مقالات

الحملات المتنقلة ضدهم تستخدم الخطاب والأدوات ذاتها..مالذي يمكن لللاجئين السوريين فعله؟!

تحقيق : عقيل حسين – المركز الديمقراطي العربي
لم يكد يصحو السوريون من صدمة الإجراءات الأخيرة التي أطلقتها الحكومة التركية، والتي ألحقت ضرراً كبيراً بالسوريين المقيمين في مدينة اسطنبول بشكل خاص، وفي عموم تركيا بشكل، عام تحت شعار “إعادة تنظيم الوجود السوري” استجابة للرأي العام الشعبي، حتى جاءت الأخبار المقلقة من مصر، البلد الذي ظل يصنف كملاذ مريح للسوريين منذ بداية لجوئهم إليه عام ٢٠١٢، ورغم المتغيرات السياسية التي عرفتها هذه الدولة خلال السنوات الثمان الماضية، إلا أن السوريين لم يتعرضوا لأي متاعب.
فقد انشغلت وسائل التواصل الاجتماعي طيلة عطلة عيد الأضحى المبارك بقضية السيدة المصرية التي ظهرت في تسجيل مصور تستغيث بقيادة الدولة وتطالب الحكومة بانصافها من “الجور الذي ألحقه بها مالك مطعم سوري جار لها في مدينة الاسكندرية”، مدعية أن هذا الشخص تهجم عليها وأساء لها ولبناتها، حيث نشرت إحداهن أيضاً تسجيلاً آخر كدليل على صحة هذا الإدعاء.
ورغم أن الفيديو -الذي يفترض أنه يثبت حادثة التهجم والإساءة- أثبت عكس ذلك، وأظهر عدم صحة هذا الإدعاء، وأن الشخص السوري تصرف بطريقة أخلاقية..ورغم أن الأخير بث تسجيلاً مصوراً بعد ذلك يشرح فيه موقفه ويؤكد عدم ارتكابه أي خطأ أخلاقي أو مخالفة قانونية، لكنه مع ذلك قدم اعتذاره للسيدة وبناتها ولجميع المصريين، إلا أن الجدل الذي فجرته الحادثة استمر على وسائل التواصل الاجتماعي لعدة أيام، حيث كان لافتاً بروز أصوات تدعو إلى التضييق على الوجود السوري في مصر، وصولاً إلى المطالبة بإعادة اللاجئين السوريين إلى بلدهم.
الخطاب المتنقل:
اللافت أن أصحاب هذا الموقف الذين نشطوا على وسائل التواصل الاجتماعي بشكل مكثف خلال تلك الفترة، ركزوا كل الجهد لتأليب الرأي العام ضد الوجود السوري في مصر، واقناع الجمهور بمخاطر استمرار اللاجئين السوريين هناك، إن كان من الناحية الاقتصادية أو الاجتماعية، بل إن هناك من اعتبر أن هذه القضية يمكن أن تشكل خطراً سياسياً وأمنياً على الدولة والمجتمع المصري، وهو الخطاب ذاته الذي استخدم ضد السوريين في تركيا مؤخراً.
مبالغات وتضخيم وتهويل لم يترك وتراً حساساً لدى الشعب المصري إلا وحاول العزف عليه، إلا أن أكثر ما يلفت الانتباه هو استخدام هذا الطرف اللغة والمصطلحات ذاتها التي استخدمها الفريق الرافض للوجود السوري في تركيا، حتى بدا الأمر وكأنه استنساخ تام يجري خلاله فقط استبدال اسماء المدن والأماكن، بينما تبقى الكليشيهات والموضوعات ذاتها.
“السوريين احتلو الدقى..بقينا نشوفهم بكل مكان..البطالة بتزيد عشان السوريين واخدين فرص العمل..الاسعار بترتفع بسبب السوريين..السوريين قطعوا رزق المطاعم المصرية..العنوسة بتزيد لأنو المصريين بيتزوجوا سوريات..السوريين هربوا من بلدهم وتركوها للغريب..” الخ من هذه العبارات التي سبق أن استخدمت في تأليب الجمهور ضد اللاجئين السوريين، ليس فقط في تركيا، بل وقبل ذلك في لبنان وعلى نطاق أقل في الأردن وغيرها..!
الحملة فشلت بمصر:
الصحفي المصري ايهاب اسماعيل أكد أن هذه الحادثة طويت تماماً بعد أن تصدى الشعب المصري بشكل عام، والإعلام المصري بشكل خاص، للمحرضين على اللاجئين السوريين في مصر، وقد كان لسمعة الجالية السورية الطيبة التي بنتها خلال السنوات الثمان الماضية في البلاد الدور الأساسي في افشالها، بالإضافة إلى التاريخ المشترك الذي يجمع الشعبين السوري والمصري.
وأضاف اسماعيل: يوجد في مصر نحو نصف مليون لاجئ ومقيم سوري معظمهم من العاملين المنتجين، وعدد غير قليل منهم هم اليوم من أصحاب المشاريع الاستثمارية في معظم المجالات الاقتصادية المختلفة، وليس فقط في مجال المطاعم والخدمات السياحية.
وتابع: اللاجئ السوري كسب خلال السنوات الماضية احترام الشعب المصري ومحبته بسبب انتاجيته أولاً، والسلوك المميز الذي أظهره، والتعامل الجيد الذي اتسم به، وكل ذلك أسهم في افشال هذه الحملة.
ويرى إيهاب اسماعيل أن هناك خلايا الكترونية منظمة تعمل على تشويه صورة السوري في مصر والتحريض عليه، وأن من يقف وراءها هو على الأغلب النظام السوري الذي يسعى من أجل عودة اللاجئين إلى سوريا، لتأكيد روايته ووجهة نظره فيما حدث ويحدث في البلاد.
أزمة اجتماعية :
لكن الدكتور فاضل البدراني، استاذ الاعلام الاجتماعي في جامعة بغداد، يرى أن هناك عوامل أخرى تقف خلف انتشار حملات التحريض ضد السوريين في دول الجوار، وفي مقدمتها العامل الاقتصادي في هذه الدول، “حيث تضغط الأزمات الاقتصادية على الشعوب، ما يؤدي إلى البحث عن طرف أو قضايا يمكن التنفيس من خلالها، وهنا يعتبر خطاب الكراهية
ملجأً تقليدياً يسهل انتاجه وتعميمه، وقد أصبحت هذه المهمة أسهل اليوم مع وسائل الاتصال الاجتماعي”.
ويضيف د. البدراني : بالنظر إلى مقدرة العنصر البشري السوري على خلق فرص عمل وتحقيق نجاحات، وخاصة في دول الجوار التي تشهد أزمات اقتصادية، فإن هذا يدفع فئات اجتماعية متضررة من هذه الازمات إلى ردات فعل سلبية، يزيد من انتشارها انخفاض مستوى الوعي الذي يؤدي إلى الحساسية بدل أن يدفع للتنافسية، وإلى التعميم العاطفي في المواقف، وإلى الاستعدادت المسبقة والدائمة للتأثر بخطابات الكراهية، التي تمثل في النهاية هروباً من المشكلات وعجز عن ايجاد حلول لها، وبالتالي فهي حالة اجتماعية بالدرجة الأولى، وليس بالضرورة أن يكون خلف هذه الحملات جهات سياسية.
مالذي يجب على السوريين فعله؟
يرى الدكتور فاضل البدراني أنه “بالتوازي مع النجاح الاقتصادي الذي حققه السوريون في المجتمعات التي لجؤا إليها، فإنهم فشلوا، أو أنهم لم يعملوا بالأساس على انتاج مؤسسات تمثلهم وتدافع عنهم وتشرح قضاياهم، ولو أنهم انتبهوا إلى هذه النقطة لكانوا اليوم يمتلكون القدرة، حتى وإن كان من خلال مؤسسات ممولة، على الرد على الحملات التي يتعرضون لها، وتقديم الحقائق للمجتمعات التي يتم تضليلها باستغلال عواطفها وأزماتها”.
من ناحيته يعتبر الصحفي المصري إيهاب اسماعيل أنه فيما يتعلق بما حصل في مصر مؤخراً “لا يتطلب أي قلق من السوريين الذين يمكنهم تجاهل هذه الحملة وعدم الرد عليها أو افساح المجال لانتشارها، خاصة وأن مثل هذا الخطاب ضد السوريين في مصر نادر، وأصحابه فشلوا في الترويج له، وكل ما يمكن فعله هو الاكتفاء بالتبليغ الالكتروني على أصحابه باعتبار منشوراتهم بهذا السياق منشورات عنصرية تحض على العنف والكراهية”.
لا شك أن السوريون في دول اللجوء تحملوا خلال السنوات الماضية أعباء كبيرة هي من طبيعة اللجوء ذاته، ولذا فإن عليهم أن يتوقعوا باستمرار مواجهة مثل هذا الخطاب وهذه الحملات التي، وبالرغم مما تخلفه من أثر نفسي سلبي كبير، فإنه لا يمكن الفرار منها أو الاستسلام لأصحابها.
وحسب المختصين، فإن اجتراح حلول مناسبة والعمل على امتلاك الأدوات اللازمة لمخاطبة ومحاورة المجتمعات المضيفة أمر لم يعد ممكناً تأجيله، ولعل تشابه ظروف مجتمعات دول الجوار وصفاتها النفسية ومنظومتها القيمية يسهم في تيسير المهمة على السوريين، وإلا سيجدون أنفسهم أكثر وأكثر تحت رحمة الواقع الصعب في كل مكان دون أي استعداد أو قدرة على المواجهة.
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق