تحليلاتعاجل

أسباب وتداعيات استرجاع الأردن للباقورة و الغمر ومستقبل علاقتها مع إسرائيل

اعداد : ماهر القدارات – باحث دكتوراه حضارة حديثة – صفاقس- تونس

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أعلن الملك الأردني عبد الله الثاني يوم الأحد الماضي خلال كلمة ألقاها في افتتاح الدّورة البرلمانية الرابعة عن انتهاء العمل بالمُلحقين الخاصّين بمنطقتي الغّمر والباقورة في اتفاقية السلام وفرض السّيادة الكاملة على كُلّ شبر منهما.

ورفع الجيش الأردني علم المملكة الهاشمية في الباقورة بالتّزامن مع اعلان الملك عبد الله الثاني فرض السيادة عليها.

وبدأت السلطات الأردنية في تطبيق قرار الملك عبد الله الثاني القاضي بمنع الإسرائيليين من دخول الأراضي الأردنية في الباقورة  والغمر بعد انتهاء عقد يسمح للمُزارعين الإسرائيليين بالعمل في تلك الأراضي لمدة 25 عاما.

وبحسب ملاحق اتفاقية السّلام الموقعة في 26 أكتوبر 1994 تم إعطاء حق التصرّف لإسرائيل بهذه الأراضي لمدة 25 عاما قابلة للتجّديد تلقائيا في حال لم تُبلغ الحكومة الأردنية إسرائيل رغبتها في استعادة هذه الأراضي قبل عام من انتهاء المُدّة وهو ما فعلته المملكة العام الماضي برفضها المطلب الإسرائيلي في التجديد، وقد تمّ إغلاق البوابة الصفراء الفاصلة بين البلدين كإشارة واضحة على جدّية الموقف الأردني ورفضه للدخول في مُفاوضات مع إسرائيل من أجل تمديد عقد كراء هذه الأراضي.

صحيح أنّ اتفاقية وادي عربة أنهت حالة الحرب القائمة بين البلدين، وأنّ الأردن اضطرّت على التوقيع في وقت حساس لضمان عدم خسارة مزيد من أراضي المملكة، لكنّها لم تكتسب شرعية شعبية في الأردن ومازال الشعب الأردني يرى في إسرائيل عدوّا أزليا له.

1ـ الأهمية الإستراتيجية والجغرافية لموقعي الباقورة والغور:

تقع الباقورة (نهاريم) شمال الأردن وتُشكّل نُقطة التقاء نهر الأردن واليرموك، احتلتّها إسرائيل عام 1950 وقد استعادتها الأردن خلال اتفاقية السّلام سنة 1994، وتبلغ مساحتها الإجمالية 6000 دونم، ويزرعها الإسرائيليون بالحنطة والشعير.

ولا تختلف الغمر(سوفر) عن الباقورة كثيرا، وهي أرض حدودية تقع في محافظة العقبة جنوب البحر الميّت، تمتدّ على 4000 دونم، احتلتّها اسرائيل عام 1967، وتحتوي على أراضي زراعية يزرعها الإسرائيليون بالفواكه والخضار.

وللمنطقتين أهميّة استراتيجية، حيث تُمثّل الباقورة نُقطة التقاء نهر اليرموك مع نهر الأردن وهو ما يجعلها من أخصب المناطق الزراعية في المنطقة، وكانت تُوفّر مداخيل طائلة لإسرائيل إضافة إلى أمنها الغذائي، أمّا منطقة الغمر فلها أهمّية عسكرية باعتبارها منطقة حُدوديّة مفتوحة.

دوافع القرار الأردني باسترجاع أراضيها:

الدافع الأساسي هو الاستجابة للضغوط الشعبيّة المتزايدة ولمطلب أردني برلماني حيث وقّع أكثر من 87 نائبا عريضة يُطالبون فيها الملك والحكومة الأردنية بوقف تأجير الأراضي لإسرائيل وسط ظروف اقتصادية سيئة ودين عام يُناهز 40 مليار دولار، وخُطوة كهذه من شأنها أن تُهدّأ غضب الشارع الأردني المتزايد يوما يعد يوم وكفيلة بأن تعيد الثقة بين الملك والشعب.

ـ أمّا الدافع الثاني لاسترجاع الباقورة والغمر هو تعبير عن استياء أردني كبير من السياسات الإسرائلية في المناطق المحتلة والقدس ورفض الاقتراح الأردني الداعي لحل الدولتين واعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل، إضافة إلى سياسات نتنياهو المُستفزّة والمُحرجة للأردن ـالراعي للمُقدّسات الإسلاميّة والمسيحيّة في القُدس ـ والمُتمثّلة في توسيع الاستيطان ومواصلة ضمّ مناطق في الضفّة الغربية للسيادة الإسرائيلية، والسّماح بدخول المُتطرّفين اليهود إلى المسجد الأقصى وسط حماية كبيرة من جُنود الاحتلال. واستبعاد الأردن عن المفاوضات السياسيّة مع الفلسطينيين.

أيضا هذه الخُطوة تُبرز وبوضوح غضب الملك الأردني من الاقتراح الذي طرحه جاريد كوشنار مستشار ترامب على الرئيس الفلسطيني محمود عباس بإقامة كونفدرالية مع الأردن قبل الحُصول على موافقة الملك أو سماع رأيه بخصوص هذا المقترح الذي يُشكّل خطرا على الأردن يُهدد بتحويل المملكة إلى وطن بديل للفلسطينيين، وهو ما اعتبرته الأردن هروبا من فكرة حلّ الدولتين التي اقترحتها على الجانب الإسرائيلي لإنهاء الصراع.

كما يُشكّل الموقف الأردني الأخير احتجاجا على قرار ترامب وقف المساعدات الممنوحة لوكالة الأونروا التي تُهدّد حياة مليوني لاجئ فلسطيني يسكنون المملكة، القرار الأمريكي يُشكّل عبئا اقتصاديا إضافيّا على صُندوق الدّولة الذّي يستوعب أيضا نحو مليون ونصف لاجئ سوري وآلاف اللاجئين من العراق وسط عجز كبير في الموازنة وارتفاع حجم الدين العام.

القرار جاء في ظلّ أجواء مُتوتّرة بين إسرائيل والأردن خاصّة بعد مقتل أردني على يد حارس السفارة الإسرائيلي واحتجازها للمواطنين الأردنيين هبة اللبدي وعبد الرحمان مرعي تزامنا مع وعود أطلقها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على منطقة غور الأردن إذا ما نجح في تشكيل الحكومة القادمة وهذا ما رفع منسوب التوتّر بين البلدين وأوصل المُفاوضات بينهما إلى طريق مسدود.

مستقبل العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية:

يُشير قرار استرداد الباقورة والغور صراحة إلى أنّ العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية تمرّ بمنعرج صعب، وأنّ الأردن يُدير علاقته مع إسرائيل هذه المرّة بطريقة مُختلفة في ظلّ تواصل العربدة الصهيونية  وسياسة التوسّع الاستيطانية وفي ظلّ تحالف دول عربية مُهمّة مع إسرائيل.

ويمنح هذا القرار رمزية سياسية كبيرة تفوق مُجرّد الرمزيّة القانونية (حق الأردن في استرجاع أراضيها بموجب القانون الدولي)، فهو رسالة مُباشرة إلى إسرائيل بأنّ عملية السلام لا تسير في طريقها الصحيح الذي تُريده الأردن، وأنّ احترام المعاهدات وإرجاع الحقوق لأصحابها كفيلان بإحلال السلام في المنطقة لا بالغطرسة والاستعلاء الإسرائيلي.

في المُقابل ترى إسرائيل أنّ أهمية التعاون مع الأردن وحجم العلاقات الكبيرة معها تفوق وبكثير أهمّية الأراضي المُسترجعة، هذا ما أشار إليه سفيرها في عمّان الذي أكّد على التنسيق الأمني والمائي والسياحي والمخابراتي المُتزايد بين البلدين.

لكن يُشير القرار الأردني إلى التحولات في المواقف العربية وعلى رأسها الموقف الأردني المُتخوفة من خطّة السلام الأمريكية المعروفة دوليا باسم صفقة القرن ومن انتهاكات إسرائيل المتكرّرة للقانون الدولي سواء في علاقتها مع فلسطين أو باقي دول الجوار الأخرى.

مصير العلاقات الأردنية ـ الإسرائيلية سيكون مُرتبط بمدى التزام إسرائيل بعملية السلام وجدّيتها في التعامل مع القضايا الإقليمية الراهنة وفي مُقدّمتها حق الفلسطينيين في دولة مُستقلّة واحترام الوصاية الأردنية على المُقدّسات الفلسطينية الإسلامية والمسيحية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق