fbpx
الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

مع زرع النازيين الجدد لعناصر في صفوف الجيش – أصبحت ألمانيا تواجه “عدوًّا في الداخل”

ترجمة: د. محمد فوزي – المركز الديمقراطي العربي

 

بعد العثور على متفجرات بلاستيكية وتذكارات نازية في منزل جندي من النخبة، تشعر ألمانيا بالقلق إزاء مشكلة تسلل اليمين المتطرف إلى قلب ديمقراطيتها

كالف، ألمانيا – مع خروج ألمانيا من حالة الإغلاق الذي فُرِض لاحتواء فيروس كورونا في مايو أيار، توقفت قوات الكوماندوز التابعة للشرطة خارج مبنى ريفي مملوك لرقيب أول في القوات الخاصة، وهي الوحدة العسكرية الأكثر تدريبًا وسرية في البلاد.

وأحضروا حفارًا.

كان الاسمُ المستعارُ للرقيب الأول هو الحَمَل Little Sheep. وكان يُشتبَه في أنه من النازيين الجدد. وقد عثرت الشرطة، على كيلوغرامين من المتفجرات البلاستيكية من نوع مادة بيتين PETN، وجهاز تفجير، و فتيل مفرقعات، وبندقية كلاشنكوف من طراز أيه كيه-47، وكاتم صوت، وسكينتين، وقوس مستعرض، وآلاف من طلقات الذخيرة، مدفونة في الحديقة، ويُعتقَد أن الكثير منها قد سُرِق من الجيش الألماني.

كما عثروا على كتاب لقصائد غنائية عسكرية لكتائب الإس إس النازية التي شاركت في الحرب العالمية الثانية والتي تم حظرها مع سقوط النازية، و 14 عددًا من مجلة لأعضاء سابقين في فرق ڤافن إس إس العسكرية النازية، ومجموعة من التذكارات النازية الأخرى.

وقالت إيفا هوغل، مفوضة شئون الدفاع بالبرلمان الألماني (البوندستاغ)، “لقد كانت لديه خطة”. “وهو ليس الوحيد”.

إن ألمانيا لديها مشكلة. وقد رفض الساسة والمسئولون في الأجهزة الأمنية، على مدار سنوات، نظرية وجود أي تسلل يميني متطرف إلى الأجهزة الأمنية، وكانوا يتحدثون فقط عن “حالات فردية”. لقد تم صرف النظر عن فكرة وجود شبكات. وجرت حماية المسئولين البارزين الذين كُشف عن توجهاتهم المتطرفة. فيما اختفت الأسلحة والذخيرة من المخازن العسكرية دون إجراء تحقيقات جادة.

إن الدولة تفيق الآن من سباتها. فقد تضاعفت حالات اختراق المتطرفين اليمينيين للجيش والشرطة، والذين يقوم بعضهم بتخزين الأسلحة والمتفجرات، بشكل مثير للقلق. فيما يتحرك كبار مسئولي أجهزة الاستخبارات في البلاد وكبار القادة العسكريين لمواجهة قضية أصبحت أكثر خطورة من أن يتم تجاهلها.

لقد تعمقت المشكلة مع ظهور حزب البديل من أجل ألمانيا AfD، الذي أضفى الشرعية على أيديولوجية اليمين المتطرف التي استخدمت وصول أكثر من مليون مهاجر في العام 2015 – وتفشي وباء فيروس كورونا في الآونة الأخيرة – لتوليد شعور بحدوث أزمة وشيكة.

إن أكثر ما يقلق السلطات هو أنه يبدو أن المتطرفين يتركزون في الوحدة العسكرية التي من المفترض أن تكون الأكثر نخبوية وتفانيًا في خدمة الدولة الألمانية، إنها القوات الخاصة، المعروفة اختصارا بالألمانية KSK.

وقد اتخذت وزيرة الدفاع الألماني أنغريت كرامب-كارينباور، خطوة جذرية، هذا الأسبوع، بحل فوج مقاتل من القوات الخاصة يعتبر موبوءًا بالمتطرفين. والذي كان الرقيب الأول، الذي يحمل الاسم المستعار الحَمَل Little Sheep، والذي تم الكشف عن مخبأ الأسلحة الذي كان يحتفظ به في مايو أيار، فردًا من أفراده.

وقالت: إن حوالي 48 ألف طلقة ذخيرة و 62 كيلوغرامًا أو حوالي 137 رطلا من المتفجرات ترجع إلى القوات الخاصة قد اختفت تمامًا.

وتجري وكالة الاستخبارات العسكرية الألمانية الآن تحقيقات مع أكثر من 600 جندي بتهمة الاشتباه في اعتناقهم لأفكار يمينية متطرفة، من أصل 184000 فردًا هم قوام الجيش الألماني. حوالي 20 منهم من القوات الخاصة، وهي نسبة أعلى بمعدل خمس مرات مما هي عليه في الوحدات الأخرى.

لكن السلطات الألمانية تشعر بالقلق من أن المشكلة قد تكون أكبر بكثير ، وأن مؤسسات أمنية أخرى قد يكون قد تم اختراقها أيضًا. فعلى مدى الأشهر الـ 13 الماضية، قام إرهابيون يمينيون متطرفون باغتيال سياسي، وهاجموا كنيسًا وأطلقوا النار على تسعة مهاجرين وألمان منحدرين من أصول مهاجرة.

وقد حدد توماس هالدنوانغ، رئيس وكالة الاستخبارات الداخلية الألمانية، التطرف اليميني والإرهاب بوصفهما “الخطر الأكبر على الديمقراطية الألمانية اليوم”.

وفي مقابلات أجريتها على مدار العام مع مسئولين عسكريين واستخباراتيين، وأفراد صرحوا بانتمائهم لليمين المتطرف، قدموا صورة عن الشبكات المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد من الجنود العاملين والسابقين وضباط الشرطة الذين تربطهم علاقات باليمين المتطرف.

وفي كثير من الحالات، استخدم الجنود الشبكات للاستعداد للوقت الذي يتوقعون انهيار النظام الديمقراطي في ألمانيا فيه. والذي يشيرون إليه بساعة الصفر “اليوم أكس”. ويشعر المسئولون بالقلق من أن هذا قد يكون في الحقيقة ذريعة للتحريض على الأعمال الإرهابية، أو ما هو أسوأ من ذلك، الانقلاب.

وقالت لي مارتينا رينر، عضو لجنة الشئون الداخلية بالبرلمان الألماني (البوندستاغ): “بالنسبة للمتطرفين اليمينيين، فإن الإعداد لساعة الصفر “اليوم أكس” والتعجيل بها يتماهيان معًا”.

ويقول المسئولون إن الارتباطات تتغلغل أحيانًا في العمق فيما بين شبكات النازيين الجدد القديمة والمشهد الفكري الأكثر بريقًا لما يسمى بـ “اليمين الجديد”. فيما يقوم المتطرفون بتخزين الأسلحة ويعتصمون بمنازل آمنة ويحتفظون في بعض الحالات بقوائم لأعداء سياسيين.

وقد تم الكشف عن حالة أخرى هذا الأسبوع، وهي لجندي من قوات الاحتياط، موقوف الآن، احتفظ بقائمة بأرقام الهواتف المحمولة وعناوين 17 سياسيًّا بارزًا، والذين تم تحذيرهم. وقد أدت الواقعة إلى القيام بتسع عمليات مداهمة أخرى على الأقل في جميع أنحاء البلاد يوم الجمعة.

وأشارت بعض وسائل الإعلام الألمانية إلى “جيش ظل”، في محاولة لعقد المقارنات بما حدث في عشرينيات القرن العشرين، عندما قامت الخلايا القومية داخل الجيش بتكديس الأسلحة، والتدبير للقيام بانقلابات والتآمر لإسقاط الديمقراطية.

ولا يزال معظم المسئولين يرفضون هذه المقارنة. لكن النقص الواضح في الإلمام بعدد المتورطين، حتى في أعلى المستويات الحكومية، ساهم في تغذية حالة من القلق العميق.

يقول كونستانتين ڤون نوتز، نائب رئيس لجنة الرقابة على الأجهزة الاستخباراتية في البرلمان الألماني (البوندستاغ): “بمجرد أن شرعوا بالفعل في البحث، وجدوا الكثير من الحالات”. “عندما يكون لديك المئات من الحالات الفردية، يبدو الأمر وكأننا نواجه مشكلة هيكلية. إنه أمر مثير للقلق للغاية”.

وأشار السيد ڤون نوتز إلى أن برينتون تارانت، الذي ارتكب مجزرة راح ضحيتها 51 من المصلين المسلمين العام الماضي في مسجدين في كرايستشيرش بنيوزيلندا، كان قد قام بجولة سياحية في أوروبا قبل عام وضمَّن البيان (الذي نشره على الإنترنت قبل تنفيذ جريمته) خطًّا مشئومًا.

وكتب تارانت: “أقدر أن عدد الجنود في الجيوش الأوروبية الذين ينتمون إلى الجماعات القومية يبلغ مئات الآلاف، فيما يعمل العديد منهم في مناصب إنفاذ القانون”. وعلى المحققين، كما يقول السيد ڤون نوتز، “أن يحملوا هذه الكلمات على محمل الجد”.

لكن استقصاء المشكلة مشحون بالانفعالات والتوتر في حد ذاته: فحتى وكالة الاستخبارات العسكرية المنوطة برصد التوجهات المتطرفة داخل الجيش، من الوارد أن يتم اختراقها.

فقد تم إيقاف محقق رفيع المستوى في وحدة التطرف في يونيو حزيران بعد تسريب معلومات سرية حول حملة المداهمات التي تمت في مايو أيار وذات الصلة بالقوات الخاصة، والذي نقلها بدوره إلى ما لا يقل عن ثمانية جنود آخرين، محذرًا إياهم من أن الوكالة قد توجه انتباهها إليهم لاحقًا.

وبحسب ستيفان كرامر، رئيس وكالة الاستخبارات الداخلية في ولاية تورينغن: “فإذا كان الأشخاص المعنيون بحماية ديمقراطيتنا هم أنفسهم من يتآمرون عليها، فإن لدينا مشكلة كبيرة”. “ثم كيف لك أن تكتشفهم؟”

وأضاف: “إنهم رجال محنكون يعرفون كيف يتهربون من المراقبة لأنهم هم أنفسهم مدربون على القيام بعمليات المراقبة”.

“إن ما نتعامل معه هو عدو في الداخل”.

داخل “ميدان الرماية”

كان الهواء داخل “ميدان الرماية” تفوح منه رائحة نفاذة، حيث كان قد أُطلق الكثير من طلقات الذخيرة الحية.

كنت أقف في مضمار الرماية الذي يقع على أطراف مدينة كالف الألمانية الهادئة، في منطقة الغابة السوداء، بعد أن دُعيت في وقت مبكر من هذا العام للقيام بزيارة نادرة داخل قاعدة القوات الخاصة، والتي هي من بين أكثر الأماكن المؤمنة في البلاد.

جندي يرتدي زيًّا عسكريًّا مموهًا يحمل بندقية هجومية من طراز جي 36 جاثيًا بجانب هيكل لإطار باب منفصل. ويظهر فجأة مجسّمان. أطلق الجندي النار أربع مرات – على الرأس والجذع، والرأس والجذع – ثم واصل بعد ذلك وفق ترتيب دقيق قتل دزينتين (أربع وعشرين) آخرين من “الأعداء”. دون أن يخفق ولو مرة واحدة.

إن القوات الخاصة هي المقابل الألماني لقوات العمليات الخاصة في البحرية الأمريكية Navy Seals. لكن قائدهم، الجنرال ماركوس كريتماير، البافاري دمث الخلق والذي شارك في مهمات في البوسنة وكوسوفو وأفغانستان، هو رجل يتنازعه هذه الأيام شعوره بالولاء لرجاله، وإدراكه أن عليه أن يتصدى لمشكلة خطيرة.

حضر الجنرال متأخرًا لمقابلتنا. كان قد أمضى أربع ساعات للتو في استجواب فرد من أفراد وحدته حول حفل ورد أن ستة من جنود القوات الخاصة قاموا فيه بأداء تحية هتلر.

وقال “لا أستطيع أن أفسر لماذا يُزعم أن هناك الكثير من حالات ’التطرف اليميني‘ في الجيش”. من الواضح أن القوات الخاصة “أكثر تأثرًا من الآخرين ، وهذا يبدو أمرًا واقعًا”.

لم يكن من السهل مطلقًا أن تكون جنديًا في ألمانيا ما بعد الحرب. فنظرًا لتاريخه النازي والدمار الذي جلبه على أوروبا في الحرب العالمية الثانية، تحتفظ البلاد بعلاقة متوترة مع جيشها.

ولعقود، حاولت ألمانيا تشكيل قوة تمثل مجتمعًا ديمقراطيًا وتعبر عن قيمه. ولكن في العام 2011 ألغت التجنيد الإجباري، وتحولت إلى الاعتماد في تشكيل الجيش على الجنود المتطوعين المحترفين فقط. ونتيجة لذلك، فإن تكوين الجيش لا يعكس بصورة متزايدة القاعدة العريضة للمجتمع، بل شريحة أضيق من الأمة.

ويقول الجنرال كريتماير إن “نسبة كبيرة” من جنوده هم من الألمان الشرقيين، حيث المنطقة التي ينشط فيها حزب البديل من أجل ألمانيا بشكل جيد وبصورة تخل بالتمثيل المتكافئ. ويضيف أن ما يقرب من نصف الرجال المدرجين في قوائم أفراد القوات الخاصة المشتبه في أنهم متطرفون يمينيون هم من الشرق.

ويصف الجنرال الأزمة الحالية في الوحدة بأنها “أصعب مرحلة في تاريخها”.

في المقابلة التي أجريناها معه، قال إنه لا يستطيع استبعاد وجود درجة كبيرة من التسلل من اليمين المتطرف. كما قال لي: “أنا لا أعرف ما إذا كان هناك ثمة جيش ظل في ألمانيا”.

وقال: “لكنني قلق، وليس فقط كقائد للقوات الخاصة، ولكن كمواطن – أن شيئًا من هذا القبيل في نهاية المطاف موجود بالفعل وأن شعبنا يعيش مثل هذا السياق”.

ويتحدث المسئولون عن تحول ملموس “في القيم” بين المجندين الجدد. وفي النقاشات، قال الجنود أنفسهم، الذين لا يمكن تحديد هويتهم التزامًا بالقواعد الإرشادية للوحدة، أنه إذا كانت هناك نقطة تحول في الوحدة، فقد حدث ذلك مع أزمة المهاجرين في العام 2015.

وأشاروا إلى أنه عندما كان مئات الآلاف من طالبي اللجوء من سوريا وأفغانستان في طريقهم إلى ألمانيا، كان المزاج العام في القاعدة متوترًا.

ويتذكر أحد الضباط قائلاً: “نحن جنود منوط بنا الدفاع عن هذا البلد وقد فتحوا الحدود دون رقابة”. “لقد طفح بنا الكيل”.

وسط هذه الأجواء، أنشأ جندي من القوات الخاصة يبلغ من العمر 30 عامًا من هاله، في شرق ألمانيا، مجموعة للمحادثات على تطبيق تِلِغرام للجنود وضباط الشرطة وغيرهم ممن يجمعهم الاعتقاد أن المهاجرين سوف يدمرون البلاد.

كان اسمه أندريه شميت. ولكنه كان معروفًا باسمه المستعار هانيبال.

شبكة هانيبال:

في منزل في ريف ألمانيا الغربية، وخلف ستار من السلاسل الحديدية ووراء قوس مستعرض في القاعة، تطل غرفة تشبه الزنزانة يغشيها ضوء أرجواني على بهو خارجي. وتغطي صورة كبيرة الحجم لامرأة عارية الجدار الخلفي.

هناك التقيت بالسيد شميت في وقت مبكر من هذا العام. وقد أَذِن في تداول اسمه، لكنه لم يرغب في الإفصاح عن مكان تواجده أو التقاط أي صور فوتوغرافية.

كان قد ترك الخدمة العسكرية في سبتمبر أيلول الماضي عقب العثور على قنابل يدوية تدريبية مسروقة في مبنى يعود لوالديه. لكنه بحسب ما يقول ما زال يحتفظ بشبكة علاقاته: “في القوات الخاصة، والاستخبارات، وبين رجال الأعمال، والماسونيين”. وهم يجتمعون هنا بانتظام. كما أن المنزل كما يقول مملوك لمؤيِّد ثري.

وقال لي السيد شميت: “إن عناصر الشبكة مثل عائلة كبيرة، والجميع يعرف بعضهم البعض”.

عندما أنشأ مجموعة المحادثات على تطبيق تِلِغرام في العام 2015، راعى فيها التقسيم الجغرافي – الشمال والجنوب والشرق والغرب – تمامًا كما هو الحال في الجيش الألماني. وبالتوازي مع ذلك، أدار مجموعة أُطلِق عليها المُوحِّد Uniter، وهي منظمة للممتهنين مهنًا تتعلق بالأمن تقدم مزايا اجتماعية وكذلك تدريبًا شبه عسكري.

ويخضع العديد ممن شاركوا في مجموعة المحادثات التي كان يديرها للتحقيق الآن من قبل النيابة العامة بتهمة التخطيط للقيام بأعمال إرهابية. حيث قام بعضهم بشراء أكياس للجثث. فيما يواجه أحدهم المحاكمة.

أما وضع السيد شميت فهو أكثر تعقيدًا. فقد اعترف بالعمل كمخبر في القوات الخاصة لوكالة الاستخبارات العسكرية في منتصف العام 2017، عندما التقى بانتظام ضابط اتصال في الوكالة. واليوم يمول الجيش دراسته للحصول على درجة في الأعمال.

وهو لم يُسمَّ مطلقًا كمشتبه به. وقد نفى المسئولون الألمان تقديمهم الحماية له. لكن وكالة الاستخبارات المحلية أعلنت هذا الأسبوع أنها قد وضعت شبكته الحالية المُوحِّد Uniter تحت المراقبة.

وقد اكتشفت السلطات محادثاته لأول مرة عن طريق المصادفة في العام 2017 أثناء التحقيق مع جندي في الشبكة يشتبه في تنظيمه لمخطط إرهابي.

ويدرس المحققون الآن ما إذا كانت المحادثات ومنظمة المُوحِّد Uniter هي الهيكل الأوّلي لشبكة يمينية متطرفة تنشط في مختلف أنحاء البلاد تمكنت من التسلل إلى مؤسسات الدولة. لكن حتى الآن، لا يمكنهم الجزم بذلك. وقد حصلت صحيفة النيويورك تايمز على إفادات للشرطة من السيد شميت وآخرين في شبكته تتعلق بقضية العام 2017.

في البداية، كما يقول السيد شميت وأعضاء آخرون، كانت المحادثات تدور حول تبادل المعلومات، وكان معظمها حول التهديدات المفترضة التي يشكلها المهاجرون، والتي اعترف بها السيد شميت للشرطة أنه قد ضخمها من أجل “تحفيز” المتابعين له.

وقال شميت للشرطة: “كان الأمر يتعلق بحالة الاضطراب الداخلي بفعل الخلايا النائمة والجماعات المتطرفة التي تنشط في مختلف أنحاء العالم والتشكيلات العصابية والتهديدات الإرهابية”.

وكانت المحادثات شائعة بين جنود القوات الخاصة. وقال السيد شميت إنه أحصى وجود 69 من رفاقه في الشبكة في العام 2015.

وقال زميل من جنود القوات الخاصة، أشار إليه المحققون باسم روبرت پ، ولكنه عُرِف باسم پيتروس، والذي أدار مجموعتين للمحادثات، للشرطة بعد ذلك بعامين إن عدد أعضاء الشبكة ربما كان أكثر من ضعف العدد المذكور آنفًا: “يجب أن أقول ، إنه من المحتمل أن نصف أفراد الوحدة كانوا منخرطين في مجموعات المحادثات”.

وسرعان ما تحولت المحادثات من منصة لتبادل المعلومات إلى منصة مخصصة للإعداد لساعة الصفر “اليوم أكس”. وقد وصف السيد شميت، وهو يحتسي المياه المعدنية، ذلك بأنه “محاكاة لعمليات حربية”. لقد صوَّرَ أوروبا تحت تهديد العصابات والإسلاميين وأنتيفا. وقد أطلق عليهم “قوات العدو التي تجوس أرضنا”.

وقد ساعدت شبكته الأعضاء على الاستعداد للرد على ما صوَّره على أنه صراع لا مفر منه، وأحيانًا كانوا يتصرفون من تلقاء أنفسهم.

وقال “إن ساعة الصفر “اليوم أكس” يخضع تحديدها للتقدير الشخصي”. “فتوقيتها بالنسبة لرجل في هذا اليوم، وبالنسبة لرجل آخر في يوم آخر”.

وقال: “إنها في اليوم الذي تُفعِّل فيه خططك”.

التقى أعضاء مجموعة المحادثات بشخوصهم، وأعدوا الذخائر والأسلحة المطلوب تخزينها، والأماكن التي يحتفظون فيها بالمنازل الآمنة. وقد تم تحديد العشرات منها. وكان أحدها هو القاعدة العسكرية في كالف نفسها. وقد تدربوا على كيفية التعرف على بعضهم البعض، باستخدام كلمات سر عسكرية، في “نقاط الالتقاء” حيث يمكن للأعضاء التجمع في ساعة الصفر “اليوم أكس”.

وقد تزايد الشعور بإلحاح الموقف.

وفي 21 مارس آذار 2016، كتب عضو في مجموعة المحادثات، أُشير إليه فقط باسم “ماتز”، عن نقطة تجمع بالقرب من نورمبرغ. حيث ذكر أن هناك “أسلحة وذخيرة كافية لخوض معركة يمكن أن يُمضَى إليها”.

وفي وقت لاحق من ذلك العام، أرسل السيد شميت رسالة إلى أعضاء مجموعة المحادثات. ذكر فيها أنهم في الأشهر الثمانية عشر الماضية قد حشدوا “ألفي شخص تجمع بينهم نفس الميول والأفكار” في ألمانيا وفي الخارج.

وعندما التقيته، وصف السيد شميت هذا الحشد بأنه “أخوية عالمية يجمع بين أعضائها الميول والأفكار”.

وهو ينفي مطلقًا التخطيط للتعجيل بساعة الصفر “اليوم أكس”، لكنه لا يزال مقتنعًا بأن هذه الساعة ستأتي، بأقصى سرعة ممكنة جراء الوباء.

وقال في مكالمة هاتفية لاحقة هذا الأسبوع “نحن نعلم بفضل مصادرنا في البنوك وفي أجهزة الاستخبارات أن الانهيار الاقتصادي الكبير سيحدث على أقصى تقدير بحلول نهاية سبتمبر أيلول”.

وتنبأ بأنه “ستكون هناك حالات إفلاس وتفشٍّ للبطالة”. ” وأن الناس ستنزل إلى الشارع”.

رؤوس الخنازير وأداء تحية هتلر:

في إحدى الليالي في العام 2017، كان الرقيب الأول، الذي يحمل الاسم المستعار الحَمَل Little Sheep، والذي تم الكشف عن مخبأ الأسلحة الذي كان يحتفظ به في مايو أيار، من بين حوالي 70 جنديًّا من الفوج الثاني من القوات الخاصة الذين تجمعوا في مضمار الرماية العسكري.

أشار إليه المحققون باسم فيليب ش. وقد قام هو والآخرون بتنظيم حفل وداع خاص لضابط برتبة مقدم، وقد احتُفِل به كبطل حرب شق طريقه للخروج من كمين في أفغانستان بينما كان يتبادل إطلاق النار وهو يحمل أحد رجاله.

كان على المقدم، وهو رجل مهيب قد غطى جسده بوشم من الحروف السيريلية، وكان يستمتع بممارسة رياضة المصارعة داخل الأقفاص في أوقات فراغه، أن يكمل مضمارًا مليئًا بعقبات صعبة. وقد انطوى ذلك على تقطيع جذوع الأشجار وقذف رؤوس خنازير مقطوعة.

وكجائزة له، جلب رجاله امرأة. ولكن المقدم انتهى به الحال مخمورا. وذهبت المرأة، بدلاً من أن تكون غنيمة له، إلى الشرطة.

فبينما كانت تقف حول النار مع بضعة جنود، شاهدتهم يتغنون بكلمات أغان للنازيين الجدد ويرفعون أذرعهم اليمنى. وقد تحدثت في تقرير تلفزيوني بثته المؤسسة العامة للبث الإذاعي والتلفزيوني الألمانية “إيه آر دي”. عن رجل تميز بين الجنود بحماسه ووصفته بـ “الجد النازي”، (في إشارة مجازية إلى النازيين الذين أخفوا هويتهم بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وأصبحوا يتظاهرون بمظهر العجائز الوادعين).

وعلى الرغم من أنه كان في الخامسة والأربعين ليس إلا، فلم يكن “الجد النازي” إلا الجندي الذي كان يحمل الاسم المستعار الحَمَل Little Sheep، والذي انضم إلى القوات الخاصة في العام 2001.

وفي السنوات الثلاث التي تلت الحفل، كانت وكالة الاستخبارات العسكرية تضع الرقيب الأول تحت المراقبة. لكن ذلك لم يمنع القوات الخاصة من ترفيعه إلى أعلى رتبة ممكنة من رتب ضباط الصف. ويقول الجنود والمسئولون إن التعامل مع القضية جرى وفق نمط معهود من التعاطي.

وفي يونيو حزيران، وجّه أحد جنود القوات الخاصة خطابًا من 12 صفحة إلى وزيرة الدفاع، مطالبًا بإجراء تحقيق حول ما وصفه بـ “ثقافة بيئة العمل السامة التي تحول دون قبول الآخرين” و “ثقافة الخوف” داخل الوحدة. وأن المعلومات حول رفاق السلاح المتطرفين “قد تم تجاهلها كليةً أو على أقل تقدير جرى التساهل بشأنها”. وذكر الجندي أن أحد مدربيه قد شبّه القوات الخاصة بفرق ڤافن إس إس العسكرية النازية.

كان المدرب، وهو ضابط برتبة مقدم، هو نفسه تحت المراقبة بسبب ميوله اليمينية المتطرفة منذ العام 2007، عندما أرسل رسالة بريد إلكتروني تحوي تهديدًا إلى جندي آخر. قال فيها: “إنه تتم مراقبتك، لا، ليس من قبل الوكالات العاجزة المُحَوْسلة (تحولت إلى وسيلة)، ولكن من قبل ضباط من الجيل الجديد، الذين سيقومون بما يلزم عندما تتطلب الأمور ذلك”. “عاشت ألمانيا المقدسة”.

ولم يوقف قائدُ القوات الخاصة في ذلك الوقت المقدمَ. وإنما اكتفى فقط بتأديبه. وقد سألت الجنرال كريتماير، الذي تولى مهام القيادة في العام 2018، عن القضية.

فقال لي: “انظري، اليوم في العام 2020، ومع كل المعرفة التي تجمعت لدينا، عندما نتفحص رسالة البريد الإلكتروني المشار إليها في العام 2007 نقول: “إن الأمر جلي”. “ولكن في ذلك الوقت كنا نفكر فقط بطريقة: يا رجل، ما خطبه؟ يجب عليه أن يتمالك نفسه”.

رواق التاريخ

يؤدي الباب الخلفي للمبنى الرئيس الموجود في القاعدة في كالف إلى ممر طويل يُعرف باسم “رواق التاريخ”، وهو يضم مجموعة من التذكارات التي تم جمعها على مدى 25 عامًا تقريبًا من تراث القوات الخاصة، والتي تضم كلبًا محنطًا من سلالة الجيرمن شيبرد، يُدعى كاتو، كان قد قام بالقفز بالمظلة من ارتفاع 30,000 قدم مع فريق كوماندوز.

ثمة غياب لافت لأي ذكر لقائد القوات الخاصة السابق الموصوم، الجنرال راينهارد غونزل، الذي تم فصله بعد أن كتب رسالة تأييد في العام 2003 لتصريحات معادية للسامية صدرت عن نائب محافظ في البرلمان الألماني (البوندستاغ).[1]

وقد نشر الجنرال غونزل لاحقًا كتابًا بعنوان “المحاربين السريين”. والذي مَوْضَع فيه القوات الخاصة ضمن تقليد وحدة القوات الخاصة سيئة السمعة في عهد النازيين التي ارتكبت العديد من جرائم الحرب، بما في ذلك مذابح بحق اليهود. كما كان متحدثًا شعبيًّا في الفعاليات اليمينية المتطرفة.

وقال كريستيان فايسغيربر، الجندي السابق الذي ألف كتابًا حول تجربته الخاصة كمنتمٍ لتيار النازية الجديدة في الجيش: “إن ما هو حاصل بالأساس هو أن أحد القادة المؤسسين للقوات الخاصة قد أصبح من أهم المتعصبين أيديولوجيًّا لليمين الجديد”.

اليمين الجديد، الذي يضم نشطاء شبان ومثقفين وحزب البديل من أجل ألمانيا، يثير قلق الجنرال كريتماير. إن عضو البرلمان الألماني الذي أدت تعليقاته المعادية للسامية إلى إقالة الجنرال غونزل منذ تلك السنوات الماضية، يجلس الآن في البرلمان الألماني نائبًا عن حزب البديل من أجل ألمانيا.

يقول الجنرال كريتماير: “إن هناك ممثلين بارزين لأحزاب سياسية مثل حزب البديل من أجل ألمانيا، الذين يصدر عنهم تصريحات لا تصيبك بالسقم فحسب، بل من الواضح أنها تعبير عن أيديولوجية يمينية متطرفة”.

ويضيف إن الجنود ليسوا محصنين ضد هذا التحول الثقافي في البلاد. فقد ترشح مؤخرًا جنرال زميل لمنصب العمدة عن حزب البديل من أجل ألمانيا. كما يمثل العديد من الجنود السابقين الحزب في البرلمان.

القاعة يحوطها العشب الأخضر أسفل التلة بالقرب من ميدان الرماية، في تقاطع بين قاعة اجتماعات وحانة. ويطغى على أجوائها لوحة زيتية ضخمة تصوّر جنود القوات الخاصة وكلبهم الذي ينتمي لسلالة الجيرمن شيبرد وهم يهاجمون بنجاح مخبأً لطالبان.

إنه مشهد مألوف للعديد من الجنود الذين تجمعوا في اليوم الذي كنت فيه هناك. لكن الجنود الذين تحدثت معهم شككوا في الاستراتيجية الكامنة وراء حرب استمرت لعقدين من الزمن صحبها القليل من النتائج الملموسة، باستثناء زيادة وتيرة الهجرة في الداخل.

قال أحد الضباط: “سألتني فتياتي: “لماذا يجب عليك الذهاب إلى أفغانستان بينما هناك أطفال من قندوز في صفنا المدرسي؟ ” “ولم يكن لدي ثمة إجابة”.

وعندما اصطحب وفدًا من جنود القوات الخاصة للقاء الأحزاب السياسية في البرلمان، سألهم نفس السؤال. يقول: “لم يكن لديهم إجابة أيضًا”.

ويستطرد، لكن نائبًا واحدًا فقط أدلى بإفادة واضحة. لقد كان ينتمي لحزب البديل من أجل ألمانيا. يتذكر الضابط أنه قال: “إنه كان يجب أن ننسحب منذ عهد بعيد”.

تقرير لكاترين بنهولد، شارك في إعداده كريستوفر ف. شوتزه – النيويورك تايمز

رابط المقال الأصلي

https://www.nytimes.com/2020/07/03/world/europe/germany-military-neo-nazis-ksk.html

[1] في الرابع من نوفمبر تشرين الثاني في العام 2003 قام وزير الدفاع الالماني بيتر ستروك بعزل الجنرال راينهارد غونزل، قائد القوات الخاصة الألمانية، بعد أن أرسل الأخير رسالة تأييد لعضو البرلمان الألماني (البوندستاغ) مارتن هوهمان الذي ورد في خطاب ألقاه بمناسبة العيد الوطني الألماني أنه من الممكن النظر لليهود كمجموعة عرقية من «الخونة» وكشعب مجرم، وذلك بسبب الدور الذي لعبوه خلال الثورة البلشفية في روسيا في العام 1917، ولوجودهم البارز في فرق الإعدام أثناء الثورة، على نحو يحملهم مسئولية خاصة. فبرأيه أن اليهود قد أذنبوا، مثلهم في ذلك مثل النازيين، للدور الذي اضطلعوا به في أعمال العنف ضد المدنيين التي وقعت إثر ثورة 1917 في روسيا. (المترجم)

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق