ثورة “ديب سيك” الصينية .. هل يعيد الذكاء الاصطناعي رسم خارطة القوى العالمية؟

اعداد : د.حمدي سيد محمد محمود -باحث أكاديمي – مدير المركز الديمقراطي العربي – القاهرة – مصر
شهد العالم في العقود الأخيرة سباقًا محمومًا في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث ظلت الشركات الأمريكية العملاقة مثل “أوبن إيه آي” و”جوجل” و”مايكروسوفت” في صدارة المشهد، محتكرة التقنيات المتقدمة وموجهة دفة الابتكار وفق استراتيجياتها الخاصة. لكن في خضم هذا التفوق الأمريكي، ظهرت الصين كلاعب شرس، ليس فقط في مضمار التنافس، بل كقوة تهدد بإعادة تشكيل موازين القوى التكنولوجية والاقتصادية العالمية. أحدث فصول هذا الصراع جاء مع إطلاق شركة “ديب سيك” الصينية نموذجها الثوري للذكاء الاصطناعي، الذي قلب الطاولة على الاعتقاد السائد بأن تطوير النماذج اللغوية المتقدمة يتطلب استثمارات ضخمة وبنية تحتية حوسبية هائلة.
“ديب سيك” لم يكن مجرد نموذج ذكاء اصطناعي جديد، بل كان إعلانًا مدويًا بأن الصين باتت قادرة على تقديم تكنولوجيا تنافس النماذج الأمريكية الرائدة، بل وتتجاوزها من حيث الكفاءة والتكلفة. فبينما كانت شركات الذكاء الاصطناعي الأمريكية تعتمد على البنية السحابية المكلفة، جاء “ديب سيك” ليكسر هذا النمط عبر نموذج مفتوح المصدر يمكن تشغيله محليًا بموارد محدودة. هذه الميزة وحدها كفيلة بإحداث زلزال في الأسواق، إذ تجعل الذكاء الاصطناعي في متناول الشركات والمؤسسات دون الحاجة إلى إنفاق مليارات الدولارات على البنية التحتية السحابية.
لكن الأثر لم يكن تقنيًا فحسب، بل امتد إلى الأسواق المالية العالمية التي اهتزت فور الإعلان عن هذا النموذج. تهاوت أسهم عمالقة التكنولوجيا في “وول ستريت”، وكان الضرر الأكبر من نصيب شركة “إنفيديا”، التي فقدت أكثر من نصف تريليون دولار من قيمتها السوقية، بعد أن أدرك المستثمرون أن الطلب المستقبلي على رقائق الذكاء الاصطناعي الفائقة قد يتراجع مع بروز نماذج أقل استهلاكًا للطاقة وأكثر كفاءة من حيث التكلفة. حتى الأصول التي تُصنّف على أنها “ملاذات آمنة”، مثل الذهب وعملة بتكوين، لم تسلم من موجة البيع الواسعة، مما يعكس حجم الصدمة التي أحدثها “ديب سيك” في النظام المالي العالمي.
هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة تراكمات لجهود الصين الحثيثة في تطوير بنيتها التحتية في مجال الذكاء الاصطناعي، رغم العقوبات الأمريكية الصارمة المفروضة على تصدير الشرائح الإلكترونية المتقدمة إليها. ورغم هذه القيود، يبدو أن بكين وجدت طريقها للالتفاف على الحصار، سواء من خلال تطوير بدائل محلية أو الحصول على الشرائح بطرق غير معلنة، وهو ما أثار مخاوف جدية في الولايات المتحدة من أن تتحول هذه التقنيات إلى أداة تعزز التفوق الصيني في مجالات تمتد من الاقتصاد إلى الأمن القومي.
اليوم، لم يعد الحديث مجرد تكهنات حول إمكانية التحول التكنولوجي، بل بات واقعًا ملموسًا يفرض نفسه بقوة على العالم. هل نحن أمام لحظة فاصلة تعيد تشكيل خارطة القوى العالمية؟ هل ستنجح الشركات الأمريكية في استعادة زمام المبادرة، أم أن “ديب سيك” يمثل بداية مرحلة جديدة من الهيمنة التكنولوجية الصينية؟ وماذا يعني هذا كله لمستقبل الاقتصاد العالمي، وسوق العمل، والأمن السيبراني؟
نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي
أحدثت شركة “ديب سيك” الصينية الناشئة ضجة كبيرة في عالم التكنولوجيا بإطلاقها نماذج متقدمة للذكاء الاصطناعي، أبرزها “DeepSeek-V3” و”DeepSeek-R1″، التي تدعي أنها تضاهي أو تتفوق على النماذج الرائدة في الولايات المتحدة، مثل تلك التي طورتها “OpenAI” و”Meta”. ما يميز هذه النماذج هو تكلفتها المنخفضة بشكل ملحوظ؛ حيث تشير الشركة إلى أن تكلفة استخدام نموذج “DeepSeek-R1” أقل بـ20 إلى 50 مرة مقارنة بنموذج “OpenAI o1″، وذلك حسب طبيعة المهمة.
تُعزى هذه الكفاءة إلى تصميم “ديب سيك” لنماذجها بحيث تكون مفتوحة المصدر بالكامل، مما يسمح للمستخدمين بتحميلها وتثبيتها على حواسيبهم وتشغيلها محليًا دون الحاجة إلى موارد حوسبة سحابية مكلفة. هذا النهج يتيح للشركات والمؤسسات تبني تقنيات الذكاء الاصطناعي دون تحمل تكاليف باهظة، مما قد يغير مشهد المنافسة في هذا المجال.
إطلاق هذه النماذج أثار قلقًا في الأسواق العالمية، حيث يخشى المستثمرون من أن تهدد تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصينية الهيمنة التكنولوجية الأمريكية. هذا القلق انعكس على أداء الأسواق المالية؛ إذ شهدت مؤشرات الأسهم الرئيسية في “وول ستريت” تراجعات جماعية، وكان أكثرها تأثرًا مؤشر “ناسداك” التكنولوجي الذي فقد أكثر من 3% من قيمته. كما تكبد سهم شركة “إنفيديا” خسارة تجاوزت 16%، مما أدى إلى هبوط قيمتها السوقية بأكثر من نصف تريليون دولار، لتتراجع إلى المرتبة الثالثة بين أكبر الشركات عالميًا بعد “أبل” و”مايكروسوفت”.
لم تقتصر الموجة البيعية على الأصول الخطرة فحسب، بل امتدت إلى الأصول الآمنة أيضًا؛ حيث تراجع سعر الذهب في التعاملات الفورية بأكثر من 1.4%، أي ما يعادل 39 دولارًا، ليتداول عند 2733 دولارًا للأونصة. كما فقدت عملة “بتكوين” المشفرة، التي يُنظر إليها كأصل آمن رقمي، أكثر من 5% من قيمتها لتتداول دون 100 ألف دولار.
هذه التطورات دفعت إلى إعادة النظر في التوازن التكنولوجي العالمي وأثارت تساؤلات حول فعالية القيود الأمريكية المفروضة على تصدير التقنيات المتقدمة إلى الصين. ورغم النجاح الذي حققته “ديب سيك”، شكك البعض في مدى شرعية قدراتها؛ حيث أشار ألكسندر وانج، الرئيس التنفيذي لشركة “Scale AI”، إلى احتمال امتلاك “ديب سيك” 50,000 شريحة “Nvidia H100″، مما قد ينتهك قيود التصدير الأمريكية.
في ظل هذه المستجدات، سارعت شركات صينية أخرى إلى تعزيز قدراتها في مجال الذكاء الاصطناعي. فقد طرحت “علي بابا” إصدارًا جديدًا من نموذجها للذكاء الاصطناعي “كوين 2.5 – ماكس”، مشيرة إلى أنه يتفوق في كافة الجوانب تقريبًا على كل من “شات جي بي تي 4o” من “أوبن إيه آي”، و”ديب سيك – في3” من “ديب سيك” الناشئة، و”لاما – 3.1 – 405 بي” من “ميتا”.
تُظهر هذه التحركات المتسارعة مدى التنافس الشديد في مجال الذكاء الاصطناعي، وتبرز التحديات التي تواجهها الشركات الأمريكية في الحفاظ على ريادتها، خاصة مع تقديم الشركات الصينية نماذج متقدمة وبتكاليف أقل.
في الختام، يُعد نموذج “ديب سيك” للذكاء الاصطناعي تطورًا محوريًا في هذا المجال، ليس فقط بسبب قدراته التقنية المتقدمة، بل أيضًا لتأثيره على ديناميكيات السوق العالمية وإعادة تشكيل موازين القوى في قطاع التكنولوجيا.
إن ظهور نموذج “ديب سيك” لم يكن مجرد إنجاز تقني، بل إعلانًا مدويًا عن دخول الصين عصر التفوق في الذكاء الاصطناعي من أوسع أبوابه، متجاوزة العقبات السياسية والتجارية التي فرضتها الولايات المتحدة وحلفاؤها. لقد أثبتت بكين أنها قادرة على منافسة عمالقة التكنولوجيا الغربيين، بل وتقديم بدائل أقل تكلفة وأكثر كفاءة، وهو ما يعكس تحولًا جوهريًا في موازين القوى الرقمية.
لكن هذا التطور لم يمر دون تداعيات عميقة على الأسواق العالمية. فقد اهتزت “وول ستريت”، وسجلت أسهم الشركات التكنولوجية خسائر هائلة، وسط مخاوف من أن يؤدي “ديب سيك” إلى قلب معادلة الاستثمار في هذا القطاع. كما أن تأثر الذهب وعملة بتكوين – وهما من الأصول الآمنة – يعكس مدى الصدمة التي أحدثها هذا النموذج في النظام المالي العالمي، ويفتح الباب أمام تساؤلات خطيرة حول استقرار الأسواق مستقبلاً.
في المقابل، يطرح هذا التحول تحديات جوهرية للولايات المتحدة والدول الغربية، التي طالما اعتبرت التفوق التكنولوجي إحدى ركائز قوتها الجيوسياسية. فهل ستتمكن واشنطن من فرض مزيد من القيود لكبح التقدم الصيني، أم أن “ديب سيك” مجرد بداية لموجة جديدة من الابتكارات التي ستعيد رسم خارطة الذكاء الاصطناعي؟
إن السباق في هذا المجال لم يعد مجرد تنافس اقتصادي، بل أصبح صراعًا استراتيجيًا يُعيد تشكيل النفوذ العالمي. وإذا كان “ديب سيك” يمثل بداية عصر جديد، فإن السؤال الأهم هو: هل يشهد العالم ولادة قوة تكنولوجية مهيمنة جديدة، أم أننا أمام مرحلة انتقالية ستشهد مواجهات أعنف بين القوى الكبرى في سبيل السيطرة على مستقبل الذكاء الاصطناعي؟
الإجابة عن هذه الأسئلة لن تتضح اليوم، لكن المؤكد أن ما حدث ليس مجرد حدث عابر، بل لحظة فارقة في التاريخ الرقمي ستترك بصماتها لعقود قادمة.