الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

ماذا تبقى لمصر والسودان في صراع سد النهضة ؟

بقلم  : محسن الكومي – المركز الديمقراطي العربي

 

مع استمرار واتساع الهوة بين السودان ومصر من جانب وأثيوبيا من جانب آخر ، والفشل الملاحظ في الوصول إلى تفاوض ينهي الأزمة القائمة حول موضوع سد النهضة وما يمثله الأخير من تهديد وجودي لشعبين كاملين “دولتي المصب” كما يطلق عليهما خبراء المياه والسدود ، وبعد دراسات عديدة حول مصادر الموقف الأثيوبي ولماذا يجنح نحو التعنت والتشدد في المواقف ولا يبدي تساهلا في مواقفه ، بل بالعكس يسارع الخطى نحو إنهاء كامل خطوات الملء للسد غير عابيء بتخوفات الشعبين ،وغير مكترث بتصريحات الساسة وما يتلقاه من لوم من الجهتين .

إن الموقف بات متأزما لدرجة معقدة ، وزاد من التعقيد  أن أثيوبيا تعيب على الدولتين سعيهما خلف الحق التاريخي لهما في المياه ، بل ذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك حيث تعترض حتى على أقل حقوق البلدين في الأحتكام إلى قواعد القانون الدولي والعودة أو التصرف الدبلوماسي والرجوع إلى الإتفاقات الدولية المنظمة للأنهار والبحار في الدول المتشاطئة .

  • والسؤال هنا : ماذا تبقى لمصر والسودان في صراع الأزمة ؟

حتى يتمكن القاريء من استيعاب حجم المشكلة في صراع الماء الوجودي بلا تهويل أو تهوين.

إن مشروع السد الذي  فكرت فيه أثيوبيا إنما بدأ كفكرة أمريكية في عام 1964 م  ،بعدما أوفدت أثيوبيا خبراء للولايات المتحدة الأمريكية قبلها بعام لعرض إنشاء مشاريع على النيل الأزرق تصل الى 33 مشروع  على أطراف النيل الأزرق ، بإجمالي سعة قدرها 64 مليار م 3   من بينها سد الحدود والذي حل مكانه بالضبط سد النهضة الأن ، إذا المشاريع المجتمعة لأثيوبيا وقتها لم تصل إلى سعة السد الحالي  ، بدءا من  2008 بدأت أثيوبيا في عرض  سد الألفية “النهضة حاليا”  حيث كانت تقديرات  سعته  من 11.11 إلى 24.3 مليار متر 3 على أقصى تقدير  عندما قدمته أثيوبيا للحكومة المصرية فيما قبل ، وقد قابلت الأخيرة الفكرة وقتها بهجوم حاد يحمد للحكومة آنذاك، ولكني اعتبر أن أثيوبيا قد استغلت الوضع في مصر فيما بعد 2011 ،فمررت السد بل أقدمت على التغيير في سعته بصورة منفردة لتبلغ  74 مليار متر مكعب – وهذا تغييرا جوهريا في الحجم والسعة  يزيد من قوة أثيوبيا  وقبضتها  في التحكم في جريان الماء القادم من النيل الأزرق والذي يقارب 68% من عوائد الماء على دولتي المصب ،علما بأن   إجمالي تصرف النيل الأزرق لا يزيد عن  48 مليار م3/سنة ، وبالتالي فإن سعة خزان السد تستطيع استيعاب أكثر من كامل  تصرف مياه النيل الأزرق .

إن التحرك على مسار التفاوض قد يكون له أثره إذا كان طرفاه وصلووا إلى درجة من التفاهم الملزم  للدخول في المفاوضات أما من يجد نفسه قد تعدى بمشروعه فكرة الجلوس على مائدة المفاوضات وقد صمم مشروعه لاستيعاب وابتلاع كامل النيل الأزرق، متعللا أنه مشروع تنموي ، ياسادة هذه ليست مشاريع تنموية بل قل  إنها مشاريع استعمارية مخطط لها من قبل  تمارسها اسرائيل وغيرها عن طريق أثيوبيا والتي تعلن تعنتها يوميا على الملأ ، ولسان حالها يقول  “قد أتممت مشروعي فاقض ما أنت قاض” ، خاصة أنه وجد تهاونا على مسار التعامل مع الأزمة ، فأصبح يتخذ من تصريحات بعض المسئولين ذريعة للرد على مطالب الدولتين للمجتمع الدولي بالتدخل ،كما حدث في مخاطبة مصر لمجلس الأمن حول خطورة الملء الثاني ،فكان الرد الأثيوبي كيف يعترض الجانب المصري ؟ وقد صرح أحد ساسته في لقاء تلفزيوني سابق “أن الملء الثاني لن يؤثر على مصر ” وبالتالي قد أعطت هكذا تصريحات من قبيل حسن النية ومن قبيل سنعاود الأتفاق ،أو من قبيل طمأنة الشعب ، أو ….. أو حالات الثقة المفرطة في الجانب الأثيوبي فلقد منحت هذه التصريحات دعائم قوية تستخدمها أثيوبيا في قضيتها وقتما تشاء ، درجة اعتبارها السد  حق قد حصلت عليه بعد غياب ، ولا عزاء للمتضررين  ولعل هذه المواقف المختلفة قد جعلت جوانب الإلزام من المجتمع الدولي لأثيوبيا ضعيفة ،ناهيك عن ما وصلت إليه أثيوبيا من مكاسب جراء “إعلان المباديء مارس 2015”  والذي مكن الجانب الأثيوبي من رقاب شعبي دولتي المصب ، ولذا اختفت صيغة الإلزام الدولي لأثيوبيا نتيجة ضعف المواقف المتعاملة مع أزمة وجودية بهذا الحجم . حيث ف لم يصل في قوته قدر ما وصل إليها من تهديد وإدانات دولية في موضوع إقليم تجراي ، رغم أن أثيوبيا أخطرت المجتمع الدولي بعدم تدخل الأخير فيما تفعله في الإفليم إلا أن الأمم المتحدة دعت  السلطات الإثيوبية إلى إجراء تحقيق بشأن الغارة الجوية التي استهدفت سوقا في بلدة توغوغا بإقليم تيجراي شمالي إثيوبيا مما أسفر عن مقتل عشرات المدنيين ، في حين إدانة شديدة للإتحاد الأوروبي للحادث ذاته  ،ثم أمريكا تلزم أثيوبيا بوقف القتال في الإقليم  ، وقال نيد برايس، المتحدث باسم الخارجية الأمريكية في بيان “ندين بشدة هذا العمل البغيض. وهناك أيضا تقارير موثوقة تفيد بأن قوات الأمن منعت أفراد الخدمات الطبية من الوصول إلى ضحايا هذا الهجوم المروع” مما أدى إلى إعلان أثيوبيا إلى وقف القتال بالإقليم لظروف إنسانية  .وبالتالي يجب أن نتيقن جميعا أنه لن تفيد جهود دولية  في قضية السد ،مهما تعلقت الدولتان  بالمفاوضات.

يا سادة إن وجود إعلان مثل” إعلان المباديء 2015″ والذي قد سهل مهمة الجانب الأثيوبي  وجعله أكثر شراسة فضاعت وبعثرت  الجهود الدبلوماسية التفاوضية ، وأضاع الحقوق ،وشرعن السد وأعطاه قبلة الحياة بعد موات تمثل في وقف عمليات التمويل الدولية للسد عقب تقرير لجنة الخبراء الدوليين والتي أعلنت في تقريرها الختامي والمسلم لمصر في 2013 مدى تضليل أثيوبيا للجنة ،موضحة خطورة السد على دولتي المصب تبعا لضعف معامل الأمان المعمول به في مشاريع عالمية مماثلة ، وقد سبق إيضاح ذلك من قبل .إذا ما تبقى لمصر والسودان إلا طريقين لا ثالث لهما

أولا الحل العسكري :

وهذا مستبعد تماما لأن إكمال بناء السد والملء الفعلي  قد وصل إلى القدر الذي قد يسبب ضررا بدولتي المصب خاصة السودان ، مما يصعب هذا الحل ،ناهيك عن الرأي الفني العسكري حيث قال اللواء العسكري الأردني ” مأمون أبو نوار” : إن مصر لا تستطيع استخدام الطائرات أو القنابل لضرب سد النهضة، لأنها ملتزمة بمجموعة من البروتوكولات الموقعة عليها مع الدول المصنعة لهذه الأسلحة والقنابل التي تشترط استعمالها واللجوء إليها في حالات محددة، أي أن الموانع في نظره ترجع أصلا إلى أن الدول المصنعة للأسلحة لن تقبل ، إضافة إلى أن الضرب العسكري المؤثر لابد وأن يكون لقواعد السد وهذا صعب الوصول إليه وبالتالي ستكون الضربة العسكرية فقط في الجزء الأعلى وهذا سيؤثر على التشغيل أي فقط تعطيل عمله لا أكثر من ذلك حيث أضاف “أبو نوار” في مقابلته مع قناة الجزيرة مباشر بتاريخ 26/6/2021 ” إن التعامل العسكري مع السدود إذا كان هدفا عسكريا فإنه يصعب التعامل معه وتدميره لأن الأمر يقتضي أن تصل القنابل إلى عمق السد، موضحا ” إذا كانت هناك رغبة مصرية في اللجوء إلى الحل العسكري، فإن الهدف سيكون مقتصرا على تعطيل السد وليس تدميره” هذا إذا سلمنا أصلا أن أثيوبيا ستقف مكتوفة الأيدي ضد الهجمات دون رد ، علما بأن أثيوبيا قد نصبت قواعد على الهضبة لحماية السد من أي هجوم محتمل بمساعدات أمريكية واسرائيلها واضحة، حيث أعلن الجنرال يلما مورديسا، قائد القوات الجوية الإثيوبية، إن بلاده لديها القدرة على صد أي هجوم على سد النهضة، مؤكدًا سعي إثيوبيا جاهدة لتصبح قوة جوية كبيرة في إفريقيا في السنوات العشر القادمة من خلال تحديث قوتها وتطوير الطيران ، ناهيك عن أضرار الفيضان الذي قد يحدث  إذا أخذنا في الاعتبار اكتمال الملء لمنسوب مقارب للملء الأقصى للسعة ، ولذا فإن فكرة الحل العسكري ينبغي إذا تمت أن تتم مع تقدير تام لعواقبها الناجمة وتقدير تام لحجم الماء وما وصل إليه من تخزين فضلا عن موافقة الدول صاحبة الإمتياز للأسلحة المستخدمة .

ثانيا الا نسحاب من إعلان المباديء 2015

يمثل الانسحاب من إعلان المباديء حلا دبلوماسيا وقانونيا ينبغي النظر إليه حيث يمكن هذا الحل دولتي المصب من تعطيل قانونية السد والتي قد يكون اكتسبها نتيجة إعلان المباديء ، وذلك على اعتبار الانسحاب يمثل خطوة هامة ليجعل مباديء الاتفاق كأن لم تكن حيث لوحظ  أن جل نقاط الاعتراض الأثيوبي والتي تبديها سياسيا وإعلاميا وقانونيا هي تمسكهم بإعلان المباديء معللين ذلك “هناك اتفاق إعلان المباديء 2015 لماذا وقعوا عليه إذا ما داموا يشعرون بالضرر؟ ” ، وعلى هذا فإن الانسحاب من إعلان المباديء يمثل خطوة ضرورية ينبغي التمسك بها والسعي لإنفاذها وفق ما تقتضيه اتفاقية “فيينا” للمعاهدات الدولية 1969 .

  • مخارج قانونية دبلوماسية لهدم  اتفاق إعلان المباديء :

بعد الإيضاح السريع للحلول وما تبقى منها بداية نود إيضاح وترسيخ نتيجة هامة ألا وهي “لا توجد  تداعيات قانونية على مصر والسودان حال إعلان الانسحاب من تلك الاتفاقية” ،وذلك لأن أثيويبيا قد مارست تضليل وخداع وانفراد في القرار من خلال ما يلي:

  • أولا: الخداع والتدليس : حيث تم تغيير حجم السد وسعته لأكثر من مرة فما عرض على الجانب المصري فيما قبل 2011 غير الذي تم الشروع ببدء التنفيذ عليه ، غير الذي قدم للجنة الخبراء الدوليين في 2012 ،غير الذي تتم عليه الأن عملية الملء ؛كل هذه عمليات تغيير في الحجم والسعة متنامية باستمرار تبعا لتوسعات الاستحواذ في العقل الأثيوبي والرغبة في السيطرة على مياه النيل الأزرق ،فما بدأت بعرضه كان 11.1 مليار م3 إلى أن وصل في النهاية 74مليار م3 ، ناهيك عن سنوات الملء التي أقرتها في خطتها للمشروع فالان تتغير وتقلل المدة مما ينبيء عن كوارث لدولتي المصب وذلك مخالفة لإعلان المباديء مارس 2015 في مواده الآتية :
  • المادة الثالثة (مبدأ عدم التسبب في ضرر ذى شأن )
  • المادة السابعة (مبدأ تبادل المعلومات والبيانات)
  • المادة الثامنة (مبدأ أمان السد)
  • ثانيا : الانفراد بعملية الملء الأول  والشروع بالملء الثاني دون الرجوع إلى دولتي المصب وذلك مخالفة لنصوص الإعلان ذاته في مواده الآتية :
  • المادة الأولى (مبدأ التعاون والمنفعة المشتركة وحسن النوايا )
  • المادة الثالثة (مبدأ عدم التسبب في ضرر ذى شأن )
  • المادة الخامسة(مبدأ التعاون في الملء الأول وإدارة السد)

متى يتم انقضاء المعاهدة أو إيقاف العمل بها ؟

قاعدة عامة أوضحتها اتفاقية فيينا 1969 للمعاهدات الدولية وآليات الانسحاب منها  حيث حكمت المعاهدة على أي اتفاقية بالبطلان بطلانا مطلقا في حال انعدام الرضا أو عدم مشروعية الموضوع، كما تبطل في حالة التصرف المبني على الغش ، ولذا ينبغي إيضاح قواعد الانسحاب واللوائح المفسرة والمنظمة لذلك .

  • تبعا للفصل الرابع من اتفاقية فيينا 1969 للمعاهدات الدولية في المادة 60 من ذات الاتفاقية في فقرتها الأولى نجد أن أثيوبيا قد قد أقدمت على إخلال جوهري بالإعلان حيث يمثل الانفراد بعمليات الملء  إخلالا جوهريا ، وقد فسرت الفقرة ( 3 بند ب) من المادة ذاتها لنفس الاتفاقية  وقدمت تفسيرا  لمعنى الاخلال الجوهري، وقد أعطت الفقرة  (2 بند ب) الحق للطرف المتأثر من الاخلال الجوهري بإيقاف العمل بالاعلان  .
  • استمرارا في عرض آليات الانسحاب ونقض إعلان المباديء وما ينبغي على مصر والسودان القيام به حيث نصت المادة 58 من اتفاقية فيينا في فقرتها (1) يجوز لطرفين أو أكثر أن يعقدوا اتفاق بإيقاف العمل بنصوص المعاهدة وخاصة إذا كان الإيقاف غير محظور بالمعاهدة وبالرجوع فعلا للمعاهدة “إعلان المباديء2015” لا توجد مادة تحظر ذلك .
  • عطفا على ما سبق من مخالفات أثيوبية فإن الانسحاب من إعلان المباديء ينبغي مراعاة اجراءات الانسحاب تبعا للفصل الرابع من اتفاقية فيينا 1969 للمعاهدات الدولية في المادة 65 في الفقرة “1” على الطرف الذي يحتج بعيوب الرضا في الاتفاقية أن يخطر بقية الأطراف بادعائه مع توضيح الإجراء المقترح للتنفيذ وأسبابه .

إن الدور الأن معقود على سعة الأفق في التعامل مع الأزمة بعيدا عن التشتت،  أو التمسك بما سيعطيه المجتمع الدولي” إن كان جادا في عطاءه لدولتي المصب” أما الجهد الجهيد الآن فيقع على دولتي المصب في إيقاف إعلان المباديء واعلان الانسحاب منه حتى يضعف مشروعية هذا السد أمام المجتمع الدولي وما تستند عليه أثيوبيا من دفوع حول ما اكتسبته من مراكز قانونية إثر مشاركة دولتي المصب في إعلان المباديء 2015.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى