fbpx
الشرق الأوسطتقارير استراتيجيةتقدير الموقف

تقرير في الشئون الإستراتيجية حول : التنظيمات المسلحة في سيناء …الرؤية والحل

إعداد الباحث والمحلل السياسي :حسين خلف موسى
باحث فى المركز الديمقراطى العربى
سيناء… ارض التاريخ … معلومات عن شبه جزيرة سيناء :
تقع شبة جزيرة سيناء في الجزء الشمالي الشرقي من مصر ، وتأخذ شكل مثلث ،في القسم الجنوبي منها يوجد خليج العقبة ، وفى الغرب خليج السويس ، وإلى الشمال من هذا المثلث يكون الجزء الباقي على هيئة متوازي أضلاع : حده الشمالي ساحل البحر الأبيض المتوسط ، وحده الجنوبي الخط الفاصل الذي يصل بين رأس خليج العقبة ورأس خليج السويس ، وحده الشرقي خط الحدود السياسية لمصر ، وحده الغربي قناة السويس .وتبلغ مساحة شبه جزيرة سيناء نحو61 ألف كيلو متر مربع ، أي ما يعادل حوالي 6% من جملة المساحة الكلية لمصر، وعلى مر التاريخ يعد مثلت سيناء الدرع الاستراتيجي لمصر من جهة الشمال ،وتملك سيناء 30% من سواحل مصر ، وسيناء هي حلقة الوصل بين قارة أفريقيا وقارة آسيا ، وكانت على مر التاريخ معبر بين حضارات العالم
الأهمية الإستراتيجية لسيناء جغرافياً ,. يشغل مثلث جزيرة سيناء حيزاً إستراتيجياً في خريطة التوازنات الدولية والإقليمية منذ فجر التاريخ , نظراً لموقعه الحاكم في خريطة الشرق الأوسط , حيث يعتبر رقعة اليابسة الوحيدة التي تقسم المنطقة العربية إلى شرق وغرب , لذا فهو بمثابة حلقة الاتصال بين الشطرين ..وتعد سيناء ملتقى القارتين الإفريقية والأسيوية والجسر البري الذي يربط بينهما حيث كانت منذ القدم ممراً للقوافل والجيوش الغازية , تأخذ شكل المثلث تستلقي قاعدته الشمالية على امتداد البحر الأبيض المتوسط ( من بور فؤاد غرباً الى رفع شرقاً ) بطول يبلغ قرابة 200كم , أما رأسه فيقع جنوباً في منطقة رأس محمد ( التي تبعد عن ساحل البحر الأبيض بحوالي 390 كم ) ويبلغ امتداد الحد الغربي لمثلث سيناء حوالي 510 كم ( ويشمل هذا الامتداد خليج السويس وقناة السويس ) أما امتداد الحد الشرقي فيصل إلى نحو 455 كم (ويشمل خليج العقبة والخط الوهمي للحدود السياسية الشرقية لمصر ) وتبلغ المساحة الكلية لشبه جزيرة سيناء حوالي 61,000 كم مربع , أي ما يقارب من 6% من إجمالي مساحة مصر ( مليون كم مربع).
الوضع الأمني في سيناء
شكل الهجوم الذي تعرضت له نقطة تفتيش مصرية على الحدود مع دولة ” إسرائيل ” فرصة لدراسة الوضع الأمني في منطقة شبه جزيرة سيناء خاصة مع متغيرات ثورة 25 يناير ، و تداعيات ما يعرف بالربيع العربي. وفيما يلي وصف للوضع الامنى :
أدى انشغال النظام المصري السابق ” نظام حكم مبارك ” بالأحداث التي أعقبت يوم 25 يناير ، و تداعياتها ، أدى إلى انسحاب الدولة المصرية من مختلف الأطراف ، التي تعد سيناء واحدة منها ، كتعبير عن تفاقم أزمة النظام داخليا و انكبابه على حماية نفسه من غضب المتظاهرين و جحافل الغاضبين . وقد خلف هذا الانسحاب ما يشبه الفراغ الأمني بالمنطقة , حيث هشاشة النظام ، و تدني هبة الدولة في المنطقة . الأمر الذي سيوفر أرضية خصبة لنمو تنظيمات محلية مسلحة، خاصة مع سهولة الحصول على السلاح بتهريب مختلف أنواعه من ليبيا الممزقة و الفاشلة في ضبط مجالها خاصة حدودها الشرقية مع مصر، و التي ظهرت “أي الأسلحة” في العمليات التي شنت في المنطقة. .. إذن أمام هذه الوضعية انبثقت عدة تنظيمات مسلحة تدين بالعداء للدولة المصرية، و تبايع زعيم القاعدة أميرا و قائدا روحيا لها، و يبقى تنظيم أنصار الجهاد في سيناء أبرز هذه التنظيمات،
أولاً- مؤشرات تصاعد المعضلة الأمنية:
ترتبط المعضلة الأمنية للحدود الشرقية المصرية بتعقيدات علاقات مصر بالأطراف المعنية بأمن الحدود في خضم تحولات هيكلية يشهدها النظام السياسي المصري منذ ثورة 25 يناير، وأزمات متتابعة تشهدها العلاقات المصرية- الإسرائيلية، بداية من مقتل الجنود المصريين علي الحدود في أغسطس 2011 ، مروراً بالتوترات الحدودية المستمرة بسبب عمليات تهريب الأسلحة عبر الأنفاق بين مصر وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة حماس، وانتهاءً بالعلاقات المتصاعدة بين النظام المصري وحركة حماس، والتسهيلات التي باتت تمنح لقاطني قطاع غزة لفك الحصار الإسرائيلي المفروض عليهم منذ أعوام، لاسيما منذ تولي الرئيس محمد مرسي المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين مهام منصبه.
وفي هذا الإطار، تتمثل أهم مؤشرات المعضلة الأمنية في سيناء فيما يلي:
1- تصاعد وتيرة الهجمات المسلحة علي قوات حرس الحدود المصرية في شمال سيناء التي تجاوز عددها 28 هجوما، خلال فترة وجيزة لا تتجاوز أشهرا معدودة، من بينها أكثر من هجوم منظم على أقسام الشرطة. وتبدو كثافة الهجمات ونوعية التسليح المستخدم فيها كاشفة عن تحولات نوعية تعزز من مخاطر الوضع الأمني الهش في تلك المنطقة الحدودية.
2- الهجمات الصاروخية المتكررة تجاه أهداف داخل سيناء وعلى الحدود المصرية- الإسرائيلية، انطلاقاً من الأراضي المصرية، والتي كان أبرزها إطلاق صواريخ جراد العابرة للمدن التي سقطت بمنطقة الريسان بوسط سيناء في يوليو الماضي، والتي لم يكشف عن الأطراف المدبرة والمنفذة لها بما يؤكد اختلال التوازن الأمني، وأن أطرافا متعددة بدأ نشاطها في التصاعد مع اختراق الحدود بين مصر وقطاع غزة.
3- التفجيرات المتتالية لخط الغاز إلى إسرائيل، ولم يتم تحديد جهة محددة تتحمل مسئولية عمليات التفجير المتكررة، نتيجة لتعقيدات الأوضاع الأمنية، وانتشار الأسلحة الثقيلة بين قاطني سيناء، وتكرار الاشتباكات مع قوات الأمن، بما يجعل تحديد جهة محددة وتحميلها مسئولية الانفلات الأمني غير واقعي في ظل السيولة الواضحة للأوضاع الأمنية.
4- تضاعف عمليات التهريب عبر الحدود بين مصر وقطاع غزة، لاسيما تهريب الأسلحة، إثر الفراغ الأمني في شبه جزيرة سيناء، والتهديدات الأمنية التي تصاعدت وتيرتها بعد الثورة، لاسيما في ظل تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية المرتبطة بتنظيم القاعدة، مثل تنظيم “أنصار الجهاد”، بما دفع الجيش الإسرائيلي لاتخاذ إجراءات أمنية استثنائية على الحدود مع مصر، من ضمنها زيادة عدد القوات، وبناء قاعدة عسكرية قرب الحدود، وتسريع وتيرة بناء سياج حدودي مع مصر بطول 213 كلم، يبدأ عند معبر كرم أبو سالم في قطاع غزة، وينتهي غرب مدينة ايلات في أقصى جنوب إسرائيل.
ثانيا- أبعاد المعضلة الأمنية في سيناء:
يثير توقيت الهجمات الأخيرة تساؤلات متعددة ترتبط بالتحولات السياسية التي شهدتها مصر، وحالة المراجعة التي ستشهدها العلاقات المصرية- الإسرائيلية عقب تولي الرئيس مرسي للرئاسة، والتي بدت أبرز معالمها في تنصل مؤسسة الرئاسة وجماعة الإخوان المسلمين من إرسال رد على خطاب التهنئة الذي أرسله الرئيس الإسرائيلي شيمون
بيريز لنظيره المصري، على الرغم من نشر وسائل الإعلام الإسرائيلية لنسخة من الخطاب، بما يؤكد أن تداعي أركان النظام السابق استتبع استعداد الأخيرة لتراجع وربما انهيار التحالف الاستراتيجي مع مصر الذي حقق لها استقرارا أمنياً على جبهتها الشرقية، لم تنعم به منذ نشأتها.
وتتمثل أهم أبعاد تجدد الجدل حول المعضلة الأمنية في سيناء فيما يلي:
1- التحول في مؤسسة الرئاسة:
تكمن دلالة تولي الرئيس مرسي للرئاسة في مصر في التحولات في منظومة السياسة الخارجية المصرية، لاسيما العلاقات مع إسرائيل، وحركة حماس، والوساطة المصرية في ملف المصالحة الفلسطينية ، فضلاً عن مراجعة ثوابت الدائرة الشرق أوسطية في السياسة الخارجية المصرية، والاحتمالات الماثلة للتقارب مع أطراف إقليمية متعددة، لاسيما إيران وتركيا، بما يمثل تهديداً للمكانة الإقليمية لإسرائيل، لاسيما في ظل مؤشرات تراجع وجود العلاقات المصرية- الإسرائيلية كانعكاس للموقف الشعبي الرافض لتطبيع العلاقات بين الدولتين خلال عهد النظام السابق.
2- تشكيل الحكومة الجديدة:
يأتي الهجوم أيضاً بعد مرور فترة وجيزة على تشكيل الحكومة المصرية الجديدة بقيادة رئيس الوزراء هشام قنديل، وعقب تولي وزير جديد للداخلية لمهام منصبه التي بدأت بمتابعة هجوم الخارجين على القانون على أبراج النيل في وسط القاهرة، بما يمكن اعتباره مؤشرا كاشفا عن مستوى الانفلات الأمني في قلب العاصمة، بما يعني استغلال مدبري الهجوم لفترة الفوضى التي تتبع انتقال المسئولية، لاسيما في ظل تأخر تشكيل الحكومة لما يزيد على 30 يوما منذ تولي مرسي لمهام منصبه، والجدل واسع النطاق الذي استبق وصاحب تشكيلها، وصرف الانتباه عن تردي الأوضاع الأمنية، والتحذيرات الإسرائيلية من هجوم محتمل في سيناء. والهجوم يأتي أيضاً بعد يوم واحد من زيارة الرئيس مرسي للجيش الثاني الميداني، بما يعني أنه ليس عشوائياً، وإنما يحمل رسائل محددة لمؤسسة الرئاسة وللمؤسسة العسكرية في فترة عصيبة في مسار المرحلة الانتقالية
3- التحفز الإسرائيلي على الحدود:
تتواكب المعضلة الأمنية أيضاً بتحفز إسرائيلي كنتاج لتصاعد التهديدات الأمنية النابعة من الحدود المصرية- الإسرائيلية ومن أهم الإجراءات المتخذة من الجانب الاسرائيلى
1- في 29/9/2011م وجه نتنياهو تحذيرا شديد اللهجة لمصر بقوله ” إن وضع صحراء سيناء المصرية يشكل تهديدا مقلقا للغاية لإسرائيل مشيرا إلى وجود قوى معادية للسلام بين مصر وإسرائيل تستغل الفراغ الامنى الموجود في المنطقة وأعرب عن أمله في أن تفهم كل الجهات في مصر أهمية الحفاظ على السلام .
2- في يونيو 2012 ، تقدمت قيادة الجيش الاسرائيلى ووزارة الدفاع بطلب إلى رئيس الوزراء ببنيامين نتنياهو ،لزيادة الميزانية العسكرية بمبلغ 15 مليار شيكل ما يعادل 25% من ميزانية وزارة الدفاع ،وذلك بدعوى سد الاحتياجات الطارئة الناجمة عن فوز ممثل الإخوان الدكتور/ محمد مرسى .بالرئاسة المصرية ،وتصريحاته حول إعادة النظر في اتفاقات كامب ديفيد .
3- أعلن نتنياهو في 27/3/2012م أن عملية إقامة السياج الحدودي بين إسرائيل ومصر تجرى على قدم وساق مشيرا إلى أن عملية بناء السياج ستستكمل في أكتوبر 2012م وقال في 5/4/2012م معقبا على عملية إطلاق صاروخ على ايلات ” إننا نشاهد الآن أن سيناء قد تحولت إلى قاعدة للإرهاب ونحن نعالج ذلك ـونقيم سياجا أمنيا لكنه لا يوقف الصواريخ . ولا يمكن منح حصانة للإرهاب ويجب أن نكافحه
وفي هذا الإطار، تعددت الدراسات الإسرائيلية التي تؤكد أن خيارات إسرائيل للتعامل مع السيولة الأمنية في سيناء أضحت محدودة، ومن أهمها دراسة إفرايم إنبار، مدير مركز بيجين– السادات للدراسات الإستراتيجية في جامعة بار إيلان الإسرائيلية، التي أكدت أن إسرائيل قد تكون مضطرة لإقامة منطقة حدودية عازلة داخل شبه جزيرة سيناء، إثر استمرار تدهور الأوضاع الأمنية، إذا لم تتخذ السلطات المصرية بعد وصول الرئيس مرسي للسلطة إجراءات احترازية أكثر صرامة، بما يعزز من الضغوط على مصر لإحداث تغير جذري في الانتشار الأمني في شبه جزيرة سيناء.
لتنظيمات المسلحة في المنطقة .
شجع الانفلات الأمني ، و سهولة تهريب الأسلحة من ليبيا ، إلى جانب هشاشة وضعية بدو سيناء على كافة المستويات ، التنظيمات على تشكيل نفسها ، و تسليح أفرادها بمعدات متطورة ، و الشروع في تنفيذ مخططاتها .
و يعد تنظيم أنصار الجهاد في سيناء أهم مكونات التنظيمات المسلحة في المنطقة ، فهذا التنظيم كان قد بايع زعيم القاعدة أيمن الظواهري على السمع و الطاعة ، في بيان أصدره بتاريخ 23 يناير من السنة الجارية . فبالرغم من كون هذا التنظيم لم ينشأ بأمر مباشر من القاعدة ، فإنه يدين بالولاء لها و لقياداتها ، فهو يعبر عن نموذج و صورة من صور تنظيم القاعدة ، سواء على مستوى المنهج ، أو على مستوى الأهداف و الرؤية .
و قد تمكن هذا التنظيم الجهادي من القيام بمجموعة من العمليات في شبه جزيرة سيناء : منها تنفيذ تفجيرات متتالية لخط الغاز العابر للمنطقة في اتجاه إسرائيل ، و منها كذلك العملية التي استهدفت الجيش الإسرائيلي وأسفرت عن مقتل ثمانية من جنوده ، إلى جانب محاولة التنظيم الاستيلاء على مقر الشرطة في العريش ، و تمكنه من حرقه و تدميره . في هذه العمليات و غيرها وظف تنظيم أنصار الجهاد أسلحة متطورة تشمل : آر بي جيه ، و قنابل و أسلحة آلية مهربة في غالب الأحوال من ليبيا . و يسعى هذا التنظيم إلى إقامة إمارة إسلامية في سيناء حسب بيانه ، وذلك بطرد الشرطة و الجيش المصري منها ، و بسط سيطرته الميدانية على كامل ترابها . و تمكن هذا التنظيم من ربط علاقات مع تنظيم ” جيش الإسلام الفلسطيني ” المتواجد بقطاع غزة . حيت تفيد التقارير أن هذا الأخير قدم خبرته على مستوى التدريب و التجنيد لأنصار الجهاد في سيناء .
هكذا أصبح تنظيم الجهاد يشكل تهديدا حقيقا على الأمن في منطقة سيناء ، من خلال عملياته النوعية مستفيدا من هشاشة المنطقة و ضعف التغطية الأمنية للدولة المصرية عليها ، و هذا ما يرجح إمكانية ضلوعه في الهجوم الأخير على النقطة الحدودية المصرية مع إسرائيل ، و تمكنه من النيل من جنودها و قتل 16 من أفرادها .أمام هذه الوضعية المتسمة باختلال أمني واضح ، تجد الدولة المصرية نفسها ملزمة باتخاذ مجموعة من التدابير بهدف تجاوز الانفلات الأمني في المنطقة ، و تجنب تداعياتها خاصة فيما يتعلق بجارتها إسرائيل .
فقد استطاعت إسرائيل توظيف الحدث بالتأكيد على تحملها منفردة عبء تأمين الحدود؛ فهي من تنبأت بالعملية وهي من استطاع مواجهتها، وهو ما يتطلب ضغوطاً على مصر للقيام بواجبها في تأمين الحدود وتدمير الأنفاق مع غزة وفرض مزيد من القيود على معبر رفح. عبر عن ذلك إيهود باراك قائلاً: “يتضح من مرة لأخرى أنه في كل ما يتعلق بأمن إسرائيل، علينا أن نعتمد على أنفسنا فقط وعلى قواتنا الأمنية فقط”.
ثم حاولت إسرائيل تجديد علاقاتها مع مصر، وتجاوز الأضرار التي أصابتها عقب سقوط نظام مبارك فالتصريحات الرسمية والصحف الإسرائيلية روجت لمقولات من نوع أن الهجوم يوضح للمصريين أن اسرائيل ليست المشكلة، وأن العلاقة الودية مع قطاع غزة لا توفر مِنعة للنظام المصري في مواجهة الجماعات المتطرفة، وأن التعاون مع إسرائيل في ضبط الحدود سينعكس على مناخ السياحة والاستثمار في مصر. وفي المقابل انعكس الوضع سلباً على التفاهمات والتسهيلات المقدمة لقطاع غزة والتي توجت باستقبال الرئيس المصري لإسماعيل هنية، خاصة مع ربط وسائل الإعلام المصرية الهجوم بفتح معبر رفح -دون أي سند منطقي ومطالبتها بضرورة هدم الأنفاق وهو ما بدأت فيه القوات المصرية بالفعل.
الدولة المصرية و مواجهة الانفلات الأمني بسيناء .
عبرت دولة إسرائيل مبكرا عن إدراكها للوضع الأمني المتدهور على حدودها مع مصر ، و ذلك من خلال اتخاذها لمجموعة من الإجراءات الأمنية الاستثنائية : زيادة عدد قواتها في المنطقة ، و بناء قاعدة عسكرية قرب الحدود ، و تسريعها من وثيرة بناء السياج الحدودي مع مصر ، كما عبرت عن هذه المخاوف من إطلاقها للتحذيرات من أمكانية قيام هجوم في سيناء . و قد بين مركز بيغن – السادات للدراسات الإستراتيجية في جامعة بار إيلان قرب تل أبيب : أنه في حالة عدم قيام مصر بتشديد إجراءاتها الأمنية في منطقة سيناء ، يبقى لإسرائيل خيار إقامة منطقة حدودية عازلة داخل المنطقة كأحد أهم الاحتمالات الممكنة لتعاملها مع الوضع الأمني . هكذا تكون إسرائيل قد حاصرة التمدد الجهادي نحوها ، و أصبحت قادرة على لجم تحركات التنظيمات الجهادية المعادية لها ، مستفيدة من التفوق العسكري و التقني و المعلوماتي المتوفر لها .
إذا كانت حالة إسرائيل هكذا ، فإن الحالة المصرية لا زالت تعاني من تداعيات الانفلات الأمني الكبير على أراضيها ، حيت يتشابك لاعبين كثر فوق منطقة سيناء يصعب حصرهم بالرغم من أشارتنا إلى تنظيم أنصار الجهاد كأهم تنظيم مسلح في المنطقة ، فإن هناك تنظيمات مسلحة كثيرة . و الحالة هذه فإن على الدولة المصرية التعامل بحزم لضبط المنطقة أمنيا ، و فق رؤية شاملة تستحضر جذور المعضلة الأمنية . من خلال العمل على محاربة الفقر و الإقصاء الاجتماعي لبدو سيناء ، و ضبط الحدود مع ليبيا لوقف تهريب الأسلحة . ثم التحكم التام في الأنفاق على الحدود مع قطاع غزة ، و ذلك بجعل معبر رفح الممر الأساسي و الوحيد لمرور الأشخاص و كافة المنقولات . عبر التنسيق مع حركة حماس التي ما فتئت تظهر رغبتها و نيتها في التعامل بمنطق الدولة، من أجل السيطرة التامة على الحدود دون إثارة مشاعر المصريين المتضامنة مع سكان قطاع غزة.
كما يجب على الدولة المصرية العمل على ضرورة استعادة هبة الدولة في المنطقة بتفكيك كافة التنظيمات المسلحة و مصادرة أسلحتها , و العمل على كسب ولاء سكان المنطقة و تجنب إثارة مشاعرهم . كما تحتاج الدولة المصرية إلى مراجعة لبعض بنود اتفاقية كامب ديفيد من أجل نشر المزيد من التعزيزات العسكرية لبسط سيطرتها الكاملة على المنطقة . إذن بهذه الإجراءات و غيرها التي تراعي البعد الشمولي للمعضلة الأمنية في منطقة سيناء . و يمكن للدولة المصرية تجاوز تداعيات انهيار نظام مبارك ، و ما ترتب عليه من ضياع هبة الدولة في الأطراف على الخصوص ، و انتشار للتنظيمات المسلحة التي تشكل خطرا حقيقا على الأمن القومي المصري بصفة خاصة ، و استقرار المنطقة عموما .
الخيارات المصرية للتعامل مع المعضلة الأمنية:
لم تعد استعادة الانضباط الأمني في شبه جزيرة سيناء خياراً يمكن إرجاؤه في ظل أبعاد وتداعيات التهديدات الأمنية المتصاعدة وانعكاساتها على الأمن القومي المصري، والتزامات مصر الدولية، وهو ما اتضح من خلال رد الفعل الأمني السريع على الهجوم، وإغلاق المعابر مع قطاع غزة، وتكثيف الوجود الأمني على الحدود. بيد أن أبعاد المعضلة الأمنية تتجاوز رد الفعل الأمني إلى ضرورة مراجعة خيارات أكثر استدامة للتعامل مع جذور المعضلة الأمنية وأبعادها المعقدة.
ومن أهم الخيارات المطروحة بقوة لدى صانع القرار المصري ما يلي :
1- تغيير منظومة التعامل الأمني مع التهديدات :
يتمثل الخيار الأهم في مواجهة المعضلة الأمنية في تجاوز التركيز على السيطرة الأمنية المباشرة على بؤرة الهجمات في سيناء إلى معالجة الأسباب الكامنة خلف تصاعد وتيرة الهجمات المتكررة، وأهمها وقف عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود المصرية- الليبية التي أحدثت تحولاً نوعياً في هجمات المسلحين على قوات الأمن المصرية، وتعزيز الانتشار الأمني على الحدود مع قطاع غزة، والتحكم التام في الأنفاق، بحيث يصبح معبر رفح هو الممر الوحيد للمسافرين، والمساعدات التي تصل إلى القطاع، بالإضافة إلى التعامل مع وجود مختلف الجماعات الجهادية المسلحة في سيناء، ومصادرة الأسلحة المنتشرة
2 – حسم قضايا ومطالب بدو سيناء:
لا تقل هذه الآلية في أهميتها عن سابقتها، حيث يتطلب تعزيز الانتشار الأمني في سيناء مصالحة شاملة مع البدو، تشمل كافة القضايا الملتهبة في علاقاتهم بمؤسسات الدولة المختلفة، والتي تسببت عقب الثورة في أزمة تغلغل واضحة للدولة المصرية على الأطراف، وفي أكثر حدودها خطورة من المنظور الجيو استراتيجي ومن أهمها قضايا المعتقلين، ومتطلبات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المختلفة، والتوظيف بمؤسسات الدولة، والقضاء على الانفلات الأمني، وحسم الخلافات حول تملك الأراضي، وغيرها من القضايا التي ستقضي معالجتها على العداء التقليدي المستحكم الناتج عن تراكم خبرات سلبية للتعامل الأمني للنظام السابق مع قضايا سيناء.
3 – تعزيز التعاون الأمني مع حركة حماس للسيطرة على الحدود
يتمثل هذا الخيار في اتجاه السلطات المصرية لفتح محور للتواصل المستمر مع حركة حماس لضبط الحدود، والتصدي للعناصر الإجرامية داخل قطاع غزة وسيناء، وتصفية عمليات التهريب عبر الحدود من خلال تنسيق أمني وثيق تشرف عليه مؤسسة الرئاسة، مقابل استمرار فتح معبر رفح، وتقويض أركان الحصار المفروض على القطاع بما يقلص الاعتماد على الأنفاق التي باتت تمثل تهديداً محورياً للأمن القومي المصري
4 – مراجعة الالتزامات الأمنية لاتفاقية كامب ديفيد
قد تلجأ أيضا السلطات المصرية للتواصل مع الجانب الإسرائيلي حول ضرورة مراجعة الالتزامات الأمنية المنصوص عليها في اتفاقية كامب ديفيد، لاسيما إعادة انتشار القوات المصرية في المناطق محدودة التسليح، خاصة في المنطقتين ب و ج المنصوص عليهما في الاتفاقية.
ومن المرجح ألا تقبل الحكومة الإسرائيلية بهذه المطالب، في ظل مخاوفها من الخطاب السياسي لجماعة الإخوان المسلمين التي ينتمي إليها الرئيس محمد مرسي، وعلاقاتها الوثيقة مع حركة حماس في قطاع غزة. إلا أن إسرائيل قد تقبل تعزيز التعاون الأمني والعسكري مع القوات المسلحة المصرية لضبط الحدود، وتحييد التهديدات الأمنية، باعتباره أحد أبعاد تعزيز العلاقات الأمنية، وهو ما قد لا تقبله مؤسسة الرئاسة المصرية للاعتبارات السياسية سالفة الذكر .
سيناء ومستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية:
أجمعت التحليلات الإسرائيلية المختلفة حول “هجوم الحدود”، على أنه مؤشر واضح وحقيقي على أن الحدود المصرية-الإسرائيلية تحولت في الآونة الأخيرة، وتحديدًا خلال العام الماضي؛ إلى حدود أكثر توترًا بالنسبة لإسرائيل من الوضع الأمني في قطاع غزة؛ بل ومن الحدود اللبنانية أيضًا. وفي تحليل تحت عنوان “العاصفة ما بعد الهدوء” من إعداد كل من آفي يسسخروف عاموس هرئيل نشر في هآرتس يوم 25 سبتمبر2012؛ أُشير إلى أن الحدود المصرية التي كانت حدود سلام باتت الحدود الأكثر عصفًا في مواجهة الجيش الإسرائيلي، فقد وقع قبل “هجوم الحدود” هجومان آخران في غضون ثلاثة شهور فقط، وذلك بعدما قُتل مواطن إسرائيلي بالنار في منطقة “كديش برنيع” القريبة من الجدار الحدودي بين مصر وإسرائيل في يونيو الماضي، وبعدها الهجوم المشترك الكبير على جانبي الحدود المصرية والإسرائيلية، بالقرب من كرم أبو سالم في بداية أغسطس الماضي .
وقد أدى هذا الجدل المتعلق بالحدود المصرية-الإسرائيلية، إلى إثارة قضيتين مهمتين متعلقتين به؛ الأولى: هي الجدار الفاصل الذي تبنيه إسرائيل من فترة على الحدود المصرية، والثانية: هي قضية المتسللين الأفارقة.
فقد وضع الهجوم ملف سيناء ضمن أولويات النظام الجديد، وبات واضحاً أن إجراءات ما لا بد أن تتخذ. لم يعد من المقبول مصرياً استمرار القيود التي تفرضها معاهدة السلام على الوجود العسكري المصري في سيناء، في الوقت نفسه تبدو المشكلة أعقد من مجموعات تنعت بكونها إرهابية تتكفل بها فرق الصاعقة والطائرات الحربية ما يجعل سيناريوهات المستقبل غير محسومة تماماً.الغياب الأمني الطويل واكبه عدم اهتمام بتنمية وتعمير سيناء، ليوفر مناخاً لممارسات غير شرعية، خاصة تجارة المخدرات والسلاح والتهريب، قد تنجح العملية العسكرية في مواجهتها مؤقتاً، بينما تصطدم خطط تعمير سيناء المستقبلية بالأزمة الاقتصادية وغياب التمويل اللازم لمشروعات تنموية كبرى وإحجام الاستثمار الخارجي عن المخاطرة في بيئة غير مستقرة أمنياً.
يتوقع إقدام مصر على إجراءات عسكرية دائمة في سيناء، تتم في الغالب بتفاهمات مصرية إسرائيلية؛ فلا يتوقع في ظل السياسة الخارجية المصرية الهادئة بعد الثورة أن تُتخذ قرارات تمس معاهدة السلام في الوقت الراهن دون تفاهمات مع إسرائيل، وربما الولايات المتحدة أيضاً. لا ترجح المؤشرات تقبل إسرائيل ذلك بسهولة، حيث تشير تقارير إلى قبولها بالعملية العسكرية الحالية شريطة أن تعود جميع القوات والآليات فور انتهائها، وتؤكد إسرائيل دائماً أن القوات المصرية في سيناء كافية لضبط الأمن ولكن ما ينقصها هو توفر الإرادة لذلك. ويبدو الهاجس الإسرائيلي من المستقبل المجهول للعلاقة مع النظام المصري الجديد معززاً لهذا الرفض.
على الرغم من إغلاق معبر رفح عقب الهجوم، وتسارع وتيرة هدم الأنفاق بين مصر والقطاع، إلا أن الهجوم قد يدفع باتجاه زيادة التنسيق الأمني بين مصر وحكومة حماس فيما يتعلق بضبط الحدود، مما يضيق الخناق على المجموعات المسلحة، يقابله تسهيلات متوقعة على حركة الأفراد والبضائع من خلال المعبر باعتباره بديلاً يسهل مراقبته من الطرفين، خاصة وأن الرأي العام المصري لن يقبل تورط مصر مجدداً في الحصار الإسرائيلي لقطاع غزة، فضلاً عن مواقف الرئيس المصري المعروفة من قضية حصار غزة.
ويرى الدكتور / طارق فهمي . أستاذ العلوم السياسية في مقالته بعنوان ( لعل آن الآوان لمراجعة ” ركائز السلام ” بين مصر وإسرائيل ) والتي أشار فيها إلى ” أن ضبط الحدود المشتركة بين مصر وإسرائيل سيتطلب لا محالة إجراءات تنسيق عالية ( استخباراتية وأمنية ) معتادة وربما سيتكشف الطلب الاسرائيلى بمراجعة الخطوات المصرية في سيناء والتي تبدأ برصد سياسة المنظمات الجهادية وتصاعد نشأتها ومرورا بالعلاقة الراهنة والمحتملة مع حركة حماس خاصة وان سيناء باتت تمثل بؤرة تهديدات أمنية كبيرة على حد قول باراك ”
وفى ضوء ما سبق يمكن القول أن مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية بالنسبة للأوضاع في سيناء تحكمه عده اعتبارات هي :
1- التفاوض مع الجانب الإسرائيلي لإجراء تعديلات في الترتيبات الأمنية في سيناء والتي نصت عليها معاهدة السلام الإسرائيلية
2- تغيير منظومة التعامل الأمني مع التهديدات
3- حسم قضايا ومطالب بدو سيناء
4- تعزيز التعاون الأمني مع حركة حماس للسيطرة على الحدود

 حسين خلف موسى عبد العال
حسين خلف موسى عبد العال
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق