الشرق الأوسطعاجل

الفريضة المؤجلة فى ثورة يوليو

بقلم: محمود عبدالعزيز – المركز الديمقراطي العربي

 

تحل علينا اليوم الذكرى ال67 لثورة الثالث والعشرين من يوليو 1952، وفى كل ذكرى نجدد التحية لرجالها وأبطالها ولشعبنا الذى آمن بهذه الحركة الوطنية وأيدها وانتفع بثمارها، بمثل ما اكتوى من أخطائها.

ولسنا هنا بصدد ترديد ما حققته الثورة أوما فشلت فى إنجازه، فلا ريب أن ما قدمته الثورة لشعبها اجتماعيًا واقتصاديًا لازال محلًا لتقدير جماهير أمتنا تتطلع إليه بحنين واشتياق تؤكده صورة القائد الزعيم جمال عبدالناصر التى ملأت جنبات ميادين الثورة فى يناير وما بعدها.

ولهذه الرمزية التاريخية التى يمثلها ناصر لم تحاكم الجماهير مشروعه السياسي الذى غيب الديمقراطية، وأقصد بالمحاكمة، استقرار الإدراك و الوجدان الشعبى على موقف محدد تجاه أسلوب الحكم السلطوى، فلازالت صورة المستبد العادل تحكم وتتحكم فى غالب الذهنية الوطنية، ولا يبخث ذلك حق الجماهير التى خرجت فى مظاهرات 1968 وكانت الديمقراطية بين مطالبها لكنها لم تكن المطلب الأساسي.

وفى هذا المقال نبحث فى فرضية أن ثورة يوليو ليست المتهم الوحيد أو الأساسي فى تغييب الديمقراطية، بل عبرت وبلورت عن اتجاهات شعبية ونخبوية اتخذت موقفًا من الملك والأحزاب السياسية، فأسقطته على الديمقراطية والليبرالية التى أصبحت متهمًا بالفساد سواء الذى طال الملك أو أرفع الشخصيات الوطنية والحزبية، أى أن الطلب على الديمقراطية كان قد تراجع بالفعل قبل الثورة.

فالسياق التاريخى السابق على الثورة يثبت أن الديمقراطية لم تكن حلًا مطروحًا للخروج بالبلاد من أزمتها السياسية والاقتصادية، وحين ثبت للجماهير خطأ هذا التصور كانت الثورة فى يناير بيد أن تراجع الطلب الشعبى على الديمقراطية بعد يناير يرتبط أيضًا بعوامل جوهرية كتلك التى سبقت ثورة يوليو، ولا ريب فى أن مد هذا الحبل بين الحدثين أمر لازم فى محاولة بناء تصور علمى ومنطقى قائم على اتصال تاريخى لأحداث وطنية التى وان اختلفت منطلقاتها إلا أنها لا تنفصل من جهة ظروفها أو سياقاتها.

حتى سنة 1936 كانت الديمقراطية والحياة الدستورية مطلبًا جماهيريًا شارك فيه جمال عبدالناصر حين كان طالبًا بالثانوية، فمن غداة ثورة 1919 إلى عشية ثورة يوليو تخللت فترة الليبرالية المصرية حكومات استبدادية، كحكومة محمد محمود باشا، أو حكومة اسماعيل صدقى الذى ألغى الدستور، لكن المقاومة الشعبية لهذا الاستبداد لم تتوقف حتى نشوب الحرب العالمية الثانية، فما الذى استجد؟

توجد ثلاثة عوامل أدت إلى تراجع الطلب على الديمقراطية إلى الحين الذى قامت عنده الثورة، وهى:

  • الأزمة الإجتماعية المتفاقمة التى وضعت أكثر من 80% من الشعب تحت خط الفقر وعجزت الحكومات والإستعمار عن وضع حلول جذرية للأزمة التى كان من تجلياتها ان ترعى الحكومة حملة لمكافحة الحفاء فى القاهرة، فإذا كان الحال هكذا فى العاصمة فما بالنا بالريف فى الدلتا والصعيد.
  • ظروف ما قبل الحرب العالمية الثانية التى شهدت تصاعدًا للتيارات الفاشية والنازية داخل السياسة المصرية مثلما جسد حزب مصر الفتاة، أو الإخوان المسلمين الذين تجاوزا الأمر إلى حد تكوين تنظيم عسكرى يهدد وجود الدولة
  • تصاعد الطلب على قضية الاستقلال من غير أن تطرح الديمقراطية كوجه أخر لعملة الإستقلال كما كان الأمر منذ ثورة1919، وربما وفرت بعض الأحداث التاريخية كحادث 4فبراير1942 مناخًا مناسبًا لإدانة التجربة الحزبية ومن ثم التجربة الديمقراطية ككل.

وفى ظل هذا المناخ ولدت ثورة 1952ولم تكن قضية الديمقراطية غائبة عن أهدافها الستة، فقد نادت بإنشاء ديمقراطية “سليمة” وقد وضعت كلمة سليمة بين علامتي تنصيص لتأكيد أن وجودها لم يكن عبثًا، فالثورة قد أصدرت حكمها بالإدانة لمجمل التجربة الليبرالية منذ1923، وهو حكم جيل عبدالناصر على هذه الفترة.

ورغم أن الرئيس عبدالناصر نفسه كان مؤيدًا للديمقراطية كوسيلة للحكم كما جاء فى الإجتماع الذى عقده مجلس قيادة الثورة فى اليوم التالى على رحيل الملك، فقد صوت الجميع لصالح استمرار الجيش وعدم العودة للثكنات بينما كان عبدالناصر يري ضرورة السماح بإجراء انتخابات ديمقراطية حرة ستأتى بالوفد بلا شك، ومع إصرار المجلس تراجع عبدالناصر عن موقفه.

تعاملت الثورة بسرعة مذهلة مع القضية الإجتماعية ، فأصدرت قانون الإصلاح الزراعى بعد ستة أسابيع لتحديد سقف الملكية الزراعية بمائتى فدان، وشرعت فى إقرار البرامج اللازمة لعلاج الازمة الإجتماعية والتأخر الصناعى والزراعى الذى عانت منه البلاد، بالإضافة لبدء المفاوضات العاجلة لتحقيق الجلاء.

حُسمت مسألة الديمقراطية سريعًا فى أواخر سنة 1954 لصالح فريق عبدالناصر الذى أنجز اتفاق الجلاء، أسس هيئة التحرير كتنظيم سياسي وحيد فى البلاد، وبدأ فى رسم معالم جديدة للشرق الاوسط والمنطقة العربية التى بعثت من جديد.

فمن صفقة الأسلحة التشيكية إلى باندونج،مرورًا بقرارات التأميم والإنتصار السياسي الذى تحقق فى 1956 ثم الوحدة المصرية السورية. أصبحت مصر قوى عظمى فى الإقليم، كل ذلك أنجزه جمال عبدالناصر فى أربع سنوات كانت مصر قبلها مستعمرة بريطانية.

أى إنطباع وأى مشاعر بالفخريمكن لأى مواطن مصري أن يشعر بها بعد أن بات يرفع رأسه عاليًا بفضل جمال عبدالناصر، انه الحلم الذى طال انتظاره، بل هو المستحيل يمشي على قدمين، لابد أن الجماهير أيقنت حينها أن ما تلى ثورة 1919 لم يكن حقًا ديمقراطية سليمة.

فالديمقراطية السليمة هى التى توفر للمواطن قوته قبل أن تعطيه حق التصويت، ومن هنا كرست ثورة يوليوعلاقة التضاد بين تحقيق الديمقراطية من جهة، والتنمية من جهة أخرى، وهو السؤال الذى ظل متجددًا فى حياتنا السياسية ، بأيهما نبدأ ؟!

تتالت إنتصارات الثورة، كما تتالت هزائمها من الإنفصال حتى النكسة فى 1967، ثم تآكلت إنجازاتها الاجتماعية والإقتصادية بفعل الزمن أو بفعل فاعل، وبقى منها أسلوب الحكم الذى لم يتغير كثيرًا، والذى لم يغفل أحد بما فيهم  الرئيس جمال عبدالناصر أنه أهم الأسباب الجوهرية التى أفرزت المشهد فى 5يونيو 1967.

رغم ذلك لم يرتفع الطلب على الديمقراطية بالقدر الذى يسمح للجماهير بأن تضغط باتجاه تأسيس ديمقراطية سياسية واجتماعية، وظلت الأنظمة المتتابعة قادرة على المناورة وامتصاص الفعل الإحتجاجى الذى تصاعد وتمكن فى يناير 2011.

حينها تعانقت شعارات الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية مع الحرية، وليس هنا مجال تحليل الأحداث التى تلت يناير 2011، لكن أهم ما نستخلصه من دروس هذه التجربة، أن معادلة الأمن والإقتصاد من جهة، والديمقراطية من جهة أخرى لم يحققا التناغم الذى يقنع الجماهير بإمكانية بل وبضرورة ترافقهما.

فعندما يُخير أى مواطن  فى أى مكان فى العالم بين قوت يومه وأمنه، وبين صوته فلا شك أنه سيفضل قوت يومه وأمن أبناءه.

  • لماذا لم تقتنع الجماهير وهم أصحاب المصلحة الحقيقية أن نجاح السياسات الإجتماعية والاقتصادية مرتبط بضرورة الديمقراطية التى تؤسس لقواعد مؤسسية تضمن استدامة هذه السياسات؟

أعتقد أن الإجابة تقترب كثيرًا من الأسباب التى ذكرنها سابقًا عن الحالة قبل يوليو1952.

اذا كانت الديمقراطية تحتاج ابتداءً لإرادة سياسية وقيادات تاريخية تؤمن بها، فهى أيضُا تحتاج قاعدة جماهيرية مطمئنة تؤمن بها وتضغط فى اتجاه هذا الهدف وتضمن استمراريته، فما يحتاج أن يطمئن اليه الناس أن لقمة العيش لا تتعارض مع الحق فى الإختيار، وأن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية تعيش وتتكامل بالحقوق السياسية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق