fbpx
مقالات

الشرق الأوسط من الديمقراطية إلى الفوضوية

بقلم : الدكتور معتز عبدالقادر محمد النجم

 

منذ احتلال العراق أصبحت الديمقراطية هي الشغل الشاغل للسياسة الأمريكية وذلك من اجل نشرها وصياغتها حسب ماتقتضي مصالحها، بمعنى أصبحت الديمقراطية هي الأساس لنشر الثقافة الأمريكية وتعميم النموذج الأمريكي بالمنطقة على انه هو الشئ  السامي الذي يحترم حقوق الإنسان ويعلي من شأنها،لذلك بدا العالم ولاسيما العالم العربي يعيش بين ترغيب رضا الولايات المتحدة الأمريكية (من لم يكن معنا فهو ضدنا) وبين ترهيب بأن هناك أنظمة دكتاتورية لابد من إسقاطها لأنها لاتحترم حقوق الإنسان وتنتهك الحريات الأساسية، متناسية أن هي التي دعمت هذه الأنظمة وصنعتها بالشكل التي تريده،ولكن عندما حاولت أن تصطدم هذه الأنظمة مع مصالحها اعتبرتها أنظمة دكتاتورية وخارج السرب العالمي الذي تقوده والأنموذج العراقي خير مثال لذلك عندما بدأ النظام العراقي السابق قبل 2003 ينادي بالمشروع القومي والقضية الفلسطينية أصابه ماأصابه من هلاك ودمار، أذن الشعار العلني للولايات المتحدة بأنها حامله لواء حقوق الانسان والدافع عن حرياته،وقد تفوقت الولايات المتحدة في تسويق هذا المفهوم لدرجة معينه ،ولكن نتيجة لكشف حقيقة هذه الشعارات من خلال ممارسات التي تزاولها هذه السياسة العمياء تجاه بعض الأنظمة فشلت في تعميم النموذج الديمقراطي،لذلك بدأت تفكر في إيجاد بديل عن الديمقراطية لتحقيق مصالحها،ولاسيما بعد أن نشبت الثورات العربية وكانت البداية في ثورة البو عزيز(الثورة التونسية) بعبارة أخرى أن الولايات المتحدة الأمريكية في سياستها كانت ولازالت تتأرجح حسب ماتقتضي مصالحها دون الاكتراث بدماء الشعوب .إذ كانت تحرص غاية الحرص على أمن الخليج العربي واستقراره لحماية مصالحها، وكانت تخشى عليه من أي اضطراب، غير أنها وجدت بأن الفوضى التي حدثت بعد الثورات التي اجتاحت اغلب الدول العربية حققت لها ما لم يكن في حسبانها، وفتحت لها آفاقا أوسع لتعزيز سيطرتها على الخليج بشكل كامل وبانتشار قواعدها العسكرية في كل بلد، من هنا تعزز إيمان الولايات المتحدة بصحة نظرية الفوضى والاضطراب قد يكون أنفع وأجدى لها من الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط،من هنا نجد أن التأرجح في فهم أمريكا لمصطلح الديمقراطية رافقه تأرجح في فهم مصطلحات أخرى مرتبطة بالديمقراطية روجت لها أمريكا وعملت على تعميمها على العالم ، مثل مصطلح العنف والإرهاب والفوضى، فالملاحظ في الديمقراطية الأمريكية وجود نوعين من العنف في قاموسها ، نوع يعد إرهاباً ونوع آخر يعد ” فناً من فنون الحكم ” أو ” خطأ من الأخطاء القابلة للفهم ” ، ففي دراسة قام بها كل من ” نعوم تشومسكي ” و” إدوارد هرمان ” حول موضوع ” القوة والعقيدة في الولايات المتحدة ” استعرضا نوعين من الفظائع ” حمّامات دم حميدة وبنّاءة ” و”حمّامات دم شائنة ” يرتكبها الأعداء الرسميون، ورد الفعل هنا يسير على منوال التعاون مع الإرهاب . ويثير النوع الثاني من حمّامات الدم غضباً عظيماً كما يستدعي في غالب الأحيان خداعا وتلفيقاً على نطاق واسع ” ، بحيث يصبح كل من يدافع عن وطنه إرهابياً ، فالفلسطيني إرهابي ، والأفغاني إرهابي ، والعراقي إرهابي ، كل هؤلاء إرهابيون لأنهم يدافعون عن كيانهم ووجودهم .

بينما يجري تجاهل وإنكار النوع الأول من حمّامات الدم أو حتى يجري الترحيب به أحيانا ، ومن نماذج هذا النوع المبارك على الصعيد الداخلي ، أي عنف يمكن أن يخدم مصلحة أمريكا التوسعية ، وهو مايشهده العراق حالياً واغلب الدول التي تمر بهذه المرحلة المظلمة من تاريخها.

هكذا كان المشروع الأمريكي للمنطقة يقتضي ضرب استقرارها وإعادة ترتيبها من جديد، وذلك بضرب الأنظمة التي بدأت تهدد مصالحا أو لم تعد تخدمها وأصبحت  منتهية الصلاحية Expire- ورسم حدود المنطقة من جديد، بتفتيتها وتجزئتها أكثر وأكثر، بما يحقق مصالح أمريكا، وإذكاء نار الصراع والخلافات الطائفية والعرقية والقبلية والمنطقية في العالم العربي، لتهيئة وتبرير التجزئة، وبناء شرق أوسط جديد، يخدم أمن إسرائيل من جهة، ويحافظ على سيطرة الولايات المتحدة عليها لقرن قادم من جهة أخرى، وقد نشر روجيه غارودي في مقدمة كتابه (الأساطير المؤسسة للسياسة الإسرائيلية) خطة الحرب المنشورة سنة 1982 التي تقتضي تقسيم العراق إلى ثلاث دويلات سنية وشيعية وكردية، وتقسيم السودان، وتقسيم مصر..الخ، وهو ما لم يجرؤ على تنفيذه إلا المحافظون الجدد في العراق حربا، وفي السودان سلماً،وفي سوريا ومصر  وليبيا واليمن تطاحن عرقي وذهبي وفئوي،بدأت أمريكا تجني ثمار سياستها بدشين مرحلة داعش ولعبة التحالفات الدولية وذلك بتوريط اغلب الدول العربية والعالمية في تحالفها على قرار ماجرى في التحالف ضد العراق.هكذا بدأت امريكا تتلون في سياستها كالحرباء من اجل تنفيذ مصالحها من ديمقراطية وحريات إلى حمامات دماء.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق