fbpx
مقالات

دولنة سوريا تسقط نصف النظام وثلثي (معارضته) في العام 2020

بقلم : سيهانوك ديبو – المركز الديمقراطي العربي

 

للحظة سوريّة واحدة لم تكن الدستورية السورية حجر الزاوية لبناء سوريا الجديدة، و/أو الحل المتماسك لأزمتها وفق مسار الحل السياسي وهي تنهي عامها التاسع؛ ربما تصلح الدستورية كي تكون بمثابة الباب الرئيس لبيتٍ شُيِّد توه. وللبيوت قصص وغرف وشبابيك ومداخل ودائماً مخرج للنجاة. سوريانا لم تكن بيتاً لكل السوريين، فلم يحدث الاجتماع السوري بالرغم من اجتماعات كثيرة كبيرة بدأتها من المدعوين سايكس وبيكو إلى من يمثلهما اليوم. ستبدو بالنكتة السمجة إذا ما فكر سوري أو شرقي بالعموم بأن لاجتماعات أنظمة الهيمنة علاقة بتحقيق الانتماءات المجتمعية إلى الجغرافيات التي تم ويتم استحداثها على يدها. منذ مئة عام إلى مئة عام أخرى تبقى شهية نظام الهيمنة مفتوحة. أولئك الخارجيين يضاف إليهم الداخليين الذين يحرصون أن يبقى سيف داموكليس مسلطاً  قد منعوا لمسألة مهمة مثلما الانتماء أن تتحقق وتنتج الهوية السورية.

سوريا التي تأن؛ دولة عسكرتاريا، غريب عنها دولة المواطنة الديمقراطية الحرة. يبلغ هذا الأنين نهاية الشتاء الحالي لتطبق الأزمة السورية عامها التاسع. تدخل سوريا عام الأزمة العاشر، ولا تعرف أيّ زمان تعرفت عليها فيما لو قدِّر لغائب أن يزورها اليوم. أسقطت الحرب الدائرة عن السوريين مضامين ضخمة أهمها صفة ابن البلد. سيتردد –مثلاً- ابن السهل الحوراني كثيراً ليزور الساحل، ومثله ابن الساحل في حال فكّر الذهاب إلى حوران الجبل والسهل. ابناء الجزيرة وكوباني وعفرين يرون بعض مناطقهم المحتلة تركياً تعج بأناس سوريين من إدلب والزبداني ومن الغوطة الشرقية وآخرون كُثر خارج سوريا نزلوا أرضهم من على الدبابات التركية. أنه في غالبه السوق السوري الإلزامي؛ وتسوُّقٌ لجهاديين أضلّتهم سياط العولمة والدينوية، ضللهم أكثر سلطانٌ ساعته في رجوع دائم للخلف وللزمن العثماني، ويشبه السلطان أردوغان كثيراً أزدهاك الشهير عند الكرد والذي نَبًتت على رأسه أفعيين تهدأ برهة حين تناول عقل يافع، حتى قيام كاوا الحداد قتله بمطرقته ورَفْع شعلة النار كإشارة للنصر. منذ ذلك الوقت متعارف عند الكرد بشكل خاص بأنه اليوم الجديد؛ نوروز. لكنّ كل المناطق السورية تعج بأمثلة تفوق ما تقدّم ألماً ودماً. الكره شعبي ورسمي هذه المرة. أمّا عادة الأنظمة الاستبدادية التي تكره شعوبها فبات مبكيٌّ عليها في الشتاء التاسع للأزمة السورية؛ فالكره شعبي ومجتمع سوريا منقسم أقرب إلى الواقعة السورية الموقَعُ بها إقليماً دولياً وحتى محلياً سورياً.

الأوراق السورية باتت واضحة فاضحة. كورقة الائتلاف التي أسقطت عنها صفة الوطنية. فكل مكونات الائتلاف غير وطنية وهي واجهة للاحتلال التركي، وأساسها مقدمة أجهضتها ثقافة سوريا التعددية لحكم الاخوان المسلمين في سوريا- لا يهم هنا عدد الشخصيات والأحزاب العلمانية واليسارية المتبقية فيها؛ مع العلم بأن الكثير الكثير منها قفزوا من سفينة الائتلاف بعد أن تلمّسوا حقيقة هذا الائتلاف. فلا يصلح الائتلاف أن يكون جزء من المعارضة، فجزءً من الهيئة التفاوضية؛ فعناصر من الدستورية السورية: عناصر قادت داعش وهي في معرض كتابة العقد السوري/ دستوره!!.

هذه لا يمكن أن تكون مُعلِّلة في الحكم على هيئة التنسيق؛ على الرغم من ميلان المتبقي فيها لهواء الائتلاف. لقد دسّت أيديولوجية البعث سموماً في أغلب صنوف وشخوص المعارضة السورية فأصابت غالبها بإعياء القوموية وتنكر حق القضية الكردية أو القبول بها أوصياء عليها لمرة أخرى في تقليد تام للسلطة الحاكمة السورية. لكن المعارضة السورية ليس موّزَعٌ فيها سوى أقل من عشرها على الائتلاف أو التنسيق؛ لا أتحدث عن العدد الذي يبدو أقل من ذلك بكثير إنما الحديث عن النَفَسِ. ولا عن النفس الأمّارة بالسوء إنما عن العقول السورية المعارضة التي تعاني غالبيتها الساحقة من الأنا المتضخمة؛ فعدم التعرف على بعضهم البعض بالشكل المطلوب رغم لقاءاتهم الكثيرة. في ذلك يلزم خطوات جبارة لبناء جسور الثقة للمعارضة المعوَّل عليها سوريّاً؛ كي تقدِّم نفسها على أنها الأفضل إقليمياً وعالمياً، وأولى هذه الخطوات اجتماع لها في محلة سوريّة أو في محل لبلد عربي. هل سنكون أمام ديريك2 (عرّبت إلى المالكية في زمن البعث مع العلم بأن أصل اللفظ سرياني وليس بالكردي فقط)؛ ديريك1 أنتجت مجلس سوريا الديمقراطية 2015، أمْ القاهرة3 التي لم يسمح قبلها للقاهرة2 إنتاج جسماً معارضاً مخوّلاً بالتفاوض بإصرار من هيئة التنسيق، أمْ جنيف1 للمعارضة الوطنية الديمقراطية السورية فقط؛ إذْ أفصحت تسع جنيفات سوريّة عن حالة الجمعنة المرعبة لسويّات فرضت على السوريين بأنها المعارضة السورية.

أغلب هؤلاء كان حتى الأمس القريب ضمن منظومة النظام المركزي الاستبدادي؟

ما يهم السوريين وحلّ أزمتهم بأن أي اجتماع في أي محل لما تقدم ينتج حالة متقدمة تخلِّص من يحضرها –من المفترض كبيراً- أخطاء وعيوب ونواقص الماضي القريب، ويلزم في ذلك اهتداءً بالوثائق التي خرجت فتطويراً واقعياً للجديدة منها. حال حصول ذلك فإن الطريق إلى الرياض3 سيكون معبّداً وبالأقرب من أي لحظة لإنتاج هيئة تفاوض سوريّة حقيقية بمستطاعها ترجمة بناءة  للقرار الأممي 2254 وقرارات أخرى بِصلة والحل السوري؛ الذي لن يكون سوى بالسياسي. إلى جانب هذا وبدرجة كبيرة من التلاصق بها والمكمِّلة لها فإن الفرصة تبدو سانحة لتحقيق عملية تفاوض سوريّة بين السلطة السورية من طرف ومجلس سوريا الديمقراطية والإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا وقوى معارضة أخرى من طرف آخر.

الراعي هنا موسكو إلى جانب الجامعة العربية. فموسكو ليست قريبة بما فيها الكفاية من الإدارة الذاتية والحكومة السورية إنما من أنقرة التي تحتل مناطق من شمال سوريا مع المسماة بالفصائل المسلحة المعتدلة ذات حديث في آستانا، وهي أي هذه الفصائل/ ما يسمى بالجيش الوطني السوري/ الجيش المحمدي وفق رغبة السلطان أردوغان سوى المنفِّذ الفعلي لأكبر جريمة تغيير ديموغرافي في سوريا الحديثة. أي أن الاحتلال التركي وجماعاته المسلحة تفرض اقتراباً ما بين دمشق وقامشلو. تتمثل المشكلة السورية الكبيرة في أن السيادة السورية منزوعة تماماً، وعن طريق مثل هذا الاقتراب تتأتى أولى خطوات استعادتها.

في النصف الأول من العام الجديد تسقط الدولنة -التي منيت بها سوريا- نصف النظام وثلاث أرباع المعارضة السورية. يتزامن وذلك اهتزاز تركيا الأردوغانية بعد هزّات حالية لليمن ولبنان والعراق وإيران. لكن أردوغان يبَّسَ تركيا وأزال عنها كل نابض سياسة. استدارات أردوغان في تنازلات المعارضة السورية ربما جاء وقت دفع أكلافها. وممالك النار لا حظوة لها أو ستخفت كثيراً في العام الجديد، تنطفئ في الأعوام القادمة. لكن اهتزاز تركيا ستشبه نفسها فقط.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق