد كالازمة القبرصية حول التنقيب التركي عن الغاز.

ورغم هذا التحدي الواضح ظاهريا لارادة القطب الاوحد لكنه عازف عن الردع الجاد لسياسة تركيا  في العالم، فيمكنه في اقل تقدير دون تصعيد الاجواء بالمنطقة فعل الآتي:

  • تجميد عضوية تركيا بحلف شمال الاطلنطي، خاصة أن شراءه للصواريخ الروسية عكس فكر ومنظومة عمل الحلف ذاته.
  • فرض عقوبات اقتصادية على الشركات التركية واموال وممتلكات الحكومة التركية بالولايات المتحدة أسوة بما فعلته مع الصين خلال الحرب التجارية الصينية.
  • فتح ملف تجاوزات تركيا بمجلس الامن في حق الارمن، الاكراد، ودعمها للجماعات الارهابية في العالم، ودعمها لما يسمى بدولة شمال قبرص التركية، بل والتدخل الدولي من اجل توحيد قبرص.
  • تحرك الناتو عسكريا لردع التدخل في حماية المياه القبرصية واتفاقات ترسيم الحدود البحرية لقبرص مع مصر واسرائيل مثلا، خاصة أن الاتحاد الاوروبي لا يمتلك لجيش موحد في ظل رفض الادراة الامريكية لتكوين هذا الجيش كي لا يكون بديل عن حلف الاطلنطي ذاته
  • توحيد الموقف الاوروبي والامريكي لاتخاذ اجراءات رادعة ضد الاعتداء التركي على قبرص
  • تواجد البوارج الامريكية في المياه الدولية بالبحر المتوسط لردع الاعتداء التركي على قبرص واليونان وليبيا
  • استخدام القاعدة الامريكية بالاراضي التركية كأحد مرتكزات الوجود الامريكي في الاراضي التركية
  • احالة ملف اردوغان للمحكمة الجنائية الدولية لما فعله في حق ضباط الجيش والانقلابين من انتهاكات للكرامة الانسانية “خاصة في ظل تجريده لملابسهم وإظهاراهم عراه امام العالم ككل بما يتنافي مع الكرامة الانسانية وواحترام حقوق الانسان”

ولكن الموقف الامريكي يتسم بالتهويل والتصعيد الاعلامي فقط لايهام الراي العام العالمي بوجود خلاف امريكي حاد بين الموقف التركي والموقف الامريكي ولكن…. ما يتم من القطب الاوحد في العالم امر مغاير فيتخذ الرئيس الامريكي من الاعلام ساحة للكشف عن فضائح اردوغان وانتهاكه للقانون بل وتطويع القضاء التركي لخدمة ارائه وقراراته دون اكتراث بنزاهه المنظومة القضائية في تركيا كما فعل بالكشف عن ملابسات الافراج عن القس الامريكي الذي تم بعد الامر المباشر من ترامب لاردوغان.

هنا علينا ألا نصدق ما يروج لنا اعلاميا بل علينا اعمال الذهن لماذا تستمر تركيا في اثارة الاضطرابات في اكثر من ساحة دون اكتراس بالارادة الدولية وقواعد القانون الدولي. هل تعجز امريكا عن ردع وتحجيم النفوذ التركي، لماذا لم تتحرك امريكا بشكل جدي او لماذا لم تصعد في اطار العقوبات التي ذكرت بعضها في الاعلى. ولماذا التغلغل التركي الان في اكثر من ساحة رغم ما يعاني منه اردوغان من مشاكل داخلية كانخفاض قيمة العملة التركية، ووجود مشاكل اقتصادية جادة وصلت لحد اقالة محافظ البنك المركزي التركي، علاوة على مشاكل سياسية في انخفاض شعبية اردوغان وحزبه التي ظهرت في نتائج انتخابات اسطنبول من اسابيع قليلة ماضية  . هنا التوقيت أمر مهم جدا خاصة وأن الادارة الامريكية قد اعلنت واتخذت عدد من الجهود الدولية في سبيل تمرير بعض ملامح صفقة القرن.

سأقدم رؤيتي الخاصة التي قد يختلف معها البعض ولكن هى الاقرب للاجابة عن التساؤلات السالفة. الاجابة تكمن في مبادرة امريكية مقدمة من مركز ابحاث في دراسة البيئة بجامعة فلووريدا عام 2015 تتقارب مع الملامح المعلنة عن صفقة القرن. وهذه المبادرة او الخطة سميت بـ “الولايات المتحدة الابراهيمية” والمفارقة أن تركيا تحتل فيها مكانة كبيرة وبارزة رغم أنف الدول العربية قاطبة وإيران. حيث تقوم على اساس تقاسم الاراضي والموارد النادرة التي لا يمكن تقسيمها فجميع سكان المنطقة لهم الحق في الحصول على الموارد سواسية خاصة في ظل الكوارث البيئية التي يواجهها العالم والتي ستهدد بقاء العالم وستحتم امتلاك التكنولوجيا لترشيد استهلاك الموارد الطبيعية هنا تأتي تركيا كدولة تحتل المرتبة الثانية بالمنطقة في التفوق التكنولوجي يسبقها بالطبع الكيان الصهيوني وأن كلاهما سيتحكم في هذه الموارد الطبيعية تحكم مركزي بحكم امتلاك التكنولوجيا خاصة أن الدول الاخرى ستدخل في اتحاد فيدرالي كولايات خوفا من ندرة الموارد وتجاوزا للخلافات والصراعات حول تقاسمها والحفاظ عليها من الهلاك والنضوب، وبالطبع هذا الاتحاد ستقوده اسرائيل وتركيا معا. والموارد سيتم الحصول عليها عبر مشروعات الربط الجغرافي الذي شاهدناه في اعقاب ورشة المنامة كخطوط السكة الحديد التي ستربط دول الخليج بالكيان الاستيطاني.

هنا قد يتسال البعض ماذا اعني من الحديث عن هذا المخطط الان وما علاقته بصفقة القرن:

الاجابة تكمن فيما يحدث من تركيا بشأن تحدي ارادة الاتحاد الاوروبي بشان تنقيب تركيا عن الغاز الطبيعي منتهكة لكافة المواثيق الدولية وقواعد القانون الدولي وغير مكترسة بإرادة الجماعة الدولية

هذا مع استمراره قد يؤدي للمطالبة باحتواء الازمة في ظل امتلاك تركيا لمنظومة دفاعية جديدة مع تصعيد امريكي للامر لتأجيج الرأي العام كقزى ضاغطه على الحكومات خاصة في ظل الوجود التركي بليبيا رغما عن الارادة الليبية والمصرية هنا هل سألنا انفسنا لماذا الان تتواجد تركيا على الاراضي الليبية الاجابة ستتمثل بوضوح في مصر وموقفها الرافض لصفقة القرن، ومن ثم تصعيد تركيا ضدها في اكثر من ساحة “الغاز، ليبيا، جماعة الاخوان، التعاون التركي القطري ” وذلك لتوريط الادارة المصرية للانجرار في حرب ضد تركيا او على الاقل لإثارة المشاكل والتوترات فتكون النتيجة الضغط على مصر لتوافق بالتقارب واحتواء التصعيد حقنا للدماء كي لا ننجر لحرب دولية قد تمتد لتصبح حربا شاملة جديدة بالمنطقة. ومن ثم توافق على ملامح الصفقة لان الرفض المصري هو العائق الاساسي تجاه الامريكان والاسرائيلين والاوروبين فبدون مصر لن يكن هناك صفقة بالفعل على الارض.

في هذا الاطار، يقتضي الموقف الإشارة إلى الفصول الأولى من الصفقة لاكمال الرؤية لدي القارئ وصولا للدور التركي خلال الصفقة والدور المسكوت عنه:

  • الفصل الأول من الصفقة: ورشة المنامة والحديث عن مشروعات الربط الجغرافي مع دول الخليج (الحدود الشرقية لمخطط ارض اسرائيل الكبرى)
  • الفصل الثاني من الصفقة: الابراهيمية والتسامح الديني العالمي والسلام الديني العالمي بين الاديان المتنازعة، والسياحة الدينية والحديث عن مسار ابراهيم الممشي السياحي بكل الدول العربية ثم ايران اضافة لتركيا واسرائيل. هنا نتذكر اعلان بعض الدول لاقامة مؤسسات تحمل اسم البيت الابراهيمي، واعلان بعض الدول العربية على انشاء معابد لليهود على اراضيها. فالمشترك الابراهيمي سيؤدي بالقبول بالتطبيع وسيؤكد على الهيمنة للكيان الصهيوني الذي ظهر ككيان يهودي بعد قانون القومية عبر اعتراف اصحاب الديانات الابراهيمية الثلاثة بالمشترك بينهما في ظل نفي كل دين للاخر والاعتراف فقط بالديانة الاولى بين الاديان الثلاثة. بل وسيمهد المشترك الابراهيمي للتشارك في الموارد من منطلق العائلة الابراهيمية الواحدة كصلة اقارب لن يتنازعوا علي الارض.
  • الفصل الثالث من الصفقة: الصراع على الموارد الطبيعية هنا تأتي المطامع التركية في اكتشافات الغاز بالبحر المتوسط، واثارة القلاقل بشأن حقول البترول بالخليج وطرق نقل ناقلات النفط التي تم ضرب بعضها والاعتداء عليها مؤخرا واتهم ايران بهذا الفعل كمحاولة لابعاد الشبهات عن اسرائيل

اعتقد ان الفصل الثالث مخطط سيشهد مزيد من الدور التركي لاثارة المشاكل والحديث عن أهمية احتواء الموقف والبدء في الترويج لنطريات التكامل الاقليمي المنتشرة في العالم الغربي الان وتروج لها عدد من الجامعات الامريكية كجامعة فيرجينيا وهارفارد وبنسلقانيا.

الان من المهم افادة القارئ بالجهود التركية المبذولة لخروج صفقة القرن للنور التي ستعيد لها امجاد حلم الدولة العثمانية:

  • المسار التركي الصوفي الذي يصل لمكة والمدينة ويتقاطع مع مسار ابراهيم ويرفع شعار “السلام الديني العالمي”
  • مسار فرسان المعبد الذي يصل للقدس ويبدأ من فرنسا وهنا تركيا تمثل دولة مرور للمسار الذي يتم برعاية فرنسية امريكية
  • مسار ابراهيم الذي يبدأ من تركيا حيث سار نبي الله ابراهيم
  • دعم الارهاب كمدخل للتمهيد بقبول السلام بين الاديان “السلام الديني العالمي”
  • تفتيت الدول القومية هنا نذكر الدور التركي في سوريا والعراق وليبيا ….
  • دعم واحتضان وتمويل الجماعة الارهابية

البعض قد يستغرب لماذا اضع مسارات الحج الديني المشتركة كمخطط استعماري تأمري في الواقع المشكلة هنا تكمن أن هذه المسارات الدينية تطرح تساؤل حول ملكية ارض المسار الديني مما يمثل خطورة كبيرة على الاوطان والدول القومية خاصة أن شكل وحدود المسار هو نفس حدود مخطط أرض اسرائيل الكبرى من النيل للفرات.

وتكمن خطورة المسار التركي الصوفي فأنه يؤكد على الوصول إلى مكة والمدينة الذي لم يتم الوصول إليهما خلال مسار ابراهيم رسميا حتى الان  ومن ثم تغازل بعض الكتابات الصهيونية حول العودة إلى مكة وخرافة حق اليهود في الاراضي السعودية والمخطط الدموي لإدارة الحرم المكي كما يروج له ضابط الموساد الاسرائيلي أفي ليبكن في كتابه العودة إلى مكة.

أما الارهاب وتفتيت الدول القومي هى مداخل مهمة للقبول بالمشترك الابراهيمي الذي سيحقق السلام والوئام كما يخدعوننا به.

هنا وجب افاقة تركيا فما لا يعلمه اردوغات ان المخطط لها من الافعى المتحولة هو ابتلاعها عقب ابتلاع المنطقة ككل عبر اكذوبة صفقة القرن فعليه أن يعي أن بقاء المنطقة العربية قائمة قوية هو بقاء لتركيا قائمة وقوية وان التحالف مع الشيطان لن يدخله إلا نار جهنم التي ستحرقه هو واعوانه. للاسف إسرائيل تخطط بعد تحقيق صفقة القرن الاتفاق دينيا على خرافة “حق اليهود في اقامة ارض اسرائيل الكبرى” ومن ثم ستكون تركيا وقتها في مهب الريح وسيزول الحلم التركي وستلتهما الصهيونية وستزول تماما. لذا على اردوغان أن يفوق من وهم وأكذوبة التفوق والحلم العثماني الذي سيؤدي به إلى الهاوية.

وفي الختام، من المهم التأكيد الارادة والرفض وتوحيد المواقف كلها مرتكزات مهمة لرفض الصفقة التي ترفضها القيادة السياسية المصرية التي تعكس وعيا بالاوضاع وتحتاج لالتفاف وطني لافشال المخطط ودرء كل سبل الاختراق الامر الذي يؤكد اهمية رفع الوعي لدعم موقف القيادة تجاه الضغوط الخارجية التي تمارس حمى الله مصر قيادة وشعبا وطن عظيم لن يهزم أو يقهر ابد الدهر رغم انف الصهاينة. تحيا مصر

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق