مقالات

ما الذي تذكره الكونغرس في قضية إبادة الأرمن؟

بقلم : سيهانوك ديبو – المركز الديمقراطي العربي

  • قضية الخذلان الأمريكي للكرد كمقدمة تنفيذية

لربما يكون أفضل الأجوبة في قضية الخذلان الأمريكي للكُرد في سوريا، وعن منح واشنطن –هذه المرة- الضوء الأخضر لأنقرة في غزوها الأخير على روج آفا وشمال سوريا؛ هو الجواب: لا يؤمن جانب نظام الهيمنة العالمية. لكن هذا بالجواب العام جداً وربما المعروف جداً وجداً. والسوري في جواب ذلك قال ويقول: لقد خذل العالم كله شعب سوريا، وليس هم الأمريكان وحدهم من خذلوا الكرد في سوريا وقبلهم شعب درعا في الجنوب السوري. كما يقول لي أحد الأصدقاء في المعارضة السورية من درعا (باعونا الأميركان برسالة واتس وأنتو الكورد بتغريدة تويتر). لكن الساعة المعطلة تماماً تصدق في اليوم مرتين؛ ليس هنالك من تأكيد حاسم بأن لينين زعيم البولشفيك من قال ذلك. بخاصة توجد مزاعم أخرى بخصوص مثل هذا التأكد مفادها بأن قادة الثورة البولشفية الحقيقيون هم تروتسكي وكاوتسكي وبليخانوف.

وليس بصعب أن يتم تصنيفهم بالخونة والمرتدين من قبل ستالين؛ لا بل من لينين نفسه. فالأمر كما عادتها المعروفة في أن الثورات تتوهج أكثر بنار أصحابها أكثر. لكن ذلك انطباع سلبي وهو غير صحيح حتى لو كان مكرراً، حتى لو تكرر عديداً من المرات. الساعة السورية المعطلة تماماً تنبأ بأنها ستصدق مرتين؛ مرة حينما نعترف بأن كل اشتباك عسكري ميداني ما بين (المعارضة السورية) والسلطة المركزية خدمت السلطة؛ ليس لأن السلطة قوية وحلفائها صدقوا معها بل لأن حرق الحراك الشعبي ومنعه أن يتحول إلى ثورة حصل على يد مثل هذه المعارضة، ومرة حينما تم تصويب سهام التشكيك والحقد والتضليل إلى مشروع الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا؛ ليتم وصفه تارة بأنه الانفصال وفي الوقت نفسه بأنه التنصل من القضية الكردية. سوى أن الحقيقة الواضحة رغم تغييبها هي أن الإدارة الذاتية يمثل جوهر القضية الديمقراطية في سوريا. وهنا وجدت الإدارة الذاتية؛ من خلال المربعات الأمنية للحكومة المركزية السورية؛ بأفضل الوسائل المتاحة ليُسْتَدل على أن مشروع الإدارة الذاتية ليس بالانفصالي أو التقسيمي.

لكن لماذا خذلت أمريكا هذا المشروع؟

هذه ليست المرة الأولى التي توجد فيها فجوة بين خطاب الولايات المتحدة والواقع العالمي. (فهناك حلقات سابقة في التاريخ الأمريكي شهدت ذلك، مثل الرئيس السابق ودرو ويلسون ومجازر الأرمن والسريان، فرانكلين روزفلت وقضية يهود أوربا ومجزرة ديرسم التي سوت بالأرض بعد اعدام سيد رضا وقتل نحو 100 ألف كردي علوي في تركيا، هاري ترومان وجمهورية مهاباد، دوايت إيزنهاور والثورة الهنغارية، ريتشارد نيكسون وتايوان، جورج دبليو بوش والكرد في العراق والروس في جورجيا، بيل كلينتون ومسلمي البوسنة، أوباما والحراك الشعبي في إيران، ترامب والإبادة التي قامت بها الصين ضد الإيغور ومعسكرات الاعتقال في كوريا الشمالية، واللحظة في نية إبادة تركيا الأردوغانية للكرد بشكل خاص في روج آفا وبشكل عام للسريان الآشوريين والعرب في شمال سوريا)؛ وتدمير 4500 قرية في شمال كردستان/ جنوب شرقي الأناضول، و3500 قرية في إقليم كردستان العراق، إبادة حلبجة والأنفال ضد الكرد العراقيين.. كبعض الأمثلة. لكن كل ما تقدم لا يمكن مقارنته بخذلان واشنطن ل(شريك التحالف الدولي ضد الإرهاب) قوات سوريا الديمقراطية التي قدمت نحو 35 ألف شهداء وجرحى ومصابي حرب في التصدي لداعش الفاشي الجهادي. الخذلانات السابقة ربما يتم تفسيرها وفق المعمول به بأن الدوام للمصالح. لكن خذلان الشراكة لا يمكن تبريره ويبقى الخطأ الكبير الذي يجب تصويبه.

خذلان واشنطن قد يرجع لعدم امتلاكها خطة متماسكة حيال حل الأزمة السورية، أو لعدم جهوزيتها في مواجهة شريكتها الناتوية أنقرة، أو لإبقاء حليفتها أنقرة وشريكتها قسد كقوى متناقضة متوازنة متوازية وفق مبدأ مترنيخ الشهير، أو لاتباع واشنطن وسيلة أخرى من طرائق الحداثة الرأسمالية في طور انتقالها إلى مرحلة المال المالي، أو حرصها على حجز مكان آخر لحركة تحرر ثورية كي تكون في صف الهيمنة العالمية من بعد انقلابها على مشروع هذه الحركة الثورية أو تقليم أظافرها، أو ربما للحاجة الماسة بأن تبقى الحرائق مشتعلة فلم يحن وقت اطفاء الحريق؛ فتركيا التي تبدو بأنها حتى اللحظة لم يُحْسَم أمرها هل ستكون جزءَ شراكةٍ من نظام الهيمنة العالمية في حلة الشرق الأوسط الجديد أم قسماً مشتركاً فيه من الشرق الأوسط الجديد نفسه؟ ربما كل ما تقدم، لكن الحاسم في المسألة: لا تأمن بمكر زيوس/ آمون/ جوبيتر. رغم ذلك وفي صيغة أقرب إلى الجزم: إن اعتراف الكونغرس بأنَ إبادة طُبِّقت بحق الأرمن قبل مئة وأربع سنوات يعني ما يعنيه كثيراً في هذه اللحظات. بإضافة مسألة مهمة بأن هذا الاعتراف جاء بعد اعتراف شريكي السلطنة العثمانية في الحرب العالمية الأولى: ألمانيا والنمسا بإقدام العثمانية بارتكاب جريمة إبادة ضد الأرمن.

القصة من البداية

الحرب العالمية الأولى لم تخلف السلام بعكس ما روِّج عنه؛ إنما اتفاقيات فرضتها الأطراف المنتصرة على الخاسرة، وخلّفت نتائج تتعلق جلّ أسبابها بالشكل الذي يناسب نظام الهيمنة المتعلق بدوره على أفول مرحلة الهيمنة العالمية في المرحلة التجارية إلى مرحلة الصناعوية التي ضمّنْتها بالشكل الكامل وطبقّت طبائع المرحلة بحذافيرها شكل الدولة القومية المركزية. سقطت الامبراطوريات وتفككت إلى دول قومية/ قوموية. ساد العالم وقتها ترويج أفكار تخدم مثل ذاك الانتقال؛ من بينها مبادئ ويلسون في حق الشعوب بتقرير مصيرها بما لزمها كسياسة عالمية وعلاقات دولية؛ نشوء عصبة الأمم المعدلة إلى هيئة الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية وتثبيت الدولة القومية المتفق عليها ما بين المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي بأن حق الأمم تُضْمَن من خلال تحولها إلى الدولة القومية. عكسهما شذوذاً عن المألوف في ذلك الوقت تمثّل شطح ألمانيا الهتلرية إلى إعادة الامبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الثانية بعد فشلها في تثبيت الشكل القديم في الحرب العالمية الأولى مع حليفتيها النمسا والسلطنة العثمانية. الرغبة الدولية أو قرار نظام الهيمنة العالمية لزمه على طول الخط من ضرورة حريق الشرق الأوسط، ورأى بأن إبادة الأتراك للأرمن وللشعوب الأخرى فرصة للانقضاض على العثمانية كلها. وهذا تأكيد إضافي بأن العثمانية في أفولها لم تقل قوة في بدايتها، والذي حدث بأنها استنفذت أدوارها في معرض سياسة الهيمنة العالمية من ناحية ومن ناحية أهم بأنها لم تكن سوى آلة جهل وقتل وتدمير للشعوب التي تسلطت عليها. بعكس الرواية الأردوغانية المختلقة في أن (العصابات الأرمنية) مدعومة من روسيا القيصرية بدأت شن الحرب على الأتراك والكرد والعرب؛ وبأن هذا ما حتَّم من حصول مواجهات وضحايا! لكن بالمحصلة ف}إن تفكك الإمبراطوريتان العثمانية والروسية في نهاية الحرب العالمية الأولى أسفرت عن خلق  عدد من الدول الجديدة. ففي أيار 1918 أعلنت أرمينيا الشرقية استقلالها كجمهورية، بعد أن كانت جزء من الإمبراطورية الروسية. في نيسان 1920، أمر الحلفاء المنتصرون، وهم يفككون الإمبراطورية العثمانية، بضم أرمينيا الغربية إلى الجمهورية الجديدة وبتعيين الرئيس الأمريكي وودرو ويلسون للتحكيم في قضية الحدود بين تركيا (التي خلفت الامبراطورية العثمانية) وأرمينيا. في تشرين ثاني 1920، وضع ويلسون الحدود على أساس مجموعة متنوعة من العوامل الجغرافية والديمغرافية والعرقية والتاريخية. هذه الخريطة، التي جُمعت تحت إشراف الجيش الأمريكي من قبل الشعبة الطوبوغرافية في دائرة المسح الجغرافي الأمريكية، تظهر مكافأة ويلسون. ومع ذلك، فإن معاهدة سيفر التي اشترطت على استقلالية أرمينيا واعترفت بتحكيم ويلسون، لم تُبرم أبدا. أطاح القوميون الأتراك بقيادة مصطفى كمال بالنظام الملكي التركي، وأقاموا الجمهورية وغزوا أرمينيا، وفي النهاية أجبروها على التخلي عن الكثير من الأراضي التي كانت قد مُنحت للدولة الجديدة إثر تحكيم ويلسون. كما غزت القوات الروسية البلشفية أرمينيا أيضا وضمت ما تبقى من الجمهورية الأرمنية إلى الاتحاد السوفياتي الجديد في العام 1923{؛ هذه وثيقة مقتبسة من مكتبة الكونغرس الأمريكي. يلاحظ في تحكيم ويلسون خارطة كردستان بمساحة تقدر نحو 350 ألف كم2 ثم تعدّلت في سيفر إلى أكثر من ذلك نحو 75 ألف كم2. ونسفت بشكل كامل في لوزان2 1923.

 قبل مئة عام إلّا بضعة أيام في نوفمبر 1920 صدّر الرئيس الأمريكي خارطة الشرق الأوسط الجديدة. وفي 29 اكتوبر تشرين الأول 2019 يعلن الكونغرس بأغلبية ساحقة بأن الإبادة التركية للأرمن حدث. لهذا القرار تداعيات قانونية وإلزام مالي تعويضي يقارب من ترليون دولار أمريكي بحسب المنظمات القانونية الأرمنية. بالعلم أن الرقم يفوق ذلك كثيراً. لكن يبدو بأن المسألة كلها تتعلق بالجواب الذي يتضح: تركيا الأردوغانية ليست من نظام الهيمنة العالمية إن في مستوى المشروع الروسي للمنطقة الأوراسي بقيادة سلافيّة أو في مستوى المشروع الأمريكي المتعلق بالمعروف الشرق الأوسط الكبير؛ أو في المستوى الأهم الأقوى مشروع إرادة الشعوب في تقرير مصيرها لنفسها وأن الشرق الأوسط الديمقراطي سليم ومعافٍ أكثر من خلال نظرية الأمة الديمقراطية؛ ويكمن التعريف الصحيح لمسارات الشرق الأوسط والتكهن بحراكها من أن وئام أو لنقل أفضلية ما تخلق في النهاية بين مشروع الشرق الأوسط الديمقراطي وأحد المشروعين الأقوى. انتهت العثمانية ليس لأنها كانت مثل الطاعون على شعوب الشرق الأوسط فقط بل لأنها لم تكن تصلح لا سياسياً ولا اجتماعياً ولا اقتصادياً للحركية الدولتية العالمية؛ شأنها في ذلك شأن العثمانية الجديدة/ تركيا الأردوغانية التي لم تصلح بنيوياً أن تكون طرفاً في قتال داعش والتنظيمات الإرهابية عموماً. ولهاث أردوغان اللحظة بأنه قبض على أخت البغدادي ومن ثم إحدى زوجاته للإيهام فقط بأنه جزء من الحرب على الإرهاب. لن يستطيع أردوغان من تحرير شبهة وتورط أنقرة في تغذية ودعم الإرهاب لأن أنقرة العثمانية ترى في هذه التنظيمات بأنها العصى في شق طرق العثمانية الجديدة.

حتى لو استطاعت الإفلات من لك فإن أمامها العتبة الصعبة المتمثلة باتفاقية قارس/ موسكو 1921 لموسكو الحق فيها باسترجاع نحو ربع تركيا الحالية والحاقها بأرمينيا. لكن العتبة الأصعب التي من المستحيل تخطيها هي في الذكرى المئوية الأولى لاتفاقية لوزان2 1923. استحالة تركيا الأردوغانية تخطي هذه العتبة تتمثل بداية بأن مؤتمر القاهرة الخديوية المتبوعة للندن عام 1920 الذي تم فيه فرض الخرائط الجديدة بإنهاء كامل كردستان لن يشبه العواصم التي يشن عليها حرباً من قبل العثمانية الجديدة في مقدمتها القاهرة نفسها. والأهم من كل هذا بأن تركيا الأردوغانية أمامها مقاومة ذاتية لم تكن موجودة سابقاً. فإن مشروع الأمة الديمقراطية/ الأوجلانية بات بالمتفوق على الأردوغانية؛ تلمّس أردوغان نفسه ذلك في الانتخابات المحلية التركية الأخيرة. ولن يصبح هنا عامل السماء من يحسم المعركة؛ أي عامل من يمتلك السلاح الجوي ومن لا يملك الأسلحة المضادة. إنما أخوة الشعوب ووحدة المصير والعيش المشترك يكتب له النجاح، وفي الوقت نفسه يقبل بمشروعه شريكاً للدول الطبيعية غير المارقة وحليفاً لرؤية العالم الجديد إلى المنقطة.

الكرد والأرمن أكبر المتضررين من العثمانيتين القديمة والجديدة؛ أمامهما بالذات ما يمكن فعله. أمام العرب والكرد والسريان الآشوريين وكل مكونات المنطقة فرصة سانحة لا تتكرر كثيراً، ولا تتكرر كثيراً في ظل أشبه باتخاذ قرار عالمي (أمريكي روسي) تتوضح معالمه في فترة قريبة قادمة بأن تركيا الأردوغانية لا تصلح أن تستمر كدولة رئيسها/ سلطانها في نظر سبع مليارات من البشر سفاح ولص؛ وأحمق.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق