fbpx
مقالات

اتفاق سوتشي يرسم خارطة جديدة في الشمال الشرقي من سورية

بقلم الباحث : درويش خليفة – المركز الديمقراطي العربي

من يقرأ اتفاق بوتين أردوغان الأخير في سوتشي يتبادر لذهنه أن هندسة المنطقة وتوزيع القوى العسكرية بات وبشكل مطلق بيد الروس، لا ينازعهم أحد على ملكٍ أهداهم إياه الرئيس الأمريكي بعد قرار انسحابه من سورية، تاركا حلفائه الكورد في مواجهة مطلقة مع الجيش التركي وحلفائه من الجيش الوطني السوري المعارض.

وعلى ما يبدو أن الروس يحاولون عبر الاتفاق الأخير شرعنة وجود القوى المتداخلة في سورية عبر اتفاقات تساهم بمد  أيديهم لمصافحة بشار الأسد إن كان على المدى القريب أو المتوسط، على غرار اتفاق قسد-الأسد.

كما أن صياغة الاتفاق توحي بأن الروس قاموا بخطوة استباقية عبر صياغة البنود التي ناقشوها الرئيسين، قبل هبوط طائرة الرئيس التركي «طيب رجب أردوغان» أرض مطار سوتشي الدولي.

وهذا ما جعل الاجتماع يستغرق ستة ساعات متواصلة، غالب الظن استعصى حل بعض البنود قبل خروجه للإعلام. وهذا ما استدعى تركها للفرق الفنية في قادمات الأيام.

من وجهة نظري كل ما يحصل من تفاهمات واتفاقات ثنائية، بدأت منذ قمة هلسنكي بين الرئيسين ترامب- بوتين الذي جمعهما في يوليو/تموز 2018 وقد كان اللقاء الأول بينهما رسميا، إذ ان كل ما سبقها من لقاءات كانت على هامش اجتماعات او مؤتمرات دولية يكون الطرفين جزء منها.

حيث كان الملف السوري حاضرا وبقوة في هلسنكي أنذاك و من ضمن الملفات الأكثر أهمية مع ملفي إيران وأوكرانيا والذين تناولهما الرئيسان بوضعهم الخطوط العريضة لحل أزماتهم المتواصلة والمعقدة.

كما أن فنلندا ليست عضواً في حلف الناتو وبالتالي تعتبر “محايدة”. وهذا ما أعطاها دور احتضان عدة لقاءات مصيرية بين الأمريكان والروس تاريخيا.

بدءا من لقاء الرئيس الاميركي جيرالد فورد والامين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي ليونيد بريجينف عام 1975 في مرحلة الانفراج الدولي، وقمة هلسنكي والتي بموجبها وافق قادة 35 دولة بينها الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة على إنهاء عملي “للحرب الباردة” وتهدئة الأوضاع في أوروبا عبر اتفاقية تعاون بين دول القارة.

وقبل انهيار الاتحاد السوفيتي بأشهر قليلة، ناقش جورج بوش (الأب) والرئيس السوفيتي الأخير ميخائيل غورباتشوف، أزمة الخليج في العاصمة الفنلندية ايضاً.

وفي عام 1997 ناقش بيل كلينتون والرئيس بوريس يلتسن محادثات مهمة في مقر الرئيس الفنلندي آنذاك “ميانتيونيم”.

وفي العودة لقمة سوتشي التي وصفت بالتاريخية، من حيث بنودها والتي من المتوقع أنها ستكون ملحقا لاتفاق اضنة الأمني الذي تم التوافق عليه بين حكومتي دمشق وانقرة في عام 1998 مانحاً الأتراك التحرك على طول شريطها الحدودي مع سورية بعمق 5 كلم لملاحقة ميليشيا PKK المصنفة إرهابية في تركيا، والمدعومة من حافظ الأسد آنذاك.

وهذا أيضا ما يشرعن التواجد التركي في سورية ويلزم الأطراف الرافضة له بالصمت وغض البصر مترقبين سير الأحداث في الطرف الشرقي من سورية.

وبالتالي إنهاء حلم الإدارة الذاتية “روج أفا” لميليشيا PYD في شمال شرق سورية، الذين طالما انتظروها كجائزة على قتالهم تنظيم داعش، عائدين أدراجهم إلى حضن النظام من جديد.

يشير نص الاتفاق المبرم بين طرفي جولات أستانا (روسيا-تركيا) بغياب الضلع الثالث إيران؛

 على أن تتراجع ميليشيا قسد ثلاثين كلم على طول الحدود البالغ شرقي الفرات 440كلم، تستثنى منه مدينة القامشلي خلال تسيير الدوريات الروسية التركية ويترك ملف إدارة المنطقة خدميا-أمنيا غامضا للمتابعين.

من الواضح أيضا أن الميليشيا الكردية خسرت كل ما تملك من نقاط قوة بعد تسليم مراكزها الحساسة كعين العرب/كوباني وعين عيسى والطبقة وقريبا الرقة للنظام، ليبقى مصير منبج وتل رفعت عالقا بين الروس والاتراك مع غياب نفوذ ميليشيات قسد في المنطقتين. أما الخسارة المطلقة فكانت في منطقتي رأس العين وتل أبيض لصالح القوات التركية وحلفائها في المعارضة السورية المسلحة (الجيش الوطني).

حقيقةً بعد الانسحاب الأمريكي، باتت روسيا القوة الخارجية المهيمنة في سورية بدون منازع وهذا ما جعل فرص القوى الاخرى تتضاءل في تحقيق مصالحها منفردة، أو مضطرة للذهاب لعقد تفاهمات مع الروس.!

وهنا علينا الإشارة ان الموارد النفطية لا زالت خارج سيطرة حكومة دمشق وحلفائهم الروس والإيرانيين.

 وهذا ما يبقي الأعباء الاقتصادية قائمة على النظام وبذات الوقت ورقة ضغط بيد الأمريكان ليفرضون ما يناسبهم إن أرادوا ذلك.

اما ملف اللاجئين ذو المصلحة المشتركة الروسية التركية، فالأولى تطمح لإعادتهم لتحظى بملف إعادة الإعمار، الذي يقربها من الأوروبيين والخليج العربي والثانية ترى في عودة اللاجئين السوريين المقيمين على أراضيها تحت مسمى ضيوف أو حماية مؤقتة، مصلحة داخلية خارجية.

داخليًا:

  • أحداث شرخاً بين تحالف حزب الشعب الجمهوري وحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للكورد.

  • ملامسة شعور الأتراك الرافضين لوجود اللاجئين السوريين على أراضيها

  • تعزيز خطاب أردوغان الرافض للسياسات الغربية بدعمهم ميليشيا ارهابية على الحدود التركية.

خارجيا:

  • تعزيز الشراكة مع حكومة بوتين

  • لفت انتباه الغرب لملف اللاجئين

  • تقييم وجود تركيا في حلف الشمال الأطلسي ناتو.

وبهذه الحالة تكون العملية العسكرية “نبع السلام” قد حققت حراك سياسي بخطوات عسكرية.

ومن الواضح أن عدة أطراف استفادت من الخطوة العسكرية التركية بدء من إدارة البيت الأبيض عبر تنفيذ وعود الرئيس ترامب بسحب قواته من سورية كي لا يصطدم وشركاءه الأتراك ومرورا بالروس الذين أعادوا مناطق لم يجرؤن يوما الدخول عليها، لصالح حليفهم الأسد، لينتهي المطاف عند تركيا التي أبعدت الميليشيا الإرهابية حسب تصنيفهم، على طول الكريدور الحدودي بعمق اختارته هي ضمن توافق مع القوى الدولية المتنفذة في الملف السوري.

لتبقى مخاوف السوريين قائمة في الشمال الشرقي من سوريا في إعادة سيناريو الجنوب السوري(درعا-القنيطرة) حيث تخلى الامريكان عن فصائل الثوار المسلحة هناك على حساب دخول الشرطة العسكرية الروسية وبالتالي إعادة انتشار النظام وفتح معبر نصيب البري مع الأردن.

وهنا الحالة مشابهة من حيث الخطوات التي تجري أمام أعين السوريين المناهضين لنظام الأسد دون أن يحركوا ساكناً، مكتفين بتأمين مصالح حلفائهم على أمل أن تبقى مساحة خضراء تحميهم غدرات الأسد وحلفائه مستقبلاً.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق