التواصل الرقمي بين حرية التعبير وضوابط التجريم مقاربة: مقاصدية وقانونية
Digital Communication Between Freedom of Expression and Criminalization Constraints: A Maqasid-Oriented and Legal Approac

اعداد : حميد لمباركي – باحث بسلك الدكتوراه، السنة الثالثة، كلية الآداب والعلوم الإنسانية المحمدية جامعة الحسن الثاني _ الدار البيضاء – أستاذ بوزارة التربية الوطنية، ومكون في مجال التواصل _ المغرب
المركز الديمقراطي العربي : –
- مجلة الدراسات الاستراتيجية للكوارث وإدارة الفرص : العدد الثامن والعشرون كانون الأول – ديسمبر 2025 – المجلد 7 – وهي مجلة دولية محكمة تصدر عن المركز الديمقراطي العربي المانيا- برلين.
- تعنى المجلة مجال الدراسات التخصصية في مجال إدارة المخاطر والطوارئ والكوارث ،قضايا التخطيط الاستراتيجي للتنمية، الجيوبولتيك، الجيواستراتيجية، الأمن الإقليمي والدولي، السياسات الدفاعية، الأمن الطاقوي والغذائي، وتحولات النظام الدولي، التنافس بين القوى الكبرى، إضافة إلى قضايا التنمية، العولمة، الحوكمة، التكامل الأقتصادي ، إعداد وتهيئة المجال والحكامة الترابية , إضافة إلى البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية.
للأطلاع على البحث من خلال الرابط المرفق : –
الملخص:
يهدف هذا المقال إلى الكشف عن مفهوم التواصل الرقمي وعلاقته بحرية التعبير والجريمة الإلكترونية، في الفضاءات الرقمية التي أصبحت تستهدف مختلف شرائح المجتمع وفئاته المختلفة، والتي لا تنفك عن استعمال هذا النوع من التواصل في شتى المجالات، بدءا بالحديث اليومي والتعبير عن الأغراض والحاجات والنقد بأنواعه وغير ذلك، ولذا رمت بيان أسس حرية التعبير وضوابطها وحدودها الشرعية والقانونية في التشريعات الوطنية والدولية، مع مراعاة أهمية الطابع المقاصدي والشرعي أثناء التحليل، كما تم ذكر نماذج من التحديات العملية في الفضاء الرقمي كخطاب الكراهة وغيره، مع إلقاء نظرة تكاملية على السياسات التشريعية في هذا الباب، بحيث لا ضرر ولا ضرار في استعمال وسائل الاتصال الحديثة المختلفة.
Abstract
This article aims to explore the concept of digital communication and its relationship to freedom of expression and cybercrime within digital spaces that increasingly target various segments and groups of society. These spaces have become inseparable from daily use across multiple domains, ranging from everyday conversation and the expression of needs and intentions to different forms of critique andbeyond.
The study seeks to clarify the foundations of freedom of expression, along with its legal and normative boundaries in both national and international legislation, while taking into account the importance of a Maqāṣid-based and Sharīʿah-informed perspective throughout the analysis. It also presents examples of practical challenges within the digital sphere, such as hate speech, and offers an integrated overview of legislative policies in this field, emphasizing that the use of modern communication tools should neither inflict harm nor lead to reciprocal harm.
مقدمة:
واجه التواصل البشري تطور ملحوظا بعدما كان بالأمس القريب يحدث بصيغ تقليدية، تقل مخاطره عما عرفته الإنسانية اليوم من ثورة رقمية ذات خطابات واقعية وأخرى افتراضية، فأصبحنا اليوم بحاجة إلى مقاربة جديدة للموازنة بين حرية التعبير ومواجهة الجريمة الإلكترونية، إذ استعمالها السيئ من قبل البعض أصبح يؤدي إلى المساس بكرامة الآخرين وأعراضهم وحقوقهم، وهذا ما ترفضه الشريعة والقانون على وجه سواء.
فالحفاظ على انضباط أحوال الناس في مجال حرية التعبير والتواصل والإبداع وعدم تركها للفوضى والأهواء الإنسانية أمر غاية الأهمية، حتى عده بعض علماء المقاصد أن الحرية من مقاصد الشريعة تضاف إلى الكليات الخمس التي ينبغي تحقيقها ومراعاتها، بل وجب تقييدها بالشريعة والقانون، حتى تسد أبواب العبث على العابثين ومن يريد إلقاء الضرر بالآخرين، باسم الحرية والتعبير.
وبالإضافة إلى ما قرره فقهاء الشريعة من تحقيق هذا المقصد، فإن فقهاء القانون أسهموا في ضبط قواعد القانون وفصوله وفق ما عرفته الإنسانية من تطور ملحوظ في هذا المجال، فالاتصال الرقمي كأداة تعبيرية عن الأغراض والمتطلبات والخدمات لم يعد يستعمله الأفراد فقط بصفة شخصية، بل حتى باقي الإدارات والمنظمات والمؤسسات العامة والخاصة، في الإشهار والأخبار والمستجدات.
وتكمن أهمية هذه الورقة البحثية في المقاربة المقاصدية ذات البعد القانوني المعاصر والمنظم للتواصل الرقمي، الذي عرفته الإنسانية في العقود الأخيرة.
وأما بخصوص إشكالية المقالة فإنها تنحصر في السؤال التالي: ما حدود حرية التعبير في التواصل الرقمي في ضوء مقاصد الشريعة والقانون، وكيف يتم التجريم الإلكتروني دون المساس بالحقوق الأساسية؟.
ولتفكيك هذه الإشكالية، سأتبع المنهج الوصفي والتحليلي والمقارن، وفق خطة البحث التالية.
المقدمة: وتشمل أهمية المقالة، والإشكالية المطروحة ومنهج البحث والخطة المتبعة.
مدخل مفاهيمي
– مفهوم التواصل الرقمي
– مفهوم حرية التعبير
– مفهوم الجريمة الإلكترونية
المبحث الأول: أسس حرية التعبير والتحديات العملية في الفضاء الرقمي
المطلب الأول: الأساس الشرعي والقانوني لحرية التعبير
المحور الأول: الرؤية المقاصدية لحرية التعبير
المحور الثاني: الرؤية القانونية لحرية التعبير في التشريع الدولي والمغربي
المطلب الثاني: نماذج من التحديات العملية في الفضاء الرقمي
المحور الأول: خطاب الكراهية والتحريض
المحور الثاني: الابتزاز والتشهير
المبحث الثاني: الموازنة بين حرية التعبير والتجريم برؤية تكاملية
المطلب الأول: التوازن بين الحرية والتجريم
المحور الأول: المقاربة المقاصدية
المحور الثاني: المحاكمة العادلة ومبدأ الشرعية الجنائية
المطلب الثاني: الرؤية التكاملية للسياسات التشريعية
المحور الأول: ضرورة صياغة سياسات عمومية رقمية تحمي حرية التعبير مع تجريم الأفعال الضارة.
المحور الثاني: دور التربية الرقمية في الحد من الجرائم الإلكترونية.
المحور الثالث: التعاون الدولي في مكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للحدود.
خاتمة: وفيها خلاصة ما تم الحديث عنه مع ذكر أهم أفاق البحث ونتائجه.
– مدخل مفاهيمي: (التواصل الرقمي، حرية التعبير، الجريمة الالكترونية)
المحور الأول: مفهوم التواصل الرقمي
يتكون مفهوم التواصل الرقمي من كلمتين أساسيتين، وهما التواصل والرقمي، فما المقصود بكل واحدة منهما حتى نستخلص مفهوما متكاملا.
المسألة الأولى: المدلول اللغوي والاصطلاحي لكلمة التواصل.
أولا: المدلول اللغوي
يقصد بكلمة التواصل في اللغة عدة معاني، ومن أهمها الربط والإحكام، والاقتران، والالتئام، والإبلاغ، فكلها تفيد لفظ التواصل، حيث نقول ربطت الشاحن بالتيار أي وصلته به، ومنه همزة وصل أي ما يربط بين شيئين، والتأم الجرح أي اتصل بعضه ببعض، وبلغ الشيء يبلغ بلوغا وبلاغا: وصل وانتهى(ابن منظور.1414ه.ج8 ص419)، والوصل ضد الهجر وخلاف الفصل، ومنه الصلة كما جاء في القرآن الكريم قوله تعالى: [إِلَاّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ] (النساء: الآية 90).
ثانيا: التواصل اصطلاحا
للتواصل تعريفات كثيرة كما قال الدكتور عز الدين الزياتي: ” ويختلف التواصل من علم إلى علم ومن مجال إلى آخر، فهو في علم الاجتماع غيره في علم النفس، وفي التربية غيره في الإدارة…(الزياتي.2008. ص9)، فكلها تختلف عن بعضها البعض من وجوه متعددة. وقد عرفه شارل كوليCharles cooley بأنه هو: “الميكانيزم الذي بواسطته توجد العلاقات وتتطور، إنه يتضمن كل رموز الذهن مع وسائل تبليغها عبر المجال وتعزيزها في الزمان، ويتضمن أيضا تعابير الوجه وهيئات الجسم والحركات ونبرة الصوت والكلمات والكتابات والمطبوعات والقطارات والتلغراف والتلفون وكل ما يشمله آخر ما تم في الاكتشافات في المكان والزمان(حمداوي. ط1. 2015. ص6).
وبهذا التعريف يمكن أن نقسم التواصل لأنواع عدة، فمنها ما هو لفظي وما هو غير لفظي ومنها ما هو بالإشارة، أي: بلغة الجسم، فكل هذه الوسائل التي ذكرها شارل كولي يمكن تقسيمها حسب هذه الأنواع التي ذكرت، وقد يدخل في هذا التعريف كل ما هو وجداني وحركي وغيره، بل حتى ما هو رقمي وإعلامي لأن اللغة لا تنشئ وحدها الرموز العقلية حتى نعتمد عليها بشكل منفرد، ولقد أكد كولي أن اللغة وحدها لا تنشئ الرموز وحسب، بل إن كل الموضوعات والأفعال هي رموز عقلية أيضا، والاتصال هو من الوسائل التي بواسطتها يعمل العقل على نمو الطبيعة البشرية الحقة، وهكذا يمدنا مصطلح الاتصال بأساس جوهري لفهم الظواهر النفسية والاجتماعية التي يمكن تسميتها بظواهر التخمين suggestion.( طلعت محمود. ط. 2001. 2002. ص 20).
إن التواصل عبارة عن مشاركة للمعلومات أو الرسائل المختلفة مع طرف أو أكثر، بوسيلة من الوسائل، لذلك يصعب حصره في تعريف معين، وإنما يمكن أن نستجمعها في قالب عام فمفهوم الاتصال إذن ينبغي أن يقوم على تصور شمولي يضع في الاعتبار كل المحددات المتعلقة بالفرد والجماعة في عمل اتصالي معين، ويستلزم ذلك تناول الاتصال في إطار يتضمن جوانب متعددة.(طلعت منصور. ط 1980م. ص427).
وهو ما فعله كثير من الباحثين أثناء تعريفهم للتواصل، حيث استجمعوا التعريفات على تعددها واختلافها في تعريف واحد وشمولي، ومنهم الدكتور علي فلاح الزعبي حيث قال: “وكخلاصة للتعريفات السابقة يمكن إعطاء مفهوم الاتصال وهو: أنه كل تفاعل بين اثنين أو أكثر يتم من خلاله تبادل المعلومات والأفكار باستعمال وسائط متعددة تعتمد على الأفراد أو الوسائل التقنية من أجل تكوين علاقة بين المتصل والطرف الآخر.(الزعبي. 2010م/1430ه. ص27)، فاعتمد في تعريفه هذا على العناصر الأساسية في عملية الاتصال والتواصل، وهي أطراف الاتصال، والرسائل، والوسائل، وبدونها لا تتحقق عملية الاتصال والتواصل، كما نجد الدكتور خالد بن سعيد الحليبي يقوم بنفس الأمر أيضا، فيقول: “وأما التعريف الاصطلاحي فقد تكاثرت التعريفات وتعددت؛ ومجملها وخلاصتها التالي: التواصل أو الاتصال: هو عبارة عن عملية تفاعل اجتماعي، ومشاركة إنسانية، تهدف إلى تقوية العلاقات بين أفراد الأسرة أو المجتمع أو الدول، عن طريق تبادل المعلومات والأفكار والمشاعر، التي تؤدي إلى التفاهم والتعاطف والتحاب، أو عكس هذه الأمور كلها.(الحليبي. 1443ه. ص11)
ومن خلال هذه التعريفات وغيرها، يمكن أن نقول بأن التواصل يقوم على مرتكزات أساس، تهدف إلى تحقيق غايات، علمية، واجتماعية وإعلامية وغيرها، وكل المجالات تعتمده في إنجاح مختلف المحطات، سواء مقابلاتية أو مقاولاتية، أو إشهارية أو إخبارية أو غيرها، فهو خادم العلوم، ولذلك عرف تطورا كبيرا بتطورها، حتى أصبح بالنمط الرقمي الذي نحن بصدد تعريفه، فما المقصود بالرقمنة بعدما تم تعريف التواصل.
المسألة الثانية: المدلول اللغوي والاصطلاحي لكلمة الرقمي
أولا: المدلول اللغوي
الرقمي في اللغة مشتق من كلمة رقم، والذي يعني بدوره العلامة، وأكثر استعمالات اللفظ في علم الحساب، و(الرقم) الخط الغليظ والعلامة والختم وما يكتب على الثياب وغيرها من أثمانها وكل ثوب يرقم أي وشي برقم معلوم حتى صار علما وضرب مخطط من الوشي وجاء بالرقم الكثير، و(في علم الحساب) هو الرمز المستعمل للتعبير عن أحد الأعداد البسيطة وهي الأعداد التسعة الأولى والصفر.(المعجم الوسيط، 1392هـ، 1972م. ج1. ص366)
ثانيا: المدلول الاصطلاحي لكلمة الرقمي.
انطلاقا من التعريف اللغوي توحي كلمة الرقمي بأنها تتعلق بشيء فيه كثرة الأرقام والحساب، وهو ما نقصده من تحول معطيات ومعارف وأشياء ذات كثرة إلى نمط حسابي، في مجموعة أرقام، والمعنى يتعلق بشيء مستحدث له علاقة بالتكنولوجيا، ومنه الرقمنة فهي عملية نقل أو تحويل البيانات إلى شكل رقمي للمعالجة بواسطة الحاسب الآلي، وفي نظم المعلومات عادة ما يشار إلى الرقمنة على أنها تحويل النص المطبوع أو الصور (الصور الفوتوغرافية، الإيضاحات، الخرائط،…الخ) إلى إشارات ثنائية باستخدام وسيلة للمسح الضوئي، لإمكان عرض النتيجة على شاشة حاسب آلي، وفي الاتصالات عن بعد يقصد بالرقمنة تحويل الإشارات التناظرية المستمرة إلى إشارات رقمية نابضة.(فتحي، ط. 2011، ص3).
وتزيد المصطلح توضيحا أكثر الدكتورة نجلاء احمد يس بعد استخلاصها للتعريف التالي من بين مجموعة من التعريفات بقولها: “الرقمنة Digitization، هي عملية تحويل المواد المطبوعة و/أو المخزنة على الميكروفيلم أو الميكروفيش والمواد ذات الشكل التناظري، والتي من نماذجها الأشرطة الصوتية، وأشرطة الفيديو المرئية عن طريق المسح الصوتي، و/أو إعادة الإدخال، إلى مواد ذات شكل رقمي وهو الشكل الذي يستطيع الحاسب التعامل معه، وذلك بتنظيمها إلى وحدات منفصلة من البيانات يطلق عليها “Bytes”، وتخزينها على وسائط تخزين داخلية كالأقراص الصلبة، و/أو خارجية كالأقراص المليزرة، وأقراص الفيديو الرقمية و/أو إتاحتها عبر شبكة الأنترنت”.( احمد يس. ط1 2013، ص21). فالرقمنة شأنها شأن التواصل، حيث تعتمدها مجموعة من العلوم سواء في التربية والتعليم، أو الأدب، أو غيرها، وإن كان تاريخ ظهورها منذ عقود خلت فإنها تطورت بشكل كبير خصوصا في السنوات الأخيرة، وبعد تعريف هذان المفهومان نخلص إلى تعريف التواصل الرقمي.
التواصل الرقمي:
هو التواصل القائم على الوسائط الرقمية بين كل مرسل ومستقبل، وله خصائص ومميزات وأسلوب يختلف عن كل ما هو تقليدي بغية تحقيق أهداف وغايات في وقت وجيز. وقد عرف الدكتور يس خضير البياتي الاتصالات الرقمية بقوله: “هي الاتصالات التي تتعامل بمبدأ النظام الثنائي، وتصف هذا النوع من الاتصالات بقوتها وجودتها العالية مقارنة بالاتصالات التناظرية، حيث إن هناك ما يسمى بالضوضاء الكهرومغناطيسية في الطبيعة، هذه الضوضاء تسبب تشوشا في الإشارة التناظرية التي تعتمد على شدة التيار وتردده.(البياتي، ط1. 2015م/1436هـ، ص 23). فهذا التعريف ينطبق على ما يسمى بوسائل الاتصال الإعلامي التي عرفت قبل ظهور الهاتف الذكي والانترنت، مثل المذياع والتلفاز وغيره، حيث كتبه صاحبه قبل ظهور وسائل الاتصال الرقمي الحديثة مثل الهاتف الذكي والذكاء الاصطناعي وباقي برامجه.
ورغم ظهور هذه النماذج الهائلة من الاتصال الرقمي أو الثورة الرقمية، فإن الخبراء وأهل التخصص لم يجمعوا على تعريف واحد وهو الشيء الذي أشار إليه الدكتور محمد عبد الحميد بقوله: “مازالت تعريفات الاتصال الرقميDigital communication محددة بحدود ما قدمته إسهامات تكنولوجيا الاتصال الحديثة في التعريف بالوسائل القائمة على النظم الرقمية، مثل الويب wibsite الفيديو، والصوت، والنص وباقي الوسائل المتعددة المتحركة والثابتة”.(عبد الحميد، ط1. 2007م/ 1428هـ، ص 24).
فتعريف الاتصال الرقمي ينبغي أن يرتكز أساسا على المهارات والأجهزة الرقمية، في بلورة المعلومات وتقديمها للجمهور، وكيفية تخزينها، ومعالجتها، على الحاسوب وشبكة الانترنت، وهو ما عرفته به الدكتورة فريدة بن عمروش بقولها: “هو الاتصال الذي يعتمد على ربط جهاز الحاسب الآلي بشبكة الانترنت، ويعتمد على اختزال المعلومات كالنصوص والصور والصوت إلى رموز ثنائية، تتكون من سلسلة من الأرقام 0 و1 وتعتمد على تقنية الاتصال الإلكتروني من جهة، وعلى تقنيات وخدمات الشبكة العنكبوتية من جهة أخرى، ليكون بذلك اتصالا يغلب عليه الطابع الافتراضي.( بن عمروش، 2021 ص6).
وإذا عدنا إلى الدكتور محمد عبد الحميد نجد تعريفه معتمدا من قبل كثير من الباحثين حيث يقول بأن الاتصال الرقمي: “هو العملية الاجتماعية التي يتم فيها الاتصال عن بعد، بين أطراف يتبادلون الأدوار، في بث الرسائل الاتصالية المتنوعة واستقبالها، من خلال النظم الرقمية ووسائلها لتحقيق أهداف معينة.(عبد الحميد، مرجع سابق ص 26)
وبناء على هذا فإن الاتصال الرقمي يقوم على التكنولوجيا الحديثة، وبالأخص الحاسوب والهاتف وما يلحقهما من تطبيقات، غير أن فاعليته على الاتصال التقليدي تكمن في خصائصه التي ميزته عن سابقه مثل التفاعلية، والتنوع، والتكامل، وغيرها.
المحور الثاني: مفهوم حرية التعبير
حرية التعبير كغيرها من الحقوق التي كفلتها الشريعة الإسلامية، ولذلك لم يكره الله عز وجل أحدًا على النطق بكلمة الإسلام والتوحيد، لقوله تعالى: “{لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]، يقول الدكتور محمد عمارة: “وإذا كان هذا هو مقام الحرية في النظرة الإسلامية…فإن هذه النظرة قد ربطت قيمة الحرية بالإنسان… مطلق الإنسان…وليس بالإنسان المسلم وحده…وإذا كان الدين والتدين هما أغلى وأول ما يميز الإنسان…فإن تقرير الإسلام لحرية الضمير في الاعتقاد الديني لشاهد على تقديس حرية الإنسان في كل الميادين…فهو حر حتى في أن يكفر، إذا كان الكفر هو خياره واختياره {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} [البقرة: 256]….”(عمارة. ط1. 1430هـ، 2009م، ص 10).
وأما مفهومها فلم يكن معروفا عند المتقدمين من الفقهاء بهذا الاسم وإنما عرف بالكلمة، والبيان، والحق، كما في قوله تعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ} [الكهف 29]، ولذا نجد ابن حزم يدافع عن حق المخالف في عرض رأيه والرد عليه بالحجة، فيقول: “قال أبو محمد وأما ما لم تقم الحجة على المخالف للحق في أي شيء كان فلا يكون كافرا إلا أن يأتي نص بتكفيره فيوقف عنده”. (ابن حزم، ج3. ص139)، فضمن ابن حزم هنا حق حرية إبداء الرأي والموقف لمن خالف الحق، بدل أن تكون الفكرة حبيسة ذهنه، بل ينبغي أن يناظر بالحجة والبرهان لإقناعه ومعرفة الخطأ الذي هو عليه، من أجل تفنيده، ولو لم يعبر ما عرف حقه من باطله.
وقد ذهبت الفرق الكلامية مذاهب شتى في تقرير مفهوم حرية الرأي والتعبير، حتى ربطوها بالجبر والاختيار والإلجاء والقدر وغيرها من المصطلحات كما هو عند المعتزلة والجبرية ومن على نهجهم، يقول الدكتور عبد المجيد النجار: “وعلى صعيد الواقع الإسلامي فإن حرية الرأي كانت شائعة في القرون الأولى على وجه العموم، وهو ما تشهد به تلك الكثرة من مذاهب الفقه ومن مذاهب العقيدة، كما تشهد به المعارضات السياسية المتواصلة في كل عصر، وعلى الرغم مما نشأ من ذلك من فرق سياسية على الأخص ترجع بأسبابها إلى الإخلال بضوابط حرية الرأي لا إليها في ذاتها، فإن هذه الحرية منحت العقلية الإسلامية بصفة عامة، خاصية منهجية من الشمول في النظر المعرفي قلما تجد لها نظيرًا في ثقافات أخرى”.( النجار. ط1. سنة 1413هـ 1992م، ص50و51).
وأما المعاصرون فقد ربطوا حرية التعبير بمجالات مختلفة فاتسعت دائرتها، ومن أمثلة ذلك تعريف الشيخ علال الفاسي الذي قرنها بمقصد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعل للمسلم الحق قي نقد التصرفات غير اللائقة بالمجتمع فقال: “فلكل أحد أن يأمر بالقول وبالكتابة الخاصة والعامة بالمعروف وينهي بالقول وبالكتابة الخاصة والعامة عن المنكر، ولكل أحد أن يبحث عمن يساعده في مهمته من إخوانه الذين يشعرون بالحاجة إلى العمل لدفع المنكر والقرار المعروف، وهذه الحرية تشمل بالطبع حرية الفكر والقول والتعبير بأنواعه والنشر بجميع وسائله ونقد تصرفات الدولة والقضاء والأشخاص لا يحد ذلك إلا الحق نفسه أي أن يكون الأمر بالمعروف داخلًا في المعروف وخارجًا عن المنكر”.( الفاسي، ط5، سنة 1993م، ص 258).
ويرى الدكتور عبد المجيد النجار أن حرية التعبير عن الرأي عبادة عند المتقدمين من الأصوليين إذا تم الوصول إليها بالأدلة المعتبرة، بدل التحذير من الركود والجمود والتخويف من إبداء الرأي السديد: “وهي الأمة التي اعتبر علماء أصول الفقه الأقدمون من أبنائها الرأي دليلاً من أدلتها الشرعية، فما يوصل الرأي إليه بالوسائل المعتبرة شرعًا يصبح شرعًا يتعبد الناس به، وإذا بالرأي يتحول عند الخلف إلى بدعة وجريمة وانحراف واعتزال وخروج عن السنة، وابتعاد عن الأتباع بحيث يتنادى البعض لتنقية أجواء الأمة وحمايتها منه، واعتباره ضلالة يجب تحذير الناس منها، وذريعة يجب سدها لئلا تنفتح على الأمة أبواب من الشر لا تغلق، فتوقف التفكير، واعتبر التوقف عن إنتاج الرأي ضمانة جيدة لبقاء مجموعة الأفكار السكونية الراكدة سائدة في الأمة مهيمنة على عقليتها، يعاد إنتاجها كلما دعت الحاجة، ولعمري أي باب من أبواب الشر لم يفتح على هذه الأمة بعد؟، إن الشرور كلها والعياذ بالله تغلغلت في كل جانب من حياة هذه الأمة من أبواب مشرعة ليس باب الرأي أو حريته من بينها، وهي إن ضاقت فاقتحام يمكن أن يتم من نوافذ مخلعة، فمن المسئول عن تلك الشرور؟ إنه باختصار شديد استبداد الطغاة وعجز العلماء، وجهل الأبناء، لا إبداء الآراء، ولا الحرية في التعبير عنها”. (النجار. مرجع سابق. ص 15).
أما الدكتور برهان أزريق فجعل الحرية من السيادة ولا تقتصر على الإنسان فحسب بل حتى باقي المخلوقات، وضرب المثال بالنملة التي عبرت عن رأيها لسليمان عليه السلام، وحواره تعالى للملائكة كذلك، فقال: “حق الرأي إفصاح عن الذات والسيادة الفردية: حق الرأي والتعبير عنه هو جوهر الحياة الإنسانية، ومظهر مسارب التاريخ ومساراته، وإن كان لا مجال في هذه الصفحات الضيقة إتيان وإبراز الأهمية التي أولاها القرآن الكريم لهذه الفعالية وحسبنا أن نقول إن هذا الحق أو الحرية أسبغها الله تعالى على أصغر مخلوقاته (النملة)، وقال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِي النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ النمل} [النمل 18]، والآيات الكريمة التي تناولت هذا الحق لا حصر لها، وحسبنا هذا الحوار الإلهي مع الملائكة والمتضمن: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة 30]…”.( برهان. ط1. سنة 2016 ص 195)
المحور الثالث: مفهوم الجريمة الإلكترونية.
الجريمة الإلكترونية من المصطلحات المستحدثة التي ظهرت مع عصر الثورة التكنولوجية، والتي نتجت عنها جرائم مستجدة أدخلت المجتمعات الإنسانية إلى بوثقة تتطلب معالجة الظواهر السلبية التي حدثت عن هذا الصنف من الجرائم الرقمية، حيث تعددت التعريفات التي تناولت الجريمة المعلوماتية، ويرجع ذلك إلى الخلاف الذي أثير بشأن تعريف هذه الجريمة ومن قبلها تعريف المعلومة ذاتها، فالجرائم المعلوماتية هي صنف جديد من الجرائم ذلك أنه مع ثورة المعلومات والاتصالات ظهر نوع جديد من المجرمين انتقلوا بالجريمة من صورتها التقليدية إلى أخرى إلكترونية قد يصعب التعامل معها، لأن الجريمة المعلوماتية هي من الظواهر الحديثة وذلك لارتباطها بتكنولوجيا حديثة هي تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وقد أحاط بتعريف الجريمة المعلوماتية الكثير من الغموض حيث تعددت الجهود الرامية لوضع تعريف جامع مانع لها ولكن الفقه لم يجتمع علي وضع تعريف محدد لها بل أن البعض ذهب إلى ترجيح عدم وضع هذا التعريف بحجة أن هذا النوع من الإجرام ما هو إلا جريمة تقليدية ترتكب بأسلوب إلكتروني.(الديربي، وصادق. ط1 سنة 2012 ص 40)، وجاء في حديث مؤتمر الأمم المتحدة عن هذا النوع من الجرائم أنها تستهدف تكنولوجيا المعلومات المتصلة بالحواسيب فثمة عدد من أشكال الجرائم المتصلة بالحواسيب تستهدف تكنولوجيا المعلومات والاتصالات ذاتها، ويشار إليها أحيانا بفئة الجرائم التي تنتهك سرية النظم الحاسوبية، أو سلامتها أو توافرها وتشمل هذه الجرائم أشكال سرقة خدمات الاتصالات والخدمات الحاسوبية باستخدام أساليب قرصنة متنوعة رهنا بالتكنولوجيا المستخدمة، تشمل هذه الجرائم النفاذ غير المسموح به، وفك الشفرة أو كلمة المرور، والاستنساخ الرقمي والاستيلاء على بطاقات الائتمان وهلم جرا.(مؤتمر الأمم المتحدة بانكوك، 18 – 25 أبريل 2005م ص 4).
أما المشرع المغربي فلم يعرف الجريمة الإلكترونية وإنما استعمل هذا المصطلح للدلالة على كل نشاط إجرامي تكون فيه التقنيات التكنولوجيا والرقمية جزءا منه، إما باعتبار التكنولوجيا هدفا لذلك النشاط الإجرامي أو بكونها هي الوسيلة لتحقيق الجريمة.(المبطول، 2022 ص26)، ولذا ارتأى عدم إعطاء مفهوم للجريمة الالكترونية بسبب عدم انضباط التعريف وصعوبة حصر الوسائل المستخدمة فيها.
المبحث الأول: أسس حرية التعبير والتحديات العملية في الفضاء الرقمي
المطلب الأول: الأساس الشرعي والقانوني لحرية التعبير
المحور الأول: الرؤية الشرعية والمقاصدية لحرية التعبير
راعت الشريعة الإسلامية حقوق العباد في شتى المجالات ومنها حرية التعبير والتي لا تتعارض ومقاصد الشريعة الإسلامية وضروراتها الخمس بل إنها أقرت هذا الحق، وكرمت الإنسان بعقله، وجعلت رقيه وكرامته بالقراءة والكتابة والتعبير، كما قال تعالى: {اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ} (العلق: 3). وقوله عز وجل: {عَلَّمَهُ الْبَيانَ} (الرحمان: 4). فبتعبيره يحصل على مراده، وتعرف أهدافه، ولهذا لم تحرم الشريعة ما استجد من وسائل الاتصال في هذا الباب، بل وجب استخدامها في الخير فيعبر فيها الإنسان لكن بصدق، ويرفض لكن بأدب، ويقول الحق لكن بأسلوب مقبول، وكل هذا من حرية التعبير والتواصل الايجابي، بل ذهب البعض إلى أن حرية التعبير حق واجب، ومقصد شرعي، يقول الدكتور عبد المجيد النجار: “جاءت الشريعة الإسلامية تشرع لحرية الرأي لا على أساس أنها حق مباح، من حقوق المسلم فحسب، ولكن على أساس أنها واجب عليه أيضا، ولكثرة ما جاء فيها من طلب مشدد يمكن أن نعتبرها ترقى في سلم المقاصد الشرعية إلى درجة الضرورة، فهي مقصد ضروري من مقاصد الشريعة”.(النجار، مرجع سابق ص45). ونفس الأمر أكده الدكتور محمد عمارة عندما عد الحرية من الضرورات الشرعية: “فالحرية، في النظرة الإسلامية، ضرورة من الضرورات الإنسانية، وفريضة إلهية وتكليف شرعی واجب، وليست مجرد (حق) من الحقوق، يجوز لصاحبها أن يتنازل عنها إن هو أرادا”.(عمارة، مرجع سابق ص08). وقال آخرون بإضافة الحرية إلى الضرورات الخمس وذلك بإمكان الزيادة عليها، وهو الشيء الذي ذكره الدكتور جمال الدين عطية عن ثلة من المعاصرين بقوله: “وأشار الشيخ محمد الغزالي في بعض أحاديثه غير المنشورة، كما كتب الدكتور أحمد الخمليشي والدكتور يوسف القرضاوي…وغيرهم محبذين مقترحين إضافة العدل والمساواة والحرية…”.(عطية، ص 98).
المحور الثاني: الرؤية القانونية لحرية التعبير في التشريع الدولي والمغربي.
ضمنت القوانين الوضعية للأفراد والجماعات حرية التعبير في مختلف المرجعيات سواء الدولية أو الوطنية، فأما في المواثيق الدولية فقد نص على مشروعيتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سنة 1948، ضمن المادة 19 بما يلي: “لكل شخص حق التمتع بحرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرِيته في اعتناق الآراء دون مضايقة، وفي التماس الأنباء، والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأية وسيلة ودونما اعتبار للحدود”.(الجمعية العامة للأمم المتحدة، الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ط 2015، ص40)
وعلى غرار الإعلان العالمي لحقوق الإنسان جاء العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية سنة 1966م معبرا عن حق حرية التعبير بشيء من التفصيل في استعمال بعض وسائل الاتصال المختلفة: “لكل إنسان حق في اعتناق آراء دون مضايقة، لكل حق في حرية التعبير، ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع، أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختاره.( العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، دجنبر سنة 1966م، المادة 19 ص6).
كما تطرق الميثاق العربي لحقوق الإنسان إلى هذا الحق بما نصه: “يضمن هذا الميثاق الحق في الإعلام وحرية الرأي والتعبير، وكذلك الحق في استقاء الأنباء والأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين بأي وسيلة، ودونما اعتبار للحدود الجغرافية”.(الميثاق العربي لحقوق الإنسان، سنة 2004م. المادة 32)
أما في المرجعية الوطنية، فإننا نجد الدستور المغربي يكفل حرية التعبير بكل أشكالها سواء في مجال الأدب والفن والبحث العلمي، فقد جاء في الفصل 25: “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها، حرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة”. (دستور المملكة المغربية. سنة 2011م. ص 23)
كما قرر قانون الصحافة والنشر المغربي أن حرية التعبير بالوسائل التقليدية والرقمية مضمونة طبقا لأحكام الفصل 28 من الدستور ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية فقد جاء في القانون المتعلق بالصحافة والنشر أن هذه الحقوق تمارس طبقا للدستور وفق الشروط والشكليات الواردة في هذا القانون ووفقا للقانون رقم 89.13 المتعلق بالنظام الأساسي للصحافيين المهنيين والقانون رقم 90.13 المتعلق بالمجلس الوطني للصحافة، كما أن حرية طباعة الصحف وغيرها من المطبوعات وتوزيعها مضمونة بموجب هذا القانون.(الجريدة الرسمية، عدد6491،11 ذو القعدة 1437ه. ص 5967)، أما فيما يخص القانون رقم 88.13 المتعلق بالصحافة والنشر، فقد تمت مراجعته وتتميمه بمشروع القانون 71.17، وهو الشيء الذي جعل المجلس الوطني لحقوق الإنسان يعمل على فحص وتقييم مقتضيات مشروع هذا القانون على ضوء المعايير الدولية لحرية الرأي والتعبير، سواء تلك المنبثقة عن المواثيق الدولية التي صادقت عليها المملكة المغربية، أو عن بعض نصوص القانون المقارن، أو تلك التي أرساها الاجتهاد القضائي للمحكمة الأوربية لحقوق الإنسان أو المحكمة الأمريكية لحقوق الإنسان، وتبين للمجلس الوطني أن مقتضيات مشروع القانون المذكور ذات أهمية بالغة وكبرى بالنسبة للحق في حرية الرأي والتعبير.(منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان سنة 2022، ص11) فكل هذه المرجعيات والمواثيق ضمنت للإنسان حق حرية التعبير، بضوابط وشروط لا تسمح بالإساءة إلى الغير، ولم تختلف في الحيثيات والمقاصد التي أنشئت من أجلها، ولم تختلف المواثيق الدولية عن الوطنية عن مقصد نشأتها، وهي ضمان كرامة الإنسان فوق الأرض ونبذ أشكال العنصرية والتمييز.
المطلب الثاني: نماذج من التحديات العملية في الفضاء الرقمي
المحور الأول: خطاب الكراهية والتحريض
عرفت هيئة الأمم المتحدة خطاب الكراهية بكونه خطابا يشمل أي نوع من أنواع التواصل، الشفهي أو الكتابي أو السلوكي، الذي يهاجم أو يستخدم لغة ازدرائية أو تمييزية بالإشارة إلى شخص أو مجموعة على أساس الهوية، وبعبارة أخرى، على أساس الدين أو الانتماء الإثني أو الجنسية أو العرق أو اللون أو النسب أو النوع الاجتماعي أو أحد العوامل الأخرى المحددة للهوية.(الموقع الرسمي لهيئة الأمم المتحدة على الويب: https://www.un.org). فهذا التعريف لا يختلف مع ما أمر الله سبحانه وتعالى به من الحفاظ على الأخوة الإنسانية والإيمانية حتى لا تصاب العلاقات الإنسانية بالشلل، ولذلك حارب الشارع هذا النوع من الخطابات التي تدعو إلى الكره والتحريض وحث على التعارف والتواصل بين الأمم والشعوب، ولا أدل على ذلك مما جاء في السنة النبوية التي بينت خطاب النبي عليه السلام لكبراء عصره وتواصله معهم بمختلف الوسائل المتاحة آنذاك بالكلمة الطيبة والقول الحسن.
كما أننا نجد الإسلام يعالج خطاب الكراهية في محطات مختلفة، سواء في علاقات المسلمين فيما بينهم أو مع من خالفهم في الدين، فمن النماذج التي جاءت في القرءان الكريم والتي تدعو إلى التواصل الحسن بدل خطاب الكراهية والعنف، نموذج موسى وهارون في مخاطبة فرعون بالقول اللين بدل التأنيب والكلام الجارح رغم ادعائه الربوبية، قال الحق سبحانه : {فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى} [طه: 44 43].
وإذا نظرنا إلى منصات التواصل الاجتماعي اليوم نجدها في تزايد كما قال يوسف بلعباس: “وهي الآن في تزايد مستمر لتنتج الكراهية والفتنة وتبث سمومها في المجتمع، ويتلقاها الشباب ويتأثرون بها، ذلك أن أغلبها تأتي من مصادر مجهولة، وبهويات رقمية متعددة، حيث غرست أفكارها الهدامة واستمالت عقول الشباب، ويظهر ذلك في التفاعل اليومي مع الصفحات التي تستغل ضعفهم قيما وثقافة، وتأتي خطابات الكراهية عبر الفيسبوك في سياقاتها الدينية والعرقية والإثنية والتمييز العنصري الجنسي واللون، ما يزرع الحقد والفرقة ليس فقط بين أبناء المجتمع الواحد، بل يتعداه إلى خارج الحدود، بين العرب وحتى بين المغاربة، وكثير من أشكال التنمر وخطابات الكراهية نجدها في الرياضة والسياسة ما جعلها تتطور إلى سجالات حادة تنامت فيها مظاهر التعصب والتطرف( بلعباس 2022 ص 327).
– نموذج خطاب التحريض على الكراهية على الفيسبوك:
فهذا النوع كثيرة هي صوره وأنماطه والتي تشكل خطورة وتهديدا للأمن المجتمعي في الكثير من الأحيان، كنشر الصور الساخرة والمستفزة، باستعمال أسلوب السب والإهانة والتنقيص من الآخر عن طريق النشر أو التعليق، أو الإساءة إلى إليه بطرق أخرى، سمعية أو بصرية، وقد جاءت بعض الإحصائيات الخاصة بأساتذة الجامعات تبين نسبا متفاوتة في مجالات خطاب الكراهية في فضاء الفيسبوك فكانت أعلى نسبة: “للمجال الديني بنسبة %24,64، ثم الاجتماعي بنسبة% 19,43، ثم السياسي بنسبة %18,48، ثم الثقافي بنسبة %16.58، ثم الرياضي بنسبة %14.69 وأخيرا الاقتصادي بنسبة %6,16 ( بلعباس. مرجع سابق. ص 12).
فعوامل حدوث خطاب التحريض على الكراهية في الفيسبوك متعددة ولا يمكن إرجاعها إلى ما هو اجتماعي أو ثقافي وحده، بل هناك ما هو إيديولوجي أو عرقي أو غيره، وهو الشيء الذي ذكره يوسف بلعباس بعدما قارن هذه الإحصائيات بغيرها، عندما قال: “تبرهن النتائج أن خطابات الكراهية ليست في كل الأحوال ترجمة للعوامل الاجتماعية، فقد ينشأ الفرد في بيئة صحية ومؤسسات تنشئة سليمة كالأسر ودورها الرشيد في مقت الظواهر الغريبة، إلا أن الأمر يطرح جدلا؛ فبالرغم من توفر هذه الشروط في مجتمعاتنا المحلية إلا أن خطابات الكراهية في تصاعد وتنام كبيرين، فالسلوكيات السلبية تخذ البيئة الرقمية أرضا خصبة في سرعة تفشيها، وهو ما لا يمكن إرجاعه لعلوم التربية والمجتمع فقط، بل تعكسه ميول فطرية تأجج الصراع النفسي، ويفرزه ميل الشخص بطبعه إلى التطرف إما لظروف قاهرة في ذكرياته أو ناجم عن حقد دفين اتجاه الآخر، ونقصد بالآخر المختلف في العرق والجنس والدين واللّون والرأي والفكر وغيره( يوسف، مرجع سابق ص 18). كما ذكر بعض هذه الأسباب الباحث ناصر الرحامنة بقوله: “هنــاك خطــاب كراهيــة يعصــف بشــبكات التواصــل الاجتمــاعي فــي أمــاكن كثيــرة مــن العــالم،لأســباب عرقيــة أو دينيــة أو سياســية أو طائفيــة أو غيرهــا مــن أنمــاط الانتمــاءات( الرحامنة، 2018م، ص 12).
ويرجع الباحث منير حمدوشي انتشار هذا النوع من الجرائم عندما يقوم به أناس لا تعرف هويتهم، ولا عرقهم ولا نوع جنسهم بقوله: “شهد خطاب الكراهية انتشارا واسعا مع ظهور المنصات التفاعلية، في ظل إمكانية إخفاء هوية مستخدمي الانترنيت، عبر أسماء مستعارة وحسابات مزيفة، مما سمح بالانفلات من المتابعة القانونية والمساءلة القضائية…( حمدوشي. 2022م. ص 153).
المحور الثاني: جرائم الابتزاز والتشهير الرقمي
أ – جريمة الابتزاز الرقمي
الابتزاز الرقمي ظاهرة حديثة عرفتها الشبكة العنكبوتية، وقد يسمى بالتهديد الالكتروني، فالضحية غالبا ما يطالب بأشياء ثمينة فدية مما قد يلحقه من ضرر مادي أو معنوي أو اجتماعي بنشر خصوصياته للعلن على الفضاء الرقمي مثل الصور ومقاطع الفيديو وغيرها، وقد عرفه الدكتور وفاء محمد صقر بما يلي: “جريمة الابتزاز الإلكتروني تتمثل في تهديد شخص طبيعيا كان أو اعتباريا من خلال إحدى الوسائل الإلكترونية وإجباره على القيام بعمل أو الامتناع ولو كان هذا العمل أو الامتناع مشروع، فالعبرة في الجريمة في إجبار الشخص والتحكم في إرادته دون النظر إلى الشيء المجبر عليه”( صقر. سنة 2024 . ص 469).
ويشمل الابتزاز الالكتروني مجموعة من الأنواع والأشكال وله الكثير من الخصائص، ككونه من الجرائم الناعمة، وعابر للحدود، ويمس حريات الآخرين، ويصعب إثباته (المتوكل، سنة 2023. ص 191).
أما عن وسائله فمتعددة، قد ذكرتها الأستاذة مريم عراب بقولها: “هناك العديد من الوسائل التي يستخدمها المبتز في سبيل وصوله لهدفه من الجريمة، وهذه الوسائل من ضمن الأسباب الرئيسية التي تجعل المجني عليه يذعن لرغبات المجرم ملبيا إياها، وتتنوع بدءا من صورة أو تسجيل صوتي للضحية وقد تكون الوسيلة تجمع ما بين الصورة والصوت في تسجيل مرئي، وقد تكون الوسيلة أيضا الحصول على أسرار تمس الحياة الخاصة للضحية عن طريق وثائق وبيانات وهناك وسيلة استخدام الألفاظ والعبارات ذات الوعيد”( عراب . سنة 2021. ص 1213)
ب –جريمة التشهير الرقمي
التشهير من الجرائم الرقمية الواقعة على الأشخاص، وذلك لأنها تستهدف أعراضهم وسمعتهم وترتكز على وسائل الاتصال الحديثة من حاسوب وهاتف ذكي وكلها تعتمد على شبكة الانترنيت، حيث يقوم المجرم بنشر معلومات قد تكون سرية أو مضللة أو مغلوطة عن ضحيته، والذي قد يكون فرداً أو مؤسسة تجارية أو سياسية، تتعدد الوسائل المستخدمة في هذا النوع من الجرائم، لكن في مقدمة هذه الوسائل إنشاء موقع على الشبكة يحوي المعلومات المطلوب نشرها أو إرسال هذه المعلومات عبر القوائم البريدية إلى أعداد كبيرة من المستخدمين، ويضم لهذه الجرائم كذلك تشويه السمعة، والشائعات والأخبار الكاذبة لمحاربة الرموز السياسية والفكرية وحتى الدينية من أجل تشكيك الناس في مصداقية هؤلاء الأفراد، وقد يكون الهدف من ذلك هو الابتزاز(ديش2017. ص 273).
ويشير الباحث كرم سلام إلى جريمة التشهير بقوله: “وكذلك من الأنواع: التشهير، حيث يستخدم المجرم المعلومات المسروقة ويضيف إليها معلومات كاذبة ثم يرسلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو البريد الإلكتروني لكثير من الناس بهدف تشويه سمعة الضحية وتدميرها نفسيا وغيرها من الأنواع المتعددة في هذا المجال ( كرم سلام. سنة 2022. ص 50).
المبحث الثاني: الموازنة بين حرية التعبير والتجريم برؤية تكاملية
المطلب الأول: التوازن بين الحرية والتجريم
المحور الأول: المقاربة المقاصدية
حرية التعبير مطلب شرعي، فكما سبق فإنها تدخل حيز الوجوب، فهي كرامة الإنسان وسيادته، بحيث لا يمكنه أن يكبح جماح الفكر والقلم كما تغنى بذلك المتنبي قديما بحرية تعبيره بالوسائل المتاحة في عصره، ولا ينبغي الإضرار بالغير من خلال هذه الحرية أيضا، كما جاء في نصوص شرعية كثيرة، فلا ضرر ينبغي أن يلحق من أراد التعبير في الفضاء الرقمي إذا التزم الضوابط والآداب والأخلاق المعمول بها شرعا وقانونا في النشر والتعبير بمختلف الوسائل سواء اللفظية أو الإشارية أو غيرهما، فوجب عليه أن يسلك طريق التواصل الايجابي حتى يكون عمله بعيدا عن الإساءة إلى الغير، بما فيه الأمن المجتمعي ومؤسسات الدولة، وباقي الأفراد وأن لا يخلط بين الحق، وطريقة إيصاله، لأن المراد بحرية التعبير تحقيق مقصود الشارع، بدل الوقوع في أعراض الناس بالسب والتشهير في المنصات الرقمية وباقي مواقع التواصل الاجتماعي.
فالمقاربة المقاصدية لحرية التعبير ترتكز على تحقيق التوازن بين الحقوق والواجبات، وإذا تعارضت عند ذلك حرية التعبير بالمصلحة العامة وجب تقديم هذه الأخيرة على ما هو فردي.
المحور الثاني: الشرعية الجنائية والمحاكمة العادلة
حرية التعبير والتواصل في الفضاء الرقمي بمختلف منصاته حق إنساني، لكن وجب تقنينه وسن سياسات جنائية تتماشى وهذه الحرية دون تضييق، فتكون بذلك شرعنته بما يضمن للأفراد حقوقهم في التعبير، بمعنى أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني، فهو كما يقول الأستاذ محمد سايحي عن مبدأ الشرعنة هذه: “ومقتضاه أن لا تعتبر أفعال الأفراد وصور سلوكهم جرائم إلا بوجود نص قانوني معاصر لوقوعها، ويحمل في طيه نهيا صريحا، ويقرر جزاء جنائيا، ولا يقتصر هذا المبدأ على التجريم والعقاب فحسب بل يمتد إلى الإجراءات الجنائية، فأي إجراء غير منصوص عليه يعتبر تحكما، يرتب زيادة على البطلان الجنائي، مكنة المتابعة الجنائية للجهة التي أصدرته (سايحي. ص 213).
كما أنه ينبغي أن نعرف حدود حرية التعبير وباقي جوانبها القانونية نظرا لاتساع معنى حق حرية التعبير وشموليته لمجالات متعددة تتعلق بباقي الحقوق والحريات، ويرجع هذا الاتساع على حد تعبير مباركي جمال الدين لزرق إلى كونها تكمن في أن حق أو حرية الرأي والتعبير يرتبط بعدد من حقوق الإنسان الأخرى المعترف بها مثل الحقوق اللغوية وحرية الاجتماع والتجمع وحرية الصحافة، كما أن له صلة وثيقة بحرية المعتقد والدين، ويتقاطع في بعض الجوانب مع حق المشاركة في الحياة العامة للدولة”( مباركي. سنة 2018م. ص30). فالأفراد يمارسون حرية التعبير بهذا الاتساع والشمول، لكن لا ينبغي متابعتهم في ما لا يخالف القانون حماية لحرية التعبير، ولذلك راعت الدساتير هذا المعنى بمقتضى الحرية العامة، غير أن بعض النصوص التنظيمية يلفها الغموض والعموم والتنزيل على أرض الواقع وهذا ما يحول دون مسايرة التشريع الجنائي في بعض القضايا الرقمية المستجدة كجريمة الابتزاز والتشهير والاحتيال وغيرها.
المطلب الثاني: الرؤية التكاملية للسياسات التشريعية
المحور الأول: أهمية السياسات العمومية الرقمية في حماية حرية التعبير وتجريم الأفعال الضارة
تحاول مجموعة من الدول تشريع سياسات حمائية رقمية لهذا النوع من الاتصال القائم على حرية التعبير في الشبكات العنكبوتية، كما يقول الدكتور عبد الله نوح: “تبذل المنظمات الحقوقية جهودا حثيثة على المستوى الدولي لبلورة مجموعة قواعد وضوابط متفق عليها لممارسة الحريات الرقمية وحماية رواد الانترنت بواسطة إخضاع رقابة الدول إلى ضوابط قانونية ودولية متفق عليها، إذ أدى النقاش المحتدم حول الحقوق الرقمية إلى إصدار عدة إعلانات دولية للدفاع عن الحرية الرقمية وكبح جماح رقابة الدول عليها (نوح، سنة 2021 ص303).
أما مريم عراب فقد وصفت هذه الجهود بالقصور بقولها: “وبالرغم من قيام الكثير من الدول بسن تشريعات جديدة، أو تعديل تشريعاتها القائمة لمواجهة الجريمة المعلوماتية إلا أنها لم تتوصل إلى تدارك كل ما يحيط بالجريمة من الجانب الإجرائي، كذلك بالنسبة للمشرع في الدول العربية لم يتدخل جديا لمواجهة هذا النوع من الجرائم بنصوص إجرائية خاصة، وأمام هذا القصور التشريعي تبرز مسألة صعوبة جمع الأدلة في مجال الجريمة المعلوماتية من جهة، ومن جهة أخرى صعوبة في تطبيق الإجراءات الجنائية التقليدية (عراب، مرجع سابق ص 1214).
ويمكن أن نرجع سبب هذا القصور إلى زيادة الكم الهائل والثورة الرقمية التي عرفت تطورا كبيرا على حد تعبير قول الأستاذ مصطفى محمد صادق حسيني بقوله: “وفي الوقت ذاته زادت تقنيات الاتصالات الحديثة من صعوبة فرض الرقابة على المعلومات التي يتم استخدامها في ارتكاب العديد من الجرائم الإلكترونية فضلا عن انخفاض جودة معظم البرامج الإعلامية التي ترمي إلى اجتذاب أكبر عدد من المشاهدين عن طريق التركيز على الأمور المنافية للأخلاق والآداب العامة وقصص الجرائم واستغلال الأطفال في ذلك ( صادق حسيني، ط.2024، ص 635).
كما أن هذا التطور الرقمي لا ينبغي أن يكون حاجزا أمام السياسات الحمائية، بل ينبغي أن تستخدم وسائله في الحد من الجرائم الالكترونية وهو الشيء الذي أكده مصطفى حسيني أيضا بقوله: “فإذا كان التقدم التكنولوجي الهائل قد عزز من قدرة الأفراد على التواصل بشكل سريع وفعال، فقد عزز بذات الطريقة القدرة على استخدام التكنولوجيا في ارتكاب العديد من الجرائم الإلكترونية التي تمس بكيان الدول فضلا عن انتهاك خصوصية الأفراد من خلال إجراء مراقبة دقيقة لحياتهم الخاصة وتحديداً فيما يتعلق بمراسلاتهم والمعلومات المتعلقة بهم. وأصبح بالإمكان أكثر من أي وقت مضى تتبع ومراقبة المراسلات بين الأفراد بشكل سري حيث يتم استخدام برامج الكترونية مخصصة لهذا الغرض سواء كان ذلك من خلال التسجيل للمكالمات أو من خلال التصنت أو التسجيل المرئي لمراسلات الأفراد وتحركاتهم الإلكترونية أو عن طريق البرمجيات الخبيثة التي تمكن الأشخاص والجهات من الحصول على كافة المعلومات المتعلقة بشخص ما.(صادق حسيني. مرجع سابق . ص 635).
وقد أحسنت الباحثة حياة مختاري القول عندما قالت بضرورة الاستفادة من هذه الوسائل الحديثة في محاربة الجريمة الالكترونية: “والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة بوضع ترتيبات تقنية معدة خصيصا لتعقب وتحديد الحيز الجغرافي المتواجد فيه المتهم أو المشتبه فيه بعد الحصول على إذن من وكيل الجمهورية أو قاضي التحقيق بعد استشارة وكيل الجمهورية”( مختاري . 2023 . ص 345).
وأما من حيث المبادئ والأهداف العامة لبعض السياسات الحمائية فيجب أن تكون متسقة مع المعايير العالمية لحقوق الإنسان إذا أرادت الدول أن تحمي حرية التعبير على الانترنيت، وإذا أرادت الشركات أن تحترم هذه الحرية إلى أقصى حد ممكن يتعين على الحكومات أن تضمن وجود الأطر القانونية والسياسات اللازمة لمعالجة المسائل الناشئة عن مسؤولية الوسطاء وغياب المسؤولية. وينبغي تكييف الأطر القانونية والسياسات المؤثرة في حرية التعبير وحرمة الشؤون الشخصية مع الظروف دون انتهاك المعايير العالمية، كما ينبغي أن تكون متسقة مع معايير حقوق الإنسان يما فيها الحق في حرية التعبير(اليونسكو. 2015 . ص 137).
المحور الثاني: دور التربية الرقمية والإعلام في الحد من الجرائم الإلكترونية
إن الأجيال القادمة لا يمكن أن تستغني عن الأجهزة الرقمية بأية حال، فقد عرف البعض إدمانا كبيرا عليها ولذلك فالحل الأنجع هو القيام بنهضة تربوية إعلامية رقمية للحد من مخاطر هذا الشبح وويلاته المتعددة بسبب اكتساح من انعدمت ثقافته القانونية والإعلامية لهذا المجال أو من لهم تلك الثقافة غير أنهم حولوا قيمهم إلى أرقام، لا هم لهم سوى الربح المادي، والمؤسف له هو أن تجد فئات من رجال الأعمال يقومون بهذه الأعمال، يقول الدكتور محمد بن سعود البشر: “وهو ما شجع رجال الأعمال إلى الاتجاه إلى وسائل الإعلام للتكسب منها وهم لا يفقهون شيئا في تخصص الإعلام ولا في أخلاقيات المهنة فقد تحولت المؤسسات الإعلامية إلى شركات استثمار ضخمة يهمها في المقام الأول أن تفوز بأكبر عدد من المساهمين في ملكيتها وإدارتها وتشغيلها، وأن تضمن لهؤلاء المساهمين قدراً معيناً من الأرباح، من خلال تركيزها على الوظيفة الترفيهية على حساب وظائف أخرى (البشر. ط.1417ه. ص 27).
والملاحظ من كلامه أن الرغبة المادية ساهمت في انحراف الوعي الأمني، أو ما يسمى بالتربية الإعلامية والتي وجب إشعار الأبناء بمكانتها وأهميتها في تكوين الحس النقدي الإعلامي، ولا يتحقق ذلك إلا إذا تم التركيز على أهم عناصرها والتي تتجلى في النقط التالية:
أولا: الوعي بتأثير وسائل الإعلام على الفرد والمجتمع، ودفع الأفراد لاتخاذ مواقف معينة بناء على تجارب التأثر الإعلامي السلبية والايجابية.
ثانيا: استيعاب عملية الاتصال الجماهيري بشكل واع وشامل
ثالثا: اعتمــاد اســتراتيجيات وأســاليب متنوعــة ومناســبة تقــوم بــدور تفســير وتنقيــح المضاميــن الإعلامية المختلفــة، وفهم الرسائل العميقــة التــي تقدمهــا للجماهير.
رابعا: مراعــاة الجوانــب الجماليــة عنــد فهــم واســتيعاب المضاميــن الإعلامية المختلفــة، وذلــك تبعا لاختلاف أذواق الجماهير(مرتضوي . ط. 2020م . ص 192 و193)
ومن خلال هذه العناصر يمكن القول بأنه لا يمكن الحصول على بيئة رقمية آمنة من دون تضافر الجهود لتكوين ناشئة واعية بمخاطر الجرائم الإلكترونية وكيفية التعامل مع الوسائل الإعلامية والرقمية بإيجابية وحذر.
المحور الثالث: التعاون الدولي في مكافحة الجرائم العابرة للحدود.
للتعاون الدولي دور مهم في الحفاظ على الأمن الرقمي عن طريق مكافحة الجرائم الإلكترونية العابرة للقارات والحدود، في مختلف الميادين، سواء الأخلاقية والاجتماعية أم التجارية، والفكرية أم غيرها، وقد دعت منظمة الأمم المتحدة إلى الحفاظ على الاستقرار ومكافحة الجرائم الإلكترونية من خلال إقرار العديد من الاتفاقيات مثل اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة، كما عملت على تأسيس منظمات متخصصة لهذا الغرض مثل المنظمة العالمية للملكية للفكرية WIPO، ثم هناك جهود أخرى للاتحاد الأوروبي وباقي الدول العربية لمكافحة هذا النوع من الجرائم مثل ما عرف من اتفاقية بودابست التي تم ذكرها سابقا، ثم الإرشاد الصادر عن اللجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا، أو ما يسمى بالإرشاد الخامس للجرائم السيبرانية وغيرها من التجارب التي قامت بها باقي الدول في سياساتها الداخلية مثل الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق قانون مقاومة الفضاء الخارجي سنة 1999م وفرنسا كذلك من خلال قانون استقبال وتحليل الانترنيت سنة 1988م من قبل المديرية العامة للجمارك، ومن الدول العربية دولة الإمارات من خلال إصدارها لقانون حماية المعاملات الالكترونية من القرصنة سنة 2006م، ودولة الكويت من خلال تشريع قانون رقم 30 سنة 2010م المتعلق بجرائم المعاملات الالكترونية، وهكذا باقي الدول في سياساتها الداخلية (موزالي. ط2023م من ص190 إلى 194 بتصرف).
وأما المشرع المغربي فإنه لم يغفل هذا الجانب بالمرة بل صادق على اتفاقيات دولية كاتفاقية بودابست حول الجريمة المعلوماتية، وإيجاد باب خاص في القانون الجنائي يتعلق بالمس بنظم المعالجة الآلية للمعطيات منذ سنة 2003م (المبطول، مرجع سابق، ص31، بتصرف)، بالإضافة إلى هذا فهناك جهود مبذولة في إطار مجموعة من الاتفاقيات الدولية والوطنية والتي ساهمت في الحد من استفحال الجريمة المعلوماتية كاتفاقية برن بشأن الحماية المصنفات الأدبية والفنية سنة 1886م، وكذلك اتفاقية تربس للجريمة المعلوماتية والتي تم التوقيع عليها في مدينة مراكش المغربية بتاريخ 15/04/1994م.
خاتمة:
وختاما فإن التواصل الرقمي من الأمور المستجدة التي أصبح يعول عليها الإنسان في قضاء أغراضه وأهدافه وباقي رغباته اليومية، غير أن الذي شابه وعابه هو ما أضحى يعرف بالجرائم الالكترونية، والتي تعين تضافر الجهود من أجل محاربتها على كافة الأصعدة وطنيا ودوليا لضمان الحماية الخصوصية للأفراد والمجتمعات، كما يجب على مختلف الهيئات الحقوقية والدستورية الرقي بالمنظومة الجنائية الرقمية وتطويرها لمواكبة كل مستجد في هذا النطاق، مع توسيع دائرة الصلاحية للهيئات المسئولة للحد من هذا النوع من الجرائم، وترك هامش معقول من الحرية للأفراد في غير ضرر أو إضرار بالحقوق الفردية والعامة لتحقيق التوازن المنشود والحياة المستقرة، ومراقبة الله تعالى في كل صغيرة وكبيرة واستحضار الضمير الإنساني والوعي الاجتماعي كمبدأ للحفاظ على الحياة العامة والسلم القومي.
لائحة المصادر والمراجع المعتمدة
- الكتب
- القرءان الكريم
- ابن حزم، أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد. الفصل في الملل والأهواء والنحل . مكتبة الخانجي القاهرة.
- ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين. سنة 1414ه. لسان العرب. أبو الفضل جمال الدين ابن منظور. ط3 . دار صادر، بيروت.
- أحمد يس، نجلاء. سنة 2013م. الرقمنة وتقنياتها في المكتبات العربية . ط1. العربي للنشر والتوزيع
- البشر، محمد بن سعيد. سنة 1417ه. المسؤولية الاجتماعية في الإعلام النظرية وواقع التطبيق . ط1. دار عالم الكتب
- البياتي، ياس خضر. سنة 2015م، 1436هـ. الاتصال الرقمي أمم صاعدة وأمم مندهشة. ط1 . دار البداية.
- الحليبي، خالد بن سعود بن عبد العزيز. سنة 1443ه. مهارات التواصل مع الأولاد. ط1. مركز الملك عبد الله للحوار الوطني.
- حمداوي، جميل. سنة 2015. التواصل اللساني والسميائي والتربوي. ط1 . نشر شبكة الألوكة
- زريق، برهان. سنة 2016م. حرية الرأي في الفكرين الإسلامي والغربي. ط1.
- الزعبي، علي فلاح. سنة 2010م، 1430ه. الاتصالات التسويقية. ط1. دار المسيرة للنشر والتوزيع
- الزياتي، عز الدين. سنة 2008م. التواصل اللفظي والتواصل غير اللفظي. دار القلم.
- طلعت محمود، منال. سنة2001م. 2002م. مدخل إلى علم الاتصال دون ذكر دار النشر.
- عطية، جمال الدين. سنة 2001م . نحو تفعيل مقاصد الشريعة. ط1 . دار الفكر للطباعة والنشر، دمشق.
- عمارة، محمد. سنة 1430هـ، 2009م. مفهوم الحرية في مذاهب الإسلاميين . ط1. مكتبة الشروق الدولية، القاهرة.
- الفاسي، علال. سنة 1993م. مقاصد الشريعة الإسلامية ومكارمها . ط5. درا الغرب الإسلامي.
- محمد عبد الحميد، محمد. سنة 2007م، 1428هـ. الاتصال والإعلام على شبكة الانترنيت ط1. عالم الكتب.
- النجار، عبد المجيد. سنة 1413هـ 1992م. دور حرية الرأي في الوحدة الفكرية بين المسلمين. ط1. المعهد العالمي للفكر الإسلامي.
- نخبة من اللغويين بمجمع اللغة العربية بالقاهرة. سنة1392هـ، 1972م. المعجم الوسيط. ط2.
- مراجع الجامعات والمجلات والمراكز والمؤتمرات والهيئات وباقي النصوص القانونية
- اليونسكو. 2015م. “الاتجاهات العالمية في حرية التعبير وتنمية وسائل الإعلام”. ص137
- “العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية”. دجنبر سنة 1966م . المادة 19
- “الموقع الرسمي لهيئة الأمم المتحدة” على الويب: https://www.un.org
- “الميثاق العربي لحقوق الإنسان” سنة 2004م. المادة 32
- “دستور المملكة المغربية”.2011م إصدارات مركز الدراسات والأبحاث السياسة الجنائية بمديرية الشؤون الجنائية والعفو، ضمن سلسلة نصوص قانونية، شتنبر 2011م العدد: 19. ص23
- “رأي المجلس الوطني لحقوق الإنسان في مشروع القانون القاضي بتغيير وتتميم قانون الصحافة والنشر”. سنة 2022م. منشورات المجلس الوطني لحقوق الإنسان. ص11
- “مؤتمر الأمم المتحدة الحادي عشر لمنع الجريمة والعدالة الجنائية”، بانكوك، 18 – 25 أبريل 2005م.
- ابن عمروش، فريدة. سنة2021م. “الاتصال الرقمي وفق منظور مقترب الاستخدامات والاشباعات”. مجلة المعيار. المجلد 25ع 54 ص6
- بلعباس، يوسف. سنة 2022م. “التفاعلات الرقمية بين الشباب وسياقات انتشار خطاب الكراهية”. المجلة الدولية للاتصال الاجتماعي، جامعة عبد الحميد بن باديس، مستغانم. المجلد 9 العدد 2. ص327
- بلعباس، يوسف. سنة 2024م. الشبكات الاجتماعية ودورها في التحريض على خطاب الكراهة. المجلد 08، العدد 03. ص 12و18
- الجريدة الرسمية، 11 ذو القعدة 1437هـ، 15 أغسطس 2016م. عدد 6491.
- الجمعية العامة للأمم المتحدة، سنة 2015م. “الإعلان العالمي لحقوق الإنسان” المادة . 19. ص40
- حمدوشي، منير. سنة 2022م. “الاستراتيجيات الحجاجية ودورها في بناء خطاب الكراهية الرقمية”. المجلة المغربية للبحث في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد 02، العدد 02. ص153
- الديربي، عبد العالي. وصادق، إسماعيل محمد. سنة 2012م. “الجريمة الالكترونية، دراسة قانونية وقضائية مختلفة”. المركز القومي للإصدارات القانونية ص40
- ديش، سورية. سنة2017م. “أنواع الجرائم الالكترونية وإجراءات مكافحتها”. مجلة العلوم السياسية والقانون. العدد الأول. ص273
- الرحامنة، ناصر. سنة 2018. “خطاب الكراهية في شبكة الفيسبوك في الأردن، دراسة مسحية”. رسالة ماجستير، كلية الإعلام جامعة الشرق الأوسط. ص12
- سايحي، محمد. “الحماية الجنائية للحرية الفردية في ظل الشريعة الإسلامية والقانون”. جامعة محمد بوضياف المسيلة. ص 213
- سلام كرم، عبد الرؤوف. سنة 2022م. “الجرائم الالكترونية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي”. وقائع أعمال المؤتمر العلمي الافتراضي 14و15 ماي سنة 2022 المركز الديموقراطي العربي، برلين. ص50
- صادق حسيني، مصطفى محمد أحمد. 2024م. “أساس حرية التعبير عبر وسائل التواصل” “الاجتماعي في المواثيق الدولية والإقليمية”. مجلة حقوق دمياط للدراسات القانونية والاقتصادية، العدد العاشر. ص635
- صقر، وفاء محمد. سنة2024م. “جريمة الابتزاز الالكتروني”. مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، كلية الحقوق، جامعة بني سويف، المجلد 36 العدد02. ص469
- طلعت، منصور. سنة 1980م. “سيكولوجية الاتصال”. مجلة عالم الفكر، العدد2، ص427
- عراب، مريم. سنة 2021م. “جريمة التهديد والابتزاز الالكتروني”. مجلة الدراسات القانونية المقارنة، المجلد 7 العدد الأول ص1213و1214
- فتحي، عبد الهادي محمد. يونيو- نوفمبر سنة 2011م. “رقمنة الدوريات العربية”. مجلة مكتبة الملك فهد الوطنية،ع 2 ص3
- مباركي، جمال الدين. سنة 2018م. “الحماية القانونية لحرية التعبير”. مجلة متون، المجلد 09 العدد 04. ص30
- المبطول، محمد. “الجرائم الإلكترونية في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي”. وقائع أعمال المؤتمر الدولي الافتراضي، 14 و15 ماي 2022م المركز الديمقراطي العربي ص 26 و31
- المتوكل، حورية. سنة2023. “جريمة الابتزاز الالكتروني”. المجلة الالكترونية للأبحاث القانونية، العدد 11 ص191.
- مختاري، حياة. سنة 2023م. “جريمة التحريض على خطاب الكراهية عبر وسائل الاتصال الاجتماعي”. مجلة البحوث القانونية والاقتصادية، المجلد السادس، العدد: خاص ص345
- مرتضوي، خولة. سنة2020م. “التربية الإعلامية في المرحلة الجامعية المفهوم والأهداف”. دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية، العددان 8 و9 ص192 و193
- موزالي، نور الدين. سنة 2023م. “الجرائم المعلوماتية في إطار التجارة الالكترونية وسبل مكافحتها”. مجلة الدراسات القانونية، المجلد 09 العدد 02. ص 190 إلى 194 بتصرف.
- نوح، عبدالله. سنة 2021م. “حرية التعبير والإعلام الرقمي في القانون الجزائري، بين المنظور الحقوقي والمنظور السيادي”. المجلة النقدية للقانون والعلوم السياسية، المجلد 16 العدد 04. ص 303



