fbpx
تحليلات

الحصار الاقتصادي وتداعياته على الشعوب

بقلم : محمد نبيل الشيمي – المركز الديمقراطي العربي

قام الكونجرس الأمريكي بسن قانون لحصار سوريا أطلق عليه قانون قيصر (سمي باسم  جندي سوري هارب إلى الولايات المتحدة) والهدف المعلن من القانون حماية المدنيين السوريين من نظام بشار الأسد إلى أن الحقيقة هي معاقبة الأسد على عدم تطبيع العلاقات مع إسرائيل ووقوفه إلى صف إيران وحزب الله والقانون هو بمثابة حرب اقتصادية على سوريا سوف يكون لها تداعيات قاسية على المواطنين السوريين وقد بدأت ملامحه في صورة انهيار سعر صرف الليرة وزيادة العجز في الميزان التجاري السوري .. فماذا عن الحصار الاقتصادي بمعناه الواسع؟

المدلول اللغوي لمصطلح:

حصار وفقاً للقواميس يعني الحصار قيد الدابة وهو الموضع الذي يحصر فيه الإنسان وحصار (اسم) ويجمع على حُصُر وأحْصِره وللحصار معان مختلفة فهناك الحصار الاقتصادي وهو موضوعنا ويراد به التضييق اقتصادياً على بلد معين بمختلف الوسائل الاقتصادية (مالية وتجارية) وهناك الحصار البحري بهدف منع وصول المؤن والذخائر غلى مواني دولة ما ثم هناك الحصار العسكري وهو يعني إحاطة جيش أو جيوش دولة أو دول لدولة بعينها ومنع وسائل الاتصال بها وقطع وسائل الحياة عنها .

وهناك الحصار الجوي بتحديد دولة ما منطقة خطر جوي في سماء دولة أخرى بمنع فيها تحركات قواتها الجوية . وهناك الحصار الإعلامي والثقافي والقصد من الحصار هو خلق حالة من عدم الاستقرار في الدولة المحاصرة بغرض إخضاعها .

وفي العموم فإن الحصار الاقتصادي متعدد الأشكال ويتمثل في أساليب كثيرة منها الاستغلال والابتزاز وقهر الشعوب وفي معناه الواسع يعني الحبس والمضايقة والمقاطعة والمنع والوضع على القوائم السوداء وتعليق المساعدات أو تجميد رؤوس الأمور المملوكة للدولة المحاصرة او رعاياها ومسئوليها وحظر تدفق رؤوس الأموال بغرض الاستثمار إن الحصار الاقتصادي عمل غير أخلاقي مصمم على إرغام الدولة المستهدفة لحملها على الخضوع وله نتائج وخيمة على كل مناحي الحياة فيها  .

والهدف من الحصار الاقتصادي :

  • إفشال سياسات الدولة المحاصرة وأضعاف قدراتها الاقتصادية .
  • زعزعة الاستقرار الداخلي وخلق حالة من الضيق لدى سكان الدولة المحاصرة مما يحدث اضطرابات داخلية وحركات احتجاجية قد تصل إلى حد الانقلاب على السلطة الحاكمة وأحداث تخريب في البنية التحتية .
  • الانتقاص من السيادة الوطنيه
  • التأثير مباشرة على عيشة المواطنين في الدولة المحاصرة
  • إحداث تغييرات في تصرفات حكومة الدولة المحاصرة .

ويرى البعض أن الحصار الاقتصادي لا يختلف في أهدافه ووسائله عن كل صنوف الحصار فالهدف هو الضغط للوصول إلى نتائج محددة لها تبعاتها فالحصار يعني حربا اقتصادية أو عقوبات اقتصادية وهو ليس من الأدوات المستحدثة ولكن منذ القدم عرفت الشعوب وعانت من الحصار حتى في أبسط أدواته وظهر جلياً في القبائل الأولية حينما كانت تشتعل الحرب بين القبائل كقيام قبيلة بمحاصرة قبيلة أخرى وتقوم بعمليات عدوانية كحرق محصولاتها أو تسميم ثروتها الحيوانية أو تقوم بقطع المياه عنها بفرض تعطيش وموت النبات وقد استخدم الرومان أسلوب الحصار لإخضاع الشعوب الأخرى .

ومعلوم تاريخياً كيف حاصرت قريش بني هاشم لمدة ربما يزيد عن ثلاث سنوات عانى منها بيت آل رسول الله وهم في شعاب مكة حيث تعاهد المشركون على الا يتعاملو معهم بأي شكل سواء المعاملات التجارية والمالية أو المصاهرة وعلقوا صحيفة بهذا المضمون داخل الكعبة .

وكان المنول من القسوة بمكان فقد حاصر هولاكو بغداد ومنع عنها كل وسائل الحياة حتى سقطت في يده وتم حرق مكتبتها وقتل الخليفة العباسي … وحديثا ًتعد كوبا مثالاً صارخاً على الحصار الاقتصادي الذي قررته الولايات المتحدة منذ ستين عاماً وحتى وقتنا هذا بعد ثورة كاسترو ورفاقه على الديكتاتور باتستا ولم تزل السياسة الأمريكية الظالمة تمارس سياسة الحصار الاقتصادي على الشعوب فها هي تحاصر إيران منذ الثورة الإسلامية عام 1989 حتى إن مع انتشار فيروس كرونا وقفت الولايات المتحدة ضد حصول غيران على قرض من صندوق النقد الدولي لمواجهة الفيروس فضلاً عن تجميد الأموال الإيرانية ومنع تصدير النفط ومعاقبة كل من يخرج عن هذا مما أصاب الاقتصاد الإيراني في مقتل وعلى نفس السياق تفرض الولايات المتحدة حصاراً اقتصادياً على فنزويلا وكوريا الشمالية وتسير إسرائيل على نفس النمط الأمريكي في فرض حصار اقتصادي على قطاع غزة في محاولة للقضاء على حركة حماس وإجبارها على التخلي عن خيار المقاومة .

وتمارس الولايات المتحدة حصاراً على الصين من خلال فرض قيود تعريفية وكمية على وارداتها من الصين مما يعني رفع كلفة الصادرات الصينية إلى الولايات المتحدة مما يعمل على إحداث خلل في حجم التجارة بين البلدين لصالح الولايات المتحدة كما تفعل في السياق نفسه على فرض عقوبات على روسيا كأسلوب ضغط حتى تغير روسيا سياساتها العسكرية والاقتصادية تجاه بعض دول أوربا الشرقية السابعة ودول الاتحاد السوفيتي السابق مثل أوكرانيا .

طالت سياسة الحصار الأمريكي كل مناحي الحياة في السودان خاصة في مجال الصحة والطيران خلال حكم جبهة الإنقاذ حيث فرضت العقوبات الاقتصادية من الجانب الولايات المتحدة مما أدى إلى تدهور أوضاع المواطن السوداني وعلى السياق نفسه حوصرت ليبيا بعد حادثة لوكيربي ويقال أن كلفة العقوبات بلغت 26.6 مليار دولار تحملها قطاع النقل الجوي والصادرات الزراعية … الخ ولا ننسى حصار العراق بعد حرب الكويت وفرض أمريكا عليه الحصار ولم بكن مسموحاً للعراق استخدام عائدات النفط إلا في استيراد الغذاء (النفط مقابل الغذاء في إطار المادة 50 من ميثاق الأمم المتحدة ) .

وقد يأخذ الحصار الاقتصادي شكلاً أممياً ففي منتصف القرن الماضي فرضت الأمم المتحدة حصاراً على روديسيا الجنوبية (زيمبابوي حالياً) نتيجة إصرار أيان سميث حاكمها على فرض سياسة التميز العنصري (الابارنيد) .

المجتمع الدولي وسياسة الحصار :-

تعد الولايات المتحدة بل تكاد الدولة الأولى في العالم فرضاً لسياسة الحصار وحتى يكتسب مشروعيته لابد أن يخضع للفحص من قبل مجلس الأمن بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي ولكن الولايات المتحدة تضرب بهذا المبدأ عرض الحائط والحصار الاقتصادي أو العقوبات الاقتصادية يحتاج إلى موافقة جماعية دولية إذ أن المادة 1 من ميثاق الأمم المتحدة المتعلقة بالعقوبات تضمنت لمجلس الأمن أن يقرر أي الإجراءات التي لا تنطوي على استعمال القوة ينبغي استعمالها من أجل تنفيذ قراراته والواقع أن هذه المادة يساء تفسيرها ويحيطها الشكوك فيما يتعلق اتخاذه من إجراءات وآليات جعلت أمريكا ودول أخرى تنفرد بفرض العقوبات والحصار الاقتصادي على دول بعينها .

يبقى السؤال / ماذا عن جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين وشن حرب ضروس عليهم والتصميم على رفض حق العودة .. أليس هذا كقيل بفرض عقوبات عليها وهناك عشرات الأمثلة على تجاوزات بعض الدول ضد مواطنيها ولكن شرطي العالم يغمض عينيه… إن الحصار الاقتصادي والعقوبات الاقتصادية أحادية الجانب جريمة دولية تصب في إطار جرائم الإبادة الجماعية حيث يتعارض قانون حقوق الإنسان الدولي وفي حق الشعوب في الحياة والطعام والشراب والتداوي والحق في السكن والتعليم والعمل الحق في مستوى ملائم من المعيشة .

إن الحصار الاقتصادي وسيلة فغير أخلاقية وغير إنسانية إنه جريمة إبادة جماعية يباشرها شرطي العالم الولايات المتحدة وهذا لا غرابة فيه أليست الولايات المتحدة قامت على بحار من الدم وأشلاء السكان الأصليين ؟ .. إنها الدولة الأسوأ والأجرم في العالم .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق