fbpx
تحليلات

الضربة الإيرانية ضد القواعد الأمريكية … الدلالات و المآلات

بقلم : د. محمود البازي – كاتب ومحلل سياسي عضو هيئة تحرير مجلة مدارات إيرانية

  • المركز الديمقراطي العربي

 

أعلن التلفزيون الإيراني عن أول رد انتقامي صاروخي من حرس الثورة على عملية اغتيال  قاسم سليماني ورفاقه، وتبنى حرس الثورة الايرانية إطلاق عشرات الصواريخ “أرض أرض” على قاعدة عين الأسد في العراق.

تحدثت مصادر إعلامية عن احتراق طائرة أميركية في عين الأسد، وأن القاعدة تطلب فريقاً طبياً ولا معلومات بعد عن عدد المصابين.

وكالة حرس الثورة تحدثت عن سقوط 30 جندياً أميركياً على الأقل أصيبوا في القصف الصاروخي على القوات الأميركية في العراق، في وقتٍ قالت فيه وكالة مهر الإيرانية أن الهجمات الصاروخية على قاعدة عين الأسد أدت إلى سقوط ما لا يقل عن 80 قتيلاً. بينما أنكر مسؤول أمريكي سقوط ضحايا أمريكيين بهذا الهجوم. ولتحليل الموقف تبحث مقالتنا ثلاثة مواضيع بإختصار.

الموضوع الأول: الضربة بحد ذاتها

تتمحور السجالات في وسائل الإعلام حول عدد القتلى من عدمه وهنا لنبتعد عن هذا السجال سنناقش القضية دون التطرّق لعدد القتلى الأمريكيين في هذا الهجوم. مهمتنا هنا هي التحليل دون التحيز لطرف معين وعليه فإن هذا الهجوم يُعد أول هجوم صاروخي (صواريخ باليستية) مباشر وعلني من دولة ضد الولايات المتحدة منذ الحرب العالمية الثانية. تنافس الإتحاد السوفيتي والولايات المتحدة على النفوذ العالمي وكانت أفغانستان على سبيل المثال ساحة لهذا الصراع لا بل يمكننا الإشارة إلى الحرب الباردة وهي مواجهة سياسية وإيديولوجية وأحيانا عسكرية بشكل غير مباشر، دارت أحداثها خلال 1947-1991 بين أكبر قوتين في العالم بعد الحرب العالمية الثانية هما الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفياتي. وكان من مظاهرها انقسام العالم إلى معسكرين: شيوعي يتزعمه الاتحاد السوفيتي وليبرالي تتزعمه الولايات المتحدة، وفي العقد الأخير حدثت منافسة بين الطائرات الروسية والأمريكية في العديد من المناطق وحلقت هذه الطائرات جنبا إلى جنب دون وقوع مواجهات مباشرة بين الطرفين. ما نود قوله هو أن هذا الهجوم المباشر والعلني بأكثر من 22 صاروخ باليستي هو حادثة غير مسبوقة ولم تُقدم عليها أقوى قوة عسكرية مثل روسيا. جاء هذا الهجوم كإنتقام على قتل الجنرال سليماني في العراق، وكما كنا قد كتبنا قبل يومين، فالرد جاء مباشر وبتوقيع إيراني ومس المصالح الأمريكية بشكل مباشر لا لبس فيه. وعليه لم تستعن إيران، (مبدئياً)، بحلفائها في المنقطة كالحوثيين أو سوريا أو حزب الله أو الحشد الشعبي. وكما ذكرنا سابقا لم يتم استهداف القواعد الأمريكية في منطقة الخليج نظرا لإن الرد من القاعدة العسكرية الأمريكية (عين الأسد) له رمزية خاصة للإيرانيين. ويبدو أنهم أرادو الرد في نفس المنقطة التي اُغتيل فيها سليماني.

الموضوع المثير للإهتمام في هذه الضربة هو دقة هذه الصواريخ في إصابة أهدافها وهو على ما يبدو رسالة مهمة لتل أبيب التي شعرت بخطورة الموقف وتخلت عن الولايات المتحدة بقولها إن اغتيال سليماني هو شأن أمريكي.

الموضوع الثاني: خطاب خامنئي.. الدلالات والتجييش

كلنا لاحظ طوفان جثمان سليماني على العديد من المدن الإيرانية، في خطوة لا تخفى لا أحد بأن المقصود منها هو رصّ الصفوف في الداخل الإيراني وتحضير المجتمع الإيراني لما هو قادم. كسب الإيرانيون تأييدا واسعا في المجتمع الإيراني كون فئات عديدة تنظر إلى سليماني على أنه بطل قومي، ومقاتل شرس يحمي الحدود ولعل أغلب من خرج إلى الشوارع مشاركا في التشييع إنطلق من مبدأ بأن سليماني كان صمام الآمان الذي حال دون دخول داعش إلى الحدود الإيرانية.

وإنطلاقا من مبدأ التجييش ورص الصفوف في إيران جاء خطاب “خامنئي” اليوم صباحا متمحورا حول هذا الموضوع وواضعا الخطوط العريضة للسياسات الإيرانية المستقبلية. سنكتفي بالإشارة إلى الدلالات التي حملها خطاب “خامنئي” اليوم وأهم النقاط التي جاءت في خطابه:

  • ما نستطيع إستخلاصه من هذا الخطاب هو أن خامنئي أشار إلى أن هذا الرد صفعة قوية للولايات المتحدة ولكنه ليس كافيا؛ وسنستعرض قوله بأنه ليس كافيا خلال بحث الموضوع الثالث؛
  • حدد مهمة ووظيفة الشعب الإيراني وخص قسما مهما من كلمته حول هذا الموضوع وهو تحديد عدوّهم بدقة؛
  • إن للمكان الذي اختاره سليماني رمزية خاصة، حيث إختار نفس الحسينية التي كان يخطب بها قائد الثورة “الخميني”. وكما أن كلمة خامنئي تضمنت العديد من المصطلحات الدينية التي استخدمت أيام الثورة. وأكثر من ذلك يجب ملاحظة الشعارات التي كانت معلقة على الجدران والتي تضمنت جملات عديدة حول الجهاد والقثال وغيرها من الشعارات الجهادية التي تم استخدامها في الخطاب الثوري الإول عام 1979، وهذا إن دلّ على شيء فهو يدل على أن خامنئي استحضر الخطاب الثوري واستحضر أجواء هذا الخطاب؛
  • كانت هذه الكلمة رسالة مهمة للداخل والمعارضة الإيرانية، عندما وصف من يريد إثارة البلبلة (الإحتجاج) في الداخل فهو يلعب في الملعب الأمريكي. وحذّر بأن إيران ستتعامل بحزم في هذا الموضوع.

الموضوع الثالث: ماذا بعد؟

في قراءة سريعة لهذا الرد يبدو بأن الرد يتألف من قسمين الأول مباشر وآني، وهو ضرب القواعد الأمريكية في العراق. وأما الرد الثاني هو بعيد المدى واستراتيجي كرره المسؤولون الإيرانيون من المرشد الأعلى إلى الرئيس الإيراني وجميع الضباط الكبار في الحرس الثوري والجيش الإيراني: وهو إخراج القوة الأمريكية من العراق كخطوة أولى ومن ثم إخراجهم من المنطقة كخطوة ثانية. دليلنا على هذا التحليل ما جاء به المرشد بأن هذا الرد هو صفعة للولايات المتحدة ولكنها ليست كافية. فيما يبدو فهو قد ترك الباب مفتوحا على ردود مستقبلية ستقوم بها إيران بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر عن طريق أذرعها.

إيران في الوهلة الأولى ليست معنية بالتصعيد وهو نهج اتبعته مباشرة بعد الضربة ففي زخم التهديدات التي أطلقها العسكريون الإيرانيون أرسلت وزارة الخارجية الإيرانية رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة بأن إيران غير معنية بالتصعيد ولا تبحث عن حرب فضلا عن تغريدة لوزير الخارجية جواد ظريف ذكر فيها بأن إيران ردت ردا متناسبا مع عملية الإغتيال ولا تسعى للتصعيد ولكنها حاضرة وبقوة للدفاع عن أراضيها في حال التعدّي عليها.

إن دفن الجنرال سليماني مباشرة بعد الضربة يؤكد على أن إيران اكتفت بشكل مبدئي بهذا الرد. وما هو مهم في هذه الضربة اليوم بالنسبة لنا كعرب وخصوصا كعرب الخليج هو التحذير غير المسبوق للدول التي تستضيف قواعد أمريكية بأن أي تحرك أمريكي من هذه الدول يعد إعلان حرب وبأن إيران سترد على هذه الدولة ولن تستهدف فقط القواعد هناك. اليوم يحاول “بومبيو” ومن خلفه “ترامب” زجّ اسم السعودية والإمارات في كل حديث يتحدثون به. ف”بومبيو” يقول: “أما عن خطط سليماني فاسألو السعودية”.

السعودية اليوم ومع وجود وزير خارجية جديد في وزارة الخارجية السعودية كان لديها موقفا جيدا نوعا ما ونحن ندعوها للإستمرار به نظرا لإنها دعت للتهدئة ولم تضرم النار في الحطب. وهذا هو المطلوب فعلى ما يبدو بأن الإيرانيين ليسعوا معنيين بضرب مواقع في السعودية إلا إذا ما تحركت منها الولايات المتحدة. وجاءت رسالة تطمينية جيدة من إيران على لسان مرشدها حيث قال بأن عدونا هو الولايات المتحدة واسرائيل وبأن إن قامت بعض الدول الآخرى بإصدار تصريحات منفردة ضدنا (قد يقصد السعودية)، فنحن لا نعتبرهم أعدائنا. وهذا الموضوع مهم للغاية لنا فنحن كعرب وكدول موجودة في ظل هذه المخاطر علينا واجب وطني للخروج من هذه الآزمات بسلام وحماية شعوبنا ومهمة السعودية اليوم هي النأي بالنفس عن أي تصعيد أو ردود تقوم بها الولايات المتحدة وإيران، لا بل نحن ملكفون اليوم بالتوسط والسعي للتهدئة. وموقف وزير الخارجية السعودي موقف يُشاد به.

على أي حال سننتظر لنرى ما ستكون عليه ردة الفعل الأمريكية، وفي توقّع أولي نعتقد بأنّ الولايات المتحدة لن ترد. وعدم الردّ هذا قد يكون منطلقاً لخفض التصعيد والعودة إلى العقل. على أي حال، يجب على الدول الخليجية (خصوصا السعودية) بأن تطلب النأي بنفسها عن هذا الصراع وألا تسمح للولايات المتحدة بالتحرك من أراضيها. وإذا ما قررت الولايات المتحدة التحرك ضد إيران من الدول الخليجية (لا قدّر الله) دون أخذ موافقة هذه الدول (نظرا لإن ترامب حقيقة لا يحترم سيادة الدول)، فعلى السعودية أو الدول الخليجية الإعلان عن أن هذه الإجراءات تمت دون موافقتها.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق