الشرق الأوسطعاجل

دور الأسرة في مواجهة انحسار الهوية الوطنية

بقلم : محسن الكومي – المركز الديمقراطي العربي

 

أن تبدأ مشروعا تجاريا وتتقلب فيه بين الربح والخسارة ، وبين النمو والانكماش هذا طبيعي ؛كونه عرف سائد ومسلمة بين التجار ورجال الأعمال ،ومرتادي هذا الصنف من المشاريع ، أما أن يكون مشروعك الذي هو حياتك كلها مهدد بالانهيار وفقد الاتزان فتلك كارثة عظمى ، يخطيء من يظن أن الاولاد ما هم إلا نتاج تناسل ألفه البشر واعتادوه متناسيا أو ناسيا أن الأولاد رسالة ينبغي إتمامها والقيام بما يؤهلهم كونهم مشروع وليس مشروعا عاديا ، بل أعظم مشروعات الحياة ،لذا ينبغي التفرغ له ومراقبة الانتاج فيه ،وديمومة تطويره، ومن مكونات هذا المشروع العظيم بناء الهوية الوطنية ،وازاحة سواتر الاغتراب في عقول وقلوب هؤلاء ،والسعي لإزالة الفجوات العميقة في الشخصية والتي من شأنها إقصاء هذه الهوية سواء بقصد أو نتيجة عوامل عدة ، ومما يذكر في توريث الهوية الوطنية جيلا فجيل ما نجحت فيه عائلات كثيرة من الأقليات في الحفاظ على هذه الهوية الوطنية في قلوب أبناءها رغم اغترابهم عن موطنهم الأصلي حفاظا على الوطنية ،وقد ضربت أقليات عدة أروع الأمثلة في ذلك فحققوا المناعة الثقافية ضد الاغتراب ،ونجحوا في مواجهة “الثقافة المضادة” رغم قساوة الغربة أو الاضطهاد أحيانا  ،فجسدت تلك الأقليات نماذجا يفتخر بها الأبناء في ترسيخ معنى “الانتماء” والذي يعني “اتجاه يستشعر من خلاله الفرد توحّده بالجماعة ويكون جزءًا مقبولًا منها ” ” تعريف لهوريس إنجلش”  فكيف تمكنت هذه الأقليات إذا من أن  تغرس معاني الانتماء رغم ما تعانيه من غربة وانشغال دائم ، ولكن قبل الحديث عن هذه الآليات ينبغي تقدير هذه الأقليات والاعتراف بجهزدهم في الحفاظ على هويتهم ومن قبيل التقدير ، يجدر بنا أن نذكر بعضهم كنموذج يحتذى به في الصمود نحو الوصول إلى هوية راسخة وانتماء قوي في نفوس أبناءها .

أولا نموذج سكان كندا الأصليين  :

تلك المجموعة العرقية المتبقية من أمة شوسواب الهندية القديمة، التي كانت تستوطن بريتيش كولومبيا قبل استعمارها ، وكيف تم العمل على تغريبهم ومحو هويتهم والانتماء لديهم في اسوأ حقبة تاريخية لرئاسة وزراء كندا والذين تأسست في عهودهم مدرسة، كاملوبس إنديان ريزيدنشيال، وهي مدرسة داخلية في مقاطعة بريتيش كولومبيا، والتي أسست في عام 1890 م لغرض التغريب ومحو الهوية وضمت إليها 500 طالب بهدف محو هويتهم  وتم إغلاقها نهائيا عام 1978،فلم تكن هي المدرسة الوحيدة التي أقامتها الحكومة الكندية وقتها بل وصل العدد إلى مائة وثلاثين مدرسة لهذا الغرض ،  حيث كان دوام التلاميذ في المدارس إجباريا، وجرى انتزاع الأطفال من أسرهم، كما منعوا من التحدث بلغتهم الأصلية، وتم حرق المزيد من الكنائس في أراضي السكان الأصليين في كندا كما روى أولئك الذين أُلحقوا بها لذكرياتهم ، وعن تعرضهم للضرب عندما كانوا يتكلمون لغاتهم الأصلية وفقدانهم الصلة بآبائهم وثقافتهم، وعلى إثر ذلك خرجت الدعوات  الحديثة للحكومة الكندية في الكشف عن سجلات المدارس الداخلية من خلال سجلات الحضور في تلك المدارس ، فقد تقدمت  مجموعة الأمة الأولى (تيكاملوبس شوسواب) والمعبرة عن صوت هذه الأقلية وأعلنت في مايو الماضي “2021”  عن اكتشاف 215 قبر بدون شواهد على قتلهم، وقد تحدث قادة هؤلاء السكان الأصليين والذين لم ينسوا انتماءهم لقضيتهم الأصلية ورصدوا وفاة أكثر من 6 آلاف طفل في تلك  المدارس لأسباب مثل المرض أو الحوادث أو الانتحار ووسط كل هذا فإن هؤلاء لم تمح هويتهم بل خرج منهم من يدافع عن حقوقهم المسلوبة وتوضيح مدى الاضطهاد الموجه اليهم حتى ولو مر عليه حوالي مائة وثلاثون عاما إلا أن الهوية متجذرة فيهم وفي أبناءهم للأن  .

ثانيا نموذج ” مسلمي الإيجور” :

هؤلاء من ساكني الصين  من المسلمين ذات الأصول التركية  أو كما يقولون عن أنفسهم أنهم يميلون لقبائل أسيا الوسطى كما تقول المصادر ، حيث يبلغ تعدادهم حوالي 11 مليون نسمة يشكلون 45 في المئة من سكان إقليم شينجيانج وأفادت تقارير بأن السلطات الصينية أمرت الإيغور بتسليم جميع المصاحف وسجّادات الصلاة أو غيرها من المتعلقات الدينية، وإلا سيواجهون “عقوبة”، وذلك بحسب ما نقلته صحيفة الإندبندنت البريطانية عن مصادر إيغورية بالمنفى عام 2017.إذا هذا الحادث مر عليه أربع سنوات ، لكنه يضيف ملمحا قويا في شخصية هؤلاء ، حيث أنهم ما زال بحوزتهم مصاحف وسجادات صلاة رغم سيل التغريب وطمس الهوية وقتل الانتماء على مدار مئات السنين والذي بدأ تاريخهم الإسلامي في بدايات القرن العاشر أي تقريبا أحد عشر قرنا تامين ومازالت الهوية حاضرة  ،ومازال التمسك بها قائما  لدى هؤلاء يتوارثونه جيلا بعد جيل ، رغم الابعاد والتشريد والتقتيل إلا أن الهوية في المقدمة ، هذا النموذج يمثل واحد من  النماذج الراقية، رغم ما نالهم من الاضطهاد وكم المحاولات لكسر انفة الهوية الوطنية والانتماء في نفوسهم،  من خلال القيود الجديدة في إقليم شينجيانج في إطار ما وصفته بكين بحملة ضد التطرف. وشملت الإجراءات منع إطلاق اللحى وارتداء النقاب في الأماكن العامة ومعاقبة من يرفض مشاهدة التلفزيون الرسمي.

هذان النموذجان مثلهم الكثير من النماذج التي اختارت الهوية وحافظت عليها على مدار الزمن حتى تضمن توارثها.

  • لكن كيف حافظ هؤلاء على الهوية الوطنية ؟؟

 إن المتأمل في صنوف هذه الفئات والتي يحسن بي أن أطلق عليهم “مناضلي الهوية”  والراغبين في الابقاء على القيم والأعراف وبصمة مجتمعاتهم على اختلاف مشاربها (قومية كانت ام دينية ) نجد أن معظم هؤلاء ومن على شاكلتهم قد تشاركوا في عدة عوامل تعتبر قواسم مشتركة بينهم في رحلتهم للحفاظ على الهوية ومن أهمها :

  • التفاهم والالتقاء الأسري ومعاهدة التربية الصحيحة وفق الأعراف والقواعد العرقية المتجذرة لديهم.
  • الحوار المتصل وتواصل الرواة والأجداد في سرد القصص المتنامي عن بطولات الأجداد ومحاولة توارثها بين الأحفاد .
  • الحفاظ على الأسماء والمسميات الأصيلة حتى لو بصورة خفية فيما بينهم خشية التنكيل في حالات الاضطهاد .
  • قصر لغة الحوار والاتصال داخل المحافل والبيوت على اللغات واللهجات الأصلية لتلك الفئات.
  • تجديد واحياء التراث في المحافل الخاصة ولو بصورة سرية فيما بينهم .
  • تفضيل الزواج الداخلي بينهم والتزاوج داخل حدود معارف وأصول الأقلية ذاتها ، حتى يضمنوا عدم ذوبان الهوية وهجوم الثقافات المضادة  مع أعراق وأجناس أخرى نتيجة الزواج.
  • ترتيب البيوت الداخلية على الهوية البصرية النابعة من التراث في الأثاث والطعام والشراب وأدوات الزينة والطهي.
  • معاودة التواصل المرة بعد المرة مع من يثبت وتظهر عليه علامات الهجوم الثقافي المضاد .
  • الاعتكاف على قصص الأجداد بدلا من وسائل الترفيه المضادة ومنها ميديا التغريب في العصر الحديث .
  • التضامن الأسري والتسهيلات الداخلية وتذليل الصعاب والتعاطف الداخلي بين الأسر .
  • بناء الأسر المنتجة والمؤثرة بما يعود على المجتمع نفسه بالفائدة والمنعة الاقتصادية ولو بصورة ضعيفة .

من خلال كل هذه الوسائل عمدت تلك الأقليات على العمل بها كخطط تكتيكية نابعة من “استراتيجية الدفاع المشترك”   حفاظا على هويتهم وتنمية لروح الانتماء بين شبابهم واستشعارهم بأن هؤلاء يمثلون فعلا مشاريع خاصة لعائلاتهم يستثمرون فيهم بغية قيم وهوية تلك الشعوب واحياء تراث الأجداد .

  • والسؤال الضروري هنا أين نحن العرب من غرس هويتنا في نفوس ابنائنا ؟؟

إن روح الانتماء والحفاظ على الهوية دور هام في تاريخ الحضارات والأمم ،ولذا فإن المجتمعات الرشيدة لازالت تعمل على ترسيخ الهوية في نفوس شبابها وفتياتها حفاظا على الموروث المتسلم من الأجداد ،والان ونحن ننعم بفيض عميم من أصول التربية القويمة والتي ورثناها عن الأجداد ينبغي أن نعي دورنا ونفهم رسالتنا وخاصة  أننا لسنا أقليات بل نحن المكون الرئيس لحضارات بلادنا وأمتنا ، أضف إلى ذلك أننا  نمر بهذه الظروف القاسية التي مرت بغيرنا كما أسلفنا ، ولم نتعرض لطمس الهوية أو ” الثقافة المضادة”  والتغريب كما تعرضوا ، لذلك فلنراجع دورنا الأصيل كأباء وأمهات وقائمين على التربية والتعليم والارشاد سيما ونحن نرى التسارع في الثقافات المضادة الناتج عن  انفتاح فضائي قادم بقوة ،نظرا لامتلاكهم مفاتيح التكنولوجيا واقترابهم من العالم بضغظ زر تتفتح لهم الآفاق عكس سابقيه ، وما تبعه ذلك من انسلاخ سريع  لدى الشباب طاردين ثقافة وهوية أصيلة ،ومستبدلينا بهويات أجنبية تخالف  هويتنا العربية والاسلامية الأصيلة ، تاركين خلفهم سؤالا هاما

ترى ما هي العوامل المؤدية للانسلاخ من الهوية الأصيلة ؟؟؟

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى