fbpx
تقدير الموقف

تناقضات أولويات امن الخليج العربي في ظل تصارع الارادات

اعداد: د. سيف نصرت الهرمزي  

منذ ثمانينات القرن الماضي كثر الحديث وبشكل فعال عن امن الخليج لاسيما مع اندلاع الحرب العراقية الإيرانية 1980-1988، وتطورت إجراءات الحفاظ على امن الخليج عبر المراحل المختلفة بدءاً من احتلال العراق للكويت 1990، والتدخل الدولي وانشاء قواعد متعددة على اهم أراضيها ، حتى برزت بالأفق من جديد برنامج إيراني النووي وتوسع النفوذ الإيراني عبر وكلائه في المنطقة من جهة أخرى، فضلاً عن الحرب على الإرهاب التي اتسعت حركتها في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليج العربي والدول المجاورة له بشكل خاص .

هذه التحديات قوبلت باجتماعات موحدة لكن في الحقيقة ان هناك شيء في الخفاء يجري عكس مقررات الاجتماعات في كثير من المواضيع ، وهذه الصورة تعطي لنا صورة حقيقة لواقع دول مجلس التعاون الخليجي ان صراع القيادة والبحث عن دور هو ما جعل تلك التناقضات تظهر على السطح في السياسات الخارجية والأداء الاستراتيجي للأمن الإقليمي لدول الخليج العربي .

وان من اهم ادوات امن الخليج التي تتكئ عليها منظومة دول مجلس التعاون قوات درع الخليج التي أخفقت امام الجيش العراقي في احتلال الكويت ومعركة حفر الباطن ونجحت في البحرين عام 2011.

ولكي نفهم التناقض في أولويات امن الخليج فانه من المهم الوقوف على اهم التحديات التي تقلق امن الخليج العربي :

1-  ايران وادواتها: ان من اكثر الخصوم الذين يهددون امن الخليج وفي مختلف المراحل تتسم بدور ايران وطموحاتها وبالتحديد في ما بعد الثورة الإيرانية الإسلامية 1979 وإعلان الأخيرة لتصدير الثورة والتوسع خارج الحدود ، وهذا ما حذر منه “هنري كسينجر” : وهو خطورة سعي ايران من إقامة (الحزام الشيعي) الممتد من طهران ماراً عبر بغداد ثم سوريا وحتى بيروت وهو ما يعطى فرصة لإعادة اٍنشاء الاٍمبراطورية الفارسية تحت (المسمى الشيعي). وهو ما يعطى قوة هائلة لإيران من الناحية الاستراتيجية من جهة، وهو معطى يهدد امن الخليج العربي من جهة أخرى . ولكن النفوذ الإيراني عبر هذا الحزام بدا ينفذ عبر الفاعل الرقمي المتمثل بقوتها الناعمة التي تستثمر خطوط الشعائر الدينية والامكان المقدسة بعدها حامية للمذهب الشيعي بمختلف تفرعاته لاستمالة القلوب وترويض العقول بما يتسق ومصالحها وأهدافها.

وايران تعتمد على الوكلاء في تنفيذ مشاريعها وهو ما يهدد امن الخليج منهم :

  • في العراق هيمنة على الحكومة المتربعة على السلطة ، وهو بلد يحاذي السعودية والكويت .
  • نفوذ في سوريا لها نفوذ واضح وكبير وهي اهم الخطوط الدفاعية عن ايران وبذلك أعلنت ايران بشكل علني دعمها بقيادة فيلق القدس الإيراني والوكلاء الاخرين من المليشيات العراقية فضلاً عن اهمه حزب الله اللبناني، لعلمها ان سقوط سوريا يعني انهيار (الهلال الشيعي)، والذي تسعى كل من قطر والسعودية الى زعزعته في دعمهما المنفصلين لجماعات مختلفة التوجهات في نطاق دائرة دعم المعارضة السورية.
  • البحرين تعد الخاصرة الجيو- امنية بالنسبة لدول الخليج بشكل عام ، والسعودية بشكل خاص ، وكان لانطلاق ما يسمى ب(ثورات الربيع العربي) اثر في استغلال ايران الأغلبية الشيعية لدعم الاحتجاجات ، بيد ان قوات درع الخليج بقيادة السعودية تحركت لدعم النظام البحريني وقمع أي تحرك بهذا الاتجاه.
  • نفوذ سياسي وعسكري في لبنان ، يوجد احد اهم الفاعلين من غير الدول التي لها اثر كبير في زعزعة الامن في المنطقة العربية، فتحول دور حزب الله من قوة مقاومة ضد (إسرائيل) ، الى قوة سياسية تسيطر على الحكومة في لبنان من جهة ، ودور عسكري فاعل في دعم النظام في سوريا وحتى العراق مؤخراً في الحرب على داعش .
  • نفوذ جديد في اليمن، استخدمت ايران الحوثيين من الشيعة الزيدية لتوسع نفوذها ليصل الى البحر الأحمر، وهو حلم كبير للامة الإيرانية، بيد ان ردود الفعل الخليج كانت ضعيفة في دعم حكومة اليمن ومحاربة الحوثيين، رغم ان الأخير قد وصل الى حدود المملكة العربية السعودية ، وان عدم اتخاذ أي اجراء سيؤدي الى توسعهم الى داخل دول الخليج . بيد ان ايران استثمرت هذا النفوذ في التفاوض مع واشنطن حيال القضاء على تنظيم “الدولة الإسلامية” في دمشق وما حولها، وبغداد وما جاورها، مقابل انسحاب الحوثيين من صنعاء، حتى تعود قبضة طهران لمكانها هناك.
  • نفوذ ضعيف في المملكة العربية السعودية ، من المعلوم ان الشيعة اقلية فيها ويتركزون في القطيف والاحساء في المنطقة الشرقية المنطقة الغنية بالنفط ، وتحاول ايران ان تستثمر هذا الوجود بين الفينة والأخرى في زعزعة امن المملكة والاحداث كثيرة لا يسمح الموضع بذكرها.

هذه المعطيات تعطي الصورة الحقيقة للتحدي الإيراني لأمن الخليج وتشعب شبكاته التي تتوزع في المجال الجغرافي الأمني لدول الخليج .

2-  تحدي الإرهاب : اكثر المواضيع التي تشكل هاجساً امنياً لدول الخليج العربي قضية الإرهاب وتصديره من دولهم الى العالم ، واكثر الدول التي تعرضت للإرهاب المملكة العربية السعودية ، وفي نظرة فاحصة نجد ان الإرهاب ينحصر في فكر تنظيم القاعدة ومشتقاتها كتنظيم الدول الإسلامية (داعش) ، أن دول الخليج تدفع ثمن جغرافيتها الإقليمية ومكانتها الاقتصادية المؤثرة، في مواجهة الجماعات والتنظيمات الإرهابية، وهوما يجعلها مركزاً من مراكز القرار الرئيسية في المساعي الدولية لمحاربة التطرف والإرهاب وكل ما يهدّد أمن المنطقة والعالم.

لذا سعت دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية الى مكافحة الإرهاب من خلال مجموعة من الوسائل :

1-  امني –عسكري في اجتثاث أصول الجماعات المتطرفة وملاحقة كل ما يهدد امن الخليج وفق منظومة واحدة تنسيقية بين دول مجلس التعاون الخليجي .

2-  فكري –ديني وذلك من خلال توعية الشباب بحقيقة الفكر التكفيري واهم الأسباب التي تدعو الشباب الى الايمان بعقائدهم وما هي وسائل الاستقطاب التي تستخدمها التنظيمات لمحاربة أنظمة الحكم في الخليج ، فضلاً عن تفرد السعودية في قيامها بغسل ادمغة المتطرفين في السجون عبر دورات تثقيفه يشرف عليها كبار العلماء وهي اهم معطى لتجفيف الإرهاب لان الفكر لا يعالج الا بالفكر المضاد ولكن الغلبة في تصحيح التأويل والقدرة على الاقناع.

3-  اقتصادي : تجفيف منابع التمويل التي يعتمدها التنظيم والجماعات المرتبطة به ، لاسيما انه يستغل غطاء الجمعيات الخيرية واموال الزكاة في دعم تحركاته الخارجية .

3-تحدي الاخوان : وهي النقطة الفارقة التي توصلنا للإجابة على تناقضات أولويات الامن الخليجي ويتضح لنا حقيقة هذه المنظومة ومدى ترابطها على الأقل في المستوى السياسي ، لم يكن هذا التحدي واضحاً لأمن الخليج حتى صعود الاخوان المسلمين او ما يسمى الإسلام السياسي في ما بعد (ثورات الربيع العربي) الى سدة الحكم في ليبيا وتونس ومصر ، الان المواقف مختلفة في نظر دول الخليج فقطر تعد من الدول الداعمة لفكر الاخوان المسلمين والكويت لا ترى ضير في صعودهم ، اما المملكة العربية السعودية والامارات العربية المتحدة كانت من أوائل الدول التي أعلنت المقاطعة لهم ، بل انها سعت الى اسقاط الأنظمة الحاكمة كما في مصر عبر دفع مبالغ مالية كبيرة تقدر بأكثر من 8 مليارات دولار الى جانب الدعم السياسي للقيام بالانقلاب العسكري على حكومة “مرسي” تحت مسمى الثورة الثانية ، وكانت هذه النقطة مرتكز القطيعة ما بين دول الخليج ، فقطر له دور كبير في المنطقة يعمل على عكس المملكة العربية ودول أخرى وهو اشبه ما يكون بالصراع الأدوار الإقليمية .

السؤال الذي يطرح لماذا يُحارب الاخوان وهل وجودهم يشكل خطر على بعض دول الخليج وهل ان أولويات امن الخليج العربي يتحدد بخطر الاخوان ام خطر ايران ووكلائها ام القاعدة واخواتها ؟

ان فكر الاخوان يشكل خطراً يزلزل عروش الممالك التي تحكم من عقود دون وجود لأحزاب تنافسهم، وبما ان الاخوان حزب إسلامي يمهد الى الحكم بما انزل الله كما يضطلع بأجنداته ويكون ذلك من خلال اتجاهين الأول كسب القاعدة الشعبية والوصول الى سدة الحكم عبر ادوات الديمقراطية والانتخاب مما يتيح لها ان يكونوا مركز للمسلمين بمنظور جديد مقبول للعالم وهم بذلك يسحبون هذه السلطة من السعودية من جهة والملكيات التي تتعذر فيها شروط الديمقراطية والتعددية وفق المفهوم الغربي ، على الرغم من ان قطر ليس فيها تلك الشروط .

واذا ما تم رصف الآراء مع الاحداث التي تقع على الأرض نجد ان هناك خطر يتمدد يعد من اولويات امن الخليج العربي وذلك بمنظور كل من يستقرئ التاريخ وكل الاحداث والمتمثل بأجنحة ايران من الوكلاء وبالتحديد الحوثيون في اليمن الذين سيطروا على العاصمة صنعاء وتمددوا الى البحر الأحمر بسيطرتهم على الحديدة ، اما ردود فعل دول الخليج فإنها لم تخرج عن دائرة التنديد والتعبير عن القلق على عكس ما حصل تجاه البحرين وعلى عكس ما تم ضد حكومة الاخوان المسلمين “حكومة مرسي”.. وهذا المشهد يعزز من فهم الارتباك الخليجي وعدم التوافق الفعلي وما منظومة امن الخليجي تحت مجموعة مجلس التعاون الخليجي  الا مجموعة شكلية من الاخوة المتنافرين . واذا لم يتم تحديد الأولويات على أساس يتقدمه الفعل في معالجة خطر الحوثيين ، فان ايران وفق وكلائها وقوتها الناعمة ستخلل أنظمة الخليج في المستقبل وبالتحديد المملكة العربية السعودية ، وان زعزعة امنها سيؤدي الى تفكك دول الخليج على أسس مذهبية وقومية ومناطقيه كما هو مرسوم لها في مشروع الشرق الأوسط الجديد الذي قسم المملكة الى 5 دويلات .

اذن نصل الى توصية مهمة تعتمد على مقاربة استراتيجية لتحديد أولويات امن الخليج العربي :

1-التحدي الإيراني ووكلائها من الحركات والجماعات المرتبطة بها.

2-تحدي فكر تنظيم القاعدة واخواتها .

3-التحدي الخارجي الخفي –اميركا-إسرائيل – لاسيما وان ليس لأميركا أصدقاء دائمين والمشهد ما بعد ما يسمى بثورات الربيع العربي اعطى درساً للجميع فهل من مستفيد من هذه الدروس فضلاً عن ان مشاريع الشرق الأوسط المتعددة الاتجاهات الأميركية والإسرائيلية والبريطانية تصرح بتفتيت المنطقة وفي مقدمتها دول الخليج العربي التي تعد حليف استراتيجي لأميركا اليوم .

اما الاخوان فمن نظرة واقعية فانهم لا يشكلون خطر على امن الخليج العربي لاسيما اذا ما تم التعامل منهم كجزء من الشرائح المجتمعية التي تؤمن بفكر ومنهج معين ، اذا ما علمنا انهم يؤمنون بالديمقراطية الجديدة بعد التخلي عن مبدا الحاكمية “لسيد قطب” التي تقوم على التغيير من (القاعدة-الجمهور) وصولاً الى راس الهرم في الدولة ، والتحول نحو الدولة الجديدة وفق نموذج تركيا .

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق