fbpx
تحليلات

التصعيد الأمريكي و مخاطر الحرب … تداعيات اغتيال الجنرال قاسم سليماني والقيادي أبو مهدي المهندس

اعداد : أميرة أحمد حرزلي ، باحثة في العلوم السياسية و العلاقات الدولية، المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

يتصاعد التوتر في منطقة “الشرق الأوسط ” شيئا فشيئا وبطريقة الدراماتيكية خطيرة ينذر بانزلاق الوضع الى حرب عسكرية وشيكة ( لا قدر الله )، فبعد الاحتجاجات التي تخللتها اعمال عنف في العراق و لبنان و اقتحام محيط السفارة الامريكية في العراق ، نفذت الولايات المتحدة الامريكية أمس ليلا غارة جوية على مطار بغداد الدولي استهدفت بها الجنرال الإيراني البارز قاسم سليماني ونائب رئيس الحشد الشعبي في العراق أبو مهدي المهندس ، يجري في المقابل و بالتوازي مع ذلك استعداد تركي للتدخل العسكري في ليبيا بعد موافقة البرلمان التركي على ارسال قوات للقتال في ليبيا الى جانب حكومة السراج.

لا يختلف اثنان ان المنطقة العربية برمتها على صفيح ساخن خاصة بعد الغارة الامريكية في العراق واغتيال قيادات إيرانية وعراقية بارزة، والوضع في إحالة استنفار أمنى وعسكري عالي في ايران و العراق ودعوات للرد السريع على عمليات الاغتيال، كذلك الولايات المتحدة الامريكية بعد تصعيدها وضعت قواتها في المنطقة في حالة تأهب متوقعة الرد الإيراني، في خضم كل هذه التطورات السليماني والمتسارعة للقضية نطرح الإشكالية التالية:

كيف يمكن ان تنعكس استهداف الجنرال والمهندس على المصالح الإيرانية والعراقية والوضع المتأزم في المنطقة؟

نحلل الموضوع وفق النقاط التالية:

  1. تفاصيل عملية اغتيال الجنرال سليماني والمهندس.
  2. شخصية الجنرال سليماني والمهندس وأدوارهما العسكرية.
  3. ردود الأفعال الإيرانية و العراقية والإقليمية والدولية إزاء الغارة الامريكية.
  4. سيناريوهات تطور الأوضاع في المنطقة العربية بعد الغارة الامريكية.
  5. تفاصيل عملية اغتيال الجنرال سليماني والمهندس واهدافها

بتوجيهات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حسب البتناغون اختارت القوات الأمريكية الزمان والمكان واستهدفت أمس الخميس ليلا بغارة جوية منظمة موكب الجنرال الايراني قاسم سليماني قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الايراني والقيادي في الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في مطار بغداد الدولي قرب صالة الشحن الجوي اثناء عودة سليماني من سفره ويبدو هنا تضارب في المصادر فمنها من تقول أنه عاد من بيروت و أخرى تقول من سوريا، وكان في استقباله أبو مهدي المهندس ، وقد نجم عن الغارة اغتيال المستهدفين وعدد من مرافقيهم وشخصيات أخرى من فيلق القدس والحشد الشعبي، ذكر الاعلام الأمني العراقي ان 3 صواريخ الكاتيوشا على مطار بغداد الدولي واصابة عدد من المواطنين.

أردت الولايات المتحدة الامريكية من خلال غارتها أن ترسل رسائل مبطنة مفادها اضعاف إيران عبر تصفية احدى أهم رجالها العسكريين في المنطقة والرد على اقتحامات سفارتها في بغداد قبل أيام وكبح جماح النفوذ الإيراني في المنطقة عموما، لكن محللين سياسيين يقرؤون في خطوة ترامب تهورا وتسرعا عواقبه كارثية على المنطقة والمصالح الامريكية نفسها.

  1. شخصية الجنرال سليماني والمهندس وأدوارهما العسكرية

الجنرال سليمان قاسم الرجل الثاني في ايران أو كما يسمى ” رأس حربة ايران في المنطقة ” لماذا له هذه الأهمية ؟ وما دور أبو مهدي المهندس في قيادة الحشد الشعبي؟ .

الجنرال قاسم سليماني شخصية عسكرية محنكة رجل ميدان من مواليد 11 مارس 1957 ببلدة رابور في محافظة كرمان الإيرانية لأسرة تعمل في الفلاحة.

بدأ عمله العسكري حين الحق بالحرس الثوري الإيراني في 1980 وشارك في الحرب العراقية الإيرانية قائدا لفيلق “41 ثأر الله” وهو في العشرينات من العمر ثم تدرج في سلم الترقيات ليصبح واحدا من عشرة قادة الإيرانيين المهمين في الفرق الإيرانية العسكرية المنتشرة على الحدود ، عين في تسعينات القرن الماضي قائدا للحرس الثوري الإيراني و في 1998 عين قائدا لفيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني خلفا لأحمد وحيدي، رشح لخلافة يحي رحيم صفوي في قيادة الحرس الثوري عند تخليه عن المنصب عام 2007[1].

كان على راس فريق التحقيق الإيراني في اغتيال عماد مغنية في عام 2008 وتوسط لوقف القتال بين الجيش العراقي وجيش المهدي التابع لتيار الصدر في العراق، رقي في عام 2011 حيث قام مرشد الثورة على خميني من لواء الى فريق في الحرس الثوري ويطلق على سليماني لقب ” الشهيد الحي”.

تولى سليماني بأمر من المرشد على خامنئي مسؤول السياسة الخارجية الإيرانية في عدة دول منها لبنان والعراق وأفغانستان، على المستوى الإقليمي ظهر دور سليماني العسكري في الحرب على سوريا حين حرر القصير من الإرهاب عام 2013 وقاد فيق القدس معارك عنيفة في الموصل حين سيطرة عليها “تنظيم داعش” ومعركة امرلي في محافظة صلاح الدين حيث حررت قواته بالتعاون مع القوات التركية المدينة من “تنظيم داعش”[2].

أما القيادي في الحشد الشعبي العراقي أبو مهدي المهندي الرجل الثاني في الحشد اسمه الحقيقي جمال جعفر من مواليد البصرة 1954 عراقي يحمل الجنسية الإيرانية، درس في كلية الهندسة الالكترونية في عام 1979 ، لقب بالمهندس لأنه كان المسؤول عن كافة عمليات الحشد، شارك في حرب العراق مع ايران 1980 ــ 1988 ، قاد فيلق بدر وله عضوية في المجلس الأعلى الإسلامي  تخلى عن فيلق قبل سقوط نظام صدام حسين واستقال من المجلس وعمل كشخصية مستقلة، لعب دورا بارزا في تشكيل الائتلاف الوطني الموحد والائتلاف الوطني العراقي ومن ثم التحالف الوطني الحالي.

المهندس مطلوب أمريكيا لاتهامه بقيادة عمليا عسكرية ضد القوات الامريكية حينها تخلى عن منصبه في البرلمان لحين خروج القوات الامريكية من العراق، شارك المهندس في عدة معارك ميدانية وجبهات قتال وكان له دور بارز داخل الحشد في التخطيط والتنفيذ لمحاربة “تنظيم داعش”[3]

  1. ردود الأفعال الإيرانية و العراقية و الإقليمية والدولية إزاء الغارة الامريكية

تباينت ردود الأفعال الإقليمية والدولية إزاء الغارة الامريكية و استهداف سليماني و المهندس ، ففي ردود الفعل المنددة  أعلنت ايران حداد لثلاث أيام و عمت التظاهرات مناطق عديدة من البلاد وقد الامام خامنئي عن غضبه حيث قال ” ان انتقام قاس سيواجه المجرمين الذين تلوثت ايدهم بدم الشهيد سليماني و بقية الشهداء” على حد تعبيره ، كما عبر وزير الدفاع الإيراني “سننتم لدم الشهيد سليماني من جميع الجناة الذين ارتكبوا هذه الجريمة “، وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أكد ” ان الولايات المتحدة الامريكية تتحمل تداعيات مغامرتها باغتيال اللواء قاسم سليماني”[4] أما العراق فقد ادان العملية الامريكية وطالب رئيس الوزراء العراقي البرلمان باتخاذ قرارات تشريعية للحفاظ على كرامة العراق وأمنه و سيادته ، هذا وقد شهد العراق مظاهرات ومسيرات كبيرة للتنديد بعملية الاغتيال و انتهاك السيادة العراقية، من جهته أعرب حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله ” معزيا طهران ومؤكدا على استمراره نهجه على نهج سليماني مذكرا بانتصاراته و خصاله مع المهندس، ومطالبا بالقصاص العادل من قتلة المجاهدين سيكون مسؤولية وامانة وفعل كل المقاومين” الخارجية السورية هي الأخرى نددت بالعدوان الامريكي الذي أدى لاستشهاد اللواء سليماني و انتهاك السيادة العراقية ، اليمن و فلسطين عبر الأحزاب و القيادات السياسية اعربوا جمعيهم عن تعازيهم لاغتيال سليماني و المهندس و شجبوا العدوان الأمريكي، كما أعلنت وزارة الخارجية الروسية قتل سليماني سيزيد من توترات في “منطقة الشرق” وقدمت تعازيها في اغتيال سليماني. وقد اعلن الحزب الديمقراطي قلقه من العملية الامريكية و اعتبرها سوء تقدير من ترامب سيدخل الولايات المتحدة في حروب دون جدوى خاصة انه لم يستشر الكونغرس في عمليته .

رحبت شخصيات عديدة الولايات المتحدة الامريكية خاصة من حزب ترامب الجمهوريين والكيان الصهيوني بالعملية الامريكية التي أدت لاغتيال سليماني والمهندس واعتبروها ضربة موجعة لنفوذ إيران في المنطقة والتي من شأنها ان تردع السلوك الإيراني، بريطانيا وفرنسا دول أوروبية عديدة رغم ترحيبهم ولو ضمنيا بالعملية الامريكية الا انهم دعوا الى ضبط النفس وعدم التصعيد. وفي أول تعليق لها صرح مسؤول سعودي أن المملكة تابعت الاحداث في العراق الشقيق والتي جاءت نتيجة لتصاعد التوترات والاعمال التي شجبتها وحذرت فيما سبق من تداعياتها، وأن المملكة تدعو الى ضبط النفس لدرء كل ما يؤدي الى تفاقم الأوضاع بما لا تحمد عقباه.

  1. سيناريوهات تطور الأوضاع في المنطقة العربية بعد الغارة الامريكية.

في ضوء التطورات السريعة لما بعد الغارة الامريكية في العراق واستهداف سليماني والمهندس وعناصر أخرى يرى محللون ان مستقبل الأوضاع في المنطقة بعد العملية الامريكية يمكن ان يسلك أحد السيناريوهات التالية:

  1. سيناريو التصعيد: وهو سيناريو مطروح و وارد بشدة بحيث أن العملية الامريكية بحسب ردود فعل القادة الإيرانيين لن تمر دون رد ورد قاس في منطقة هشة توازنات القوى فيها متشابكة فيها، احتفظت ايران بحق الرد في التوقيت و المكان و الكيفية كعنصر مفاجئة، لكنها أعلنت جاهزية كبرى في قواتها العسكرية وقد طلق الطيران العسكري على حدودها مع العراق. من جهتها وضعت الولايات المتحدة الامريكية قواعدها في المنطقة في حالة تأهب خاصة انها نصبت صواريخها في قاعدتها بالبحرين.

يبدو أن خيارات ايران في الرد على عملية الاستهداف مفتوحة اما بضرب المصالح الامريكية في المنطقة أو العمل مع حلفائها في لبنان و العراق و فلسطين … للرد على اغتيال سليماني والمهندس من جهة أخرى اعلن البنتاغون انه سينشر ثلاثة الاف الى ثلاث الاف ونصف إضافي في منطقة ” الشرق الأوسط” بعد عملية الاغتيال.

  1. سيناريو التراجع: يرى محللون من جهة أخرى أن ميزان القوى مختل بين الولايات المتحدة الامريكية و ايران، بحيث أن ايران لا تملك القوة نفسها التي تملكها الولايات المتحدة الامريكية، ضف الى ذلك أن ايران لن تخسر الدولة ومصالحها في المنطقة من اجل رجل رغم قيمته العسكرية، و وسيناريو التراجع ممكن و وارد فبحسب المحلل سعد ناجي جواد يستبعد قيام حرب ومواجهة عسكرية مباشرة بين ايران و الولايات المتحدة الامريكية ، و الحروب المباشرة لن تزيد المنطقة الا توترا وعدم استقرار في ظل تصريحات أمريكية بعدم رغبتها في التصعيد.
  2. سيناريو حالة الوضع القائم: يرجح استمرار الوضع الحالي بين اخد و رد و بقاء الوضع القائم بين ايران و الولايات المتحدة الامريكية هو ما ستشهده المنطقة بعد عملية الاغتيال، وهو ما جرى طوال تاريخ العلاقات الامريكية و الايرانية وحتى منذ تولى ترامب السلطة فأول قرار اخذه الغاء البرنامج النووي و إعادة فرض العقوبات الامريكية على ايران ومحاولة تصفير صادراتها النفطية وحصلت بعدها حادثة تخريب ناقلات النفط في الخليج و المتهمة هنا هي ايران كرد فعل على المحاولات الغربية تصفير صادراتها النفطية و قد هددت مرار و تكرارا بغلق مضيق هرمز الاستراتيجي اذا تضررت مصالحها الحيوية وتطورت الأمور على هذا النحو ، بالتالي سيناريو الفعل و رد الفعل قائم ضمن الوضع الرهن.

خاتمة:

نستنتج ان الوضع في المشرق العربي والمنطقة العربية عموما تشهد توترا وعدم استقرار زادت عليها العملية الامريكية المتهورة غير محسوبة العواقب وان استمر الوضع في التصعيد فحرب و المواجهة العسكرية لن تكون رحيمة بأحد، في السياق ذاته حذرت دول كثيرة من عواقب لا وخيمة في حالة قيام حرب في ظل إصرار إيراني على رد الغارة الامريكية وهنا تبدو خيارات ايران مفتوحة لرد العدوان الأمريكي في المقابل الولايات المتحدة الامريكية ستواجه تبعات الاستهداف وبين هذا وذاك تبقى المنطقة مأزومة رهينة للتوتر التاريخي للعلاقات الامريكية ــ الإيرانية.

[1]ـ من هو قاسم سليماني ؟ موقع الجزيرة ، على الرابط الالكتروني:

https://www.aljazeera.net/encyclopedia/icons/2015/4/22/%D9%82%D8%A7%D8%B3%D9%85-%D8%B3%D9%84%D9%8A%D9%85%D8%A7%D9%86%D9%8A

[2] ـالمرجع نفسه.

[3] ـ من هو الشهيد القائد الحاج أبو مهدي المهندس؟ ، موقع قناة المنار ،على الرابط الالكتروني:

https://almanar.com.lb/6135857

[4] ـ المرجع نفسه.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق