fbpx
تقدير الموقف

دلالات المواجهة بين إيران وأمريكا في المنطقة

بقلم : د. محمد خليل مصلح – المركز الديمقراطي العربي

مقدمة:

أن دلالات التوقيت في الإقدام على  تنفيذ الاغتيال لرقم صعب في معادلة المقاومة بارز في الأهمية مثل سليماني ، دون استبعاد الدور الاستخباري لاسرائيل وتقاطع المصالح مع اليمين الصهيوني وخاصة رئيس وزراء حكومة إسرائيل ، يضع بين أيدينا المفاتيح الكثيرة لسلوك ودوافع ترامب في اتخاذ هذا القرار المتوافق مع السلوك الإسرائيلي في المنطقة في مواجهة رجال المقاومة والذي آخرها قائد سرايا القدس في الجهاد الاسلامي، والذي أثار الكثير من الأسئلة عن جدوى سياسة الاغتيالات لوقف عمليات المقاومة، لكن المؤسسة الإسرائيلية ترى أنها بهذا النهج تضعف إرادة (العدو)  وتخلق بين صفوفه حالة ردع نفسي وتعرقل خططه.

لقد تميز ترامب -منذ البداية بعد فوزه  في الانتخابات الأمريكية كرئيس للولايات المتحدة- بسلوكه المتناقض والذي كشف عن عدم فهم بقواعد الصراع الدولية وإدارة الأزمات وحماية المصالح الامريكية والانفعال، فرهن نفسه بعنصرين حكم بها سلوكه، الأول: مفهوم الصفقة وكان العالم صفقة تجارية يعقدها في غياب الطرف الآخر والعنصر الثاني: الوفاء للطائفة المسيحية الانجليكانية التي تدعم دولة اليهودية الصهيونية، وهذا المنطق يستلزم اللعب بقواعد ترجع إلى القرون الوسطى والحروب الصليبية التي كان يوجه الملوك والأمراء في البحث عن الثروات تحت ستار الدين التي كانت تستغل هذه الشهوة للسياسيين من الملوك والأمراء لتحقق أهدافها ، ترامب يبحث عن الثروة واستغلال حاجة الممالك والمحميات العربية الضعيفة للحماية، وفي نفس الوقت ارضاءا الصهيونية المسيحية.

العلاقة بين اغتيال سليماني والتوقيت:

بعد أن تأكد؛ أن لإسرائيل يد في اتخاذ قرار الاغتيال؛ تتضح دوافع السلوك الذي كان بقرار من ترامب شخصيا دون إطلاع الكونجرس الأمريكي وعلم مسبق لنتنياهو؛ هذا الثنائي الذي تحركهما الطموحات الشخصية والملاحقات الداخلية ما يعني أن الدوافع الشخصية، والتوقيت الحرج الذي يمران بهما، هي التي دفعت باتخاذ قرار الاغتيال دون أن نسقط رغبة نتنياهو جر إيران لمواجهة مع الامريكان لقلب كل الأوراق في المنطقة فالحرب قد تمنح نتنياهو إثبات وجهة نظره في مفهوم الصراع في المنطقة، وتعيد تشكيل التحالفات وايضا أضعاف محور المقاومة بزعزعة الثقة بين أعضائه، وخلق أزمات في دول اعضاء المحور سواء مع الشعوب أو الحكومات، وقد يخدم الفوضى التي تديرها أمريكا واسرائيل في المنطقة، لبنان ، العراق ، وزيادة الضغط على سوريا والتأثير على العلاقة مع إيران، وتمرير صفقة القرن المتعلقة بما تبقى من الأراضي المحتلة ، تعزيز خطوات فصل غزة وقضم الضفة، والأغوار الفلسطينية ، أما ترامب وإدارته يبدو أنها سعت اولا لتحقيق نزعة القوة والتحكم في المنطقة وإضعاف النفوذ الإيراني المقاوم للمتغيرات السياسية العربية الخليجية لمصلحة إسرائيل والامريكان وهذه نظرية نتنياهو وثانيا الذهاب الى الانتخابات الأمريكية بورقة قوية لصالح ترامب، بادعاء ردع إيران في المنطقة .

انكماش إيران:

هل إيران كدولة إقليمية ودبلوماسية وقعت في الفخ ، كل الدلائل وأغلب المحللين الخبراء في إدارة الصراعات وقواعدها خاصة على هذا المستوى تقول لا؛ إيران لم ولن تمنح ترامب هذه الورقة حتى الآن وأن الرد السريع بقصف القاعدة الأمريكية كان يحمل نزعة التحدي وعدم الانكماش والارتداع، وان التقاء الأنفاس للأطراف المتصارعة لا يعني أن الأمور انتهت، ساحة المواجهة وإدارة الصراع بين محور المقاومة والأعداء الخارجيين والمحليين ما زالت ساخنة، وأن الاحتكاك والمواجهة أصبح أكثر احتمالا، فإسرائيل تخشى من سيناريو انسحاب الأمريكان من العراق؛ ما يعني سيطرة إيران على العراق و سوريا وزيادة قوة محور المقاومة بالدعم المباشر لأعضاء المحور، وهذا سيدفع  إسرائيل إلى تغيير سلوكها ليصبح أكثر عدوانية وايضا إلى توسيع رقعة المواجهة مع إيران ومحورها في ساحة العراق للضغط على الأمريكان لعدم الخروج أو العودة إذا انسحب الأمريكان من العراق، ما يعني إنجاز سياسي كبير لإيران ومحور المقاومة.

اللجوء إلى مضاعفة العقوبات:

في حال فشل هدف الردع لإيران وفي نفس الوقت  اقدمت إيران على اتخاذ قرارات بزيادة قوة ونسبة التخصيب لليورانيوم والتحلل من التزماتها، وهذا قد يكون أحد الأهداف التي تنتظرها أمريكا واسرائيل للضغط على أعضاء اتفاق 5+1 لإلغاء الاتفاق، وبذلك تكون إسرائيل خاصة  نتنياهو قد حقق استراتيجيته في المنطقة؛ بجعل إيران في فوهة البندقية الأمريكية الأوروبية والدول المحيطة بإيران الإسلامية العربية، وبذل يسهل التعامل مع محور المقاومة في المنطقة اللبنانية والفلسطينية والعراقية.

دلالات الاغتيال:

هناك مجموعة من الدلالات الرسمية والشعبية ، لن نتوسع في قراءة كل الدلالات، بل سنقتصر على بعضها التي لها علاقة بالدور الإيراني المستهدف الأول في المنطقة على ثلاث محاور ، الأول :رؤية الشعوب العربية من التواجد والنفوذ الإيراني والثاني: موقف المقاومة الفلسطينية خاصة حماس والمحور الثالث: الدلالات السياسية والأمنية على المنطقة .

هل نجحت إيران في تجاوز البعد الطائفي في العلاقة مع المحيط العربي؟

قد يكون السؤال خارج السياق التحليلي لكننا نرى أنه المدخل التحليلي العلمي والواقعي للارتكاز عليه في المستقبل لأي حرب تتسع في المنطقة فكسب الشعوب المرحلة الأولى للمشروع الإسلامي للجمهورية والذي يجب أن يزيل أو يعالج حالة الشك لدى الشعب العربي أو ما يبثه اعداء المشروع الإسلامي تحت عنوان الطائفية الشيعة والسنة لوكلاء الاحتلال أو أصحاب النزعة القومية من العرب الذين يحاربون العالمية الإسلامية، وهذا سوف يجيب على المحور .

لقد كان واضحا جدا حالة الاضطراب، وعدم الوضوح في الرؤية، واستغلال الأطراف المعادية للصراع الطائفي المذهبي الشيعة والسنة، لدرجة المقارنة والمقاربة بين المصالح مع الامريكان واسرائيل وبين العلاقة مع جمهورية إيران الاسلامية، والحديث عن الروح الاستعمارية والسيطرة بنزعتها القومية أو الدينية للجماعات السلفية وغيرها التي تدور في فلك السعودية وقطر ودول أخرى.

لقد انقسمت الشعوب في موقفها من اغتيال القائد سليماني، وخلطوا بين موقفها ومشاعرها من الوضع السوري وما يجري في العراق، حتى لم تخلو من هذا بعض مركبات محور المقاومة في فلسطين، وانجرف البعض مع مشاعرهم بغض النظر عن العدو الأمريكي والصهيوني، وهذه لا شك نقطة يجب أن يسخر لها الإعلام المقاوم  لتوضيح المواقف والأحداث خاصة من سوريا، العراق، اليمن، ودور إيران في التطورات والصراعات كمعارض ومقاوم التغلغل الأمريكي الصهيوني في المنطقة، دول المنطقة التي تنتشر فيها القواعد الأمريكية والتي تطوق جمهورية إيران وتحول دون استقلالية القرار لتلك الدول، مهمة إيران ومن حقها في إطار التعاون الاستراتيجي وحلفائها من حماية حدودها ومصالحها  ضد النفوذ الاستعماري في المنطقة  خاصة وأن مقومات الدفاع الذاتية لم تنضج بعد .

المحور الثاني:

كان واضح جدا أن المنظمات في محور المقاومة في حالة انسجام مع الموقف الايراني  في مواجهة محاولات امريكا ردع محور، خاصة التي تمثلت باغتيال الرجل الأول الذي حمل هم وعبء المقاومة وكرس كل جهده لتطوير قدراتها وخبراتها لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي والنفوذ الاستعماري الأمريكي في المنطقة، وهذا يندرج على المنظمات الشيعية أو السنية إذا سمحنا لأنفسنا أن نفصل هكذا باستثناء الوضع في حماس لقد عانى الموقف من اضطراب وانقسام على كل المستويات إذا استثنينا الموقف العام الذي بالطبيعة كان يدعم موقف إيران ضد الأمريكان والاحتلال و لقد أظهر هذا الموقف غياب رؤية واضحة في العلاقة مع الجمهورية الإسلامية وأن الفكر السلفي له تأثير على قواعد وقيادات في حماس، حيث كان انقسام واضح في الرؤية بين الموقف الرسمي والقواعد؛ هذا لا يعني أنه لا يوجد داعم للانتماء المحور لكن يجب أن يضع في الحسبان أن تتغلب العلاقة من مفهوم الضرورة إلى الطبيعية والاستراتيجية بين حماس وإيران.

المحور الثالث:

الدلالات السياسية والأمنية:

بكل تأكيد أن الصراعات في المنطقة خاصة عندما تتسع خارج دول المنطقة وتكون مع الدولة العظمى ومصالحها أو تحت اي غطاء كان بالتحالف مع إسرائيل ودول عربية أن  يسعى إلى :

  • إضعاف محور المقاومة وردع إيران، والسماح لإسرائيل باحتلال المكانة المركزية والأهمية في نسيج وعقيدة أمن المنطقة؛ على حساب حركة التغيير وتوجهات الثورة لمحور المقاومة واستهداف الداعم الرئيسي ايران.
  • زيادة الهيمنة واستغلال ثروات المنطقة وابتزاز دول الخليج.
  • التمهيد لفكرة شرق أوسط جديد خالي من القوى الثورية والمحاور المناهضة الشراكة مع الامريكان واسرائيل.

معركة السيادة واللعب على التناقضات في العراق

اختيار العراق لاستهداف الشهيد سليماني محاولة بائسة لخلط الأوراق وتغيير قواعد اللعبة، والزج بإيران بوصفه عنصر أزمة أو من مركباتها في العراق الملتهبة، لزيادة الضغط عليها للخروج من العراق، ومع ذلك استطاعت إيران أن تكسب تعاطف العراقيين والدفع باتخاذ قرار نيابي بخروج القوات الأجنبية، ومنها الأمريكية من الأراضي العراقية.

المسألة الأخرى في هذه المواجهة، انه حتى الآن لا احد مختص وخبير سياسي عسكري يقول بفشل إيران في إدارة الأزمة والمواجهة ومعركة النفوذ مع الدولة العظمى أمريكا من خارج الأراضي الايرانية، بل في أدناه أن الطرفان ربحا المعركة خارج الحدود والسيادة بالتساوي، ونحن نرى أن الأمور لم تنته بعد وان تداعيات الجريمة الأمريكية على المستوى السياسي لم يقطف ثمارها بطرد الأمريكان من المنطقة، خاصة من العراق، وهذا سيغير كل التقديرات والتحليلات والحسابات وهو ما يخشاه حلفاء أمريكا واسرائيل في المنطقة خاصة إذا إيران انتهجت حرب الاستنزاف ضد الامريكان.

نقاط الضعف والقوة:

لقد كان واضح جدا أن الأمريكان ينتهكون سياسة تطويق إيران ومحاصرتها بالتزامات في أماكن نفوذها ومع حلفائها في المنطقة، وبعد عدم جدوى الفوضى التي ادارتها أجهزة الأمن المعادية لايران وتسخير الأدوات الداخلية المعادية، كان التصعيد بخطوة غير محسوبة العواقب باغتيال سليماني خارج إيران وبالتحديد في العراق الدولة المشتركة بالحدود مع إيران، والتي تمثل حالة اشتباك مع الامريكان مستمر، وصراع نفوذ بهذا التحدي الكبير ضد التواجد الأمريكي ، عملية الاغتيال تعكس نقطة ضعف، الأمريكان في حالة ارهاق من التهديد الإيراني لمصالح أمريكا في العراق وتوتر دائم، ومن وجهة نظرنا ان ترامب يبحث عن ذرائع للانسحاب من العراق، واتهام ما سبقوه من الرؤساء بمسؤولية عدم جدوى الاستمرار في العراق، ترامب يرى أن العراق لم يعد يستطيع تحمل تكاليف الحماية الأمريكية والاثمان التي تدفعها امريكا خاصة وأن إيران تتمتع بفاعلية ونفوذ أكثر من القوات الأمريكية في العراق .

جهل ترامب وإدارته بعقلية الإيرانيين اعتمادا على فكرة أن الإيرانيين يجيدون المفاوضات وليس الحروب كما تحدث ترامب أنها لم تنتصر في حرب سابقة، وهذه الخلفية المعرفية لترامب وإدارته تتناقض مع قرار الاغتيال الا اذا كان يتوقع أن تنجر إيران إلى حرب مفتوحة ولا يمكن أن تلجأ إلى المفاوضات مع الامريكان ، إذا كان إيران بارعة في المفاوضات هل المنطق يقول إن تواجه عدوك بما يجيده من أساليب أو الحنكة دفعه الى الأساليب الذي لا يتقنها ؟ أو ماذا تريد امريكا من إيران المفاوضات ام الحرب؟ يبدو لنا أن الإدارة الأمريكية وترامب مشوش التفكير وان الحالة الداخلية والإلحاح الإسرائيلي كان يقف وراء قرار الاغتيال، السلوك والرغبة المشتركة بين ترامب ونتنياهو لخلط الأوراق والذهاب إلى معركة انتخابات لكليهما بأوراق رابحة تصفية أخطر رجل يقود خط المواجهة ويهدد مصالح الحليفين ويحبط استراتيجية التفرد في تقرير مصير دول المنطقة وخاصة دول الخليج والتخلص من التواجد الإيراني في العراق وسوريا أو سوريا واليمن بأضعاف محور المقاومة .

الملخص:

  1. أن الأمريكان لم يعد يمتلكون النفس الاستمرار في إدارة الصراع مع الإيرانيين في المنطقة وأن قرار الاغتيال كان قرار غير مدروس ولاسرائيل دور في الدفع بهذا القرار لخلط الأوراق وجر إيران إلى مواجهة مع الامريكان واستغلال الازمات الداخلية لإيران وحالة الاضطراب في العراق ولبنان وتحميل إيران سوء الأوضاع الداخلية في تلك الدول.
  2. أن انقسام الشارع العربي من عملية الاغتيال تعكس عدم الوعي لطبيعة الصراع في المنطقة وأن هناك توظيف سلبي جدا للمذهبية السنة والشيعة.
  3. أن محور المقاومة يعاني من أزمات الداخلية إفطاره لبنان العراق اليمن وفلسطين .
  4. حماس تعاني من تباين حاد في غياب رؤية ومنظومة فكرية واضحة في العلاقة مع الجمهورية في ظل وجود تيارين على الأقل تيار يدعم الانتماء إلى محور المقاومة واخر يرفض البقاء في المحور ويطالب بعدم ربط حماس بمشروع إيران كما يصفونه وهذا يستدعي من المعالجة ودعم التيار المؤيد لمحور المقاومة .
  5. إيران نجحت في تجاوز الأزمة واستفادت منها داخليا وخارجيا بتقوية وتعزيز محور المقاومة بالموقع الإيراني الذي لم يدخل المنظمات في المواجهة والرد في المكان الذي حدثت فيه الجريمة، وأن كرة النار تتوقف على طبيعة الرد الأمريكي في هذه المرحلة
  6. لقد اتضح أن قرار المقاومة الفلسطينية بكل أذرعها، كانت على جهوزية للانخراط في المعركة مع محور المقاومة في حالة تدحرج كرة اللهيب .
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق