fbpx
مقالات

الكلمة في ظاهرها رسم و جمال وفي باطنها جفاء وارتواء

بقلم : د.غيثاء علي قادرة – المركز الديمقراطي العربي

 

ليست الكلمة موجات صوتية نطلقها , ولا أحرف على  الورق نرسمها , الكلمات كائنات تبلغ في أثرها مبلغَ  قائلها, وقد تتجاوزه  إلى بناءات إنسانية تربوية مجتمعية , بقدر الانهدامات التي قد تؤرِّثها.

تثرى الكلمات بالحكم , ويُغرق بعضها بالألم , ألم يُقل:  تكمن الحكمة في جوامع الكلم ؟, وليست أية كَلِم , فما كان منها حسن التعبير , قادراً على التغيير ,سائراً إلى الشفاء منبياً عن التدمير,كان حكَماً.  تتأتى عظمتها من  دورها في تغيير القناعات , وقلب الموازين , وبناء واقع جديد.

وقد عبر علماء الاجتماع عن قوة الكلمة التي تعادل أو ربما تفوق ماتوصل إليه الإنسان من قوى أخرى مثل  قوة الكهرباء أو الطاقة الذرية أو النووية أو غيرهامما يمسُّ الجسد ويفنيه ،  فقوتها لاتقل شأنا عن قوتي الجسد والنفس  , فأثرها في طاقة الفكر, والنفس كبير.

أما الجانب المهم في الكلمة فهو أثرها في إحداث تغيير في نفس المتلقي ,إذ إن أولى الأفكار التي تواجه متلقي النص الشعري –مثلاً-  ما ينبعث من معاني كلماته , وماتحمله  الكلمات من إيحاءات ومدلولات ومعان.

ومن هنا؛ فإن دراسة مدى تأثير الكلمات في عقولنا وانفعالاتنا أمر مهم جداً , فقدرتها  على تحويل الأعداء إلى أصدقاء وعلى العكس كبيرة جداً. يتمثل تأثيرها في كونها تشكل إيحاء ذاتيا , ليس على المستوى النفسي والمعنوي فقط , وإنما على المستوى الصحي والجسدي. فهي فيما تحمله من سلاسة وجمال معنوي شجرةٌ طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتى ثمارها ,ولو بعد حين , وبالمقابل  يجرح ثقلها النفس البشرية , وتتسبب في نزيف مستمر من المعاناة والكآبة
فبقدر ما تكون الكلمة صادقة و طيبة، بقدر ما تكون قادرة على التغيير.

  • لكن ما هو معيار صدق الكلام وفعاليته؟  .

الإجابة عن هذا السؤال تجعلنا نغوص في مقاربة استقرائية للوصول الى تحديد  ليس فقط أهمية العلاقة اللغوية التي تحملها الكلمة و آثارها ، بل أيضا استخراج  عناصر القيمة التي تكلِّف صاحبها العسر أو اليسر.

الكلمة -على مرِّ التاريخ الإنساني-  فتحت بلاداً، وهزمت جيوشاً، و أدخلت الناسَ الإسلامَ في عصر النبوَّة . وكان القرآن معجزة رسولنا الكريم – عليه الصلاة والسلام، الذي اعتمد  بلاغة الكلمة في الوصول إلى عقول الناس وقلوبهم، فكان ذلك سر إعجازه أمام أمة اشتُهرت بفصاحتها وبلاغتها، بل أمام أفضل قبائلها فصاحة وبلاغة .

وقد صدق إمام الحكمة  (على بن أبى طالب )(ك):الرجال صناديق مغلقة مفاتيحها الكلام, ويعني بذلك ؛ أن الكلام عنوان قائله , و ثقافته ورؤيته . وهذا يقودنا إلى أن اللغة إدراك عقلي مفاهيمي تداولي،  مسموع ومكتوب ومرئي، وهي كلام وتعبير رمزي صوري تواصلي.

واللغة وسيلة  يمتلكها العقل الانساني الجادّ في تعيين الوجود الفاعل والحيوي للأشياء في الطبيعة.

تتجاوز أهمية الكلام توصيل المعنى والإفهام والتعبير عما يريده المرء ، إنه يحدد شخصية الإنسان،  يحدد أى الأشخاص هو .وليس عبثاً  أن قال الفيلسوف اليوناني (سقراط ) لذاك الشاب الصامت ,الواقف أمامه, مزهواً بنفسه , مستنطقاً أفكاره في كلمات, فاكَّاً شيفرتها :(تكلم حتى أراك) , فهو يرمي إلى أبعد من (الثرثرة الصوتية ) , وتنميق الكلام ومهاراته البلاغية, فهو يريد إظهار القيمة الحقيقية  للمتكلم , وصولاً إلى مسألة الفعل والممارسة والتطبيق . لذا قال : (أراك) , ولم يقل (أعرفك) أو (أفهمك) ؛مؤكِّداً أن الكلام وجود , وهويّة صاحبه , وكماقال بول ريكور: (اللغة هي استفهام حول المعنى والوجود). أما الصمت وسط المعارك وصعوبة الحياة  فنتيجته أن صاحبه غير مرئى.. فالصوت أكثر من مجرد قدرة على الحديث , هو يعبر عن الوجود .  وسقراط يدعو للاتزان ومعرفة قدر الكلمة , و أن يدرك الإنسان قيمة الكلام المقول  لأنه  يعبر عن شخصه وقدره فى الحياة.

قال أهل البلاغة قديما: لكل مقام مقال, وفي خزائن الأدب مايشي بأهمية المقالات في تغيير المقامات.

ففي مواقف النزاعات و الحروب كانت الكلمة وسيلة تحفيز , وبث روح الحماسة في نفوس الجنود , من خلال الخطب التي يلقيها القائد أمام جموع جنده، أو من خلال الأغاني والأناشيد الحماسية التي يردِّدها الجند, ومن أوضح الأمثلة على هذا تأثير قصائد المدح والهجاء التي خلَّدت كلماتها  الممدوحين,  وليس أدل على ذلك مما جاء في مدح (زهير بن أبي سلمى) شاعر السلم في الجاهلية  (سيِّدَي بني مرة) شكراً وتقديراً لفضلهما في إيقاف نزيف الدماءفي حرب (داحس والغبراء) بين (عبس وذبيان), ولعطائهما الجزيل في سني الجدب , و الأثر الكبير الذي تركته هذه الكلمات في بنية الممدوح النفسية الذي غذَّ السير صوب مساعيه , وعَّمق نبله, وشجَّع على اتباع هذا النهج من قبل غيره, وأسهم المدح في تخليدهما .يقول[1]:

رأيتَ ذوي الحاجاتِ حولَ بيوتِهِم         قطيناً بها حتى إذا نبتَ البقلُ

وفيهم مقامات حـــــــسان وجـــــــــــــوههم             وأندية ينتابها القولُ والفعلُ

وقد أدرك الأمويون أهمية الشعر في الدعاية السياسية لهم ، وأهميتهم في إبراز منجزاتهم , فقاموا بجمع بعض الشعراء في ذلك العصر، منهم من اختص بهم وانقطع إليهم، ومنهم من مدحهم بين الحين والآخر، وكان ذلك دأب ولاتهم أيضًا.

كانت الكلمة عند بعضهم  ميثاق شرف،  وعُرف أن العربي كان شديد الاعتداد بكلمته، وبعضهم ضحَّى بحياته , من أجل كلمةٍ ألزم بها نفسَه دون أن يبالي بحياته في سبيل الثبات على كلمته.

وكم من كلمة رفعت شخصاً، وحطّت من قيمة آخر، وإذا كان الإنسان يموت فإن الكلمة لا تموت، كما لا يموت أثرها بين الناس.

تحدثنا كتب تاريخ الأدب بأثر الكلمة الشعرية في حياة قائلها , ومن الأدلة يحضرنا مدح (المتنبي) ل(كافور الإخشيدي) الذي أجزل إليه  العطاء  ,ليس لمدحه إياه  فقط , إنما ليقينه بقدرة المتنبي على هجائه ,على الرغم من  قيامه بكتابة قصيدة هجاء في الإخشيدي .
لقد كان للكلمة دور كبير في بناء الصورة الشعرية والعوالم التي ينفعل بها الشاعر , ويعبر من خلالها عن مواقفه النفسية والوجدانية , فهي نقطة مركزية تشعُّ من خلالها الصور, حتى تكاد الصورة شرحا وتفصيلا لهذه اللفظة . والصورة الشعرية هي لغة وأثرها في بناء الصورة وتشكيلها  ينهض على قصدية الكلمات , فالتعبير هو فكرة والفكرة تعبير , والألفاظ في الشعر  ظل و معنى و نغم أيضاً  , و غموضها لايأتي بفضيلة المعنى بقدر ماتفيض به الطاقة الإيحائية التي تنطوي عليها اللفظة في أجراس حروفها.[2]

وتكتسب الكلمة معناها من خلال مايربطها بغيرها من كلمات متمثلة أحيانا بعلاقات الحضور والغياب التي تربط الكلمات بما جاورها .فالكلمة لوحة مؤلفة من المشاعر والأحاسيس , توحي بأكثر من ظاهرها , وترتكز على ماتختزنه من طاقات إيحائية , وهي نشاط ممثل للحياة التي تعيشها النفس , لهذا فإن أول مايشير إليه النص منبعث من إيحاءات كلماته.

و قد تؤدي الكلمة – أحيانا- إلى موت شخص، وبكلمة قد تُكتب لآخر حياة جديدة، وإذا أردنا أن نبدأ بسرد أسماء الأدباء والشعراء الذين قتلتهم الكلمة فإننا لن ننتهي من ذلك بسهولة بدءاً من طرفة بن العبد، إلى المتنبي الذي يُقال إنه قُتل ببيت شعر قاله.

كان كثير من الشعراء حاذقين بشكل كبير في انتقاء الكلمة , لمعرفتهم أن لغة الشعر هي في الأصل لغة إيحائية .واستخدام الشاعر لها ينبع من دواع وحالات معينة , ولئن كان هذا شأن كتابة النص فإن كل شاعر يتطلع إلى البحث عن نصه الخاص الذي يحمل شيئا من ذاته هو لا من ذات غيره .ولما كانت الألفاظ مادة الشعر الرئيسة فلابد أن تحمل مايثير الدهشة والبهجة في النص , لأنها في حد ذاتها وسيلة تعبير عن غاية , فهي رموز لمعان قد تصبح بدورها رموزاً شعرية , وكلما ازدادت رمزية الشعر ازدادت روعته وإثارته في نفس المتلقي والإحساس بجماله.

لكن أين موضع الكلمة اليوم في حياتنا، وما مدى إحساسنا بها، وتأثيرها فينا؟ إن قوة تأثير الكلمة فينا تنبع من قوة إحساسنا بها، ومدى تفاعلنا معها، ولكن علاقتنا بالكلمة التي تتمثل في لغتنا العربية تشوبها اليوم شوائب عدة، ناتجة عن رفض شريحة من أبنائها لها، والتأثير السلبي لهذا الإحساس بالرفض يؤثر على الرافضين أيضاً.

.  اللغة  تمثل جزءاً أساسيا من بنية الذات الإنسانية، وتُعَدُّ الحصيلة اللغوية الغنية وسيلة مهمة جدا في تطوير الشخصية، وتطوير قدرات التواصل والاتصال مع الآخرين، وأيضا في تطوير الأداء الوظيفي

إن من يتمتع بحصيلة كبيرة من المفردات يعيش حياة غنية في مشاعره ووعاؤه زاخر بألوان متعددة يلون بها تجربته في الحياة ؛ لأن الحصيلة اللغوية الغنية تساعد في تجديد النفسيات عن طريق تجديد اللغة، كما تساعد في إعادة رسم العلاقات الاجتماعية بين الناس.

اللغة  كلمات , وأثرها  في بنية المجتمع الفكرية كبير, فهي وسيلة لتمرير ثقافة المجتمعات والأفراد, وهي تراث أمة  , تُتَناقل عبر الأجيال.

يرى علماء النفس  أن أثر الكلمات في النفس المتلقية كبيراً , فقد تحدث الكلمات الجارحة نوعاً من التعطل في التفكير, ولهذا يعاني الشخص المجروح آلاماً نفسية وشعورا سلبيا وإحباطا , قد يتحول الشخص المجروح إلى آخر .

تمتلك كلماتنا قوة كبيرة – أكثر مما ندرك ، حيث إنها قادرة على إحداث قدر كبير من السلام الداخلي والخارجي , وقادرة على التخريب والتدمير.    فالكلمات المَقُولة عنوان قائلها في معظم الأحيان  , وصورة ذاتية لنواياه وأفكاره, فكلمات البناء تخرج من قلب صالح , ونفس نقية لاتريد غِلَّا , وكلمات الهدم تخرج من نفس حادة , ونفس سلبية   .

الكلمة سلاح قوي , وفعال في قلب البنية النفسية والفكرية للإنسان  , والكلمة الطيبة أفضل مهدئ للأعصاب حين تقال في اللحظة المناسبة.

[1] شعر زهير بن أبي سلمى, صنعة الأعلم الشنتمري, تحقيق: فخر الدين قباوة, دار الآفاق الجديدة, بيروت ,الطبعة الثالثة, 1980.

[2] إيليا حاوي، بعض قضايا الشّعر، ص.7

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق