الاجتماعية والثقافيةالدراسات البحثية

التعبيرات الفنية الشبابية في الفضاء العمومي: دراسة سوسيولوجية لفنون الشارع بمدينة الدار البيضاء

Youth Artistic Expressions in Public Space:  A Sociological Study of Street Arts in Casablanca

اعداد : محمد بصالح – باحث مستقل، المغرب

المركز الديمقراطي العربي : –

  • المجلة العربية لعلم الترجمة : العدد الرابع عشر كانون الثاني – يناير 2026 – المجلد5 –  مجلة دولية علمية محكمة تصدر عن #المركز_الديمقراطي_العربي ألمانيا – برلين .
  • تُعنى بنشر الدراسات والأبحاث الأكاديمية الخاصة بعلم الترجمة واللغات وعلم المصطلح، كما تولي اهتماما كبيرا بالأعمال المتَرجَمة من اللغات الأجنبية إلى اللغة العربية. بالإضافة إلى ذلك، تَفْسَحُ المجلة الباب أمام الباحثين في جميع تخصصات العلوم الاجتماعية والانسانية لنشر مقالاتهم العلمية خارج مجال الترجمة أيضا، وذلك في إطار محور تحت اسم “نافذة مفتوحة”، على ألا تتعدى هذه المقالات خمساً على الأكثر، إيمانا منا بأن المجلة جاءت لتنفتح على كل الباحثين مهما اختلفت مشاربهم واهتماماتهم البحثية.
Nationales ISSN-Zentrum für Deutschland
ISSN 2750-6142
Arabic journal for translation studies

 

للأطلاع على البحث ملف ” pdf ” من خلال الرابط المرفق : –

 

الحساب الأكاديمي أوركيد   : 0009-0001-9695-0806

 

تاريخ الاستلام تاريخ القبول تاريخ النشر
2025/07/03 2025/12/07 2025/12/28

 

: 10.63939/ajts.ze4cyv96

 

للاقتباس: صالح، محمد. (2025). التعبيرات الفنية الشبابية في الفضاء العمومي: دراسة سوسيولوجية لفنون الشارع بمدينة الدار البيضاء. المجلة العربية لعلم الترجمة، 5(14). https://doi.org/10.63939/ajts.ze4cyv96

 

ملخص
تتناول هذه الدراسة السوسيولوجية أشكال التعبيرات الفنية التي يمارسها الشباب في الفضاء العمومي بمدينة الدار البيضاء خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2023، مع التركيز على مسرح الشارع والجرافيتي. تهدف الدراسة إلى فهم هذه الظاهرة في سياقها السوسيوثقافي الحضري، واستكشاف دوافعها وآليات اشتغالها، ورؤيتها للفضاء العمومي كمحتضن لممارساتها الإبداعية. اعتمدت الدراسة على منهجية كيفية شملت الملاحظة المباشرة والمشاركة، والمقابلات المعمقة، وتحليل المضمون على مدار هذه الفترة الزمنية. كشفت النتائج عن تشكل ثقافة شبابية مقاومة تسعى للاعتراف والمشاركة في الشأن العام، وتعيد تشكيل الفضاءات الحضرية عبر ممارسات فنية تجمع بين البعد الجمالي والرسالة الاجتماعية.

الكلمات المفتاحية: فنون الشارع، التعبيرات الشبابية، الفضاء العام، الجرافيتي، سوسيولوجيا الفن

©2025، بصالح، الجهة المرخص لها: المركز الديمقراطي العربي.

نُشرت هذه المقالة البحثية وفقًا لشروط Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0).

تسمح هذه الرخصة بالاستخدام غير التجاري، وينبغي نسبة العمل إلى صاحبه، مع بيان أي تعديلات عليه. كما تتيح حرية نسخ، وتوزيع، ونقل العمل بأي شكل من الأشكال، أو بأية وسيلة، ومزجه وتحويله والبناء عليه، طالما يُنسب العمل الأصلي إلى المؤلف.

 

Mohammed Bassalah – Independent Researcher, Morocco

Orcid iD  : 0009-0001-9695-0806

Published online Accepted Received
28/12/2025 07/12/2025 03/07/2025

 

: 10.63939/ajts.ze4cyv96

 

Cite this article as: Bassalah, M. (2025). Youth Artistic Expressions in Public Space: A Sociological Study of Street Arts in Casablanca. Arabic Journal for Translation Studies, 5(14). https://doi.org/10.63939/ajts.ze4cyv96

 

Abstract
This sociological study explores the various forms of artistic expression practiced by young people in the public spaces of Casablanca between 2010 and 2023, focusing particularly on street theatre and graffiti. The research seeks to understand this phenomenon within its urban sociocultural context, examining its underlying motivations, operational dynamics, and its conception of public space as a site for creative practices.

Methodologically, the study adopts a qualitative approach combining direct and participatory observation, in-depth interviews, and content analysis conducted throughout the examined period.

The findings reveal the emergence of a resistant youth culture striving for recognition and participation in public affairs, while reshaping urban spaces through artistic practices that intertwine aesthetic sensibility with social engagement.

Keywords: Street Arts, Youth Expressions, Public Space, Graffiti, Sociology of Art
Youth Artistic Expressions in Public Space:

A Sociological Study of Street Arts in Casablanca

Mohammed Bassalah
© 2025, Bassalah, licensee Democratic Arab Center. This article is published under the terms of the Creative Commons Attribution-NonCommercial 4.0 International (CC BY-NC 4.0), which permits non-commercial use of the material, appropriate credit, and indication if changes in the material were made. You can copy and redistribute the material in any medium or format as well as remix, transform, and build upon the material, provided the original work is properly cited.

 

 

الإطار العام والأهمية العلمية للدراسة

شهدت المدن المغربية الكبرى، وخاصة مدينة الدار البيضاء، تحولات عميقة في أشكال التعبير الثقافي والفني لدى الشباب خلال العقدين الأخيرين. تبرز فنون الشارع، وتحديداً مسرح الشارع والجرافيتي، كظواهر سوسيوثقافية متنامية تعكس تحولات في الخطاب والممارسة لدى هذه الفئة الديمغرافية المتنوعة. تكتسي دراسة هذه الظاهرة خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2023 أهمية علمية واجتماعية بالغة في فهم التغيرات الاجتماعية والثقافية في الأوساط الحضرية المغربية المعاصرة.

يمكن فهم هذه الدراسة في سياق أوسع يتعلق بالتحولات التي طرأت على مكانة الشباب في المجتمع المغربي. لقد ظلت فئة الشباب في منطقة شمال إفريقيا، ومنها المغرب، غائبة نسبياً عن اهتمام الدراسات في العلوم الاجتماعية حتى فترة ما بعد الاستعمار في منتصف القرن العشرين (غرتل وهكسل، 2019، ص. 24). فقبل هذه الفترة، كان المجتمع المغربي يعتمد تمييزاً ثنائياً بسيطاً بين الأطفال والبالغين، حيث كانت المراهقة مجرد نقطة عبور تميزها طقوس تقليدية كالزواج والإنجاب. غير أن بروز الحركات الاحتجاجية والأحداث المتتالية سلط الضوء على الشباب كفاعل اجتماعي وثقافي جديد.

يمكن إرجاع الشروط الممهدة لبروز الشباب كفاعل اجتماعي وثقافي في المغرب إلى منتصف العقد الأول من الألفية الثالثة، وذلك من خلال الموجة الثقافية التي اجتاحت المدن الكبرى كالدار البيضاء والرباط، والتي وُصفت بـ «النايضة”  “NAYDA” (Caubet & Miller, 2013, p. 331)، في إشارة إلى تشابهها مع الحركة الثقافية الإسبانية  “Movida” في ثمانينيات القرن الماضي. هذه الحركة الثقافية مثلت لحظة تاريخية مهمة في إعادة تعريف العلاقة بين الشباب والفضاء الثقافي العمومي بالمغرب.

بدأت أولى ملامح هذه الدينامية الثقافية في المجال الحضري مع فعاليات مثل مهرجان البولفار (L’Boulevard)1، الذي أصبح منصة لتعبيرات فنية متنوعة كالراب والسلام والفيوجن والهارد روك. ومع مرور الوقت، ظهرت في وسط مدينة الدار البيضاء فضاءات جديدة احتفت بالأداء الفني العفوي (Happening)2 والحوار الثقافي، مثل “مقهى الفلسفة”3 و”لبطوار”4 اللذين انطلقا عام 2009 كمجالات مفتوحة للإبداع والنقاش العام.

تغطي هذه الدراسة الفترة الزمنية الممتدة من 2010 إلى 2023، وهي فترة محورية شهدت تحولات جذرية في المشهد الثقافي والسياسي المغربي، خاصة مع الموجة الاحتجاجية لحركة 20 فبراير 2011 وما تلاها من تغيرات في مجال الحريات العامة والتعبير الفني. إن دراسة هذه الفترة الزمنية تتيح فهما أعمق للتحولات التي شهدتها الممارسات الفنية الشبابية وعلاقتها بالسياقات السياسية والاجتماعية المتغيرة.

تنطلق هذه الدراسة من فضول معرفي حول ظاهرة فنون الشارع، في علاقتها بالمتلقي والفضاء العمومي، وقد كانت البدايات الأولى لهذا الاهتمام البحثي مع بحث لنيل شهادة الإجازة حول فنون الشارع ودورها في التغيير الاجتماعي سنة 2015.

1. الإشكالية والأسئلة البحثية

يتسم موضوع التعبيرات الفنية الشبابية في الفضاء العمومي بتعقيده العلمي، إذ يتقاطع مع أطر معرفية متعددة: التاريخي والأنثروبولوجي والسوسيولوجي، بأبعاده السياسية والثقافية والاجتماعية. هذا التداخل المعرفي يستدعي اعتماد مقاربة شمولية تتجاوز الاختزال في حقل علمي واحد. فالظاهرة المدروسة لا يمكن فهمها بشكل كامل إلا من خلال تعبئة مختلف الأدوات التحليلية التي توفرها هذه الحقول المعرفية المتقاطعة.

إن مقاربة موضوع البحث بهذا الغرض العلمي، وفي المنطقة المختارة ميدانياً لاحتضان اختبارات اشتغاله وقياس أسئلته، لن يقف عند مجرد الوصف أو الجرد البسيط والمباشر للمعارف المتصلة به أو للمعطيات المحصل عليها حوله. إن الباحث يجد نفسه متورطاً أمام إشكالية تتنازعها أطر معرفية متقاطعة، مما يعني ضرورة اعتماد مقاربة أكثر شمولية.

تتمحور الإشكالية الرئيسية للدراسة حول التساؤل التالي: هل يمكن اعتبار الأشكال التعبيرية في الفضاءات العمومية فعلاً احتجاجياً لثقافة فنية استثنائية بالمغرب، يهدف لمجموعة من الشباب للتعبير عن مختلف القضايا الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي يعيشها المجتمع المغربي عامة؟ أم أنها فقط ترفيه يهدف إلى عرض الأعمال الفنية من أجل عرضها؟ أم أنها تعبير جمالي من منظور جيل شبابي مغربي؟

تتفرع عن هذا السؤال المركزي عدة تساؤلات فرعية تسعى الدراسة للإجابة عنها خلال الفترة المدروسة (2010-2023):

  • بالنظر لكون التعبيرات الفنية للشباب ليست حالة مستجدة في المجتمع المغربي، هل فنون الشارع بشكلها الراهن هي امتداد لتراث شعبي مغربي أم أن لها رؤية مغايرة ذات طرح جديد؟
  • هل من الممكن أن نعتبر لهذه المبادرات الفنية رسائل من خلال ما تعرضه بالشارع العام أم أنها وسيلة للتسلية والترفيه فقط؟
  • هل بالفعل فنان الشارع استطاع بسط سيطرته على الفضاء العام بمدينة الدار البيضاء خلال الفترة المدروسة؟
  • ما موقف السلطات إزاء هذه المبادرات، وكيف تطور هذا الموقف بين 2010 و2023؟
  • هل خلف هذه الأشكال الفنية قوانين ساهمت في تعزيزها وانتشارها أو توقفها ومحاصرتها؟

2. الإطار النظري والدراسات السابقة

تعاني الأدبيات السوسيولوجية المتعلقة بموضوع التعبيرات الفنية الشبابية في الفضاء العمومي من ندرة ملحوظة، خاصة في السياق المغربي. ونحن ننجز هذا البحث اتضح لنا أن هنالك ندرة في الكتابات السوسيولوجية في موضوع “الأشكال التعبيرية للشباب في الفضاء العمومي”، وإن وجدت نجدها تقارب الموضوع من زوايا مختلفة من حيث التحليل والمعالجة.

قادنا هذا إلى التوسل بمقاربات ودراسات من سجلات مختلفة، استطعنا من خلالها تكوين صورة واضحة على موضوع البحث بشكل عام. منها من تناولت أبعاد الجرافيتي كخطاب رمزي له صلة وثيقة بالمؤسسة والهامش، وركّزت أخرى على الجوانب الجمالية والإبداعية لفن الجرافيتي، مبرزةً تحوّله من ظاهرة كانت تُصنف تاريخياً كشكل من أشكال التخريب، إلى تعبير ثقافي وفني يعكس ثقافة فئة من المجتمع.

كما اهتمت دراسات أخرى بفهم وتحليل التعبيرات الفنية والاجتماعية للشباب في الفضاءات العامة، مما يبرز دينامية هذه الفنون كأدوات للتعبير الحر، وإعادة تعريف العلاقات الاجتماعية والثقافية في المجتمع. فيما اهتمت دراسات بالجانب التاريخي لمسرح الشارع، وجرد أهم المبادرات المهتمة به على المستوى الوطني.

بناءً على اطلاعنا على جل الدراسات السابقة، اتضح لنا أن الموضوع يتقاطع بين مجموعة من التخصصات: سوسيولوجيا الفن وسوسيولوجيا الشباب، والسوسيولوجيا الحضرية، والسياسات العمومية في مجال الثقافة وغيرها من المجالات المعرفية. يأتي موضوعنا ليتقاطع مع جل هذه المواضيع، إلا أننا نرمي بالبحث نحو أشكال التعبيرات التي يمارسها الشباب بمدينة الدار البيضاء وخاصة في صنفي مسرح الشارع والجرافيتي، والتي تعرف انتشاراً في أوساط شباب المدينة وتبرز العديد من التحولات تنكشف على مستوى الخطاب والممارسة خلال الفترة 2010-2023.

فمن خلال الخطاب، تنكشف المعطيات عبر معرفة وجهات نظر الذين أنتجوا هذه الأشكال التعبيرية، ومن خلال الممارسة، تبرز الرموز والأحاسيس المباشرة والتطلعات الحياتية. كما أن التغيرات الحاصلة على مستوى القيم والبنيات الثقافية كان لها انعكاس على الممارسات الفنية، وأضحى الجمهور عنصراً محدداً في بناء التصورات الجمالية والفنية.

إن أصول فنون الشارع تعود إلى العصور القديمة وتطورت مع مرور الوقت. في اليونان القديمة، كانت المسارح في الهواء الطلق مهد العروض الفنية في الشوارع. في العصور الوسطى، كان السحرة والمشعوذون والمنشدين يحيون الساحات العامة بأرقامهم الترفيهية. تعود أصول فنون الشوارع الحديثة إلى حركات الثقافة المضادة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. في هذا الوقت، بدأ الفنانون الحضريون في استخدام الشوارع كمسرح لإبداعاتهم الفنية، مما يضع تحدياً للمؤسسات التقليدية ويجلب الفن إلى قلب الحياة اليومية. هذه الأصول المتعددة ساهمت في ظهور شكل من أشكال التعبير الفني الديناميكي والمتاح للجميع في الأماكن العامة (Girard, 2022).

ففنون الشارع تضم مجموعة واسعة من التعبيرات الفنية التي يمكن العثور عليها في الأماكن العامة. بين مختلف أنواع فنون الشارع، نجد الجرافيتي، الذي يتمثل في رسوم أو رسائل مرسومة على جدران المدينة. كما أن العروض في الشارع، مثل العاب الخفة، والأكروبات، والموسيقيين، والراقصين، وغالبًا ما يتم استخدام التركيبات الفنية، التي يمكن أن تتخذ شكل منحوتات أو بناءات مؤقتة، لتجميل البيئة الحضرية. وتوجد أيضًا الفنون البصرية، مثل الكولاج والملصقات، في الشوارع. وأخيرًا، لا يجب نسيان فنون العرض، مثل مسرح الشارع وعروض الدمى، التي تسلي المارة بأدائها الديناميكي والتفاعلي. تساهم هذه الأنواع المختلفة من فنون الشارع في تنويع وتنشيط الحياة الثقافية في الأماكن العامة، مما يخلق عرضًا حضريًا حقيقيًا للجميع (Girault, & Orellana, 2020).

3. المنهجية والأدوات

أدخل هنا المنهجية والأدوات المستخدمة بنفس التنسيق المعتمد (الخط، المقاس، البعد بين السطور)؛ يوضح مؤلف المقال في هذا القسم، بوضوح كيفية اختيار العينة، تحديد المتغيرات وكيفية قياسها، طريقة جمع البيانات ووصف كيفية تلخيص المعطيات (المتوسط، نسبة مئوية،…)، الأدوات الإحصائية والقياسية المستخدمة في تحليل المعطيات واختبار الفرضيات وكيفية استنباط المعنى الإحصائي، وأحيانا قد يكون من الضروري ذكر البرامج الرقمية (من قبيل SPSS  مثلا) المستخدمة في الحساب؛ وعند استخدام منهجية سبق استخدامها من قبل ومنشورة في أبحاث أخرى يمكن الإشارة فقط إليها في التهميش دون إعادة وصفها من جديد، وإن كانت هناك تعديلات في المنهجية، يجب تبيان ذلك وتعليله.

يجب عرض هذه المنهجية والأدوات بدقة ووضوح دون إسهاب بحيث يتمكن الباحثون الآخرون من إعادة الدراسة أو التحقق منها، ويمكن للمؤلف أن يصف المنهجية والأدوات المستخدمة في شكل مخطط، جدول أو رسم بياني لشرح الأساليب التي استخدمت، في حالة التعقيد فقط، بغرض التبسيط؛ ويمكن تقسيم هذا القسم إلى أقسام فرعية، حيث تختلف محتوياته وفقًا لموضوع المقالة.

3. أهمية الدراسة وحدودها

إن اختيارنا في هذه الدراسة، يسير في اتجاه التفكيك والتحليل العلمي لفنون الشارع، ليس باعتبارها فعلاً شبابياً منفصلاً عن السياق السياسي والاجتماعي والثقافي، وإنما بوصفها ظاهرة سوسيوثقافية تعبر عن رأي شبابي، وتكرس الحق في التعبير وتبادل الآراء بحرية، وبلورة مواقف تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، داخل سياق محلي يتميز بدينامية مجتمعية.

على هذا النحو، تفرض مقاربة موضوع البحث، بهذه الحمولة المختلفة والتي يعبر عنها على المستوى التاريخي والاجتماعي والثقافي، نوعاً من الحذر الابستمولوجي وتنويع المداخل التفسيرية للإحاطة العلمية به، خصوصاً وأن فنون الشارع لها امتدادات تاريخية في الثقافة المغربية، ولا زالت تعرف تطوراً في كيفية تعبير الفنانين عن اهتماماتهم ومشاغلهم، وأيضاً عن طموحاتهم في الوقت الراهن.

انطلاقاً من إشكالية البحث المركزية الخاصة بهذه الدراسة، ونظرا لحيوية ودينامية الموضوع الذي نشتغل عليه باعتباره مركباً من الناحية المنهجية، ووثيقاً لطبيعته بالاشتغال الفردي والجماعي للفن في الفضاء العام كمبادرات شبابية، فإنه كلما تقدمنا في البحث كلما أحالنا على محاور جديدة وأثار علينا قضايا وأسئلة متجددة تستدعي بدورها البحث والتحقق العلميين.

التزاماً بما تم تسطيره في خطة البحث المعتمدة لإنجازه، وكذلك حتى لا يتم تحميل هذا العمل انتظارات أخرى غير واردة ضمن اهتماماته الآنية، فحدود هذا البحث هي من الناحية الموضوعية والمنهجية، دراسة الأشكال الفنية في سياق سوسيوثقافي حضري بمدينة الدار البيضاء كنموذج خلال الفترة 2010-2023، بغية استقصاء دوافع ظهورها وآليات اشتغالها، ثم البحث في رؤيتها للفضاء العمومي بصفته محتضناً لجميع أعمالها ووسائلها الجمالية.

4. المنهجية والأدوات البحثية

تطلعت هذه الدراسة إلى فهم التعبيرات الفنية الشبابية في محطة أولى، محاولة التعمق في تفسير الخلفيات السوسيوثقافية للشباب الممارسين، وربطها بالديناميات التي تحدث في الفضاء العمومي بمدينة الدار البيضاء، والتي تتأرجح بين الثقافي والاجتماعي والسياسي في الفعل العمومي التداولي للمواطنين. غطت الدراسة الميدانية الفترة من 2010 إلى 2022، مما مكّن من رصد التحولات والتطورات التي شهدتها هذه الظاهرة على مدار أكثر من عقد من الزمن.

لنتمكن من معرفة مدى مساهمة هذه التعبيرات الفنية الشبابية في تفعيل الدينامية الثقافية بالأوساط الحضرية، استعنا بأدوات البحث الكيفي (أبراش، 2018، ص. 119)، وخاصة ما يرتبط بالملاحظة المباشرة وبالمشاركة والمقابلات الفردية المعمقة (Pires, 1997, p. 73) مع مختلف الفاعلين الشباب، وكذا تحليل المضمون. هذا ما أسعفنا لنتمكن من بناء تصور فهمي يحدد لنا بعض مؤشرات التغيرات الحاصلة في المنظومة القيمية والهوياتية للشباب من جهة، وقضايا الفن في البيئة التفاعلية “الشارع”، وكذا ما يرتبط بالفضاء العمومي كمجال يمكن عبره قياس مؤشرات الفعل العمومي التواصلي، وقضايا الشباب في المدينة.

1.4. الملاحظة المباشرة والمشاركة

تمت متابعة الأعمال الفنية التي تتخذ من الشارع ركحاً ومعرضاً لها على مدار الفترة المدروسة (2010-2023)، مع الحفاظ على المسافة العلمية والموضوعية اللازمة. اعتمدت الدراسة على الملاحظة المباشرة لمختلف الفعاليات والعروض الفنية في الفضاءات العمومية بمدينة الدار البيضاء، مع المشاركة في بعض الأنشطة لفهم أعمق للديناميات الاجتماعية المحيطة بهذه الممارسات.

2.4. المقابلات الفردية المعمقة

أُجريت مقابلات معمقة مع مختلف الفاعلين الشباب في مراحل مختلفة من الفترة المدروسة لفهم دوافعهم وتصوراتهم وممارساتهم الفنية وتطورها عبر الزمن. شملت العينة فنانين من مسرح الشارع، وفناني الجرافيتي، ومنظمي الفعاليات الثقافية، ونشطاء المجتمع المدني، بالإضافة إلى بعض المسؤولين في المؤسسات الثقافية الرسمية.

3.4. تحليل المضمون

تم تحليل محتوى الأعمال الفنية والخطابات المصاحبة لها لاستخلاص الأبعاد الرمزية والاجتماعية ورصد التحولات خلال الفترة 2010-2023. شمل التحليل الرسومات الجرافيتية، والنصوص المسرحية، والمواد الترويجية، والمنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، والوثائق الرسمية المتعلقة بالسياسات الثقافية.

الأدوات البحثية المحددة في النص:

الأداة البحثية النوع الوصف المدة الزمنية السياق في الدراسة
الملاحظة المباشرة أداة جمع البيانات ملاحظة الظواهر والممارسات الفنية في الفضاء العمومي 2010-2023 ملاحظة ممارسات مسرح الشارع والجرافيتي
الملاحظة المشاركة أداة جمع البيانات المشاركة الفعلية في الأنشطة الفنية أثناء الملاحظة 2010-2023 التفاعل المباشر مع الفنانين الشباب
المقابلات المعمقة أداة جمع البيانات مقابلات تفصيلية مع المشاركين طوال فترة الدراسة مقابلات مع ممارسي فنون الشارع
تحليل المضمون أداة تحليل البيانات تحليل مضمون الأعمال الفنية والخطابات طوال فترة الدراسة تحليل رسائل الجرافيتي والعروض المسرحية
المنهجية الكيفية إطار منهجي عام مقاربة بحثية تركز على الفهم العميق الإطار الشامل للدراسة

الصعوبات المنهجية

واجهت الدراسة عدة صعوبات في إنجاز هذا البحث. منها ما هو متعلق بندرة أدبيات السوسيولوجيا التي تطرقت لموضوع الأشكال التعبيرية للشباب في الفضاء العمومي، ومنها ما له علاقة بزمن البحث والذي صادف في سنته الثانية موجة وباء كورونا سنة 2020 والذي حال دون اللقاء وتتبع المبحوثين لظروف الحجر المفروض من السلطات المغربية حفاظاً على الأمن الصحي للمواطنين والمواطنات، لحدود أواخر سنة 2021 حيث تم رفع القيود تدريجياً.

بعد رفع القيود، تمكنا من معاودة النزول لميدان البحث وإعادة بناء الثقة مع المبحوثين الذين وجدنا صعوبة في الوصول لهم خصوصاً بعد وباء كورونا، إذ أن مجموعة من المبادرات الشبابية، ابتعدت عن الاشتغال في الفضاء العام وأصبحت لها أنشطة أخرى. هذا الانقطاع شكل تحدياً منهجياً في استمرارية الرصد والمتابعة خلال الفترة المدروسة، إلا أنه في حد ذاته شكل معطى مهماً لفهم هشاشة بعض هذه المبادرات وتأثرها بالظروف الخارجية.

5. النتائج الميدانية

1.5. تنوع الأشكال الفنية وخصائصها

بعد الاطلاع على مختلف المقابلات التي أجريناها مع مجموعة من الشباب البيضاوي والذين يشكلون عينة البحث، يتضح بأن طبيعة الأشكال الفنية بالفضاء العمومي لمدينة الدار البيضاء متنوعة من حيث الشكل والمحتوى والأداء خلال الفترة 2010-2023.

تدخل هذه الأشكال حسب الشباب المبحوثين ضمن التعبيرات الفنية وفنون الشارع، وممارستهم هذه تعتمد على التواصل المباشر مع الناس والذهاب حيث يوجد ويجتمع الناس، حيث يتقاسم الشباب معهم موضوعات تمس العديد من القضايا الاجتماعية سواء عبر رسومات الجرافيتي أو عبر العروض المسرحية، أو السيرك أو بهلوان الشارع.

إضافة إلى محاولة زيادة الوعي ببعض القضايا المجتمعية باعتبار أن الفضاء العمومي بشكل عام مكان للتبادل والمشاركة، كما يفتح لبعض الشباب الممارسين فرصة تقديم أعمالهم الفنية، التي يصعب عليهم الوصول بها إلى جمهور العرض الكلاسيكي.

 

2.5. البحث عن فضاءات بديلة

يعتبر الشباب المبحوثون أن تلك الفضاءات الثقافية والفنية التقليدية، لا تستجيب لرغباتهم وتطلعاتهم، كما أن تلك المؤسسات لا تعنيهم لأن البرمجة في هاته الفضاءات يعتبرونها لا تساير عصرهم واختياراتهم الفنية والثقافية. مما يدفعهم إلى البحث عن فضاءات بديلة وأكثر حرية وأكثر قدرة على جمع الناس من مختلف التوجهات والأطياف.

هذا ما دفعهم لاختيار الفضاء العام وفضاءات مثل الساحات العمومية، حيث يجدون فيها ضالتهم رغم كل الصعوبات. إن اختيار الفضاء العام كمسرح للتعبير الفني يعكس رغبة في كسر احتكار المؤسسات الثقافية الرسمية للفعل الثقافي، وسعياً لديمقراطية الوصول إلى الفن والثقافة.

3.5. التصور الجديد للثقافة

تعتبر الثقافة بالنسبة للشباب المبحوث غير مرتبطة بالتمدرس، وإنما هي مرتبطة بالوعي بمختلف القضايا المجتمعية التي تمس الفرد في حياته اليومية، وهي القدرة على المواكبة اليومية للأحداث. كما أنها هي الميزة التي يتصف بها الإنسان عن باقي الكائنات، ووجود الإنسان هو وجود ثقافي. والثقافة بالنسبة للشباب هي حق للجميع وليست في يد فئة على حساب الأخرى.

هذا التصور يتماشى مع المفاهيم المعاصرة للديمقراطية الثقافية التي تؤكد على حق الجميع في المشاركة الفعالة في الحياة الثقافية، ويتناقض مع النظرة النخبوية للثقافة التي تحصرها في فئات معينة من المجتمع.

4.5. دوافع الممارسة الفنية

يعتبر الشباب الذين ينتمون لهذه الأشكال التعبيرية، أن الهدف من ذلك هو التعبير عن أنفسهم وعن آرائهم بشكل حر ومبتكر، وكذلك إيصال رسائل اجتماعية أو سياسية أو ثقافية إلى الجمهور بطرق مبتكرة ومختلفة عن الوسائل التقليدية. يرونه أيضاً فرصة لتحسين المظهر البصري للمجتمع وإضافة لمسة جمالية وحيوية إلى الأماكن العامة.

بالإضافة إلى ذلك، يرى الشباب المبحوثون أنهم يساهمون في إعادة تشكيل الفضاءات العامة وجعلها أكثر حيوية وتفاعلية، وبالتالي يشجعون على المشاركة المجتمعية والتفاعل بين الأفراد. كما يعتبرون أن الفن في الشارع فرصة للتعبير عن هويتهم والتأكيد على وجودهم في المجتمع بطريقة إبداعية وملهمة.

  1. التحليل والتأويل السوسيولوجي

قادنا تحليلنا لنتائج البحث للوصول لسبعة استنتاجات رئيسية تكشف عن الطبيعة المعقدة لهذه الظاهرة السوسيوثقافية خلال الفترة 2010-2023:

 1.6. فنون الشارع كأداة للتعبير الشبابي والاعتراف

يشير الاستنتاج الأول إلى أن التعبيرات الفنية (مسرح الشارع والجرافيتي) تعد إحدى أدوات التعبير الشبابية ومكوناً من مكونات فنون الشارع التي تبناها الشباب، لإبداء رأيه في الشأن العام وتشخيص الوضعيات للشباب عموماً وللتعبير عن حالتهم الذاتية. يبحث الشباب من خلال هذه الممارسات عن الاعتراف بهذه الفئة الشبابية بوصفهم أفراداً لهم احتياجاتهم، وبوصفها فئة فاعلة في المجتمع.

يمكن قراءة هذه الممارسات في ضوء نظريات الاعتراف الاجتماعي التي تؤكد على أهمية الاعتراف المتبادل في تشكيل الهوية الذاتية والجماعية (هونيث، 2012، ص. 100(، وفي سياق الصراع على الشرعية الثقافية والرمزية. الشباب لا يبحث فقط عن مساحات للتعبير، بل يسعى للاعتراف به كفاعل ثقافي واجتماعي له مساهمة حقيقية في بناء المجتمع.

2.6. كسر طوق التهميش واستعادة المدينة

ينطوي الاستنتاج الثاني على أن «محتوى» هذه الأشكال التعبيرية للشباب يمثل محاولة لكسر طوق التهميش والتجاهل إزاء الشباب من عوالم السياسة والمجتمع، والسعي الحثيث والخافت لامتلاك هوامش المدينة والفضاءات المنزوية وإنارتها بفنهم، والتي تفتقر إلى بنيات استقبال مرحبة بهم، ولبذل الجهد في سبيل أنسنتها، بإيجاد مساحات/فضاءات للتعبير عن إبداعاتهم واتجاهاتهم ورغبتهم في المشاركة الإيجابية في إدارة المدينة والمساهمة في دفقها الجمالي والحركي.

إن هذا البعد يكشف عن صراع رمزي ومادي على الفضاء الحضري (Wacquant, 2023)، حيث يحاول الشباب استعادة “حقهم في المدينة” من خلال الممارسات الفنية. هذه الممارسات لا تقتصر على البعد الجمالي، بل تتضمن بعداً سياسياً يتعلق بإعادة تعريف من له الحق في استخدام الفضاءات العمومية وكيف ولماذا.

3.6. نشوء ثقافة شبابية مقاومة

يشي الاستنتاج الثالث بتشكل جنيني لثقافة شبابية تتصف بالمقاومة، وفي الآن ذاته بحدس ذكي في فهم المسارات السياسية والمجتمعية، والمطالبة باستحقاقات الفئة الشبابية. تكشف هذه التعبيرات عن ضرورة الإصغاء إلى مشكلاتهم وطرائق التعبير لديهم، والانتباه إلى إيقاعها المختلف عن إيقاع الكبار.

هذه الثقافة الشبابية المقاومة لا تتخذ دائماً أشكالاً صريحة ومباشرة من المواجهة، بل تعتمد في كثير من الأحيان على أساليب رمزية وغير مباشرة للتعبير عن الرفض والاحتجاج. إنها مقاومة (Scott, 1989) يومية تتجلى في إعادة تعريف الفضاءات العمومية وفي الإصرار على الوجود والظهور رغم كل المعوقات.

4.6. المؤشرات على الاعتراف الرسمي

يأتي الاستنتاج الرابع ليؤكد أنه من الصعب أن نتحدث عن وجود ظاهرة تأسيسية إلا إذا احتضن الناس هذه الأشكال الفنية وأطروحاتها وأدرجوها في ممارستهم اليومية وتقاليدهم الثقافية. لكن من الممكن التكلم عن مجموعة من المؤشرات التي تبين أن هذه الأشكال التعبيرية بدأت فعلاً في بسط تواجدها على المستوى الرسمي خصوصاً خلال الفترة 2010-2023.

من بين هذه المؤشرات ما قامت به وزارة الثقافة المغربية من تخصيص دعم سنوي لإنتاج عروض الشارع من مسرح شارع وسيرك شارع في عهد الوزير السابق محمد أمين صبيحي، وكذلك تأسيس الفيدرالية المغربية لفنون الشارع. بالإضافة إلى انتشار واسع للجرافيتي الرسمي والذي تتزايد ممارسته سنة بعد سنة مع كل دورة من مهرجان كازا موجا بالدار البيضاء ومهرجان جدار بالرباط.

تشير هذه المؤشرات إلى تحول تدريجي في النظرة الرسمية تجاه فنون الشارع خلال الفترة المدروسة، من كونها ممارسات هامشية غير معترف بها، إلى أشكال تعبيرية تحظى بدعم مؤسساتي، وإن كان هذا الدعم ما يزال محدوداً ويخضع لشروط معينة.

5.6. الجدل حول الأصالة والمعاصرة

ينقسم رأي الشباب الممارسون لهذه الأشكال الفنية في الفضاء العمومي إلى رأيين. الرأي الأول يعتبر أنهم يمارسون فناً معاصراً ليست له علاقة بالأشكال التعبيرية التقليدية، ونذكر هنا من يمارس مسرح الشارع بشكل احترافي والجرافيتي. أما الرأي الثاني فيقول إنهم ينطلقون من الموروث الثقافي من حلقة وأولاد حماد أموس، يبدعون أعمالهم في الفضاء العام، ونتكلم عن الشكلين سيرك الشارع ومسرح المنتدى (مسرح المقهورين.(

هذا الجدل يعكس التوترات والتفاوضات الجارية حول تعريف الهوية الثقافية المغربية المعاصرة (Bourqia, 1999)، وحول العلاقة بين التراث والحداثة. إنه يكشف عن محاولات متعددة لإيجاد توليفات جديدة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، أو تقطع معها لصالح أشكال تعبيرية جديدة كلياً.

6.6. تنوع الخطاب والرسالة

يبين الاستنتاج السادس أن بعض هذه الأشكال التعبيرية تحمل خطاباً حقوقياً يدافع عن الحريات العامة وعن حقوق الأفراد وحقوق المرأة، ويساهم من خلال عرضه في خلق النقاش حول مجموعة من القضايا ذات الراهنية بالنسبة للمجتمع المغربي. ومنها من يعتبر أنه يقدم فناً ترفيهياً فقط ليست له رسالة بالضرورة.

هذا التنوع في الخطابات والأهداف يعكس عدم التجانس داخل الفئة الشبابية الممارسة لفنون الشارع، ويكشف عن وجود مقاربات متعددة للفن ووظيفته الاجتماعية. بعض الممارسين يرون في الفن أداة للتغيير الاجتماعي والسياسي، بينما يركز آخرون على البعد الجمالي أو الترفيهي.

7.6. نمط جديد من التعبئة الاجتماعية والتأثير الرقمي

تعكس الأشكال التعبيرية المدروسة في الدار البيضاء خلال الفترة 2010-2023 نمطاً جديداً من التعبئة الاجتماعية. هذه الدينامية في نمط التعبير ترجع بطريقة ما إلى الشبكات الاجتماعية وعولمة التكنولوجيا الرقمية وحرية التعبير في المغرب، خاصة منذ الموجة الاحتجاجية سنة 2011 التي شكلت منعطفاً حاسماً في مسار هذه الظاهرة.

تقدم الجرافيتي ومسرح الشارع وسيرك الشارع، نفسها في الفضاء الحضري كشكل من أشكال التعبير الجديدة والمناهضة للصور التقليدية للفرجة، على الرغم من أن مؤلفيها جزء من مجموعات غير متجانسة من حيث عوالمهم الاجتماعية والسياسية والمحلية.

يمكن تقسيم الفترة المدروسة إلى مرحلتين أساسيتين: المرحلة الأولى (2010-2011) تميزت بالبروز التدريجي لهذه الأشكال التعبيرية، والمرحلة الثانية (2011-2023) شهدت تسارعاً ملحوظاً في انتشارها وتنوعها، متأثرة بالسياق السياسي والاجتماعي لما بعد حركة 20 فبراير، وصولاً إلى مرحلة التأسيس المؤسساتي النسبي في السنوات الأخيرة.

  1. الخلاصة والآفاق البحثية

تكشف هذه الدراسة السوسيولوجية، التي امتدت على مدار الفترة من 2010 إلى 2023، عن أن التعبيرات الفنية الشبابية (Bourdieu, 1978) في الفضاء العمومي بمدينة الدار البيضاء ليست مجرد ممارسات فنية منفصلة عن السياق الاجتماعي والثقافي والسياسي، بل هي ظواهر سوسيوثقافية معقدة تعبر عن رأي شبابي وتكرس الحق في التعبير وتبادل الآراء بحرية، وبلورة مواقف تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية.

أظهرت الدراسة أن هذه الظاهرة شهدت تطوراً ملحوظاً خلال الفترة المدروسة، من مبادرات فردية متفرقة في بداية العقد الثاني من الألفية الثالثة، إلى حركة ثقافية أكثر تنظيماً واعترافاً رسمياً في السنوات الأخيرة. كان لحركة 20 فبراير (2011) وما تلاها من تحولات سياسية واجتماعية دور محوري في تسريع هذه الدينامية وفتح مجالات أوسع للتعبير الحر.

تشكل فنون الشارع، بأشكالها المتنوعة، أداة للشباب المغربي لاستعادة حقهم في المدينة والمشاركة في تشكيل فضائها العمومي. إنها محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الشباب والمجال الحضري، وبين الفن والسياسة، وبين الهامش والمركز. وقد أثبتت هذه الممارسات على مدار الثلاثة عشر عاماً المدروسة قدرتها على الصمود والتطور، رغم كل التحديات والصعوبات، بما فيها جائحة كورونا التي شكلت اختباراً حقيقياً لمرونتها واستمراريتها.

إن اختيارنا في هذه الدراسة، سار في اتجاه التفكيك والتحليل العلمي لفنون الشارع، ليس باعتبارها فعلاً شبابياً منفصلاً على السياق السياسي والاجتماعي والثقافي، وإنما بوصفها ظاهرة سوسيوثقافية تعبر عن رأي شبابي، وتكرس الحق في التعبير وتبادل الآراء بحرية، وبلورة مواقف تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية، داخل سياق محلي يتميز بدينامية مجتمعية.

الآفاق البحثية المستقبلية

تستدعي هذه الظاهرة مزيداً من البحث والدراسة لفهم تطوراتها المستقبلية بعد عام 2023 وتأثيراتها على البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع المغربي. من بين المحاور البحثية المستقبلية التي تستحق الاهتمام:

  • دراسة مقارنة بين فنون الشارع في مختلف المدن المغربية لفهم التنوعات والخصوصيات المحلية
  • تحليل تأثير السياسات العمومية على تطور هذه الأشكال التعبيرية وإمكانيات تطويرها
  • تتبع مسارات الفنانين الشباب وتطور ممارساتهم الفنية عبر الزمن
  • دراسة تلقي الجمهور لهذه الأشكال الفنية وتأثيرها على الوعي الجماعي
  • تحليل دور التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في انتشار وتطور فنون الشارع

كما تطرح الدراسة ضرورة اهتمام السياسات العمومية بهذه الفئة الشبابية وتوفير الإطار القانوني والمؤسساتي المناسب لتطوير هذه الأشكال التعبيرية وتعزيز دورها في الدينامية الثقافية الحضرية. إن الاعتراف الرسمي بفنون الشارع كشكل ثقافي مشروع، وتوفير الدعم اللازم للممارسين، يمكن أن يساهم في إثراء المشهد الثقافي المغربي وتعزيز المشاركة الشبابية في الحياة العامة.

الهوامش

  1. تنظّم جمعية البولفار EAC-L’Boulvart منذ عام 1999 أنشطةً تتمحور حول اكتشاف ودعم المشهد البديل الشاب، وذلك من خلال تنظيم حفلات موسيقية ودورات تكوينية وورش عمل ولقاءات ومهرجانات (L’Boulevard، Le Tremplin، BoulevarDoc… إلخ). وفي عام 2010 أنشأت الجمعية مركز البولتيك Boultek، وهو أول مركز للموسيقى المعاصرة في المغرب؛ كما تُعدّ الجمعية ناشرةً لمطبوع فني تحت مسمى الكناش L’Kounache، وهي طبعة مقتنيات (Collector) مخصّصة للإبداع البديل بمختلف تخصصاته.
  2. الأداء الفني العفوي: يقصد بـ الأداء الفني العفوي (Happening) شكلٌ من أشكال الفن الأدائي المعاصر الذي يقوم على الحدث الآني والتفاعل المباشر بين الفنان والجمهور في فضاء غير تقليدي. ظهر هذا الاتجاه في خمسينيات القرن العشرين مع الفنان الأمريكي ألين كابرو (Allan Kaprow) الذي عرّفه بأنه “حدث يحدث ببساطة، يُنفّذ وفق تصور مسبق ولكن دون تكرار أو جمهور أو خشبة عرض، بحيث تظل الحدود بين الفن والحياة غير واضحة”. يتميّز الـ Happening  بالعفوية، وبدمج وسائط فنية مختلفة (المسرح، التشكيل، الموسيقى، الجسد، والفضاء)، كما يُعدّ تجربة فنية نقدية تسعى إلى تجاوز الفصل بين العمل الفني والواقع الاجتماعي.
  3. مقهى الفلسفة: لمدينة الدار البيضاء بدأت سنة 2009 بمبادرة من طلاب وأساتذة فلسفة في حديقة الجامعة العربية.
  4. فضاء المجازر القديمة بالدار البيضاء (Le Matadero / Les Abattoirs de Casablanca) هو مجمّع معماري صناعي بُني سنة 1912 خلال فترة الحماية الفرنسية في حي الحي المحمدي، صممه المهندس الفرنسي جورج إرنست ديماريست. كان يضم مجازر للحيوانات الكبيرة والصغيرة، إسطبلات، فضاء لحرق الجيف، وغرف تبريد، على مساحة تقارب 5 هكتار منها 2.2 هكتار مغطاة بالبنايات. توقّف عن أداء وظيفته كمسلخ سنة 2002 بعد نقل النشاط إلى مجازر جديدة في ضاحية مديونة، ثم أُدرج ضمن المعالم المحمية ذات القيمة التراثية لمدينة الدار البيضاء. منذ منتصف العقد الثاني من القرن الـ 21، تم تحويل الموقع تدريجياً إلى مصنع ثقافي وفني مفتوح أمام الفاعلين والمبدعين، يُستعمل لاحتضان المعارض، والعروض المسرحية، والورشات، والإقامات الفنية، ليصبح أحد أبرز رموز إعادة توظيف التراث الصناعي في خدمة الثقافة الحضرية المعاصرة بالمغرب.

بيان الإفصاح

لم يُبلِّغ المُؤَلِّف عن أي تضاربٍ محتملٍ في المصالح.

المراجع

  • هونيث، أ. (2012). ثلاثة أشكال معيارية من الاعتراف (ترجمة كمال بومنير). في كمال بومنير (محرر)، النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت (ص ص. 64–34). كنوز الحكمة.
  • أبراش، إ. (2018). البحث الاجتماعي: قضاياه، مناهجه، إجراءاته. دار الشروق للنشر والتوزيع.
  • Bourdieu, P. (1978). La jeunesse n’est qu’un mot : Entretien avec Anne-Marie Métailié. In Les jeunes et le premier emploi (pp. 521–552). Association des Âges.
  • Bourqia, R., & Miller, S. G. (Eds.). (1999). In the shadow of the sultan: Culture, power, and politics in Morocco. Harvard University Press.
  • Caubet, D., & Miller, C. (2013). Du rock au Maroc: Quelle place dans la nouvelle scène urbaine casablancaise ? In L. Bonnefoy & M. Catusse (Eds.), Jeunesses arabes: Du Maroc au Yémen: loisirs, culture et politique (pp. 342–354). La Découverte.
  • Girard, A. (2022). À travers la flamme : de la contre-culture américaine au Glass Pipe Art Movement (Mémoire de maîtrise, Université Laval).
  • Girault, Y., & Orellana, I. (2020). 50 ans après la table ronde de Santiago du Chili, où en sommes-nous de la prise en compte de la muséologie sociale, participative et critique ? In Actas Coloquio Internacional Museología Participativa, Social y Crítica. Ediciones Museo de la Educación Gabriela Mistra.
  • Poupart, J., Deslauriers, J.-P., Groulx, L.-H., Laperrière, A., Mayer, R., & Pires, A. P. (Eds.). (1997). La recherche qualitative : Enjeux épistémologiques et méthodologiques. Gaëtan Morin.
  • Scott, J. C. (1989). Everyday forms of resistance. The Copenhagen Journal of Asian Studies, 4(1), 33–62.
  • Soukah, Z. (2020). Mouraja-at Kitab A-Dakira L-Jam-iya li Maurice Halbwachs [Review of the book On collective memory, by M. Halbwachs]. Tabayyun, 9(33), 175–180.
  • Wacquant, L. (2023). Bourdieu in the city: Challenging urban theory. Polity Press.

Romanization of Arabic Bibliography

  • Honneth, A. (2012). Thalathat Ashkal Mi‘yariyya min Al-I‘tiraf [Three Normative Forms of Recognition] (Kamal Boumounir, Trans.). In Kamal Boumounir (Ed.), Al-Nazariyya Al-Naqdiyya li Madrasat Frankfurt [The Critical Theory of the Frankfurt School] (pp. 34-64). Kunooz Al-Hikma.
  • Abrash, I. (2018). Al-Bahth Al-Ijtima‘i: Qadayaahu, Manahijuhu, Ijra’atuhu [Social Research: Its Issues, Methods, and Procedures]. Dar Al-Shorouq for Publishing and Distribution.
5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى