الدراسات البحثيةالعلاقات الدولية

تحديات السلام في الشرق الأوسط

اعداد: عمار شرعان – رئيس  المركز الديمقراطى العربى

 

عملية السلام هي محاولة التوصل إلى تسوية أو حل لبعض جوانب الصراع ، وعند الحديث عن عملية السلام فى الشرق الأوسط  نجد أن جوانب الصراع تشمل بالأساس  ، الصراع بين العرب وإسرائيل ، وجوهر عملية السلام هو التفاوض بين الأطراف المتنازعة .تمر عملية السلام فى الشرق الأوسط بعملية مخاض صعب ، فى انتظار حلول ترضي كافة الأطراف ، ولكن لابد قبل الحديث عن السلام فى الشرق الأوسط ، تهيئة المناخ اللازم من أجل إنجاح عملية السلام ، وذلك  عن طريق حل المشكلات العالقة ، وتفتيت الأزمات إلى مشكلات قابلة للحل .ويمكن تناول آفاق عملية السلام فى الشرق الأوسط ، من خلال تناول أهم التحديات التى تقف عائقا ً أمام تحقيق السلام الذى يعانى من ولادة متعثرة .

أولا ً : مشكلة المياه والزيادة السكانية :
حل التحديات التى تواجة عملية السلام فى الشرق الأوسط كفيل بإنجاح عملية السلام ، وتكمن هذه التحديات ، بادئ ذى بدء ، فى ضرورة التوزيع العادل للثروات والموارد ، حيث أن  تزايد ندرة الموارد المائية المتجددة والنمو السكاني المرتفع في وقت واحد إضافة جديدة لإلحاح على ضرورة إيجاد تسوية.

وخلال الأربعين سنة الأخيرة تصاعد الطلب على المياه في أعقاب تزايد السكان على مستوى العالم وخاصة في دول العالم المتطور، فإبان الخمسينيات من القرن الماضي كان عدد سكان العالم 2.5 مليار شخص، وتضاعف هذا العدد في عام 1990 وأصبح 5.3 مليارات، ومن المتوقع أن يصل عدد سكان العالم في سنة 2025 إلى  ثمانية مليارات، أي بزيادة سنوية تصل إلى 90 مليونا.

دول الشرق الأوسط غارقة في الجهود والمثابرة في التوازن بين تزايد عدد السكان وإنتاج الغذاء والطاقة، وخلال العقود الأخيرة بدأت هذه الدول رغبة شديدة في البحث عن تطوير أماكن المياه الموجودة في حدودها وهي على الأغلب الأنهار الدولية، دون الاهتمام باحتياجات الدول المجاورة.

وهنا فإن الدول العليا والتي يوجد داخل حدودها أنهار تستغل المياه دون الاهتمام بالدول السفلى والتي هي طبيعيا تستخدم نفس النهر الذي يخترق حدودها، والنتائج التي لا يمكن تجنبها هي النزاعات المتصاعدة التي تزداد خطورة.

جذور المشاكل التي تنشأ بين الدول تكمن في الاستخدام المشترك للأنهار الدولية والتعرض للسيادة الإقليمية المتعلقة بها، وأن هناك أربعة مبادئ يستخدمها المجتمع الدولي لحل النزاعات وهي:

• لكل دولة سيادة كاملة على مناطق منابع النهر الموجودة فيها.
• بين جميع دول الحوض يوجد دمج إقليمي كامل، والمقصود هنا أن يكون للدولة المنخفضة حقوق تاريخية لاستخدام المياه في حين أن الدولة العليا التي ينبع منها معظم مياه النهر ولم تستخدمه في الماضي، فليس لها حقوق تاريخية.
• كل دول الحوض يسمح لها باستغلال مياه الحوض.
• استقلالية الدولة تسمح لها بالاستخدام المحدود والمعقول لمياه النهر.

ويعتبر نهر النيل من أطول الأنهار في العالم إذ يمتد على طول 6695 كلم، وينبع من بحيرة فيكتوريا وتشترك فيه عشر دول هي: إثيوبيا وزائير وكينيا وإريتيريا وتنزانيا ورواندا وبروندي وأوغندا والسودان ومصر ، وإذا كان السودان يشكل مجرى النيل فإن مصر تمثل مجراه ومصبه بينما الدول الأخرى تمثل منبعه وحوضه.

وتعتبر مصر أكثر الدول احتياجا إلى نهر النيل لموقعها الصحراوي وندرة الأمطار فيها، وهذا ما دفع الرئيس المصرى الأسبق  جمال عبد الناصر لبناء السد العالي لتوليد الطاقة وتطوير البنية الاقتصادية وتوفير مياه الشرب، وأصبح نهر النيل بعد ذلك نهرا دوليا.

لإسرائيل مصالح سياسية إستراتيجية في حوض النيل، ولتوزيع المياه بين الدول المشتركة فيه تأثير مباشر على إسرائيل، ولذلك فهي تحاول بالتنسيق مع إثيوبيا والعبث بهذا النهر للتأثير على حصة مصر والسودان منه، حيث تعتبر مصر الجارة الكبيرة لإسرائيل والنيل يعتبر إكسير الحياة لها.

وهذا يكفي إيضاحا بأن كل ما يحدث في حوض النهر يكون له انعكاسات بين الدولتين، حيث إن الاعتماد الكامل لمصر على نهر النيل أعطى إسرائيل تفوقا تكتيكيا وإستراتيجيا لتوقيت الحرب.

إسرائيل معنية بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي لدول أفريقيا، وأكدت على ذلك من خلال مساندتها لتطوير هذه الدول الواقعة جنوب “السهارا”، أما مصر فتخشى من التطور الاقتصادي لجيرانها في الحوض وخاصة التطور أما نهر الأردن ومجراه اليرموك هما مثالان جيدان للمشاكل المرتبطة بالمياه والسياسة والأخطار الكامنة في الاستغلال غير المنسق للمنابع، ولذلك فإن النزاع حول هذه المياه القليلة كبير وأكبر من أي نزاع على أحواض أخرى فى المنطقة فالدول الأربع المشتركة في حوض الأردن واليرموك وهي لبنان، سوريا، الأردن، وإسرائيل، إضافة إلى السلطة الوطنية الفلسطينية وهي الدولة المنتظرة، بينها حالة الحرب منذ 1948 باستثناء السلام مع الأردن, وهذا ما يرفع من درجة التوتر في المنطقة حول استغلال المياه .
وتعتبر مسألة المياه بين هذه الدول أمرا أمنيا ووطنيا ، وأي نقص للمياه بين هذه الدول سيجعل النزاع على استغلال حوض الأردن نزاعا دوليا معقدا وخطيرا ومن الصعب حله .

ولذلك ندرة الموارد المائية يزيد من حدة التوترات الاقليمية القائمة بالفعل بين الحكومات ، وبالتالى أزمة المياة تكمن في عدم وجود تعاون بشأن توزيع مصادر المياه المحدودة في الشرق الأوسط ، وسوف يتعين على الحكومات أن تتصالح مع بعضها البعض من خلال القانون الدولي أو غيره من الوسائل ، لتسوية القضية قبل ان يتمنكنوا من تحقيق السلام  والرخاء فى المنطقة .

ثانيا ً : تصاعد المد الأصولي  و الإرهاب :

إن ظاهر الإرهاب ليست جديدة على العالم إلا أن تعريفها القانون والفقهي والسياسي مازال موضع خلاف حتى الآن.
وإذا كانت مظاهر الإرهاب ودوافعه فردية، فإن أعمال العنف التي تمارس على نطاق واسع ضد جماعات أو شعوب بأكملها تأتي في صميم الأعمال الإرهابية. مع ملاحظة الغموض القائم حول مفهوم نضال حركات التحرر الوطنية  مثل حركة حماس ، و الذي يصر الإعلام الأوربي و الأمريكي على تصنيفه في خانات الأعمال الإرهابية.

وهو ما أحدث خلطا ً مقصودا ً بين المقاومة المشروعة والإرهاب ، فأصبح كل دفاع مشروع عن الحق طالما ضد مصالح الغرب هو عمل إرهابى ،  فى حين نجد  أن مخاطر الإرهاب الدولي تصاعدت وشكلت هاجسا بالنسبة للحكام كما الشعوب ومحورا مهما في خطاب المجتمع الدولي بدون استثناء تعاظمت مخاطر الإرهاب بشكل ملفت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، فبعدما كانت العمليات الإرهابية تتم وفق أساليب تقليدية وتخلف ضحايا وخسائر محدودة في الفئات والمنشآت المستهدفة, أصبحت تتم بطرق بالغة الدقة والتطور مستفيدة من التكنولوجيا الحديثة وأضحت تخلف خسائر جسيمة تكاد تعادل خسائر الحروب النظامية سواء في الأرواح أو الممتلكات والمنشآت.

وحتى وقت قريب كانت العمليات الإرهابية عادة ما تستهدف اختطاف الطائرات المدنية أو اختطاف الأفراد وأخذ الرهائن واحتجازهم (شخصيات بارزة، ديبلوماسيين وحتى أفراد عاديين) وكذا إلقاء القنابل وزرع المتفجرات التي لا تحتاج لمهارات . لكن مخاطرها الآن تصاعدت تبعا لتطور الوسائل المستخدمة والفئات والمنشآت المستهدفة، فقد أصبحت الجماعات الإرهابية تستغل كل ما من شأنه أن يمكنها من تنفيذ عملياتها ولو على حساب الأبرياء، وشهدنا مؤخرا مظهرا جديدا لهذه العمليات التي تم خلالها تحويل طائرات مدنية في الجو من أداة لنقل ركاب عزل إلى ما يشبه صواريخ موجهة نحو أهداف حساسة وهو ما خلف عددا كبيرا من الضحايا المتميزين وخسائر اقتصادية ومالية أصابت كل دول العالم وخسائر معنوية جسيمة تجلت في سيادة جو من الهلع والترقب وعدم الطمأنينة في كل بقاع العالم.

مظهر جديد لهذه العمليات نرى أنه أضحى يتزايد بشكل مطرد بدوره أيضا, وهو المرتبط بتدمير المعلومات من خلال شبكات الاتصال الدولية، فقد أصبح بإمكان جماعات أو أشخاص تحركهم دوافع سياسية وحتى شخصية, بل وبإمكان مراهقين تحركهم اندفاعيتهم وفضولهم وهم داخل غرفهم ومكاتبهم وأمام حواسيبهم, تدمير معلومات وبرامج ضخمة لكبريات الشركات والمؤسسات الوطنية والدولية البعيدة عنهم كل البعد, بعدما أصبح العالم عبارة عن قرية صغيرة بفعل تطور وسائل الاتصال وتدفق الأخبار من خلال الطريق السيار للمعلومات. مما ينتج عنه خسائر مالية وخدماتية كبيرة في ظرف زمني قصير, وهلع وخوف كبيرين في أوساط مالكي هذه البرامج والمؤسسات .

وفى دراسة أمريكية جديدة صادرة عن معهد واشنطن لدراسات الشرق الأدنى ،  توقعت أن يستمر الإرهاب فى الشرق الأوسط حتى 2025 ، الدراسة أعدها بليفيت ومايكل جاكوبسن، وهما اثنان من كبار باحثى المعهد الذى يعد أحد أهم مراكز الدراسات الأمريكية المتخصصة فى دراسات الشرق الأوسط والمحسوبة على الاتجاه اليمينى فى الولايات المتحدة.
وتؤكد الدراسة أنه رغم مواجهة الولايات المتحدة الخلايا الإرهابية وطالبان فى جميع أنحاء العالم لمدة ثمانى سنوات، إلا أن خطر الإرهاب لم يتم إزالته حيث إنه رغم استهداف الولايات المتحدة للعديد من القيادات الإرهابية، إلا أن تلك الخلايا أثبتت قدرتها على البقاء وتغيير هؤلاء القادة بقادة آخرين متوسطى العمر وتجنيد آخرين أصغر سناً، وأن الإرهاب لا يتولد فقط من باكستان وأفغانستان، ولكن من أكثر منة 60 دولة أخرى مثل منطقة المغرب الإسلامى أو شمال أفريقيا واليمن وشرق أفريقيا وجنوب شرق آسيا.

و حذر الباحثان من الربط الذى قد يحدث بين الإرهابيين والمجرمين، خاصة مع مجال تجارة المخدرات، وأكدا وجود 43 منظمة إرهابية دولية لها تواصل مع تجارة المخدرات العالمية، مما جعل البعض يسمى تلك المنظمات بـ”المنظمات المختلطة” مثل حركة طالبان التى كانت مشاركة وضليعة بشكل أساسى فى مجال تجارة المخدرات وكانت أصعب ما واجهته كل الحكومات على مستوى العالم لحماية أمن أراضيها.

وتتوقع الدراسة أن الإرهاب سيظل موجوداً بمنطقة الشرق الأوسط فى عام 2025، حيث إنه كما تبين أن الارهاب أصبح وسيلة الضعيف لمواجهة القوى، فإذا رفض حكام دول المنطقة الاستجابة لمطالب الشباب سيؤدى ذلك إلى انضمامهم وتجنيدهم فى المنظمات الإرهابية، وتتحول بذلك منطقة الشرق الأوسط إلى منطقة صانعة للإرهابيين، وتوقعت الدراسة أن تقل أهمية تنظيم القاعدة بحلول عام 2025.

وتناسى البحث عن ضرورة عدم الربط بين الإسلام والإرهاب ، لأن الإرهاب بالأساس إذا كان تم اختزاله فى مهاجمة طالبان لأمريكا بقيادة اسامة بن لادن ، فإن حركة طالبان هى بالأساس صناعة أمريكية .
وتشكل المعضة الرئيسية من أجل القضاء على الإرهاب وأيضا لمواجهة المد الأصولى ، هو ضرورة  عدم الربط بين الإرهاب

والإسلام  ، وبالتالى سيظل الإرهاب  تحديا ً رئيسيا ً  فى وجه عملية السلام ، وكذلك عدم الخلط بين المقاومة المشروعة والدفاع عن الأرض والعرض والنفس ، وبين الإرهاب ، لذلك لايمكن الحديث عن السلام فى الشرق الأوسط دون تجفيف منابع الإرهاب ومقاومة حركات المد الأصولي .

ثالثا ً : التسلح و أسلحة الدمار الشامل :
يعتبر التسلح وأسلحة الدمار الشامل من أعم معوقات عملية السلام  فى الشرق الأوسط ، خاصة وأن الشرق الأوسط هو الأكثر تسلحا ً وفقا ً لدراسة أمريكية صدرت مؤخرا ً .

يظل سباق التسلح او الرغبة فى امتلاك أسلحة الدمار الشامل  متعلق بالأساس بالنفوذ الإقليمى فى المنطقة ، وإثبات الدور والمكانة ، وهو ما يفسر العداء الكبير بين إيران وإسرائيل ، ونظرات التوجس من قبل الدول العربية بالإضافة للقلق التركي .
الشرق الأوسط  بالأساس أغلبيته عربية ، ولكن تحاول ثلاث دول إقليمية غير عربية تقاسم النفوذ فيه ، هما بالأساس ( إيران – إسرائيل – تركيا ) ، وتظل القوة العسكرية هى الحاكم الرئيسى لأى نفوذ لأى منهم .

البرنامج النووى الإسرائيلى الذى تحول إلى سلاح نووى بات سرا ً يعلمه الجميع ، والبرنامج النووى الإيرانى الذى يحاول الغرب كبح جماحه ، هى نوايا إيرانية بالأساس لإضافة مزيد من البريق إلى دورها فى الشرق الأوسط .

السلاح النووي الاسرائيلي تهديد للأمن القومي العربي وعقبة في طريق السلام ، ما يزيد الأمور تعقيدا حرص اسرائيل المستمر لتطوير هذا السلاح المثير للقلق، وكذلك البرنامج النووى الإيرانى ، ولذلك كان التحرك الدبلوماسى المصرى النطش بالأساس من أجل جعل منطقة الشرق الأوسط منطقة خالية من السلاح النووى ، وضرورة كشف إسرائيل عن كل مخزونها النووى وأن تخضع منشآتها للتفتيش .

لضمان هيمنة إسرائيل على المنطقة وفرض تفوقها الاستراتيجي مع محيطها القريب والبعيد، وحرص الولايات المتحدة الأمريكية والغرب على مساعدتها وإبعاد الأنظار عن ملفها، في حين ان أحد اهداف الغزو الأمريكي للعراق بعد حصار دام لأكثر من عقد من الزمن كان بهدف تجريده من أسلحة الدمار الشامل بما فيها السلاح النووي (الذي لم يتم العثور عليه)، وملاحقتها لايران ايضا للحفاظ على تفوق اسرائيل النوعي على كل دول المنطقة .

وهو ما أكده “ديفيد اولبريت” رئيس معهد العلوم والأمن الدولي وهو معهد مستقل للأبحاث في واشنطن في مقابلة اجريت معه في ايلول 1998 حيث قال : “ان جميع القوانين المتعلقة بمنع انتشار الأسلحة النووية فصلت من أجل اعفاء اسرائيل من الخضوع لها”، وهو ما يشجعها على الاستمرار في رفض التوقيع على اتفاقية منع انتشار السلاح النووي في حين اكتفت بالتوقيع على اتفاقية حظر التجارب النووية (جربت قنابلها مع جنوب افريقيا العنصرية عام 1979 في المحيط الهندي وقبلها عام 1966 في النقب) .

في نفس الوقت الذي تظهر فيه اسرائيل عنادا غير مبرر في السعي لنزع السلاح النووي من كل المنطقة وخاصة ايران رغم انها بعيدة عنها الاف الكيلومترات ولا يوجد بينهما حدود مشتركة وتؤكد على سلمية برنامجها النووي، والتهديدات الاسرائيلية بضربها مستمرة، يؤيدها في ذلك 66 % من الشارع الاسرائيلي حسب استطلاعات الرأي الأخيرة، وهذا ليس ببعيد عنها حيث أخذت القانون بيدها ودمرت مفاعل العراق النووي الذي اقيم بدعم فرنسي لأغراض سلمية عام 1981، علما بان العراق كان قد تقدم بقرار الى الجمعية العامة للأمم المتحدة حول التسلح النووي الاسرائيلي عام 1979 تبعه في ذلك مصر عام 1980 ، ثم تعدل اسم القرار ليصبح “حظر الانتشار النووي في الشرق الاوسط” ولكن دون جدوى، وما زالت اسرائيل ترفض المقترحات للتفاوض على معاهدة لاخلاء الشرق الاوسط من السلاح النووي، وهو ما يحفز العديد من دول المنطقة للبحث عن التزود بهذا السلاح بحثا عن التوازن.

لقد أضر التعنت الاسرائيلي بعملية السلام في المنطقة كما شكل سدا منيعا امام السعي لجعل منطقة الشرق الأوسط خالية من اسلحة الدمار الشامل، هذا السعي (المبادرة الدولية) الذي ترعاه حكومتا استراليا واليابان من خلال الهيئة الدولية لمنع انتشار الاسلحة النووية ونزع السلاح في الشرق الاوسط والتي نشأت بموجب مبادرة دولية مستقلة وانطلقت في سبتمبر 2008 ويرأسها “جاريت إيفانز” وزير خارجية استراليا الأسبق، وتم تمويلها من قبل الحكومتين اعلاه بهدف اعادة تنشيط النقاش على مستوى سياسي عالي حول الحاجة الى خلو العالم من الاسلحة النووية والتي ستصدر تقريرا بحلول 2010 حول خريطة انتشار السلاح النووي في العالم وامكانية تطبيق معاهدة الحد من الانتشار النووي عبر اقناع صناع القرار وذوي النفوذ في الحكومات وجذب انتباههم وحثهم على المتابعة، وتهيأة فرص التعاون ما بين الدول لهذه الغاية، لذلك عقدت الهيئة الدولية اجتماعات في كل من “سيدني وواشنطن وموسكو” وستواصل عقد اجتماعاتها في محاولة لتذليل العقبات، لكن الهيئة الدولية بحاجة ماسة الى تضافر الجهود الدولية كافة لتنفيذ المهام الملقاة على عاتقها لا سيما وان واجبات ومهام كثيرة تنتظرها ولا بد من تذليل اي عقبة تعترض طريقها.

إن سلوك اسرائيل وتعنتها ورفضها التجاوب مع المجتمع الدولي في سعيه للسلام والاستقرار والحد من انتشار اسلحة الدمار الشامل يدل على ان القيادة الاسرائيلية الحالية تعمل ما يضر بمصلحة شعبها اولا وهي امتداد للسياسات الاستعمارية المنفذة لمبادىء الصهيونية التوسعية، يشجعها على ذلك دعم الولايات المتحدة الامريكية المطلق لها وتستر الدول الاوروبية، وهي غير مدركة انها لايمكن ان تستمر في احتلالها للأرض وتهجير الشعب الفلسطيني وبناء المستوطنات واحلال المستوطنين محلهم وأن تعيش بأمان وسلام .

استمرار الاحتلال له مخرجاته، لكن السلام هو الضمان وهو الأمان وله مقدمات ومؤشرات وتحقيقه يحتاج الى خطوات عملية، اولى هذه الخطوات ان على اسرائيل وهي أول، بل هي الوحيدة التي امتلكت السلاح النووي في الشرق الاوسط وترسانتها النووية تعد الأكبر والأخطر، وما استخدام اصطلاح سباق تسلح نووي في منطقة الشرق الأوسط إلا مجافاة للحقيقة، فدول المنطقة الخالية من هذا السلاح تحتاج الى عشرات السنين منذ البدء بامتلاكه للحاق باسرائيل وترسانتها النووية (المركز الثالث في العالم) .

إن الفترة منذ نهاية الحرب الباردة تميزت بتزايد المخاوف على المستوى الدولي من انتشار أسلحة الدمار الشامل، وبخاصة أن هذه الأسلحة تنتشر في العديد من المناطق التي تشهد صراعات إقليمية وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط.
أن الجهود الدولية كافة لم تنجح في حل مشكلة أسلحة الدمار الشامل في منطقة الشرق الأوسط، أو حتى في وضعها على طريق الحل بصورة يمكن معها تحديد ملامح معينة لمستقبلها في مدى زمني يمكن تحديده، ويرجع ذلك بالأساس إلى سياسة الكيل بمكيالين التي تنتهجها القوى الدولية فيما يتعلق بإسرائيل وعدم اتباع هذه القوى لأي سياسات ضاغطة ضد إسرائيل لإجبارها على اتخاذ مواقف أكثر جدية.

وجود خلاف جذري حول أولوية التسوية/ التسلح على المستوى الإقليمي، فهناك اتفاق عام حول ارتباط عملية إخلاء الشرق الأوسط من أسلحة الدمار الشامل بعملية التسوية السلمية للصراع العربي – الإسرائيلي. لكن وجهة النظر العربية تشير إلى أنه لا يمكن تحقيق السلام الدائم في المنطقة دون التوصل إلى ترتيبات أمنية تسليحية وبخاصة فيما يتعلق بأسلحة الدمار الشامل، بينما تركز وجهة النظر الإسرائيلية على ضرورة أن يتحقق السلام أولاً في المنطقة ثم يتم التفاهم حول ضبط التسلح الإقليمي.

أن تحقيق هدف إخلاء الشرق الأوسط من الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل كافة يتطلب جهوداً مكثفة ومنسقة على كل الصعد والمستويات، سواء على مستوى المجتمع الدولي ممثلاً في مؤتمر نزع السلاح التابع للأمم المتحدة أو في إطار مفاوضات السلام المتعددة الأطراف في الشرق الأوسط ولجنة ضبط التسلح والأمن الإقليمي المنبثقة عنها.

ان الدبلوماسية العربية في المرحلة القادمة، ينبغي أن تركز على تنسيق الجهود المشتركة بين الأطراف الإقليمية كافة ودول العالم الثالث للدعوة إلى إعادة النظر في نظام منع انتشار الأسلحة النووية، وإلى اتخاذ الخطوات العملية لتطبيق قرارات المجتمع الدولي بشأن جعل الشرق الأوسط منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، والدعوة إلى ضرورة تنفيذ قرار مجلس الأمن رقم (487) لعام 1981، الذي يدعو إسرائيل إلى أن تخضع جميع مرافقها النووية لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
ضرورة إقناع الولايات المتحدة الأمريكية بأن دول المنطقة لن تقبل استمرار احتكار إسرائيل لامتلاك الأسلحة النووية، ومحاولة التوصل إلى إجماع عربي يؤكد ضرورة تخلي إسرائيل عن ترسانتها النووية إذا كانت ترغب في التوصل إلى مصالحة تاريخية شاملة مع العرب، مع تنبيه الولايات المتحدة أن امتلاك إسرائيل أسلحة نووية يخلق ضغطاً مستمراً على الحالة الأمنية لدول المنطقة، مما يساعد على تبلور نظرية إمكانية ردع السلاح النووي بامتلاك أسلحة تدمير شامل غير نووية أسهل في الإنتاج وأقل في التكلفة.

إن السلام الحقيقي في الشرق الأوسط لن يتحقق في حالة استمرار وجود أسلحة الدمار الشامل في المنطقة، كما أن دول المنطقة لن تقبل أن يستمر تهديد أمنها دون محاولة إنهاء هذا التهديد أو التوازن معه، كما أنها لن تقبل أي صيغة لحل مشكلة أسلحة الدمار الشامل تتجاوز أو تتجاهل العقبة الأساسية المسببة للخلل الاستراتيجي في المنطقة، وهي الأسلحة النووية الإسرائيلية.

ويمكن الحديث فى هذا الصدد عن أهم التوصيات التى يمكن أن تخلق عالم أفضل ، يعم فيه الأمن والسلام  من أجل الوصول الى عالم خال من اسلحة الدمار الشامل يجب العمل على :

• تشجيع الدول على العمل بجدية من اجل الكشف عن وجود السلاح النووي وعدم الكيل بمكيالين ورفع الحصانة عن اسرائيل في هذا المجال .
• التوصل الى التزام دولي لتحقيق هدف عالم خال من الاسلحة النووية.
• حث الدول الكبرى على تنفيذ التزاماتها احادية الجانب من عامي 1991 و1992 بتخفيض ترساناتهم من الاسلحة النووية متوسطة المدى تنفيذا كاملا.
• تشجيع الدول غير الموقعة على معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية المصادقة على هذه المعاهدة. • ابتكار اساليب شفافية ومتابعة حثيثة للسلاح النووي.
• توفير الاحتياجات المالية للوكالة الدولية للطاقة الذرية لمواجهة العجز وتمكينها من المتابعة. • تزويد الوكالة الدولية بالسلطة القانونية للمسائلة والمحاسبة.
• تحفيز مجلس الأمن الدولي على القيام بواجباته في هذا المجال دون تمييز.
• تطبيق بند معاهدة الحد من انتشار الاسلحة النووية المتعلق بعدم تزويد البلدان الاخرى بالسلاح النووي. • منع نشاط السوق السوداء ووقف نشاط الخبراء المستعدين لبيع خبراتهم في مجال الانتاج.

لذلك مطلوب من اسرائيل ان تتوقف عند هذا الحد من التسلح وتبدأ في التخلص منه، وتقبل في كل ما من شأنه ان يعيد للمنطقة أمنها واستقرارها، فالسلام العادل والشامل يؤدي الى وفاق واتفاق واستقرار من شأنه تجنيب شعوب المنطقة ويلات الحروب وتنتفي الحاجة للتسلح وتؤسس لمناخ دولي جديد عنوانه منطقة خالية من اسلحة الدمار الشامل، وبدلا من هدرالأموال على التسلح تتحول للتنمية ورفاهية شعوب المنطقة وسعادة الأجيال القادمة .

رابعاً : الصراع العربى الاسرائيلى:

لم تفلح مشاريع التسوية التى عرضتها أطراف عدة ولا قرارات الأمم المتحدة ، ولا ضغوط القوى العظمى فى نزع فتيل الصراع العربى الإسرائيلى بصورة شاملة .

وإن كانت إسرائيل نجحت بالفعل فى فصل مساراته عن بعضها ، فتمكنت من إيرام معاهدات سلام مع كل من مصر والأردن ، لكنها لا تزال تحتل أراضى سورية ولبنانية وفلسطينية ، ورغم أن العرب  قدموا الكثير من التنازلات مقابل عملية السلام .
وبالتالى تستمر معاناة الشعب الفلسطينى كما كانت من نصف قرن ولتظل الأمور تتطور إلى مزيد من التنكيل بالشعب الفلطسينى ، ومازالت إسرائيل تشترط اعتراف الحكومة الفلسطينية بالدولة اليهودية قبل الحديث عن دولة فلسطينية مزمع إعلانها .

نؤمن بأنه لا بديل ممكن عن الحل القائم على  دولتين وفقاً لحدود عام 1967: دولة فلسطينية ديموقراطية وفاعلة تحيا في سلام  جنباً إلى جنب مع دولة إسرائيل الآمنة من الهجمات والتي تحظى باعتراف جاراتها، على أن تكون القدس عاصمة للدولتين وتكون هناك تسوية عادلة للاجئين.

وتأتى مبادرة السلام العربية كأساس ممتاز لتحقيق هذه الأهداف  لكن مازال التعنت الإسرائيلى يحول دون استكمال عملية السلام ، لتبقى المفاوضات سواء مباشرة أو غير مباشرة هى محاولات عبثية من أجل كسب الوقت لصالح إسرائيل لتعلن عن مزيد من قوتها ، ومزيد من نفوذها وانتهاكها لحقوق الشعب الفلسطينى .

وبالتالى فإن الحل العادل للصراع العربى الإسرائيلى ، هو السبيل الوحيد لإحلال عملية السلام فى الشرق الأوسط  ، لأن رغبات وطموحات الشعوب  دائما ما تطمح للسلام .

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق