الدراسات البحثيةالعسكريةالنظم السياسي

أثر اختلاف رُؤًى كُل مِن”كارل شميت – سيغموند فرويد” للعدو علي رؤيتهم لمُستقبل الحرب

اعداد الباحثة : آمنة طارق طه فايد – المركز الديمقراطي العربي

إشراف: أ.د.محمد صفار – أستاذ النظرية السياسية بجامعة القاهرة

 

  • المُقدمة :

” إذا ما تفكرنا بوجودنا وأفعالنا ، سنُلاحِظ سريعاً أن جميع أفعالنا ورغباتنا مُرتبطة بوجود الآخرين….. ، إن الفرد كما هو عليه، أو ما يُمثله، ليسَ مخلوقاً فردياً تماماً كما يبدو، بل هو عُضو جماعة إنسانية كبيرة تقود وجوده المادي والأخلاقي مُنذ الولادة حتي الموت ” ([1] ).

إن البشر مُنذ بِدء الخليقة و هم يأتلفون ويتنافرون تبعاً لمصالحهم وأهوائِهم وميولهم الذاتية، ونتيجة تِلك التحالفات أو التفكُكات، نحصُد سِلسلة مِن علاقات الصداقة والعدوان، مِما يُسهِم في تشكيل نسق العلاقات بين الأفراد علي المدي الطويل. ومع ظهور المُجتمعات، والدول والتوسع فى مجال العلاقات، أصبحت العلاقات الدولية هي النموذج الأشمل لشكل، ونمط العلاقات ليس بين الأفراد، ولكن بين الدول. فأصبحت علاقات الصداقة تتمثل في التحالفات الدولية، وعلاقات العداوة تتمثل فى الصراعات والحروب الدولية. تِلك الحروب التي عاني مِنها العالم خلال القرون الماضية، وسعي العُلماء والمُفكرين لإيجاد حلول عِدة تحول دون وقوعها، أو بأقل تقدير تعمل علي الحد مِنها.

وتِلك المساعي شملت دِراسات، ومجهوداتٍ علمية وأكاديمية. وأسفرت عن نظريات، إسترايجيات، وسياسات تنتهجها بعض الدول بحثاً منها عن السلام والإستقرار بعيداً عن الموتِ والخرابِ الذي شهده العالم خاصةً بعد الحربين العالميتين الأولي والثانية، وما نَتَجَ عنهم مِن دمار، وضحايا وخسائر إنسانية ومادية. حيثُ تقوم هذه الورقة بالأساس علي دراسة بُعدين مُختلفين تناول كُل مِنهما ظاهرة الحرب مِن مدخل مُختلف. البُعد الأول: تناول الحرب مِن المدخل السياسي علي أنها أحد تجليات المُمارسات السياسية في إطار المجال السياسي.  ويُمثِل هذا الإتجاه المُفكر السياسي ” كارل – شميت “، بينما البُعد الثاني: يُمثلِه الطبيب النفسي ” سيغموند فرويد ” وهو يتناول الحرب مِن المدخل السيكولوجي. ومن خِلال التعرُض لأفكار كِليهِما التي تناولت الحديث عن العداء وظاهرة الحرب، سنجِد سؤلاً هاماً يطرح نفسه علي الساحة. ألا وهو : هل السياسة هي السبب الرئيس في نشأة الحروب والصِراعات ؟، أم أن تِلك الصِراعات تُعد نِتاج غرائز مُتأصِلة في الجِنس البشري ؟.

فبينما تحدث كارل شميت عن العدو الجماعي الذي يُهدد نمط، وشكل حياة مجموعة مِن الأفراد الذين يتشاركون حياة واحدة في إطار دولة ما. وأقام علاقة إرتباطية، وشرطية بين قيام الصراعات والحروب، وبين وجود المُمارسات السياسية مِن خِلال تعريفه للعدو الذي كان شديد الصِلة بِخوض الحروب التي تؤدى لموت الآخر المُتجسِد في العدو. علي الجانب الآخر نجِد سيغموند فرويد قد إستخدم منهج التحليل النفسي، وسلط الضوء علي العدو الخاص الذي يُشكل تهديد شخصي علي الفرد ذاته. و أرجع حالة العداء تِلك بين الأفراد لسيطرة الغرائِز التدميرية عليهم. ونظراً لهذا الإختلاف، يُمكن أن نفترض وجود إختلاف في رؤيتهم لمُستقبل الحرب، ووجود تعارض فيما بينهم حِيال ما إذا كان هناك أمل في أن يشهد العالم السلام، والإستقرار بعيداً عن تِلك الصراعات والحروب. أم أن ما يشهده العالم لن يتوقف، ويجب الإعتراف بالصراعات والحروب كنتيجة طبيعية للمُمارسات السياسية ؟!.

  • الأدبيات السابقة:

تنقسم الأدبيات لإتجاهين:

إن الصراع ظاهرة مُعقدة وذات أبعاد، وتفاصيل  مُتشابِكة. وتُعد أحد أبرز وأهم ملامح الواقع الإنساني. وهذا ما  جعلها محل إهتمام كثير مِن المُفكرين والفلاسفة والعلماء. فالصراع فردي كان أو جماعي يُعد خِبرة يشهدها الإنسان مُنذ النشأةِ الأولي([2]). وهناك دِراساتٍ عِدة أهتمت بتناول ظاهرة الصراع مِن خلال عرض ماهيته تعريفه، طبيعته، أسبابه،… إلخ.

و خلال عرض الأدبيات:

أولاً: سأتناول الجانب النظري للصراع .

ثانياً : بناء علي دور الجانب النظري في تناول ظاهرة الصراع وإدراجه لعدة نظريات تتناول أبعاد الصراع المُختلفة، سأقوم بعرض أربع أبعاد أساسية للصراع ( إقتصادية، إجتماعية، سياسية، سيكولوجية ).

أولاً: دراسات تناولت الجانب النظري من الصراع:

بِدايةً بتعريف الصراع مِن خِلال ثلاثة محاور أساسية: حيثُ يتناول المحور الأول سِمات الصراع. فيتم إفتراض تناقض القيم، والمصالح بين أطراف الصراع، ويؤدى هنا إختلاف درجة إدراك، وتفاعل الأطراف مع هذا التناقض، لإختلاف نتائِج الصراع. بالتالي يجب دراسة أطراف الصراع. وهذا ما يقدمه المحور الثاني من خلال ثلاث مستويات وهما الفردي، الجماعي، الدولي. وقد تم تخصيص المحور الثالث للمستوي الدولي، خاصة لتميزه بالتطور عبر المراحل التاريخية([3]).

ويتم تعريف الصراع الدولي بأنه مرحلة مُتقدمة علي فكرة التنافسية بين الأفراد أو الجماعات، لكنه لا يأخذ دائماً شكل الصراع المسلح إلا فى حالات الحرب، لأنها تُعد الحالة القصوى من الصراع. فكثير من الدراسات والأبحاث سعت لتجنب وصول الصراع لحالته القصوي المُتمثلة – الحرب – مِن خلال  ما يُسمي بإدارة الصراع. وتعتمد عملية  إدارة الصراع بشكلٍ أساسيٍ علي مُسببات الصراع و أبعاده، و بالتالي وضع الإستراتيجيات المناسبة لحل الصراع وتجنب نشوب الحرب([4]).

و قد إستنفذ مستوي الصراع الدولي جهود وطاقات علمية، وأكاديمية لدراستهِ وتأصيلهِ كأحد أهم وأخطر المستويات. وقد أنتجت لنا تِلك الجهود تُراث مِن النظريات التي تُفسر ظاهرة الصراع، وتستعرض أبعادها المختلفة. حيثُ نجد النظرية السُلالية، نظرية القوة، نظريات صُنع القرار، والنظم وغيرهم من النظريات، التي تتناول أبعاد الصراع المُختلفة. مِن أبعاد نفسية، سياسية، إجتماعية، إقتصادية بالإضافة لأبعاد شهدها الواقع الإنساني مؤخراً كالأبعاد البيئية والحضارية وغيرهم([5]).

ثانياً: أبعاد الصراع :

الإتجاه الأول: البعد الإقتصادي للصراع:

يُعد المدخل الإقصادي مِن أبرز مداخل تفسير ظاهرة الصراع. وهناك عِدة نظريات تناولت البعد الإقتصادي للصراع. و تُعد النظرية المركسية هي أفضل من ناقش هذا البعد، لأنها تعود بالأساس إلي التفسير المادي، والإقتصادي للتاريخ. فنِسبة للنظرية المركسية تنشُب كُل الحروب نتيجة تضارب في المصالح الإقتصادية،  بين طبقتين أساسيتين في المجتمع، هما الطبقة

المنتجة، والمالكة ” البرجوازية ” ، والطبقة العاملة ” البروليتاريا “([6]).

فقد خلق وجود فئة أقلية مِن القوي البرجوازية، وفِئة أكبر مُضطهدة مِن البروليتاريا تضارب في المصالح، وتمييز لصالح البرجوازين في توزيع المواد، مما أدي لتزايد الخِلافات، والصِراعات الإجتماعية. هذا لأن النظام الإجتماعي لم يكُن مُتكافئ، خاصة لخضوع الأغلبية العاملة للأوضاع، القيم والأيديولوجيات، التي تضعها، وتُحددها البرجوازية. وبناءً علي تحليل ماركس، فإن الصراعات ستستمر في حال ظل النظام الرأسمالي قائم بسياساته، وتوجهاته الإقتصادية، والإجتماعية. ولن يتم الحد مِن تلك الصراعات، والوصول لحالة مِن السلام والإستقرار، إلا إذا تم تطبيق النظام الإشتراكي([7]).

الإتجاه الثاني: البعد الإجتماعي للصراع:

يُعد البعد الإجتماعي للصراع هو أحد أبرز، وأهم نظريات دراسة ظاهرة الصراع، خاصة في المستويات المُتعلقة بالأفراد والجماعات. وأعتمد البعد الإجتماعي علي نظريات ماركس، إنجلز، وماكس فيبر فيما يخُص التحليل الطبقي، والإقتصادي  للمجتماعات.  فهذا البعد يُسلط الضوء علي كل ما هو مُتجذر في المجتماعات مِن أيديولوجيات،  ثقافات مختلفة، أثنيات، قيم، عروق و أصول. فيتناول هذا البعد خاصية الإدراك، وهي تُشير إلي كيفية إدراك كُل طرف للآخر، في إطار ما يتوافق مع مصالحهِ أو يتعارض معها. كما إستند المدخل الإجتماعي لتحليل ظاهرة الصراع علي البعد القيمي، وأثره علي نشأة الصراعات، وخلق أهداف مُتضاربة، مِما يؤدي لسعي كُل طرف مِن أطراف النزاع إلي إلحاق الضرر بالآخر، أو التخلص منه لتحقيق ما يُؤمن بهِ مِن قيم وأيديولوجيات. خاصةً وأن الإختلاف الإيديولوجي يُعد أعقد أنواع الصراعات، وأصعبها حلاً([8]). وقد  إعتمد كثير مِن المُفكرين علي نظرية الصراع فى إطار العلوم الإجتماعية، لتحليل وتطوير نظريات أخري كالعرقية ، النسوية … إلخ. ورغم أن نظرية الصراع في البداية ركزت علي الصراعات الطبقية في ظل البعد الإقتصادي للصراع، إلا أنها بعد ذلك علي مر السنوات تناولت إتجاهات، ودراسات مختلفة لأبعاد أخري من الصراعات، كتلك التي تقوم علي العرق والثقافة، وغيرهم([9]).

الإتجاه الثالث: البعد السياسي للصراع:

هناك إتجاه مِن الدراسات قد تناول الحروب –  بإعتبارها الحالة القصوى للصراع – مِن منظور سياسي، وجعل السياسة هي العامل الرئيس لأسباب إندلاع ونشأة الحروب. وأشار هذا الإتجاه إلي أن السياسة ترتبط بقانون المنفعة أي أنها عمل براغماتي، وهدف كل دولة الأساسي هو تعظيم منافعها. والحروب هي أحد أهم وأبرز أدوات الدولة في تحقيق غايتها السياسية، أو بمعني آخر تصبح الحرب خادمة للعملية السياسية، وتُصبح العلاقة التـي  تربط السياسة بالحرب قائمة مادام صراع المصالح قائم([10]).

ويعد ” كارل شميت ” أحد أهم أنصار هذا الإتجاه حيثُ أنه مِن خلال الإضطلاع علي أبرز أعماله ” مفهوم السياسي” الذي تناول فيه علاقة الحرب بالسياسة، أكد علي أن مُجرد وجود إمكانية الصراع والدخول فى حرب مع دولة سيادية أخري، هو صُلب العملية السياسية. وأن الحرب هي وسيلة الدولة في الحفاظ علي كيانها، وأمنها ضد أي تهديد خارجي لنظامها، أو لشعبها. وبالتالي تتجلي المماراسات السياسية عِند شميت في مدي إمكانية الدولة علي الدخول فى حرب تُدافع فيها عن وجودها. كما تتفق السياسية ” شانتال موف ” مع كارل شميت في أن الصراع يُعد صُلب و أساس السياسة. رغم إختلافها معه في التمييز بين الصديق والعدو([11]).

الإتجاه الرابع: البعد السيكولوجي للصراع:

يحتل المدخل السيكولوجي مكانة بارزة في مُعالجة، وتحليل ظاهرة الصراع علي المستوي الدولي. وهناك عِدة إتجاهات تبناها الدارسين، والمُفكرين لتحليل الصراع مِن الجانب السيكولوجي. كالإتجاه الذي يربط العدوان بالطبيعة الإنسانية. وتبني هذا الإتجاه أحد أهم وأبرز فلاسفة العقد الإجتماعي ” توماس هوبز “. فقد أهتم بدراسة دوافع الإنسان في حالة الطبيعة الأولي، وهى الحالة التي سبقت نشأة الدولة. حيثُ كان الإنسان يعيش في حرية كاملة، في ظِل غياب القوانين الوضعية، وغياب المُجتمع الدولي المُتعارف عليه الآن. ورأى هوبز أن هذه الحالة شكلت حالة حرب دائمة بين الناس ([12]) ، فيقول : ” إنه لمِن الواضح أن الناس حين يعيشون مِن دون قوة مشتركة، تُلقي في نفوسهم الرعب، فإنهم يكونون في تِلك الحالة التي نُسميها بأسم حالة الحرب، وهي حرب يشنها كل إنسان ضد كل إنسان، أي الإنسان للإنسان ذئب، والواحد في حرب ضد المجموع “([13]).

ويُعد كينز والتز أحد المتأثرين بأفكار هوبز، ومن أبرز المُؤيدين لهذا الإتجاه. حيثُ أعرب عن تأييدهِ له مِن خلال تفسيره لظارهة الصراعات، والحرب بأنها نِتاج لسوء توجيه الغرائِز العدائية. كما أكد علي أن كُل ما دون ذلك مِن مُسببات للصراع، هي مُجرد عوامل ثانوية، ولا تحتل أهمية، وتأثير العوامل السيكولوجية ([14]).

بالتالي في حال تحدثنا عن مُستقبل الحرب نِسبةً لكينز، فإن عملية إستئصال الحرب يتحقق مِن خلال الإرتقاء بالإنسان، وإعداة تكيفه إجتماعياَ، حيثُ يُصبح التثقيف هو الحل للتخلص مِن الحروب. ووافقه في هذا الإتجاه العديد مِن مُفكرين العلاقات الإنسانية كـ” كونفوشيوس”، وعلماء السلوك في العصر الحديث. وفي هذا الصدد نجد أحد أبرز دُعاة السلام ” بيفرلي نيكولز” تقول: ” أنه لو أمكن ل نورمان آنجل أن يصبح ديكتاتورياً تثقيفياً مُتوجاً علي العالم، فسوف تتلاشي الحرب…” ([15]). بالإضافة للطبيب النفسي سيغموند فرويد الذي يُعد أحد أهم وأبرز المؤسسين والداعمين لهذا الإتجاه.

ومِن خِلال عرض الإتجاهات الأربع السابقة، يُمكن أن نخلُص إلي أن هناك توافق بين كُل مِن البعد الإقتصادي، والبعد الإجتماعي إلي حد كبير فى مُسببات الصراع. بل ويُعد كُل منهم مُكمل للآخر. وقد ساهم التنظير في كُل منهم لإكتشاف آفاق، و أبعاد مُختلفة للبعد الآخر. حيثُ نجد أن مُسببات، وحلول الصراع الطبقي، تندرج تحت البعدين الإقتصادي، والإجتماعي.  بالتالي نلحظ عدم تعارض الإتجاهين بشكلٍ ملموسٍ، أو حاد. علي عكس التعارض الواضح بين الإتجاهين السياسي، والسيكولوجي. فبينما عرض البعد السياسي الدولة كمُجتمع سياسي هي السبب الرئيس في نشأة الحرب، من خلال سعيها لتحقيق مصالحها و أهدافها، كي تُصبح الحرب هي جوهر المجال السياسي. رأى البعد السيكولوجي أن المجتمع السياسي ليس إلا نتاج لمحاولة الحد والتخلص من حالة الحرب، التي كانت قائمة بالأساس نتيجة للدوافع الفطرية عِند الإنسان. وأن باقي العوامل المُسببة للصراع ليست إلا عوامل ثانوية كما ذكرنا آنفاً. وهنا سيأتي دور هذه الورقة في تسليط الضوء أكثر علي مدي التعارض بين البعدين السياسي، والسيكولوجي في تحليل ظاهرة العداء.

  • المشكلة البحثية :

نظراً لِما يشهده الواقع مِن حروب وصراعات عِدة بين الأمم، والدول المُتباينة علي المستويين المحلي والدولي. فقد صار الحد مِن تِلك الحروب، والعداوات مِن أهم وأبرز القضايا والمسائل، التي تشغل الكثير مِن المُفكرين والعُلماء. وبِناءً علي العرض السابق للأدبيات،  تَبين أن هُناك تبايُن كبير في تناول ظاهرة العداء والصراعات بين المداخل الفكرية المُختلفة، وبالتحديد بين المدخل السياسي والمدخل السيكولوجي. بالتالي تسعي هذه الورقة للكشف عن مدي تأثير هذا الإختلاف علي تقديم رؤية  لمُستقبل الحرب. مِن خلال التعرُض لأفكار كُل مِن عالم السياسة ” كارل  شميت ” الذي سيتناول نشأة العدو، وأسباب الصراع مِن  المدخل السياسي، والطبيب النفسي ” سيغموند فرويد ” الذي سيتناول نشأة العدو، وأسباب الصراع مِن المدخل السيكولوجي.

وهكذا نخلُص إلي أن السؤال الرئيس للبحث سيكون :                                                                                     

ما أثر إختلاف رؤى كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” لأسباب نشأة العدو والصراع، على رؤيتهم لمُستقبل الحرب ؟                                 

  • الأسئلة الفرعية :

1- كيفَ ينشأ العدو عِند كُل مِن ” كارل شميت ” و” سيغوند فرويد ” ؟

2- ما طبيعة العِلاقة بين نشأة الصراعات والسياسة ؟

3- ما طبيعة العلاقة بين نشأة الصراعات والغرائز الطبيعية ؟

4- ما هي رؤية كُل مِن ” كارل شميت ” و” سيغموند فرويد ” لمُستقبل الحرب ؟

  • الأطروحة :

يقوم هذا البحث علي أن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” قد إختلفوا في تناولهم لأسباب نشأة العدو والصراعات، لإعتماد كُل مِنهم علي مدخل فكري مُختلف. ومِن هذا الإختلاف يقوم الباحث بإختبار مدي صحة الفرضية التي تدعي أن إختلاف المداخل الفكرية التي إعتمد عليها كِلا المُفكريين، قد يؤثر علي رؤيتهم لمستقبل الحرب.

  • المنهج:

في الفصل الأول مِن البحث سألجأ لأحد مُقاربات منهج “التحليل المفاهيمي وهو المنهج العلمي الذي قام بصياغته عالم السياسة Giovanni Sartori، الذي أكد علي ضرورة توظيف المفاهيم بشكلٍ تجريبيٍ خاصةً في ظل الدراسات المُقارنة، وأعرب عن قلقهِ بشأن إستخدام المفاهيم عبر السياقات الثقافية المُختلفة دونَ فِهم البيئة الإجتماعية السياسة التي سيُطبق فيها([16]). وبناءً علي ذلك سأطبق هذا المنهج  لدراسة كيف نشأ  وأمتد مفهوم العدو بين كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” ليشمل عناصر إختلاف عِدة، سأستعين بها فى الفصلين التاليين مِن البحث،  و بِناءً علي خطوات  Sartori ، سأقوم بخطوتين :

الخطوة الأولي: تحديد إمتداد مفهوم العدو عبر الثقافات المُختلفة التي عاصرها كُل من ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” ، وكيف ساهم هذا في  توسع المفهوم ليشمل عناصر أكثر إختلافاً وتنوعاً بين كل منهم.

الخطوة الثانية:  تسليط الضوء علي عناصر إختلاف مفهوم العدو عندَ كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “.

وللتأكد مِن صِحة الفرضية التي يُقدمها هذا البحث، وهي وجود إختلاف في رؤية كُل مِنهم لمُستقبل الحرب، نتيجة إختلافِهم في تحديد العدو و أسباب نشأته، سأنتقل في الفصلين الثاني والثالث من هذا البحث إلي إستخدام المنهج المقارن لإجراء مُقارنة بين ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” مِن خلال محورين أساسين يستعرض كُل فصل محور منهم:

المحور الأول: رؤية كُل منهم للعلاقة بين الحرب و السياسة \ الغرائز.

المحور الثاني: رؤية كُل منهم لمستقبل الحرب.

  • تقسيم الدراسة:

– فصل تمهيدي.

– الفصل الأول: العدو نِسبة لكُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “:

   أولاً: العدو نِسبةً لكارل شميت.

   ثانياً: العدو نِسبةً لسيغموند فرويد.

– الفصل الثاني: الصراع \ الحرب عند كل من ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “:

   أولاً: علاقة الصراع\ الحرب بالسياسة عِند كارل شميت.

   ثانياً: علاقة الصراع\ الحرب بالغرائز عِند سيغموند فرويد.

– الفصل الثالث: رؤية كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” لمُستقبل الحرب.

الفصل التمهيدي

عن ” كارل شميت “:

ولِدَ كارل شميت في ويستفاليا عام 1888. ألتحق بجامعات برلين، وميونخ بألمانيا، وستراسبورغ بفرنسا حيثُ درسَ هناك السياسة والقانون. وفي بداية مشواره العملي، عمِلَ كأستاذ جامعي في عدد مِن الجامعات. وبالنظر إلي توجهاته السياسة في بادئ الأمر، فقد كان مُعارضاً للنازية، لكنه عام 1933 التحق بالحزب النازي، وغير توجهه السياسي. حيثُ كان مِن أبرز وأنشط أعضاء الحزب. ليس هذا وفقط بل أنه عُين بعد ذلك رئيساً لإتحاد القانونيين القوميين الإشتراكين – إتحاد تابِع للحزب القومي الإشتراكي النازي – وظل كارل شميت مِن أهم رموز الحزب النازي حتى أنهارت النازية وتم إيقافه مِن قِبل الجيش الأمريكى عام 1946 . وكان كارل شميت صاحب تأثير كبير علي الفكر المُعاصر خاصةً في الولايات المُتحدة وإنجلترا. حيثُ كان يُعرف عن شميت أسلوبه الفذ، والمميز في الكتابه، وأسلوبة الدقيق في تناول المفاهيم المُختلفة وعرضها. وقد تأثر الفكر الألماني كثيراً بكتابات شميت في السياسة والقانون. و رغم أن العصر الذي عايشه شميت كان يشهد تقلباتٍ وأحداثٍ عِدة، إلا أن كارل شميت كان حريصاً دوماً علي تشخيص عصره. ولكن المُثير للجدل حول شخصية شميت هو أنه كان يوجد شِبه إتفاق حول شخصيته اليمينية المُنافقة الوصولية، نسبة لدفاعه الحاد عن النازية وهتلر([17]).

ويُمكن أن نقول أن الإهتمام البالغ بأعمال شميت سواء كانت مُعادية أو مُواتية، يعود في الحقيقة إلي أن أعماله،  أفكاره، وتوجهاته تعرضت وناقشت ثلاث أسئلة محورية وهامة في تاريخ الفكر السياسي. وكان يجب علي أي مُنظر سياسي في العصر الحديث التعرُض لها، والبحث لها عن إجابات. فقد تطرق شميت في البداية لدراسة العلاقة بين الفكر الليبرالي والديمقراطية، ثم قام بدراسة العلاقة بين السياسة والأخلاق. إلي جانب إهتمام كارل شميت بتعريف ” العدو ” نِسبة لتشريعات الدولة، ومدي تأثير هذا المفهوم علي العلاقة بين السياسات المحلية والدولية([18]). وفي هذا الصدد قدم لنا كارل شميت مجموعة مِن المؤلفات التي تناولت الإجابة علي هذه الأسألة، ومِن أبرز هذه المؤلفات كتابه مفهوم السياسي، الذي تناول فيه بالتفصيل التمييز بين الصديق والعدو.

لكن وقبل أن نتطرق لتعريف العدو خلال هذه  الورقة يجب بِدايةً أن نوضح رؤية شميت للإنسان، فإن رؤيته للإنسان تجعل له قدرة وإمكانية دائمة علي القتال. فبما أن الوجود الإنساني نِسبةً لرؤية شميت ليس له ماهية أو قواعد سابقة لوجوده، بالتالي يُمكن لأي شخص الإعتداء علي الآخر وإفنائه. وبناءً علي هذه الرؤية ظهرت الحاجة للوصول إلي معني نهائي للوجود البشري، وتطبيقه علي الجميع كي نتمكن مِن الحِفاظ علي الوضع الإنساني مِن حالة الإقتتال المُطلقة. وكان الحل هنا نسبةً لشميت يكمُن في تحديد العدو بإعتباره هو الآخر المُختلف عني، لأن كل فرد يُعد كائِن مُستقل بذاته. فلكي أحدد هويتي يجب أولاً أن أحدد هوية الآخر، علي أنه ” عدوي “([19]). ومن هنا نشأ تمييز شميت بين الصديق والعدو الذي سأتعرض له في الفصل التالي.

عن ” سيغموند فرويد “:

ولد الطبيب النمساوي سيغموند فرويد عام 1856م في فريبرج بمورافيا مِن أب وأم يهوديين. وكان لإضطهاد اليهود أثر كبير في حياته وعلي مُستقبل أسرته.  أنتقل فرويد إلي فيينا عام 1860م حيثُ تلقى تعليمه بأكمله. وفى مرحلة تعليمه الجامعية تأثر كثيراَ بالإضطهاد كونهِ يهودياً. لكنه في البداية عاند وقاوم هذا الشعور كثيراً لكنه لم يصمد طويلاً. فما عانى منه مِن تضامُن الأغلبية ضِده في سن مُبكرة،  دفع به إلى أن يتخذ جانب المُعارضة والإستقلال فى الرأى([20]).  ونستطيع قول أن فرويد تمسك بأصوله اليهودية أكثر فأكثر بسبب الإضطهاد الذى عايشه وعانى منه. فنجده دائم الحديث والدفاع عن اليهودية في كِتاباته السياسية والإجتماعية. بل إن فرويد قام بإنساب أصول الجنس الأبيض والحضارة الغربية إلي اليهود. حيثُ وصف حضارة أوروبا بأنها حضارة يهودية مسيحية الأصل. بالتالي جعل من أوروبا واليهود جبهة واحدة أمام أعدائهم. فبرغم الإضطهاد والإزدراء الذي عانى منه اليهود فى أوروبا، إلا أنه أرجع هذا إلى أن اليهود أقلية مُتميزة ولهذا كانوا يتعرضون للإضطهاد والنبذ. فالمسألة عنده تحولت لمُجرد تضليل في إتجاه العداء. فهو كان يري أن الظلم الذي يُعاني منه اليهود في فترات الحروب يرجع لكونِهم قلِة مُتيمزة، وتجاهل بشكل كبير حقيقة أن الأقليات دائماً تعاني مِن الظلم في زمن الحرب، وليس الشأن يخُص الأقلية اليهودية فقط([21]).

ويُعتبر عام 1882م  نقطة تحول في مسيرة سيغموند فرويد العملية والعلمية. حيثُ بدأ فيها عمله كطبيب، وتنقل بين أقسام الطب وأنجذب كثيراً للقسم الخاص بالجهاز العصبي، ثم أستكمل مسيرته الطبية، ومِنها أنتقل للتحليل النفسي وأهتم كثيراً بأساليب العلاج النفسي و دراسة الأحلام، الغرائز، الإضطرابات العصبية و النفسية. و أهتم فرويد إلي حد كبير بتطبيق التحليل النفسي ليس فقط علي الأفراد، لكن أيضاً علي مجالات مُختلفة مِن الحياة. كأهتمامه بظاهرة الحرب والموت، وطرحه أسئلة تتعلق بمدي أهمية التجمع البشري ونشأت الحضارات، ومسيرة تطور التاريخ عبر العصور والأزمنة. وأرجع فرويد كُل هذه الظواهر إلي الأصول الفطرية  في الإنسان، و إلى نواميس الطبيعة التى لا يُمكِن أن يتم التحكم بِها إلا بالقوانين الوضعية ([22]).

وبينما كان فرويد يعمل علي نظرياته وتقسيماته للغرائز والطاقات، كان التحليل النفسي قد بدأ بالظهور والإنتشار في ألمانيا. لكِن تِلك النظريات والدراسات التحليلية التي قام بها فرويد وغيره، واجهت إنكار وإهمال حاد مِن المجتمع الألماني. مما أدى إلي تجمع وإتحاد المحلليين النفسيين في المؤتمر الثانى الذى عُقد بنورمبرج  وتأسيس ” الجمعية الدولية للتحليل النفسي “. ومع بِدء الحرب العالمية الأولي أخذ التحليل النفسي يُثير إنتباه الكثيريين([23]). ومِما يُميز نظريات التحليل النفسي أنها لم تتناول فقط موضوعات الأحلام، الغرائز والإضطرابات النفسية. إنما تناولت موضوعات، الحضارة، الإجتماع، الصراعات والموت. وهذا ما أُطلق عليه في النظرية الفرويديه سيسيولوجيا الحضارة فى إطار نظرياته الفلسفية. حيثُ نجد فرويد نِسبة لما عايشه مِن حربين عالميتين، قد إهتم وأنشغل بشكلٍ كبيرٍ بالشؤون الإجتماعية، وكتب العديد مِن المقالات والكتب فيما يخص الجذور البيولوجية، والنفسية للظواهر الإجتماعية كالصراعات والحروب([24]).

الفصل الأول: العدو نِسبةً لكُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “

أولاً: العدو نِسبةً لـ ” كارل شميت “:

أولاً: تعريف السياسي:

عندما بدأ شميت بحثه في مفهوم السياسي – كمجال وليس كشخص-  كان يبحث عن ما يُميز هذا المجال مِثله مِثل باقي مجالات الفكر، والأفعال البشرية الأخري. فأغلب التوجهات الفكرية، والأفعال ترتبط بمجالات أخلاقية، إقتصادية، جمالية ….إلخ. وكل مجال مِن هذه المجالات يتميز عن غيره بمعايير ومقايس مختلفة. فعلى سبيل المثال هناك أفعال وتوجُهات تنقسِم بين مفاهيم ومجالات مُتعارضة، كالشر والخير، الجميل والقبيح، الربح والخسارة ([25]). فيقول شميت ” ينبغي علي السياسي إذن أن يستند إلي تمييز أقصي خاص به، نستطيع أن نرُد إليه كل فعل يحمل معني سياسي خاص. بإفتراض أن التمييز في مجال الأخلاقي يكون بين الخير والشر، والمجال الجمالي بين الجميل والقبيح، وفى المجال الإقتصادي بين الربح والخسارة. سيكون السؤال هنا إذا كان هناك تمييز خاص يستطيع أن يُقدِم معيار لما هو سياسي ومِن ماذا يتألف، فطبيعة تمييز ما هو سياسي ستختلف بالتأكيد عن التمييزات الأخري([26]).

والجدير بالذكر أن كارل شميت لم يضع المجال السياسي جنباً إلي جنب مع باقي المجالات الثقافية الأخري، بل ورفض أن تتم المُساواة بين السياسي وباقي المجالات. فمِن خِلال دراسة ليو شتراوس لأفكار كارل شميت، رأي أن شميت لم يكُن هدفه خلق مجال جديد ومُستقل عن باقي المجالات الثقافية. بل كان يهدف لتمييز المجال السياسي، ووضعه في منزلة مُستقلة عن باقي المجالات. هذا لأن مفهوم السياسي عنده يعلو ويتخطي كُل المجالات الثقافية. والسؤال الذي قد يتوارد في الأذهان، ما هو سبب تمييز كارل شميت للمجال السياسي بهذا الشكل ؟([27]). ستتم إجابة هذا السؤال فى الفصل الثاني.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا: علي ماذا إذاً أسس كارل شميت مفهوم السياسي ؟.

أسس شميت مفهوم السياسي بِناءً علي الخلفية القاسية التي عايشها في واقعه الإنساني المُحاط  بالصراعات والتوترات. والتي علي أصرها إفترض أن الوجود البشري مُحاط دائماً بإمكانية الصراع والإقتتال التي لا تنتهي. وبالتالي أسسه شميت علي ثُنائية الصديق والعدو، كمعيار أساسي للوجود الإنساني في إطار المجال السياسي. ولأن السياسي بالنسبة له يُعد وضع مصيري، وحتمي للإنسانية، بل وضرورة للوجود البشري. بالتالي أقر بأن أي مُحاولة لإلغاء تِلك الثُنائية، أو مجرد خلق حالة مِن الحياد بين الصديق والعدو تعُد مُحاولة لإلغاء الطبيعة البشرية ([28]).  حيث يقول شميت: ” حالة الحياد غير مُحتملة وغير مقبولة سياسياً([29]).

تمييز الصديق – العدو:

يقول ” هانتينغتون ” في سياق قِراءاته لفكر شميت، وأطروحته المُرتبطة بالتمييز بين الصديق والعدو: ” لا يُمكن أن يكون لنا أصدقاء حقيقيون حتي يكون لنا أعداء حقيقيون، ولا يمكننا أن نُحب أنفسنا ما لم نكره غيرنا([30]).

بِدايةً يجب أن أُشير إلي أن شميت قد فرق بين ثلاث أنواع مِن الأعداء، وهم: العدو التقليدي، العدو الحقيقي والعدو المُطلق، و أكد علي أن النوع الثالث أي العدو المُطلق فقط هو الذي يخرج مِن مجال تعريفه للسياسي. هذا لأن الحرب ستكون مُطلقة بالنسبة لحالة العداء المُطلقة، بينما أعتمد شميت علي نموذج العدو النسبي بهدف السيطرة علي محدودية الحروب([31]).

بالتالي من هو العدو نِسبة لكارل شميت ؟. العدو نِسبة لشميت هو من لديه القُدرة علي تهديد الدولة، وتهديد علاقات الصداقة داخلها. أي أنه ليس نِتاج مشاعر شخصية مِن شخص تِجاه آخر بِناءً علي أحكام أخلاقية أو أيديولوجية. لكن هو العدو الذي يوجه تهديد مُباشر وحقيقي لأمن وإستقرار كيان الدولة، ويهدف لتشتيت وحدتها. أو بمعنى أدق، يُمكن قول أن العدو هو مجموعة تُهدد بقاء كيان مجموعة أخري، بشكلٍ مُباشرٍ وفعلي علي أرض الواقع. أي لا يُمكن إستنباط وجود عدو بالعقل، أو بالمنطق. هذا لأن إقرار وجود العدو لا يتولد إلا بوجود تهديد حقيقي بوجوده. فالعدو ليس له شكل مُحدد، وملموس في الواقع، و ليس مُجرد شئ مجازي أو رمزي، بل له معايير ومؤشرات مُحددة أبرزها و أهمها وجود إرتباط بين وجوده، وبين إمكانية نُشوء الصراعات، وإندلاع الحروب([32]). فالعدو هنا لا يشير إلي أي مُنافس أو خِصم علي وجه التعميم، كالخصم أو المُنافس الإقتصادي علي سبيل المثال . لكنه يرتبط إرتباطاً وثيقاً بأشد الأوضاع قسوة وهلاك، و هي الحرب ([33]).

بينما تعني الصداقة أن يتشارك مجموعة مِن الناس إتفاق عام علي شكل، ونمط للحياة يجمعهم جميعاً ليُعطيهم وحدة وتماسُك. وهذا الإتحاد كذلك مُتجاوِز لفكرة الإتحاد والتعاون الإقتصادي أو الأخلاقي. لأن الصداقة التي يُشير إليها كارل شميت هي صداقة تُحقق تجانُس، وتوافُق في أساسيات الحياة وضرورياتها بشكلٍ خاص لكُلِ فرد. كما أنها تُعطي للمجموعة هوية مُشتركة، وإن لم يكونوا علي معرفة كاملة ببعضهم البعض([34]).

فإن التعارض بين الصديق والعدو نسبة لشميت هو تعارض ملموس وواقعي غير مُجرد. لأنه يدخل في إطار المعرفة العلمية الواقعية. فيقول: “يجب أن نفهم مفاهومي ” الصديق ” و ” العدو ” فى معناهما الملموس والوجودى، ليس بإعتبارهم إستعارتان أو رمزان، …….، وفي المقام الأول لا نفهمها بالمعنى الفرداني الخصوصي الناتِج عن ميول نفسية أو مشاعر ودوافع خاصة، لأن ليسا مفهومين معيارين ولا نقيضين روحين([35]).

وتتضح فكرة شميت أكثر بكلمات جاك دريدا في كتابه ” سياسيات الصداقة ” حيثُ يقول: ” لكي يوجد السياسي، يجب على المرء أن يعرف كل واحد على حقيقته، أى أن يعرف المرء من هو الصديق ومن هو العدو، وينبغى علي هذه المعرفه ألا تكون علي نهج المعرفة النظرية، بل يجب أن تكون على نهج تحديد الهوية العملي، بعبارة أخري تتمثل المعرفة هنا فى القدرة العملية علي تحديد هوية الصديق وهوية العدو. فالتحديد العملى لهوية  الذات، …، و التحديد العملي  لهوية الآخر،…، يكونان أحيانا شرطين وأحيانا أخرى نتيجتين، للفرز بين الصديق  والعدو ([36]).

هكذا يمكن أن نخلُص إلي عِدة نِقاط هامة في تمييز كارل شميت بين الصديق والعدو: أولاً: أسس شميت التفرقة علي أساس المجموعات، وليس علي أساس الأفراد. وفى هذا الصدد فرق بين كلمتي hostis & inimicus فالأولي تُشير إلي العدو العام، أي العدو الذي يوجه تهديد لمجموعة مِن الناس، بينما الثانية تُشير إلي العدو الخاص الذي كان خارج إطار دراسة شميت ولم يتطرق للحديث عنه. ثانياً: التمييز بين الصديق والعدو دائماً يكون مُرتبط بشكل مِن أشكال الصراع، أو بحد أدني إمكانية الصراع. أي أنه ليس من الضروري أن تقوم مجموعة بمُحاربة مجموعة أخري حتي يتجلي هنا مفهوم السياسي، لكن مجرد وجود قابلية، وقُدرة علي نشوب الصراع وتطوره ليصل لمرحلة الحرب، هو ما يُحقق الجانب السياسي للوجود البشري في مُجتمع ما. ثالثاً: يُعد التييمز بين الصديق والعدو فى إطار تعريف المجال السياسي هو أهم وأبرز التمييزات وأخطرها، لأنه يؤدي للموت، أي يؤدي لأقصى مراحل الصراع عنف وقسوة، وهى الحروب. لذلك لا يُمكن إختزال التفرقة هنا في أي تفرقة أخري، كتلِك التي بين الخير والشر. فعلي سبيل المثال  قد تكون مجموعة جيدة مِن البشر أعداء لمجموعة أخري سيئة، وعلي العكس قد تكون المجموعة السيئة عدوة للمجموعة الجيدة. فالعداوة هنا مسئلة نسبية، وليست مُطلقة([37]).

 

ثانياً: العدو نِسبةً لـ” سيغموند فرويد”:

نظرية الغرائز:

أولاً يجب أن أُشير إلي أن فرويد أسس منهجه العلمي في التحليل النفسي علي دِراسة طاقات الإنسان، وغرائِزه إيماناً مِنه بأن الإنسان يخضع لتِلك الغرائِز وتتحكم فيه مُنذ وِلادتِه حتي موته. ففي البداية قسم فرويد الغرائِز إلي غرائِز ذاتية  – حُب الذات –  تسعي لحفظ الذات وحمايتها مِن أي تهديد خارجي. وغرائز ليبيدية – حُب الموضوع –  تسعي لحفظ الجنس بشكلٍ عام، عن طريق إقامة علاقاتٍ تربطُ بين البشر. ثُم إتضح له بعد ذلك أن غرائِز حُب الذات هي جزء مِن الغرائِز الليبيدية، حيثُ هناك طاقة ليبيدو يمتلئ بها الفرد وبدلاً مِن أن يوجهها لشخصٍ أو موضوعٍ آخر، يقوم بتوجيهها تِجاه ذاته. وبالتالي يُحب ذاته حُباَ نرجسياً، ويُصبح مُتوحِداً في حُب ذاته وحِفظها([38]).

وقبل أن نستكمل عرض تحليل فرويد للغرائِز، يجب أن نُسلط الضوء علي فرضية فرويد في الطبيعة الإنسانة، حيثُ يميل لكونِها طبيعة تميل للعدوانية، وتهدف لحِفظ ذاتها في المقام الأول مِن كُل مَن يحمل صِفة الآخر. فقد لا تكون طبيعة خيرة أو شريرة بشكلٍ كاملٍ، لكنها تسعي مع التطور الطبيعي للتحول مِن العدوانية والشر نحو الخير([39]). وعودةً لتقسيم فرويد للغرائِز ومع  تطور التحليل النفسي، توصل فرويد لعُقدة أوديب. التي تُعد أول مرحلة مِن مراحِل ظهور الميول العدوانية في الإنسان. حيثُ يُوجه الطفل عدوانيته تجاه والده([40])، وهذا ما دعم فرضية فرويد الأساسية، بأن الإنسان يُولد وبِداخلهِ ميول وغرائز عُدوانية. مما يُثبت أن الإنسان ليس فقط كائِن يخضع لغرائِز الحُب، والإرتباط بالآخرين، ولا يستخدم عُدوانيته إلا للدفاع عن نفسهِ في حال تعرض للهجوم. بل إن لديه طبيعة غريزيه قوية تدفعه للعدوانِ علي الآخر. أي أن الإنسان ما أن أُتيحت له الظروف، وتهيأت له الأسباب الكافية  لمُمارسة العدوان علي الآخرين، فإنه سيتحولُ لوحش، وسيكشفُ عن شراستهِ المَكبوتة في ظِل قيود وتحكُمات العقل والمُجتمع. بالتالي فالإنسان ذاته أكد أن كُل محاولات الدمج بين البشر لم تكُن كافية للتخلُصِ مِن ميوله العدوانية([41]).

وهكذا أصبحَ مِن الصعب علي فرويد الوقوف على أن الإنسان تتحكم فيه فِئة واحدة مِن الغرائِز، أي الغرائز الليبيدية.  فقام بإنجاز تقدُم كبير في مجال التحليل النفسي، وتوصل إلي تقسيمٍ مُختلفٍ للغرائِز. حيثُ مزج غريزتي المُحافظة علي الذات و المُحافظة علي الجنسِ في فكرة الأيروس. وجعل المُقابل لها غرائِز الموت. تِلك الغرائِز التي أرجعها لما يُسمي بالتِكرار القسري. حيثُ ينزعُ الفردُ للعودة إلي الحالةِ الأولي وهي العدم. فأصبح الفرد بهذا التقسيم يخضع لغريزتي البقاءِ والموتِ، وإن كان كِلاهُما ضِد الآخر،  فكِلاهما يُكمِل الآخر([42]).  وبينما كان فرويد ينزع لجعل العدوان غريزة مُستقلة بِذاتها، توصل إلي أن جُزءً مِن غريزة الموت في حال توجهه للعالم الخارجي سيكون بِمثابة غريزة عدوان وتدمير. بالتالي دمج غريزة العدوان في غريزة الموت، كمُقابل لغرائِز الأيروس([43]).

هكذا نخلص إلي أن البشر نِسبة لفرويد يخضعون لصراعٍ دائمٍ بين نوعينِ مِن الغرائِز، الأول: غرائز الحياة ( الأيروس ) التي تربطهم بِبعضهم البعض وتوحدهم في قبائِل وأمم. والنوع الثاني: غرائِز العدوان التي إشتقها مِن غرائِز الموت. ورأي فرويد أن الحل لفض هذا الصراع يكمُن في دور ” الحضارة ” بالعمل عن طريق إستِدماج* الأنا العليا للأنا. وهذا ما سنتعرضُ له بالتفصيل في الفرضية التالية([44]).

فرضية فرويد الأساسية لنشأةِ الحضارات:

كانت فرضية سيغموند فرويد الأساسية في نشأة الحضارات تُشير إلي أن القبائِل البدائية كان كُل مِنها يخضع لسُلطة رجل في مكانة أب غيور وقاسي، يحتكِر نِساء القبيلة، ويضع أمام أفراد القبيلة تحريمات، وقيود تحول بينهم وبين تِلك النساء. بالتالي كانت العِلاقة بين الأب وأبناء القبيلة تقوم علي قمع الغرائز و كبتها. وهذا ما أدي بهم إلي أن يتخذوه عدواً لهم، ويتفقوا علي قتله. ليتولد لديهم شعور بالذنب يقررون التكفير عنه بِرضوخِهم بِكامل إرادتِهم لقانون مُقدس سُمي بالديانة الطوطمية. حيثُ يعمل هذا القانون علي كبت غرائِزهم وتكبيلها، حتي يتخلصوا مِن الشعور بالندم وعُقدة الذنب التي تُروادهم جراء قتلِهِم الأب. فبينما كانوا في البداية يخضعون لقانون الأب القديم بإستخدامه لسلطة القسر والقهر، أصبحوا يخضعونَ بِمحض إرادتِهم إلي قوةِ حِساب داخلية جديدة تُسمي ” الضمير ” أو كما يَطلق عليها فرويد ” الأنا العُليا “. فأصبحَ جوهر الوضع الجديد هو الخضوع لحساب أشدُ قسوة، للسيطرة علي غرائِزهم وتنظيم رغباتِهم في إشباعها([45]).

ونجد أن فرضية فرويد لا تختلف عن حالة الطبيعة الأولي التي تحدث عنها ” توماس هوبز “. فالإنسان في حالة الطبيعة الأولي كان لدية حرية مُطلقة، تسمح له بالإنسياق خلفَ رغباتهِ وغرائزهِ أياً كانت النتائج، مِما شكلَ حالة مِن حرب الكُل ضِد الكُل. حيثُ يقول هوبز بهذا الصدد: ” العدل الطبيعي معناه، حُرية كل واحد فى العمل بكامل قوته،….، من أجل الحِفاظ علي طبيعته الخاصة… وبالتالي القيام بكل ما يبدو له، حسب تقديره الخاص وعقله الخاص، أنه أنسب وسيلة لتحقيق هذا الغرض([46]).  بالتالي كي يتم الخلاص مِن تِلك الهمجية وجب وضع نِظام قانوني جديد مُتمثِل في العقد الإجتماعي، الذي بموجبهِ يُسلم الأفراد حُرياتهم وحُقوقهم لنظام مُوحد كالدولة، يعمل علي خلق حالة مِن الإستقرار والسلام، وتنيظم إشباع الأفراد لغرائِزهم.

هكذا ونِسبةً لفرويد إستطاعت الحضارة المُتمثلة في الدول والأمم، أن تمنع الأفراد من تفريغ طاقتهم وغرائزهم العدوانية بأن تكبِتها. ويخضع الأفراد لهذه السُلطة سواء إرضاءً لضمائِرهم التي تأمُرهُم بِعدم القتل والإعتداء علي الآخر، أو خوفاً مِن سُلطة الثواب والعقاب التي يُمثلها القانون. بالتالي أصبحت علاقات العداء مُتمثلة  في الدول والأمم، وأصبح دور التطور الحضاري يكمُن في مدي قُدرته علي إضفاء قدر كبير مِن التسامُح بين الأمم علي الإختلافات الواقعة بينهم. بحيث لا يُصبح الأجنبي مُرادِفاً للعدو([47]).

لكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا، هل إستطاعت الحضارات وتطورها أن تمنع تواجُد العدو بالنسبة للإنسان المُعاصِر؟. والحقيقة التي أقرها فرويد كإجابة لهذا السؤال أن الإنسان المُعاصر إن لم يكن يُمارِس القتل في واقعه كالإنسان البدائي، فإنه يتمناه لعدوه في اللاشعور. أي أن العدو مُتواجِد بالنسبة للإنسان بشكلٍ لاشعوريٍ حتي وإن لم يُترجِم شُعوره هذا بالقتل. وهذا الفارق بين الإنسان البدائي والإنسان المُتحضر لا يُمكِن تجاوزهُ أو إهمالهُ بإعتبارهِ فارقاً لاشعوري أو غير ملموس. فتِلك الأمم التي نتحدث عنها، ليست سوي دول تخضع لسُلطة بشر تُسيطر عليهم غرائِزهم ونزعاتهم العدوانية الكامِنة. فإن كان الإنسان المُعاصر في اللاشعور يتوجه بالعداء تِجاه الآخريين، فهذا بالتحديد ما كشفته الحروب. حيثُ كشفت عن الإنسان البدائي بداخل الإنسان المُتحضر. فأصبحت رغبت تدمير العدو غير مكبوته في اللاشعور، بل يتم مُمارستها في الحرب بأبشع الوسائل بِدون قيود. ويتم قتل العدو بِلا أدني شعور بالذنب([48]).

 

الفصل الثاني: الصراع \ الحرب عِندَ كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “

أولاً: علاقة الصراع\ الحرب بالسياسة عند ” كارل شميت “:

كُنا قد طرحنا في الفصل السابق سؤالاً عن سبب تمييز كارل شميت لمفهوم السياسي. حيثُ يُمكن أن نُسند خصوصية هذا التمييز إلي أنه يتجلي في حالات الصراع والحرب، عندما تتراجع كل المجالات الأخري، ويُصبح التمييز بين الصديق والعدو هو الأقوي، والأشد توتراً وحِدة، لإرتباطه بأقصي الحالات قسوة، أي موت العدو([49]). هذا لأن مفهوم السياسى عند شميت يتمثل في مدي قُدرة، وإستعداد الجماعات البشرية علي التعامل مع إختلافاتهم بشكلٍ حاد، يؤدي في الأغلب لصراعات وقِتال حتي الموت. فلم يقصِد شميت هُنا السياسات المحلية كالصِراعات، والتنافُسات الحزبية بين السياسين. لأن العداوة التي يُسلط الضوء عليها هى التي تخلقها دولة سيادية ما، مع دولة سيادية أخري فى ظل العلاقات الخارجية([50]).

لكن هذا لا يمنع أن يأتى التهديد مِن داخل الدولة نتيجةً لإختلافات علي المستوي المحلي داخل وحدة الدولة ذاتها، كالإختلافات الإجتماعية أو الدينية أو الإيديولوجية. خاصة إن إحتد الخلاف وأضعف مِن وحدة الدولة ووحدة هويتها، فينقسمون لأصدقاء وأعداء، مما يؤدي في النهاية لقيام حرب أهلية. وتُعد الحرب الأهلية، والثورات هي الإستثناء الوحيد للمُماراسات السياسية المحلية التي تدخُل في إطار تعريفه للسياسي([51]).  فيقول هابرماس معلقاً علي رؤية شميت: ” . لهذا تتميز هذه الحالة القصوى بأنها وضع حرب بين شعوب، أو وضع حرب أهلية فى قلب الشعب الواحد نفسه. …. والحدث لا يكون حدثاً سياسياً الا إذا أحال ولو ضِمناً علي هذا الوضع الأقصي. هنا تكون كل سياسة – لدى شميت – سياسة خارجية فى جوهرها. حتى الشؤون الداخلية ينبغى تصورها من جهة كونها أخطاراً يضعها عدو لدود يُهدد وجود الكيان في الصميم([52]).

بالتالي يُمكن أن نقول أن الخاصية التي ميز بِها شميت السياسة، هي فكرة الصراع الدائِم الذي يفصل بين الأصدقاء والأعداء. أو بمعني آخر أن العلاقة بين الصديق والعدو هي جوهر تعريف السياسي، والأساس الذي تستنِد عليه العلاقات السياسة، لأن هذا التمييز هو الذي يوضح مدي قدرة الأفراد علي خلق تحالفات أو إنقسامات([53]).  فكما قال شميت: ” التفرقة بين الصديق والعدو هي أقصي مراحل الوحدة أو الإنفصال، الإئتلاف أو التفكك([54]).  لذلك  يُصبح السياسي مُستقل عن باقي المجالات الأخري بحكم قدرته علي التعامل والتمييز بين الصديق والعدو. فهو لا يتجسد فى الصراع من أجل المبادئ      الأخلاقية أو أى مبادئ أخرى، إنما يتجسد فقط فى التمييز بين الصديق والعدو([55]).

يقول كارل شميت: ” إن مفهوم الدولة يقتضى مفهوم السياسي[56] فيتضح هنا أن مفهوم السياسي هو مفهوم مُنفصِل وسابِق علي الدولة. فالسياسي يُوجد بشكل قريب للدولة، أي جنباً إلي جنب معها. إن لم يكن علي أقل تقدير يوجد هناك إرتباط وثيق بين الدولة والمجال السياسي. مما يجعل الدولة تبدو كأنها شأن سياسي، والمجال السياسي شأن مُرتبط  بالدولة([57]).

علاقة الدولة بالصراعات:

يُوضح كارل شميت دور الدولة في حالات الحرب بقوله : ” الحرب هي صراع مُسلح بين كيانات سياسية مُنظمة، الحرب الأهلية هي صراع مُسلح داخل وحدة مُنظمة ،…..([58]). وبما أن الدولة هي ذلك الكيان السياسي المُكون مِن مجموعة مُنظمة مِن الأفراد في حدود إقليميه مُعينة، ويجمع هؤلاء الأفراد هوية، وهدف و رؤية مُشتركة تصُب في مصلحة الدولة القومية، وتهدِف في الأساس لحماية أمنها، وإستقرارها ضد أي مؤمرات أو مُحاولات خارجية لتهديد هذا الكيان. بالتالي نجد أن المجال السياسي نِسبة لكارل شميت يتجسد في تِلك المواقف التي تكون فيها الدولة مُهددة مِن قِبل كيان آخر مُنفرد. وهنا تُصبح الدولة مُكلفة بمواجهة هذا التهديد، والدفاع عن كيانها. والدولة في إطار تعريف شميت تُسلط جم إهتمامها، وتركيزها علي التهديدات الخارجية، أكثر مِن تركيزها أو إهتمامها بالقضايا الداخليه. مِن هيكل للحكومة، أو نشاطات إجتماعية وإقتصادية. لأن قدرة الدولة، ودورها الحقيقي يتجسد في قُدرتِها علي الدفاع عن وجودها أمام ما تواجهه مِن تهديدات([59]).

من هُنا نستخلِص حق الدولة فى مُمارسلة سُلطتها علي مواطنيها، ومُطالبتِهم بالقتال، والموت في سبيل هزيمة عدوها. حيثُ أن الدور الذي تلعبه الدولة في إطار المجال السياسي يجعلها تعلو جميع المجالات، والمؤسسات الأخري. وهذا لأنها تُعد الكيان الوحيد الذي لديه حق المُطالبة بالموت، أو مُطالبة مواطنيه بقتل آخرين. بالتالي تُصبح ثُنائية الموت والحياة هي جوهر المجال السياسي نسبة لكارل شميت، وتُصبح الدولة في هذه الثنائية هي الكيان الوحيد الذي يمتلك سُلطة تحديد العدو، وتحديد مدي التهديد الذي يوجهه للدولة ولوجودها. بالإضافة لتحديد ما إذا كان هذا الخطر يستدعي إعلان حالة الحرب أم لا، فالحرب لدي شميت هي الحالة القُصوي التي تُمثل إمكانية الممارسة السياسة([60]).

وبالتالي فإن المُمارسات السياسية تتجلي في القدرة علي الحرب لأجل الدفاع عن حياة مجموعة مِن الأفراد، مُقابل موت أفراد آخرين. لكن هذا لا يعني أيضاً أن الحرب نفسها هي الهدف الرئيس مِن قيام السياسة. فهي تُعد مُجرد شكل مِن أشكال سلوكيات الدولة، ويتجلي بها الأداء السيادي للسلطة، ومسؤلية الأفراد تِجاه ما يُعرِض كيان دولتهم للخطر. وبالتأكيد هذا ما يُحدد السياسي نسبة لشميت. لأن السياسي من منظوره ليس فقط القدرة علي إقامة علاقات صداقة وتضامُن فى الإطار الإجتماعي، لكن يجب أيضاً أن يكون لدي الأفراد نوع مِن الإلتزام تِجاه أمن دولتهم، مما يُعظِم مِن قِيمتهم كجماعة سياسية ([61]).

دور الصراعات في خلق الهوية السياسية:

يُعد دور الصراعات في خلق الهوية مِن أهم، وأبرز النِقاط التي أشار إليها كارل شميت. فقد أوضح أنه إذا كان توافق الآراء هدفاً سياسياً، فإن تجاوز الصراعات يُعد أمراً مُستحيلاً. خاصةً وأن الصراعات تخلِق هوية سياسية. وبالتالي تؤسِس لمُجتمع سياسي. وبينما تكون الهوية السياسية سابقة علي سياسات الصداقة. نجِد العكس في سياسات العداوة، حيثُ لا تكون الهوية السياسية سابقة علي الصراعات السياسية، لأن الهوية تتشكل في العمليات السياسية، وبالأخص في الصراعات السياسية. أي يُمكن قول أن الصراعات ذاتها هي التي تُنتِج الهوية([62]).

بالتالي  فالهوية السياسية تُخلق مِن المواجهة الجسدية مع العدو. حيثُ نُحدِد هويتنا مِن خِلال الدخول في صراع مع الآخر، المُتمثل في العدو. ويؤكِد المؤرخون السياسيون أن الصراعات السياسية علي مر التاريخ كان لها دور أساسي في بناء وتحديد هوية الأمم السياسية، وتشكيل ثقافة مُجتمعها السياسية، وطابعها الوطني. فإن خلق الهوية السياسية المُشتركة يُعد مِن أهم عناصر بِناء الأمة، وتُعد الولايات المُتحدة الأمريكية مِن أبرز النماذج الناجحة التي تُعبِر عن دور الصراعات في بناء الأمة، وتوحيد هويتها وكيانها. حيثُ تستند الولايات المتحدة الأمريكية في بناء دولتها علي سياسات العداء في مواجهة الأعداء الداخليين، والخارجيين. وهذا ما شهدناه من نجاح لحروب الولايات المُتحدة الأمريكية كحرب الإستقلال، الحرب الأهلية،  الحرب ضد النازيين، وضد الشيوعيين لخلق هوية سياسية، ومجتمع سياسي قوي([63]).

وفى هذا السياق نجد هابرماس يُعلق علي شميت قائلاً: ” لا يكشف السياسي عن نفسه مثلاً في الطابع الإلزمي الذى يكون للقرار الذى تتخذه الدولة، بل يكشف عن نفسه حسب شميت فى الإثبات الذاتي الجماعي، والمُنظِم للوجود السياسي لشعب، وهو يواجه أعداءه الخارجيين والداخليين .. ’ الحالة القصوى ’ التي يتجلي فيها السياسي تتميز بِكونها ظاهرة يجرى فيها تعريف الهوية الذاتية في الصراع ضد برانية عدو يُهدد وجود الذات في الصميم([64]).

 

ثانياً: علاقة الصراع\ الحرب بالغرائز عند ” سيغموند فرويد “:

يُعد البُعد السيكولوجي مِن أبرز وأهم التفسيرات النفسية التي تبناها كثير مِن المُفكرين والعُلماء بشكلٍ عام لتفسير ظاهرة الصراع، وتطورها لحالة الحرب علي المستوي الدولي. وقد تم دعم هذا البُعد مِن خِلال عِدة عوامل نفسية، أهما ربط النزعة العدوانية بالطبيعة الإنسانية. وهذا هو الإتجاه الذي تبناه سيغموند فرويد، وأيده فيه أستاذ العلاقات الدولية  كينث والتز. حيثُ يقول فرويد: ” الدوافع المُحركة لعملية التنازُع  والتصارُع إنما ترجع إلى غريزة حُب التسلط والسيطرة، وكذلك إلى الدافع نحو اإانتقام والتوسع والمُخاطرة “. ونخلص مِن قوله هذا إلي أن الصراعات والحروب ليست إلا نتيجة لدوافع، وغرائِز كامِنة في أعماق الطبيعة الإنسانية([65]).

فالحرب عِند فرويد هي إختيار يقوم به البشر كوسيلة لإشباع غرائِزهم المُرتبطة  بالسيطرة والبقاء. حيثُ يري أن تاريخ الجنس البشري قد شهدَ سِلسلة مُستمرة مِن الصراعات والحروب. وأصبحت تِلك الصراعات تشهد إستخدام حاد للسلاح، بعد أن كانت في العصور القديمة تعتمد فقط علي القوة العضلية. ورغم أن الهدف الرئيس مِن العدوان كان إخضاع طرف لطرف آخر بشل قوته، فقد كان القتل هو الطريقة المُثلي للخلاص مِن  الطرف الآخر بشكلٍ كاملٍ ونهائي([66]). فيقول فرويد: ” لم يحدث أن ضلل شئ أذكي العقول، ولا سفه شئ أسمي ما عرفه الإنسان بقدر ما تفعل الحرب. وحتي العلم يفقد حياده، ويتوسل به علماءه لإختراع أسلحة تلحق الهزيمة بالأعداء([67]).

ويذهب فرويد لوجود علاقة تراتُبية بين الأخلاق – المُتمثلة في الضمير والشعور بالذمب – والحرب، حيثُ يؤثِر كُل مِنهم في الآخر. فبينما يكون غياب الأخلاق أحد أهم وأبرز العوامل المُسبِبة للحرب، تكون الحرب أداة داعِمة لنشر تدني الأخلاق بين الأفراد، والمجتماعات والأمم بشكلٍ عام. بل وفي الواقع تُصبِح الحرب كاشِفة عن هذا التدني. ففي زمن الحرب تُخترق كُل المواثيق والقوانين الدولية، وتُسفك الدماء بأبشع وأعتي الأسلحة. حتي أن كُل المعايير والأخلاقيات تُصبح أوهام، ويُصبح قتل العدو بطولة ونصر.

يقول فرويد: ”  نحن نعلم أن للفرد في هذه الشعوب مستويات عُليا من العرف الجاري لابد أن يجري سلوكه في إطارها …. وكثيرا ما يكون العُرف الإجتماعي زاجراً، يُطالب الفرد بالكثير مِن ضبط النفس والتعفف عن الإشباع الغريزي…… وتُعد الدولة المُتحضرة هذه المعايير المقبولة الأساس الذي يقوم عليه وجودها وتفرض العقوبات الصارمة علي كل مَن تُسول له نفسه العبث بها،…..  ولذلك كان الأولي أن تكون الدولة هي البادئة بإحترام هذه المعايير،…. لكن الحرب إندلعت، وبإندلاعها تبددت كل الأوهام([68]).  وبهذا تُصبح الدولة ساعية لإحتكار حق تجاهُل المعايير الأخلاقية، بل ومُطالبة لمواطنيها بأسمي درجات الوطنية المُتمثلة في مُواجهة العدو وقِتاله. فيقول فرويد: ” يتأثر الأفراد بما يلمسونه في سياسة دولهم وأن يكون هذا التأثير ضاراً بأخلاقهم([69]).

أي أنه وبعد عرض الفصل الأول لدور الدول في كبح جِماح غرائِز الأفراد العُدوانية بِمُوجب سُلطة القوانين التي تفرضها عليهم. تُصبح الدولة ذاتها أداة خارقة لتِلك القوانين والمعايير التي كانت قد فرضتها علي الأفراد في حالات السلم. كأن تفريغ الغرائِز العُدوانية أصبح مُتمثلِاً في سُلطة أشمل، وأقوي مِن سُلطة الأفراد. وبعد أن كانت الدولة تكبِت هذه الغرائِز في مواطنيها، باتت هي من تُطالب الأفراد بتفريغها، وممارسة أبشع الأعمال العدوانية في مُواجهة العدو. أو بمعني آخر تُبيح لهم تفريغ طاقتهم العدوانية في ظل إطار قانوني، وتحتَ سِتار الوطنية والدفاع عن الهوية.

بالتالي تأتي هنا أهمية تسليط الضوء علي دور الحرب في كشف تِلك الأوهام التي صدقت فيها الشعوب وقت السلم.         

تبدُد الأوهام في زمن الحرب:

تذكرةً لما ذكرته آنِفاً، إن فرويد يميل إلي الرأى الزاعِم بأن طبيعة الإنسان تغلُب عليها النزعات الشريرة، وأنه كائِن عُدواني وشرس بطبعه. هذا لأن العدوانية تُعد أحد كوامِن غرائِزه الأساسية، وهو بالتالي يسعي لتلبية رغباته العدوانية علي حساب الآخرين. إلا أنه وبخضوع الإنسان لمراحل التطور البشري إستطاع كذلِك تطوير نزعاته، وميوله من الشر للخير، وهذا ما يُسمي بالقسر الخارجي. لكن أتت الحرب لتُبدد هذا الوهم الذي تزعمه فرويد، وتكشف حقيقة الإنسان الشريرة التي لا تُعني أي إعتبار لحياة الآخرين، وتُثبت أن العدوانية مُتأصِلة، ومُتجذِرة في الإنسان المُتحضر. فيقول: ” ما يتبدي في سلوك الأفراد زمن الحرب من وحشية لا نُصدق أنها تصدُرعن أناس المفروض أنهم شُركاء في صُنع أسمي ما بلغته الحضارة الإنسانية([70]).

حيثُ أنه وبرغم ما يظهر لنا مِن طبيعة خيرة للإنسان المُتحضر، إلا أنه في الحقيقة لا يكون سوي نِتاج القسر الخارجي، وتأثير مِن البيئة الخارجية التي تعتمد علي نظام الثواب والعقاب. أي قد يسلُك الأفراد السلوك الحسن بالمعني الذي تسوقه إليهم البيئة المُحيطة دونَ أن يحدُث أيُ تَسامٍ حقيقيٍ في غرائِزهم، أو تحول لميولهم مِن الشر للخير. بالتالي فإن الدولة لم تكتسب سوي أفراد يكبِتون ما يكنون مِن نوازِع شريرة داخلهم خوفاً مِن العقاب. بالتالي في حال سنحت لهم الظروف لإخراج تِلك النوازع، والميول الشريرة ستكون هذه فرصتهم لمُمارسة شتي أنواع البشائِع، والجرائِم العدوانية. هذا لأن التغيير لم يكُن حقيقياً، بل كان نابع مِن القمع والكبت الذي مارسته الحضارة مُتمثلة في الدولة تجاه الأفراد. فيقول فرويد: ” إن الضغوط الحضارية لن تكون لها نتائج مُرضية، لكنها تكشِف عن نفسها فيما يصيب الشخصية مِن تشوهات، وفي إستعداد الغرائز المكفوفة دائماً، علي التمرد والإنطلاق نحو التشبع كُلما أُتيحت لها الفرصة([71]).

يُرجع فرويد هذا إلي أن الإنسان رغم تطوره، ظلت مراحله البدائية قابِلة للإستِدعاء، خاصة في زمن الحرب، لأن العقل البدائي للإنسان لا يُمكن أن يفني. أي أن ما يحدُث للعقل البشري مِن تطور يُمكن أن تُبطِله تجارب، وأحداث الحياة. وأشار فرويد إلي أن الحرب تُعد أبرز وأهم هذه الأحداث، لأنها  تُعد أكثر الأوضاع تلبيتاً لغرائِزه وميوله الهمجية والعدوانية([72]).

كما  قد ساهمت الحرب بذلك في كشف موقف الإنسان المُتحضر مِن الموت، والذي لم يختلف كثيراً عن موقف البدائي. فقد كان الموت يُعد من أهم المسائل التي شغلت الإنسان البدائي، خاصة لأنها كانت مُتباينه. حيثُ يُنكر فكرة موته، في حين يُؤمن  بموت الأغراب والأعداء. وهذا لرغبته في الخلاص مِنهم بِشكل نِهائي رغم ما يكنه لهم مِن حُب. وهذا ما فسره فرويد بقانون التناقض الوجداني للشعور* الذي عَرِفه الإنسان البدائي، ولا يزال الإنسان المُعاصر يخضع له. فحتي وإن كانوا الموتي أعِزاء، فهم في نفس الوقت أعداء وأغراب قد أثاروا في الأنا نوعاً مِن العُدوانية. حيث يقول فرويد بهذا الصدد: ” هكذا فإن أولِئك الموتي الأحباء كانوا أيضاً أعداء وغُرباء يُثيرون في الإنسان البدائي قدراً مِن الإحساس العدائي “.([73])

ولِتولُد شعور الإنسان البدائي بالذنب تِجاه مَن قتلهم – كالشعور الذي ذكرته آنفاً تِجاه قتل الأب القديم في القبيلة – ، فرض البدائي علي نفسه أول المحظورات التي فرضتها الأخلاق علي الإنسان وهي أنه لن يقتل. ومن هُنا نشأ تحريم القتل كرد فعل للشعور بالكراهية الذي يتم إشباعه بالقتل. وأمتدد الشعور بالذنب ليشمل كذلك قتل الأغراب والأعداء. لكن و رغم التحضر الذي يُعايشه الإنسان المُعاصر، إلا أن الحرب كشفت عن وجهه الحقيقي. فهو يعود مِن الحرب مُتباهي بعدد مَن قتلهم مِن أعداءه بأبشع وأفتك الأسلحة([74]).  فها هو وهم آخر تكشفه الحرب، مُتمثل في إفتقار الإنسان المُعاصِر للشعور بالذنب تِجاه قتل أعداءه.

هكذا نخلُص إلي أن عامل القسر الخارجي الذي قد ينجح في كبت غرائِز الأفراد العُدوانية، وإعلاء قيمهم ومعاييرهم الأخلاقية، مِن الصعب أن ينجح في فرض نفسه بين الدول والأمم. وهذا لأن الأمم والمجتماعات تنصاع خلف أهوائِها، بما يجعلها تُوظِف مصالحها في خدمة أهوائِها، وميولها نحو الشر والعدوان تِجاه الأمم المُختلفة الأخري، حتي في زمن السلم. لكن بشئ مِن الأمل يقول فرويد: ” لرُبما إستطاعت مراحل التطور المُستقبلية بطريقة ما أن تُغير مِن هذا الواقع المؤسِف([75]).

بالتالي السؤال الذي يُمكن طرحه الآن بعد التعرُض لأفكار فرويد حول نزعات الأفراد العدوانية، والأوهام التي تكشفها الحرب عن زيف قدرة الدول علي تجاوز غرائِز الإنسان العدائية. هل يجب أن نقبل بالحرب، ونُسلم بأنها أمر واقع لا يُمكن الخلاص منه ؟! ، أم أن هناك رؤي أخري قد تُسهم في تفادي تحول المُستقبل لسلسلة مِن الحروب، والصراعات التي تفتِك بالبشرية، وتفضح أسوء ما تكِنه النفس البشرية ؟! .

الفصل الثالث: رؤية كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” لمُستقبل الحرب

بِدايةً سأشير في إجاز إلي أبرز نِقاط الإختلاف التي  تم التوصل لها مِن خلال التعرُض لأفكار المفكريين في الفصلين السابقين:

* إختلاف نشأة العدو و العداء بين ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد “:

العدو نِسبةً ” لكارل شميت ” هو عدو نسبي، سياسي، جماعي، تُحدِده الدولة، لوجود تهديد حقيقي لكيانها، ولعلاقات الصداقة داخلها. ويجب أن يكون العدو مَلموس، غير مجازي أو رمزي، ولا يكون نِتاج أحكام أخلاقية أو مشاعر وجدانية. ويستوجب إقرار الدولة بوجود عدو إتخاذ إجراء فعلي بالقِتال، أو بأقل تقدير وجود إمكانية للقِتال. لأن دور الدولة السياسي الحقيقي، يتمثل في مدي قُدرتها علي التخلُص مِن العدو في إطار الحالة القُصوي للصراع، وهي الحرب. وكوصف نهائي للعدو يمكن القول بأنه ” الآخر ” الذي يُشكِل تهديد مِن الخارج، تُنتجه المُمارسات السياسية المُتمثلة في الحروب بين الدول، أو في حالات إستثنائية تُنتجه الحروب الأهلية داخل حدود الدولة الواحدة([76]).

بينما وعلي الصعيد الآخر يتعامل ” سيغموند فرويد “ مع العدو بشكل فردي، ويَعُده نِتاج غرائِز عدائية يخضع لها الفرد إلي جانب غرائز الأيروس ( غرائز الحياة ). وليس مِن الضروري أن يُشكِل هذا العدو تهديد علي أرض الواقع، أو أن يتِم مُواجهته بأي شكلٍ مِن أشكالِ الصراع. هذا لأن المشاعر العدائية قد تَنشأ تِجاه الآخر في اللاشعور، لمُجرد أنه مُختلف عن ” الأنا “، ويحمل جُزءً غريباً عنها. ورغم أن مشاعر العداوة تِلك قد تظل مكبوتة، وغير مُترجمه لأفعال عدائية، إلا أن هذا لا ينفي وجود العدو بالنسبة للأنا. ويتمثل دور الدولة نِسبةً لفرويد في مدي قُدرتها علي كبح جِماح تِلك الغرائِز العدائية، والسيطرة علي رغبات الأفراد، وتنظيمها بموجب القوانين، لتفادي إفناء الحضارات بسلسلة مِن الحروب الهمجية.

* إختلاف رؤي ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” للحرب:

إن الحرب عِند ” كارل شميت ” هي شكل مِن أشكال المُمارسات السياسية، والتي قد لا تتعارض معها، أو تُحبذها السياسة. لكن في حال تعرضت دولة للإعتداء مِن قِبل دولة أخري، فإن الحرب هنا ستُمثِل جوهر المجال السياسي، الذي تخوض في إطاره الدولة حربها ضِد العدو. أي أن الحرب ليست غاية في ذاتها تسعي لها الدول، لكنها رد فعل لحماية سيادتها، وإبراز سُلطتها علي مواطنيها. لأنها هي الكيان الوحيد الذي يحِقُ له مُطالبة أفراده بالموت في سبيله. هكذا نخلُص إلي أنه نِسبةً لكارل شميت، فالحرب لها دور كبير في تشكيل الهوية السياسية، التي تجمع بين الأفراد في إطار دولتهم([77]).

بينما الحرب نِسبةً ” لسيغموند فرويد ” هي وسيلة تسعي بها الأمم مُتمثلة في الدول، للتنفيس عن أهوائِها بِحجة تحقيق المصالح السياسية، الإقتصادية، الأيديولوجية …. إلخ. حيثُ يتم توظيف تِلك المصالح لتبرير ما تقوم به مِن إختراقات، وأعمال إجرامية في زمن الحرب. وما يُثبت ذلك، أن تِلك الأمم تُكِن لبعضها البعض العداءات حتي في زمن السلم([78]). هكذا وبرغم أن الهدف الرئيس مِن نشأة الدول كان السيطرة علي غرائِز الأفراد بمُوجب القوانين التي تضعها الدول. أصبحت الدول بمُوجب تِلك القوانين تحتكر حق القتل لنفسها، بل وتُبيح لمواطنيها إستغلال غرائِزهم العدائية في قتل العدو، والدفاع عنها.

هكذا وبعد العرض السابق لأبرز ما أختلفوا فيه، يُمكن أن نستعرِض رؤي كُل مِنهم لمُستقبل الحرب :

أولاً: رؤية ” كارل شميت ” لمُستقبل الحرب:

بينما شغلت فكرة مُستقبل الحرب بال الكثير مِن المُفركين والعُلماء، كان لكارل شميت موقف واضح وصريح تِجاه فكرة إستمرارية الحرب. هذا لأنه مُنذ البداية أقام علاقة حتمية بين السياسي والوجود البشري. ثم علاقة حتمية بين السياسي ونشأة  الحروب، والصراعات. ومن هذا المُنطلق أقر شميت بأن مُجرد التفكير والسعي في حركة لدحض فكرة الحرب، وإلغاء إمكانية نشوبها، بالنسبة له إلغاء السياسي ذاته. خاصةً وأن إحتمالية وجود حالة ” اللاسياسي ” غير واردة، أو مُمنطقة بالنِسبة له. لأن السياسي نِسبة لشميت يُمثل وضع الطبيعة الإنسانية، وبالتالي مِن المُستحيل تجاوزه بأى حال من الأحوال، إلا بأن يصحبه إنهاء للوضع الإنساني ككُل. وهذا ما جعل ليو شتراوس يطرح سؤالاً مُعقباً به علي رؤية شميت، مفاده ما إذا كانت الحرب حقاً  ستظل مُحتلمة  في الأيام القادمة، أم لا ؟، وهل يُمكن للسياسة أن تنتهي أو يتم تجنبها في المُستقبل ؟، أم أن هذا شئ غير مُتوقع علي الإطلاق ؟، كما ذكر شميت.([79])

وفي إطار مُحاولة شميت للإجابة علي أسئلة ليو شتراوس، أعرب عن موقفهِ مِن التناقُض الواقِع بين فكرة إلغاء الحرب أو تجاوزها، والجهد والمحاولات التي سيبذلها دُعاة السلام للتخلص مِن السياسة، والوصول لتلِك الحالة المُثلي مِن السلام. مُشيراً إلي أن تِلك المُحاولات تحمِل في طياتها صفة السياسي. هذا لأنه كي يتم التخلص مِن أعداء السلام، وشن حرب ضدهم، ستحتاج الدول والمنظمات الدولية التمييز بين الأصدقاء والأعداء. وهو ما يتضح لنا أنه صُلب وركيزة الفعل السياسي([80]). أي أنه إذا كانت فكرة العداء ضِد الحرب قوية للحد الذي يُطالب فيه دُعاة السلام بشن حرب ضد أعداء السلام، إذاً فالحركات السلمية تحمل بذور لأفعال ودوافع سياسية. بل ويتم إتخاذها كسِتار لشن حرب لاإنسانية تتجاوز حِدتها الإطار السياسي([81]).

وإن كانت الدول الداعية للسلام تسعي للتخلُص مِن أعداء السلام بأسم الإنسانية، فالجدير بالذكر أن الإنسانية بمعناها الحقيقي لا تعترف بوجود ما يُسمي بالعدو. هذا لأن صِفة العدو نِسبة لها لا يُمكِن أن يحملها إنسان، أي أنه من المُستحيل أن تُشن حرب بأسم الإنسانية. بالتالي يتضح لنا هُنا أنه عندما تُحارب دولة ما عدوها السياسي بأسم الإنسانية، فإنها في الحقيقة ليست حرباً لصالح الإنسانية كما تدعي، بل إنها مُحاولة للإستيلاء علي مفهوم عالمي. أي أن الدول تأخُذ مِن السلام، العدالة والحضارة مزاعِم لشن حروبها ضد العدو الذي تُريد تجريده مِن كُل هذه المعايير والقيم، التي تسعي هي في ذات الوقت لتعريف نفسها في إطارها. بالتالي إذا أقرت الحروب بأسم الإنسانية إنكار إنسانية العدو، وتصنيفه خارج قوانين الإنسانية، بالتالي ستُمارِس ضِده أبشع أنواع الفتك، وستصل الحروب لأقصي مراحل اللاإنسانية. خاصةً وأن الإنسانية كأيديولوجيا تُعد أداة توسع إمبريالية([82]). وللتوضيح في إجاز فإن الإمبريالية مُصطلح يُطلق علي الدول الإستعمارية، وتُعد السياسات الإمبريالية، سياسات توسعية، إستغلالية، تنتهجها الدول الكبري لتحقيق مصالحها علي حساب الدول الصغري والضعيفة ([83]).

وتُعد حالة الحياد مِن الأوضاع التي سعت لها الأمم ظناً مِنها أنها ستعلب دوراً فعالاً في وضع نهاية لإندلاع الحروب. إلا أنه هناك تساؤلاً هام يطرح نفسه، ألا وهو: هل يُمكِن أن يسود السلام بالفعل لمجرد أن يسود الحياد العالم ؟.  قد لا نستطيع التوصلَ إلي إجابة واقعية لهذا السؤال، نظراً لأن العالم حتي يومِنا هذا لم يشهد حالة حياد تام بين الأمم. ولكن ومِن خِلال التعرُض لفكر شميت، يُمكن أن نتوصل إلي أنه كما يُتوقع إنتهاء الحرب، بإنتهاء السياسة المُتمثلة في ثُنائية الصديق والعدو، بالتالي ستنتهي سياسات الحياد، كما إنتهت كُل السياسات التي سبقتها. هذا لأن العالم الذي سيقضي علي الحرب بشكل تام، سيُصبح عالم بلا تمييز بين الأصدقاء والأعداء، أي عالم بلا سياسة. وبالتالي يُصبح العالم عُرضة للمُنافسات، والمؤامرات مِن كُل نوع. وهذا برغم أن هناك توجهات تري أن العالم بلا سياسة، يُعد هو الوضع الأمثل للبشرية ([84]).

ومع المُحاولات العديدة التي تسعي بها البشرية لوقف الحروب، وبلوغ الوضع الأمثل في ظل حالة إنسانية لامُسيسة. إلا أن كارل شميت أقر بأنه لا يعرف ما إذا كان هناك إمكانية حقيقة لوجود هذا الوضع أم لا ؟!. أما بالنسبة له علي الأقل مازال هذا الوضع غير موجود، وكُل من يتوقع أنه سيتواجد، يجب أن يُدرِك أنها محض أوهام لن تتحقق في أرض الواقع([85]).

لكن … !!!

يقول عالم النفس ( مكيردي ) :

” إن الأمل في قيام جهود مُماثلة يُمكنها منع الحرب نِهائياً، أمل لا يُخالف المنطق “([86]).

كما يؤكِد(  كيسكر ) خبير علم النفس:

” إنه ينبغي علينا في سبيل السلام، أن نسعي إلي فِهم الذهنيات التي يتمتع بها البشر، وأنه لا يُمكن أن نقترب مِن المُستويات الأساسية مِن المُشكلة، إلا مِن خِلال التعامُل مع الدوافع الداخلية للبشر “([87]) .

إذاً فهل لِرواد التحليل النفسي رأي آخر بشأن مُستقبل الحرب ؟!….

ثانياً: رؤية ” سيغموند فرويد ”  لمستقبل الحرب:

يُعد سيغموند فرويد من أبرز المُحللين النفسي الذين تناولوا موضوعات كالحرب و الحضارة و الموت، و تُعد رسائله مع ألبرت آينشتاين بعنوان ” لماذا الحرب ؟ ” مِن أبرز ما كتبَ عن رؤيته لمستقبل الحرب. و بالتالي ستدور موضوعات هذا الجزء حول هذه الرسائل و لكن بشئ مِن التركيز و التوضيح أكثر.

قد أوضحنا فيما سبق أن التطور الحضاري نِسبةً لفرويد يلعب الدور الرئيس في ضبط سلوك الأفراد العدائي تِجاه الآخرين، لأنه يعمل علي تحويل ميولهم، و نزعاتهم مِن الشر للخير، و تحويل إتجهاتهم مِن الأنانية  إلي الغيرية. أي تميكن الأفراد مِن العيش وسط جماعة مِن البشر يتبادلون المصالح والعواطف، دون الشعور بالكره أو العداء. فلا ينظُر كُل مِنهم للآخر علي أنه  يُهدد مصالحه، وحياته الشخصية. وهذا بالتحديد ما أطلق عليه فرويد التكييف الثقافي([88]). ويتفق معه الإقتصادي والسياسي إيفان دوربن بقوله:  ” ليس هنالِك، حسبما نري، سوي طريقين إثنين لتحجيم الحرب، مِن حيثُ تِكرارها ومُستوي عُنفِها، الأولي بطيئة شافية سليمة تهدِف إلي إزالة أسباب الحرب الجوهرية الكامِنة في الشخصية البشرية، و ذلك مِن  خِلال نوع جديد مِن التثقيف العاطفي…. ([89]).

بينما يقول  بيرنارد أحد أهم رواد عِلم النفس الإجتماعي، والذي إهتم بالحرب ومشاكِل السلام: ” إننا بحاجة لمعرفة أي الظروف الإجتماعية الخطيرة التي ينبغي تعديلها لمنع الحروب([90]).

وبما أن الحرب هي نِتاج العُدوانية المُتأصلة في البشر، إذاً يُمكن القضاء عليها بتغير البشر.([91]) أي بإجراء بعض التعديلات كما ذكر بيرنارد. وتتمثل تِلك التعديلات نِسبةً لفرويد في دور الخصائِص السيكولوجية  للإرتقاء الثقافي بالبشر،  والتي تهدف إلي إعداد العقل للعمل كسُلطة تتحكم وتُسيطر علي الحياة الغريزية([92]). إلي جانب إدخال غرائِز الحُب لتعمل ضد الغرائِز العدائية، وتُشجع الترابُط العاطفي بين البشر. فيتم هذا الترابُط بطريقين : الأول: توصي بما يوصي به الدين ” أحبوا جيرانكم حبكم لأنفسكم ([93]). هذا لأن الناس لا تنظر إلي الجار علي أنه إنسان يُمكن أن نُحبه، ونتعاون معه في مجالات الحياة الإنسانية المُختلفة. بل يَجِدونَ فيه ما يُغريهم لأن يصبوا فيه جم نزعاتِهم العُدوانية، وأن و يأذوه ويستولوا علي كل ما يملُك. وأقر فرويد أن كُل الشواهد التاريخه تؤكد هذا. بالتالي تظل الهمجية العدوانية الإنسانية مكبوته، حتي يأتي ما يُثيرها كالحرب([94]).

ولأن الغرائِز العدائية تقِف حائِلاً أمام تحقيق الحضارة لبرنامجها المُتمثِل في الوصول إلي الإرتقاء الثقافي بإعتباره أحد أهم، وأبرز مراحل التطور الحضاري. لأنه يعمل في خدمة غرائز الأيروس التي تربُط بين الأفراد لتصنع مِنهم جماعاتٍ، وأمم مُتماثِلة في المصالح إلي الحد الذي يمنعها مِن ممارسة العداء تِجاه بعضها البعض. بالتالي  يعني الوصول لإرتقاء الثقافة أن تندلِع معركة بين غرائِز الحياة الأيروس وغرائز التدمير،[95] تصل بالبشرية لحالة الصراع مِن أجل البقاء([96]).

بالتالي فالسِمة الأساسية التي تُميز الإرتقاء الثقافي، وما يطرأ عليه مِن تعديلات، مُرتبطة بِما تُحدِثه غرائِز الحياة الأيروس مِن ربط  بين الناس خِلال عملية التطور الحضاري. وتُعد فكرة الإرتقاء الثقافي هي الأشمل مِن فكرة التطور الإنساني للفرد، خاصة أنها أكثر تجريداً وعُمومية. لكن هذا لا يمنع أن الإثنان يُكمِلان بعضهم البعض. فالإرتقاء الثقافي يعمل علي دمج الفرد في جماعات، بينما التطور الإنساني يهدف إلي خلق جماعات كبيرة مِن عِدت أفراد تمتلِك القُدرة علي التعايُش، والتأقلُم وسط أنواع مُختلفة مِن البشر([97]).

أي يُمكن الإشارة إلي أن الإهتمام بمُعالجة الأفراد قد بدأ عندما إتضح أن السلام لم، ولن يتحقق إلا إذا أصبح البشر أفضل مِن ما هُم عليه([98]). لأنه لو لم تتوفر إرادة القتال لدي بعض الناس، لما كان هناك حروب. فلو أن الناس جميعهم يتصفون بالحكمة، وضبط النفس لما نشبت الحروب. كما أنه لو أمكن بِناء مُجتماعات تُشبِع كُل الرغبات، وتُوفر مُتنفسات لكُل الغرائِز، والدوافع الكامِنة في الأفراد، فلن تندلع الحروب([99]).

وهكذا أصبح الفرد أهم عُنصر تُركِز عليه برامج نشر السلام في العالم. وقد ساهم رواد التلحيل النفسي في دعم نظريات فرويد، والعمل علي وضع برامج تعمل علي مُعالجة الإنسان كأول خطوة مِن خُطوات إنهاء الحروب. فمِن خِلال التعرُض لفكر العالم السلوكي ” لازويل ” يتضح لنا أنه أقر بأن المُجتمع مريض، ويُمكن عِلاجه مِن خِلال علاج كُل فرد مِن أفراده، وهذا بتحسين البيئة الإجتماعية المُحيطة، والتي مِن شأنِها التخلص مِن التوترات والتشوهات التي تظهر في زمن الحرب([100]). و يوافقه في الرأي إيفان دوربن في أن جُزء مِن الخصائِص البشرية هي نِتاج البيئة المُحيطة بالإنسان، وقد ينجح تغير سلوك البالغين بتغير البيئة الإجتماعية المُحيطة بهم ([101]).

وفي النهاية أود أن أختتِم رؤية فرويد الإيجابية لمُستقبل الحرب بأبرز ما قاله في هذا الصدد، حيثُ يقول:” الواقع أننا أقنعنا أنفُسنا أن الحروب لا يُمكن أن تتوقف طالما أن الشعوب تعيش في ظروف مُتباينة أشد التبايُن،  وطالما أن حياة الأفراد لها وزنها المُختلف في كُل أمة، وطالما أن الأخطار التي تُباعِد بين الأمم ليست إلا إنعكاساً للطبائِع المُتمكِنة في العقول. و نحن نميل إلي الإعتقاد بأن الحروب…… ستستمر شُغل البشرية الشاغِل لوقتٍ طويل، لكني مع ذلِك متفائل.([102]).

هكذا نخلُص إلي أن إختلاف المداخل الفكرية التي مِن خِلالِها تطرق كُل مِنهم لدراسة أسباب نشأة العدو والصراعات، بالإضافة لإختِلاف موقف كُل مِنهم مِن الحرب، قد أثر علي إختلاف رؤيتهم لمُستقبل الحرب. حيثُ تبرُز تِلك الإختلافات في:

     أولاً: إفتراض كارل شميت بأن طبيعة الإنسان شريرة يذهب به البعض مِثل ليو شتراوس إلي أنه إفتراض وضعه شميت ليُبرر موقف الإنسان العدائي المُتأهِب بإستمرار للإقتتال.([103]) بالتالي ومن هذا المُنطلق، فلن يستطيع الإنسان التوقف عن مُمارسة الصراعات والحروب. خاصةً وأن ترجمة وجود العدو لدي شميت تتمحور في مدي قُدرة إفناءه، وتصفيته بشكل نِهائي. بينما علي الصعيد الآخر لم يُقر سيغموند فرويد بأن طبيعة الإنسان شريرة بِشكل كامل. وأعرب عن موقفه مِن أنها طبيعة قد تميل للشر، لكِنها ومع التطور الإنساني، والحضاري تتحول ميولها مِن الشر للخير. بالتالي ومِن هُنا بالتحديد يتولد الأمل لدي فرويد في أن يُصبح الإنسان أفضل مِما كان عليه، وينصرف عن الدخول في صراعات،  وحروب مع أعداءه. حيثُ يُصبح أكثر قدرة علي ضبط غرائِزه وميوله العدوانية، ويُصبح العدو نِسبةً له فقط  مُتواجِد في اللاشعور، ولا يسعي لترجمة أي شكل مِن أشكال العداء أو العنف ضِده علي أرض الواقع.

      ثانياً: يُعد ربط كارل شميت الحرب بالسياسي، وإفتراض أن السياسي هو الوضع الطبيعي للإنسان، وأنه لإنهاء الحرب فيجب أولاً خلق وضع لامُسيس ينتهي معه دور الدول في التمييز بين الصديق والعدو. وهذا يعني إنهاء الأساس الذي بني عليه شميت تعريف السياسي. فبالتالي لن يكون لوجود الإنسان معني، لأن وجوده مُرتبط بشكل حتمي ومصيري بوجود السياسي. وهكذا جعل شميت مِن فكرة إنهاء الحرب أمر غير منطقي أو طبيعي. بينما ربط الحرب بغرائِز العدوان والتدمير جعل مِن فكرة إنهاء الحرب أمر مُتوقع ومُنتظر نِسبةً لسيغموند فرويد. هذا لأنه ربط الحرب بسلوك الأفراد التابع لغرائِزهم ودوافِعهم التي يُمكن ضبطها وتعديلها مِن خِلال الإرتقاء الثقافي، والذي يُعد أحد أهم مراحِل التطور الحضاري.

      ثالثاً: مِن أبرز الأسس التي عليها عرف كارل شميت السياسي، كانت فصل السياسي عن باقي المجالات الثقافية، أي عدم الربط بينه وبين أي قيم أو معايير أخلاقية علي سبيل المثال. وهذا ما جعله لا يري في الحروب سِوي كُل ما يُميزها ويجعلها إضافة للشعوب والأمم. حيثُ ركز علي دورها في صِناعة الدولي الكُبري، والعُظمي كأمريكا التي تأسست علي سياسات العداء كما ذكرنا آنفاً. إلي جانب تركيزه علي دور الحروب في منح وتكريس الهوية، والإنتماء لدي الشعوب بمواجهتِهِم للعدو، وإفناءه حِفاظاً علي كيان الوطن ووجوده. وهذا ما جعله لا يُولي إهتمام حقيقي لفكرة السلام العالمي. لكن وعلي النقيض يقول سيغمود فرويد: قد يكون الواحد منا علي وعي بِضرورة الحرب…..، ومع ذلك يظل يلعن الحرب، سواء فيما تستخدمه مِن وسائل أو تتذرع بِه مِن أهداف، ويتمني بإخلاص أن تنتهي كل الحروب. “([104]) أي أن نظرة فرويد للحرب مِن منظور أخلاقي جعلته يُقر بأن مُماراسات الحروب الهمجية  لا يُمكن للعقل البشري المُتحضر أن يتقبلها أو يتجاوزها. خاصةً وأنها تنزِع السِتار عن أسوء ما في النفس البشرية مِن قسوة وعُدوانية تِجاه الآخرين.

الخاتِمة:

قام العرض السابق لرؤي كِلا المُفكرين بالإجابة علي السؤال الرئيس الذي صاغته الباحثة فيما يخُص أثر إختلاف رؤي كُل مِن ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” للعدو و أسباب الصراع، علي رؤيتهم لمُستقبل الحرب. حيثُ اتضحت رؤية شميت التشاؤمية و التي بمُوجبها لن يشهد العالم وضع سلمي مثالي إلا بخلق وضع لامُسيس. و هذا مِن منظوره شئ غير منطقي أو مُتوقع. بينما علي النقيض إمتازت رؤية فرويد بقدر مِن التفاؤل حول مُستقبل  بلا حروب،  تنجح فيه برامج التطور الحضاري والإرتقاء الثقافي من تغيير سلوك الأفراد العدائي، سواء بزيادة الشعور بالذنب، أو بإنتصار غرائِز الأيروس علي الغرائز التدميرية.

بناءً على ما تم تحليله، فإن وجهة نظر الباحث بشأن مُستقبل الحرب، مُستشهد بأبرز ما أسس عليه ” كارل شميت ” و ” سيغموند فرويد ” رؤاهُم، تتمثل في:

إن كان فرويد يفترِض أن التطور الإنساني، والإرتقاء الثقافي سيلعبان دوراً هاماً في ربط الأفراد ببعضِهم البعض في جماعات بروابطَ عاطفية، تُعلي لديهم الشعور بالذنب وتكبح غرائِزهُم التدميرية. ومِن ثَمَ تُصبح تِلك الجماعات هي الأساس لأهم مراحِل برامج دحض الحروب في المُستقبل.

وإن كان يُستخلص مِن تعريف شميت للسياسي، وتمييزه بين الصديق والعدو، أنه مِن البديهي أن يكون لعلاقات الصداقة الأسبقية علي علاقات العداء. خاصةً أن العدو نِسبةً لشميت يُنشأ نتيجة تهديد حقيقي، وواقعي توجهه جماعة إنسانية ما لكيان ووجود جماعة أخري. أي أنه كي يكون هُناك عدو، يجب أولاً أن يكون هُناك جماعة مُترابِطة فيما بينها بعلاقات صداقة تُوحِدهُم بأهداف ومصالح وهوية واحدة، يسعون جميعهم للحِفاظ عليها مِن أي جماعة أخري خارجية([105]).

بالتالي، يُمكن القول بأن هناك علاقة تكامُلية بين رؤيتي شميت وفرويد. فإن كان فرويد يجِد في نشأة الجماعات، والأمم المُتحِدة عاطفياً بهوية، وأهداف ومصالح مُشتركة فُرصة لإنهاء الحروب. فإن شميت يبدأ مِن حيثُ ينتهي فرويد. لأن تِلك الجماعات التي ستنشأ بعامل التكيُيف الثقافي، والنمو الحضاري هي ما تُمثل سياسات الصداقة في ثُنائية شميت.  وبما أن شميت أسند تعريفه للحرب علي أنها أداة تُدافِع بِها الجماعات عن وجودها ضِد أي تهديد خارجي وليست غاية في ذاتها. بالتالي إذا إستطاع فرويد مِن خلال الإرتقاء الثقافي أن يُدمج عِدة أفراد في جماعة ما، بروابط عاطفية وأخلاقية  تصرفهم عن العُنفِ والعدوان. فكيف له أن يضمن عدم تَعرُض هذه الجماعة للإعتداء مِن أي جماعة إنسانية أخري لا تتفق معها. أو لم تصِل بعد إلي مرحلة الإرتقاء الثقافي التي وصلت إليه ؟!. فهُم في مواجهة هذا الإعتداء الخارجي سيضطرون لمُواجة عدوهم – مِن مَنظور شميت – للحِفاظ علي وجودهم بِدافع غريزة البقاء. وهنا أستشهد بِما قاله دوربن:

تنشأ الحرب عِندما يُعبِر الأفراد عن عُدوانية مُتحولة، تعبيراً جماعياً، وذلِكَ مِن خِلال العيش في جماعة ما “.([106])

حيثُ يري الباحث مِن خلال الرؤية السابق ذِكرها، أنه وبِرغم إختلاف المُفكرين في المداخل الفكرية التي قاموا من خلالها بدراسة ظاهرة العداء والحرب، وبِرغم إختلافهم في الظروف الإجتماعية والتاريخيه التي أسس كُل مِنهم تصوروه علي أصرها. إلا أنه وبحركة التاريخ وشواهِده و تداعياته، يُمكن التعامُل مع نظرية شميت السياسية علي أنها مُكمِل لنظرية فرويد السيكولوجية. فإن كُنت لا أسعي للتأكيد علي رؤية شميت التشاؤمية لمُستقبل الحرب، إلا إنني أري أنها ليست تشاؤمية بقدر ما هي أكثر إرتباطاً بالواقع.

 

  • قائمة المراجع:

المراجع العربية:

أولاً: الكتب:

1- ألبرت أينشتاين ،” العالم كما أراه “ ، ترجمة : فاروق الحميد ، بيروت ، دار التكوين للتاليف والترجمة والنشر ، الطبعة الأولى 2015.

2- إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، ” إدارة الصراعات و الأزمات الدولية “، دار كتب عربية للنشر.

3- إسماعيل صبرى مقلد : ”  العلاقات الساسية الدولية : دراسة في الأصول والنظريات “.                

4- سمية بيدوح وآخرين ، تحت إشراف وتحرير د.على عبود المحمداوى ، تقديم : على حرب ، الفلسفة الغربية المعاصرة ”  صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج ( الجزء الثانى ) “ ، موسوعة الأبحاث الفلسفية للرابطه العربية الأكاديمية للفلسفة ، الرباط ، دار الأمان ، الطبعة الأولى، 2013.

5- سيغموند فرويد ، ” حياتى والتحليل النفسي “، ترجمة: مصطفى زيور –  عبد المنعم المليجى ، دار المعارف ، 1994.

6- سيغموند فرويد، ” الحب والحرب والحضارة والموت “ ، ترجمة: د.عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، 1992.

7- سيغموند فرويد، ” أفكار لأزنة الحرب والموت “ ، ترجمة: سمير كرم، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1981.

8-  والتز، ” الإنسان والدولة والحرب ” ، ترجمة: عمل سليم التل، مراجعة: سعيد الغانمي، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة ، 8 يونيو، 2014.

ثانياً: الدراسات والمقالات:

1- شمس الدين الكيلاني، نظرية سيغموند فرويد (1856-1939) في الميثولوجيا والحضارة “، جريدة الحياة، 22 أغسطس، 2015.

2- فيصل الياسري، ” غربال الذاكرة: سيغموند فرويد “، مؤسسة النور للثقافة والإعلام، 8 نوفمبر 2007.

3- منير محمود بدوى، ” مفهوم الصراع : دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط، مجلة “دراسات مستقبلية”، العدد الثالث، يوليو 1997.

4- محمد السيد، ” ما هي الإمبريالية “، موقع: موضوع، 21 سبتمبر 2014، تاريخ الدخول: 23 مايو 2017 ، http://mawdoo3.com .

5- نزهة صادق، ” توماس هوبز مؤسس نظرية الحق الطبيعي “، ذوات: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات و الأبحاث، 2 أكتوبر، 2014.

6- هشام فهمي، ” هؤلاء أعدائي “، إضاءات، 4 يناير 2017،  http://ida2at.com.

7- هشام فهمي عبد الفتاح الفراش، ” الغنوصية كموضح لعلاقة كارل شميت بالتقاليد “، بحث مقدم لنيل البكالريوس، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2016.

8- يوسف مكى، ” فى الحرب و السياسة “، صحيفة الخليج، مركز الروابط للبحوث والدراسات الإستراتيجية، 20 أكتوبر،2015.

المراجع الأجنبية:

أولاً: الكتب:

1- Carl Schmitt, the concept of the political, Translated by George Schwab, the university of Chicago press, Chicago and London.

ثانياً: الدراسات والمقالات:

1- András Körösényi,” Politics of Friendship versus Politics of Enmity “, For the ECPR Workshop on ” The Politics of Friendship “, April 2005.

2- Ashley Crossman, ” Understanding Conflict Theories “, Thought co.,  12 April, 2017.

3- Benjamin Arditi, ” On the political: Schmitt contra Schmitt “, Telos 142, 2008,  www.telospress.com.

4- Felix Berenskoetter, ” Approaches to Concept Analysis “, Forthcoming in Millennium: Journal of International Studies 45(1),2016.

5- Greg Johnson, ” Reflections on Carl Schmitt’s The Concept of the Political “, Counter- Currents Publishing , 24 February, 2011, www.counter-currents.com.

6- Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, Central European University, Budapest, nr 16 (2012).

7- Michael O’Meara, “Carl Schmitt’s Concept of the Political “, A recent discussion with the Bay Area Nationalist Book Club, Apr 5, 2010.

 

([1]) ألبرت أينشتاين، العالم كما أراه، ترجمة: فاروق الحميد، بيروت، دار التكوين للتاليف والترجمة و النشر، الطبعة الأولى 2015، ص20

[2])) د. منير محمود بدوى، ” مفهوم الصراع: دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، مركز دراسات المستقبل، جامعة أسيوط، مجلة “دراسات مستقبلية”، العدد الثالث، يوليو 1997.

([3]) د. منير محمود بدوى، ” مفهوم الصراع: دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، المرجع السابق.

[4])) د.إسماعيل عبد الفتاح عبد الكافي، “إدارة الصراعات و الأزمات الدولية “، دار كتب عربية للنشر، ص ص 18- 19.

([5]) د. منير محمود بدوى، ” مفهوم الصراع : دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، مرجع سابق.

[6])) د. إسماعيل صبرى مقلد: “العلاقات الساسية الدولية: دراسة في الأصول والنظريات “، ص 239.

([7]) Ashley Crossman, “Understanding Conflict Theories “, Thought co., 12 April, 2017.

[8])) د. منير محمود بدوى، “مفهوم الصراع: دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، مرجع سابق.

)[9]( Ashley Crossman, ” Understanding Conflict Theories “, op.cit.

([10]) د.يوسف مكى، “فى الحرب و السياسة”، صحيفة الخليج، مركز الروابط للبحوث و الدراسات الإستراتيجية، 20 أكتوبر،2015، تاريخ الدخول: 9 أبريل، 2017.

([11]) Jan Smoleński, “Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty”, Central European University, Budapest, nr 16 (2012).

([12]) نزهة صادق، “توماس هوبز مؤسس نظرية الحق الطبيعي “، ذوات: مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات و الأبحاث، 2 أكتوبر، 2014، تاريخ الدخول: 9 أبريل، 2017.

([13]) ريناس بنافي، ” توماس هوبز و ماهية طبيعة الإنسان “، مجلة: الحوار، 1 مارس، 2015، تاريخ الدخول: 9 أبريل، 2017.

([14]) د. إسماعيل صبرى مقلد : “العلاقات الساسية الدولية : دراسة في الأصول والنظريات”، ص225.

([15]) كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، مراجعة: سعيد الغانمي، أبو ظبي: هيئة أبو ظبي للسياحة والثقافة، 8 يونيو، 2014، ص ص 52 – 54.

([16]) Felix Berenskoetter, “Approaches to Concept Analysis “, Forthcoming in Millennium: Journal of International Studies 45(1), 2016.

([17]) تأليف: سمية بيدوح وآخرين ، تحت إشراف وتحرير د.على عبود المحمداوى ، تقديم : على حرب ، الفلسفة الغربية المعاصرة “ صناعة العقل الغربي من مركزية الحداثة إلى التشفير المزدوج ( الجزء الثانى ) “ ، موسوعة الأبحاث الفلسفية للرابطه العربية الأكاديمية للفلسفة ، الرباط ، دار الأمان ، الطبعة الأولى ، 2013 ، ص ص 885 – 886

([18]) Carl Schmitt, the concept of the political, Translated by George Schwab, the university of Chicago press, Chicago and London, p xii, xiii.

([19]) هشام فهمي، ” هؤلاء أعدائي “، إضاءات، 4 يناير 2017، متاح على:

http://ida2at.com، تاريخ الدخول: 11 مايو 2017.http://ida2at.com

([20]) سيغموند فرويد ، حياتى والتحليل النفسي، ترجمة: مصطفى زيور – عبد المنعم المليجى، دار المعارف، 1994، ص ص 20 – 21.

[21])) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، ترجمة: د.عبد المنعم الحفني، دار الرشاد، ص ص 12- 25.

[22])) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 3.

[23])) سيغموند فرويد ، حياتى والتحليل النفسي، مرجع سابق ، ص ص 77- 82.

[24])) سيغموند فرويد، أفكار لأزنة الحرب والموت، ترجمة: سمير كرم، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، الطبعة الثانية 1981، ص ص 5 – 7.

 ([25]) سمية بيدوح وآخرين، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 901.

([26]) Carl Schmitt, the concept of the political,op.cit, p 26.

 (27)سمية بيدوح وآخرين، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 902.

(28) هشام فهمي عبد الفتاح الفراش، ” الغنوصية كموضح لعلاقة كارل شميت بالتقاليد “، بحث مقدم لنيل البكالريوس، كلية الإقتصاد و العلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2016، ص 13.

([29]) Carl Schmitt, The concept of the political, op.cit, pp 31- 35.

[30]) ) سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 887.

([31]) Benjamin Arditi, ” On the political: Schmitt contra Schmitt “, Telos 142, 2008, p 10, available on:

www.telospress.com

([32]) Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “.

([33])  سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 903

([34]) Michael O’Meara, “Carl Schmitt’s Concept of the Political “, A recent discussion with the Bay Area Nationalist Book Club, Apr 5, 2010, p. 3.

([35]) Carl Schmitt, the concept of the political, op.cit, pp. 27- 28.

([36]) سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 903.

([37])  Greg Johnson, ” Reflections on Carl Schmitt’s The Concept of the Political “, Counter-Currents Publishing , 24 February, 2011, available on:

www.counter-currents.com.

([38]) سيغموند فرويد ، حياتى والتحليل النفسي، مرجع سابق، ص 86.

([39]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق،  ص 16.

([40]) سيغموند فرويد ، حياتى والتحليل النفسي، مرجع سابق، ص 86.

([41]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق،  ص ص 73- 74.

)42) سيغموند فرويد ، حياتى والتحليل النفسي، مرجع سابق، ص 87.

(([43] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق،  ص ص 75- 79.

* الإستدماج: هي عملية تقمص المواقف التي للغير، أي أن الأنا الأعلي ( الضمير ) يتبني العدوان الذي كان سمة الأنا ويقوم بتوجهيه تجاه الأنا ذاته.

([44]) سيغموند فرويد، الحب و الحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص ص 81- 83.

([45]) شمس الدين الكيلاني، نظرية سيغموند فرويد (1856-1939) في الميثولوجيا والحضارة “، جريدة الحياة، 22 أغسطس، 2015، تاريخ الدخول:14 أبريل، 2017.

([46]) نزهة صادق، ” توماس هوبز مؤسس نظرية الحق الطبيعي “، مرجع سابق.

([47]) سيغموند فرويد، أفكار لأزنة الحرب والموت، مرجع سابق، ص 11.

(([48] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، من ص ص 37 – 39.

[49]) ) سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 902.

([50]) Greg Johnson, ” Reflections on Carl Schmitt’s The Concept of the Political “, op.cit.

([51]) Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, op.cit.

[52])) سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 904.

([53]) Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, op.cit.

([54])  Carl Schmitt, the concept of the political, op.cit,  p 26

([55])  Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, op.cit.

([56]) Carl Schmitt, the concept of the political, op.cit, p 19.

([57])  سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 900

([58]) Carl Schmitt, the concept of the political, op.cit, p 32

([59]) Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, op.cit.

([60]) Jan Smoleński, “ Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, lbid.

([61]) Jan Smoleński, ” Chantal Mouffe vs. Carl Schmitt: The Political, Democracy, and the Question of Sovereignty “, lbid.

([62]) András Körösényi,” Politics of Friendship versus Politics of Enmity “, For the ECPR Workshop on “The Politics of Friendship “, April 2005, p. 1.

([63]) András Körösényi,” Politics of Friendship versus Politics of Enmity “, lbid,  p. 8.

(([64]  سمية بيدوح وآخرين ، الفلسفة الغربية المعاصرة، مرجع سابق، ص 904.

(65) د. منير محمود بدوى، ” مفهوم الصراع : دراسة فى الأصول النظرية للأسباب والأنواع “، مرجع سابق.

([66]) فيصل الياسري، ” غربال الذاكرة: سيغموند فرويد “، مؤسسة النور للثقافة والإعلام، 8 نوفمبر 2007، تاريخ الدخول: 14 ابريل، 2017.

(([67] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 10.

(([68] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 13.

([69]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 15.

([70]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 16.

([71]) سيغموند فرويد، الحب والحرب و الحضارة والموت، المرجع السابق، من ص ص 20- 22.

(([72] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص ص 23- 24.

(([73] سيغموند فرويد، أفكار لأزنة الحرب والموت، مرجع سابق، ص 33.

* التناقض الوجداني للشعور: الشعور القوي بالحب والكراهيه معاً لنفس الموضوع، والإصطلاح إستخدمه بلولر ( 1911 ).

([74]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 35.

([75]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 26.

([76]) Michael O’Meara, “Carl Schmitt’s Concept of the Political “, op.cit, p. 2

([77]) Michael O’Meara, “Carl Schmitt’s Concept of the Political “, lbid, p. 3

 ([78]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 26.

([79]) Carl Schmitt, the concept of the political, Notes, op.cit, p 109, 110.

([80]) Carl Schmitt, the concept of the political, Notes, lbid, p.110.

([81]) Carl Schmitt, the concept of the political, lbid, p. 35, 36.

([82]) Carl Schmitt, the concept of the political, lbid, p. 54.

[83]) ) محمد السيد، ” ما هي الإمبريالية “، موقع: موضوع، 21 سبتمبر 2014، متاح على:

http://mawdoo3.com، تاريخ الدخول: 23 مايو 2017،

([84]) Carl Schmitt, the concept of the political, op.cit,  p. 34, 35.

([85]) Carl Schmitt, the concept of the political, Notes, lbid, p. 109.

(([86] كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، مرجع سابق.

([87]) كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص130.

([88]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 19.

([89]) كينث والتز،  الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، مرجع سابق، ص ص 150- 151.

[90])) كينث والتز،  الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص ص 103- 104.

(([91] كينث والتز،  الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص 150.

([92]) سيغموند فرويد،  أفكار لأزنة الحرب والموت، مرجع سابق، ص 58.

([93]) سيغموند فرويد،  أفكار لأزنة الحرب والموت، المرجع السابق، ص 55.

(([94] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 73.

([95]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 81.

(([96] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص 82.

(([97] سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، المرجع السابق، ص ص 99 – 100.

([98]) كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، مرجع سابق، ص 99.

(([99] كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص 160.

([100]) كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص 103.

([101]) كينث والتز، الإنسان والدولة والحرب، ترجمة: عمل سليم التل، المرجع السابق، ص 149.

([102]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص ص 11 – 12.

([103]) هشام فهمي عبد الفتاح الفراش، ” الغنوصية كموضح لعلاقة كارل شميت بالتقاليد “، مرجع سابق، ص 14.

([104]) سيغموند فرويد، الحب والحرب والحضارة والموت، مرجع سابق، ص 11.

([105]) Michael O’Meara, ” Carl Schmitt’s Concept of the Political “, op.cit, p. 3.

[106]) ) كينث والتز، الإنسان و الدولة و الحرب، ترجمة: عمل سليم التل، مرجع سابق، ص 148.

تحريرا في 2-8-2017

أضف تعليقك أو رأيك
الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق