التحولات السكانية والبنى الاجتماعية في الجزيرة السورية: مقاربة تاريخية – ديموغرافية

اعداد : د. طالب عبد الجبار الدغيم – المركز الديمقراطي العربي
تعتبر تُعَدّ منطقة الجزيرة السورية واحدةً من أقدم وأهم الأقاليم النهرية في المشرق، إذ تقع في المجال الجغرافي الواقع بين نهري دجلة والفرات، أي في أعالي بلاد ما بين النهرين ضمن الجزيرة السورية المعاصرة. وقد تميّز هذا الإقليم عبر تاريخه الطويل ببنية سكانية وإدارية مركّبة، جعلته مختلفًا في تطوّره التاريخي والاجتماعي عن سائر أقاليم بلاد الشام، سواء من حيث أنماط الاستقرار، أو طبيعة التشكّل الديموغرافي، أو أشكال الاندماج السياسي والاقتصادي.
وتاريخيًا، تُعدّ الجزيرة السورية جزءاً أصيلًا من إقليم ميزوبوتاميا، ذلك الفضاء الحضاري الذي خضع، على امتداد ما يزيد على ألفي عام، لسلطات سياسية متعاقبة، وشهد تفاعلات مستمرة بين جماعات بشرية متعددة الانتماءات الإثنية واللغوية والدينية. وقد تنوّعت تسميات هذا الإقليم بتنوّع العصور والثقافات؛ فعُرف في المصادر الإسلامية بـ “الجزيرة الفراتية” أو “جزيرة ما بين النهرين”، كما أُطلق عليه في بعض المدونات الجغرافية مصطلح “الجزيرة الشامية”، في حين أشار إليه السريان باسم “سورية بريثا”، أي “سورية الخارجية”، مقابل سورية الداخلية. وأما في التصنيف الإداري الروماني، فقد عُرف الإقليم باسم “سورية الأولى”، بوصفه وحدة إدارية ذات أهمية استراتيجية واقتصادية.
وقد قدّم الجغرافي المسلم شمس الدين المقدسي وصفاً بالغ الدلالة لهذا الإقليم في القرن العاشر الميلادي، ضمن كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم، حيث عدّه «إقليماً نفيساً، وثغراً من ثغور المسلمين، وواسطةً بين العراق والشام، ومنزلاً للأخيار، ومعدناً للخيل العتاق، رخيص الأسعار، جيّد الثمار»، وهو توصيف يعكس مكانته بوصفه مجالاً حيوياً للتبادل البشري والتجاري والعسكري بين أقاليم المشرق.
وتؤكد الشواهد الأثرية والتاريخية أن الجزيرة الفراتية تُعدّ من أقدم الأقاليم النهرية المستقرة عمرانياً منذ فجر الثورة الحضرية، وأنها شكّلت، بحكم موقعها بين دجلة والفرات وامتدادها الجغرافي بين العراق وسورية والأناضول، فضاءً وسيطاً لانتقال البشر والسلع والأفكار. وفي السياق السوري المعاصر، شغل القسم الأوسط من هذا الإقليم المجال الإداري لمحافظات الرقة ودير الزور والحسكة، التي مثّلت تاريخياً قلب الجزيرة السورية، ومراكز ثقلها السكاني والزراعي.
ورغم ما تعرّض له الإقليم من دورات متكررة من الخراب والانكماش العمراني، يمكن قراءتها في إطار ما وصفه ابن خلدون بـــ «تعاقب العمران والخراب»، ولا سيما خلال موجات الزحف التتاري، إضافة إلى طول أمد الصراعات العشائرية على المراعي وموارد النفوذ، فإن الجزيرة الفراتية لم تفقد دورها البنيوي في النظام الإقليمي. ولقد مثلت مرحلة التنظيمات العثمانية منعطفاً حاسماً في تاريخها، إذ انطوت سياسات الدمج الإداري والديموغرافي والتجاري على إعادة إدخال الجزيرة ضمن شبكة الاقتصاد الإمبراطوري، وتحويلها تدريجياً من إقليم طرفيّ تابع لهوامش المراكز العربية التقليدية (العراق، سورية، الحجاز) إلى إقليمٍ أكثر اندماجاً بالسوق العثمانية، ومتصلٍ بنيوياً بالأناضول وبالفضاء المتوسطي مع نهاية القرن التاسع عشر الميلادي.
وتثبت المصادر التاريخية أن الجزيرة كانت على مدى العصور فسيفساءً سكانياً متعدد القوميات، ولم تكن يوماً حكراً على شعب أو عرق واحد. وفي هذه الدراسة نستعرض البنية السكانية للجزيرة السورية عبر ألفي عام، وكيفية تشكلها الديموغرافي عبر عوامل الجغرافيا والحروب والسياسات، ونحلل أنماط ملكية الأراضي التاريخية، ونراجع الإدارات السياسية المتعاقبة ودورها في تشكيل الواقع الاجتماعي.
- البنية السكانية عبر ألفي عام
تكوّنت تكوَّنت التركيبة السكانية في الجزيرة السورية عبر مسار تاريخي طويل ومعقّد من التوطّن البشري والتفاعل الحضاري، واشتملت تاريخيًا على أربع مجموعات رئيسية هي: العرب، والكُرد، والسريان (الآشوريون/الآراميون)، والتركمان، إلى جانب مجموعات سكانية أخرى أقل عددًا مثل الأرمن، والشركس، والألبان، والإيزيديين وغيرهم. وقد أسهم الموقع الجغرافي المتميّز للجزيرة السورية، بوصفها إقليمًا وسيطًا بين الأناضول والعراق وبلاد الشام، فضلًا عن وفرة الموارد المائية المتمثلة بنهري دجلة والفرات وروافدهما، ولا سيما الخابور والبليخ، وتوافر أراضٍ زراعية خصبة نسبيًا، في جعلها مجالًا صالحًا للاستيطان البشري منذ أقدم العصور.
تشير الشواهد الأثرية والنصوص التاريخية إلى أن الجزيرة السورية شهدت استقرارًا بشريًا متواصلًا منذ الألفيات السابقة للميلاد، حيث قامت فيها حضارات ومدن كبرى خلال العصور الآشورية والآرامية، وظهرت مواقع حضرية مهمة مثل تل حلف (غوزانا)، وشُباط إنليل، ودور كاتليمو، بما يدل على حضور الأقوام السامية الشرقية، ولا سيما الآراميين والآشوريين، منذ الألفية الثانية قبل الميلاد على أقل تقدير (الكعبي، 2009). وقد شكّل الشمال الشرقي من سوريا الحالية جزءًا أصيلًا من المجال السياسي والحضاري للدولة الآشورية، واستمرت فيه مدن آرامية–آشورية فاعلة حتى العصور اللاحقة.
ومع دخول المنطقة في العصر الهلنستي عقب فتوحات الإسكندر المقدوني، ثم خضوعها للنفوذ الروماني ولاحقًا البيزنطي، لم تشهد الجزيرة السورية انقطاعًا سكانيًا، بل حافظت على طابعها الزراعي–الريفي والمديني في آنٍ واحد، واستمرت فيها تجمعات عربية وسريانية إلى جانب عناصر هلنستية محدودة التأثير. وتشير المصادر الكلاسيكية والرومانية إلى وجود قبائل عربية في أطراف الجزيرة وداخلها خلال هذه الفترة، سواء في إطار التحالفات الحدودية (الفيدرالية) مع الرومان، أو في سياق النشاط التجاري والرعوي، ولا سيما في مناطق الخابور والفرات الأعلى، وهو ما يؤكد أن الوجود العربي في الجزيرة السورية سابق للفتح الإسلامي، ولم يكن وليد القرن السابع الميلادي.
وخلال القرون السابقة للإسلام، تداخل الوجود العربي مع البنية السكانية المحلية في الجزيرة، إذ عُرفت قبائل عربية مبكرة مثل تغلب، وتنوخ، وإياد في الفضاء الممتد بين الجزيرة والفرات الأوسط والعراق الشمالي، وكان لبعضها حضور مستقر أو شبه مستقر، وارتبطت هذه القبائل بالمدن السريانية الكبرى اقتصاديًا وثقافيًا، مع احتفاظها بخصوصيتها القبلية والدينية، حيث ظلّ عدد كبير منها على المسيحية حتى ما بعد الفتح الإسلامي.
ومع الفتح العربي الإسلامي في القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، دخلت الجزيرة السورية مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والإداري، دون أن يمثّل ذلك قطيعة سكانية، بل جاء تتويجًا لمسار سابق من الحضور العربي في الإقليم. وقد أعاد الأمويون تنظيم الجزيرة إداريًا على أساس الانتماء القبلي العربي، فقُسّمت إلى ثلاثة أقاليم كبرى هي: ديار مضر في الغرب، وديار بكر في الشمال، وديار ربيعة في الشرق، نسبةً إلى القبائل العربية التي استقرت هذه المناطق قبل الإسلام واستمر وجودها بعده (البلاذري، 1987).
واتخذت هذه الأقاليم مراكز حضرية رئيسية؛ فكانت الرُّها (أورفة) حاضرة ديار مضر، وآمِد (ديار بكر) حاضرة ديار بكر، في حين ضمّت ديار ربيعة مدنًا كبرى مثل الموصل، ونصيبين، وماردين، ورأس العين. ويعكس هذا التقسيم رسوخ الوجود العربي المبكر والمتدرّج في الجزيرة السورية، وتعايشه مع السكان السريان الأصليين، ضمن إطار حضاري مشترك.
وخلال القرون الإسلامية الأولى، تعزّز هذا التعايش في مدنٍ مزدهرة مثل الموصل، ونصيبين، وجزيرة ابن عمر، وتحولت الجزيرة السورية إلى ثغرٍ استراتيجي بالغ الأهمية على حدود الدولة الإسلامية في مواجهة الإمبراطورية البيزنطية، الأمر الذي منحها دورًا عسكريًا واقتصاديًا وثقافيًا مركزيًا في تاريخ المشرق الإسلامي (حسين بكر علي، 2018، ص 109).
عرفت القرون الوسطى المتأخرة تحولات سكانية كبيرة نتيجة الغزو والاضطراب. فقد أدى اجتياح المغول بقيادة هولاكو ثم تيمورلنك في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الميلادي إلى دمار هائل في شمال بلاد الرافدين، شمل مدن الجزيرة وقراها. ويتفق المؤرخون على أن تلك الغزوات أفنت قسماً كبيراً من سكان الجزيرة المستقرين (بمن فيهم السريان والآشوريون)، وأحلّت الخراب محل العمران لعقود طويلة (شميساني، تاريخ ماردين، 1987).
وبحلول القرن السادس عشر الميلادي (عشية الحكم العثماني) كانت مناطق واسعة من الجزيرة، قد تحولت إلى مراعي فارغة نسبياً لا تنتشر فيها سوى عشائر بدوية متنقلة. ويصف باحثون فرنسيون الجزيرة السورية قبيل العصر الحديث بأنها كانت “أرضاً قليلة السكان، عبارة عن مراعي شاسعة للعشائر العربية والكردية الرُّحل” (فيفرِيه وجيبير، 1953م). وفبينما استوطن الأكراد تاريخياً في المناطق الجبلية الشمالية المحاذية لتركيا، ظلّت سهول الجزيرة الجنوبية مجال ترحال القبائل العربية (شمر وعنزة وطيء وغيرها) التي اعتمدت اقتصاد الرعي والتنقل عبر المواسم. وأشار الرحالة الغربيون في القرن التاسع عشر ومطلع العشرين إلى هذا الواقع بوضوح. وعلى سبيل المثال، سجّل الدنماركي كارستن نيبور في رحلته عام 1764م، وجود خمس قبائل كردية، متمركزة قرب جبال ماردين، وهي: دوكوري وأشيتي وكيكي وشيشاني ومللي، استقرت القبائل الكردية تدريجياً في القرى والمدن “الحسكة” في الجزيرة الفراتية السورية، وكانت تدفع رسوماً للوالي العثماني هناك كي ترعى قطعانها موسمياً في أراضي الجزيرة السورية، إلى جانب ست قبائل عربية، وهي: طيء، وكعب، والبكارة، والجحيش، وذياب، وشرابح، وكانت تقطن الجزيرة بشكل شبه دائم.
وهذا يؤكد أن الوجود الكردي في معظم مناطق الجزيرة قبل القرن العشرين كان غالباً على شكل عشائر رعوية قادمة من الشمال بصورة موسمية، في حين كانت القبائل العربية أكثر استقرارًا في السهول نفسها (نيبور، رحلات في بلاد العرب، 1778). وكذلك وصف مارك سايكس عام 1907 سكان الجزيرة السورية، بأنهم منقسمون بين عالمين متمايزين: عرب بدو يهيمنون على الجنوب، وأكراد نصف رحّل في الشمال، مع وجود جماعات مسيحية (يعقوبية سريانية) معزولة في طور عابدين، وجماعات إيزيدية في جبل سنجار. وهذا التقسيم الطبيعي بين البادية والسهل من جهة والجبل من جهة أخرى ظل سمةً عامة للمنطقة حتى أوائل القرن العشرين.
بالإضافة إلى العرب والأكراد والسريان، تواجدت في الجزيرة مجموعات سكانية أخرى أصغر حجماً تركت بصمتها التاريخية. من أبرزها الأرمن الذين وصل البعض منهم خلال فترات مبكرة كجنود أو تجار في العهد الزنكي والأيوبي، ثم ازدادت أعدادهم بعد المجازر العثمانية في بدايات القرن العشرين. وكما استوطنت عشائر تركمانية محدودة في بعض نواحي الجزيرة منذ العهد السلجوقي والعثماني (خاصة في محيط نصيبين ورأس العين)، لكنها بقيت قليلة مقارنة بغيرها. أما الإيزيديون فموطنهم التاريخي الرئيس هو جبل سنجار على تخوم الجزيرة، وقد انتشرت جماعات إيزيدية أصغر في قرى متفرقة بين الموصل والحسكة. ويذكر سايكس أن الإيزيديين (الذين وصفهم بــ “عبدة الشيطان”) كانوا جزءاً من المزيج السكاني في أطراف الجزيرة مطلع القرن العشرين.
وفي المجمل، يمكن القول إن الجزيرة عبر تاريخها كانت ملتقى لأقوام وقبائل وشعوب شتى بسبب موقعها المفتوح، مع تباين أنماط معيشتهم بين الاستقرار الدائم في المدن والقرى (لدى السريان والجزء من العرب)، والترحال الموسمي في البوادي (لدى معظم العرب وبعض الأكراد)، والاستيطان الجبلي الحدودي (لدى الأكراد والإيزيديين)، مما كوّن بنية سكانية فريدة متعددة الثقافات في هذا الإقليم.
- التشكل الديموغرافي في الجزيرة السورية: العوامل والتحولات
مرَّت الجزيرة السورية عبر تاريخها بتحولات ديموغرافية عميقة تفسر شكل التركيبة السكانية الحالية. ويمكن إرجاع هذه التحولات إلى ثلاثة عوامل رئيسية: الجغرافيا الطبيعية للمنطقة، والصراعات والحروب الكبرى التي شهدتها، والسياسات التي انتهجتها الدول المتعاقبة تجاه سكانها.
- أثر الجغرافيا والموقع: تتميز الجزيرة بمزيج من السهول السهلية الشاسعة جنوباً (ذات مناخ شبه جاف) والمناطق الجبلية والتلالية شمالاً عند سفوح طوروس. وهذا التنوع الجغرافي جعل المنطقة تاريخياً منطقة تفاعل بين مجتمعات مستقرة وأخرى بدوية. فالسهول الواسعة مع وجود مراعي طبيعية حول الأنهار كانت تجذب القبائل الرعوية التي تتنقل طلباً للكلأ والماء، بينما وفّرت المناطق الشمالية المرتفعة نسبياً بيئة ملائمة لتجمعات أكثر استقراراً زراعياً وأيضاً ملاذاً طبيعياً للجماعات الفارّة من السلطة المركزية. ويصف بيير روندو (1934) الحد الفاصل بين عالمي الجبل والسهل بقوله: “تنحدر سلسلة جبال أرمينيا وكردستان فجأة جنوب ماردين نحو سهوب الجزيرة التي هي ميدان رحاب العرب البدو. إنها حقاً حدود عالَمَين؛ فالعرب الرحّل المرتبطون بالجمل لم يستطيعوا دخول الجبال الوعرة، بينما يطمح الأكراد إلى حافة السهوب الأكثر خصوبة لري قطعانهم وزراعة بعض المحاصيل” (روندو، دراسات عن الجزيرة، 1934). وفي ضوء ذلك، بقي توزع العرب والأكراد تاريخياً متأثراً بهذا العامل الطبيعي؛ العرب في عمق السهوب الجنوبية حيث نمط المعيشة البدوي، والأكراد عند تخوم الشمال الجبلية حيث مزيج الرعي والزراعة.
وإلى جانب العرب والكرد، استمر السريان والأرمن بالتوطن في القرى الواقعة عند حواف الجبال أو على ضفاف الخابور والفرات حيث الموارد المائية، محافظةً بذلك على وجود زراعي مستقر محدود ضمن بحر البداوة المحيط. وإن هذه المعطيات الجغرافية جعلت الكثافة السكانية في الجزيرة عموماً منخفضة وموسمية قبل القرن العشرين، ودورتها السنوية مرتبطة بهجرة القبائل صيفًا وشتاءً بين مواطن الماء والمرعى (المراعي الشتوية في الجنوب والصيفية في الشمال).
- أثر الحروب والاضطرابات: شهدت الجزيرة عبر تاريخها نصيباً وافراً من الحروب والصراعات الكبرى التي أحدثت تحولات ديموغرافية حاسمة. فإلى جانب ما ذكرناه عن الغزو المغولي والتتري (1250–1400م)، وتسببه في إفراغ المنطقة من معظم سكانها الحضر، هناك أمثلة أخرى بارزة. وخلال الصراع الفرثي – الروماني، ومن ثم البيزنطي – الفارسي في القرون الأولى الميلادية، كانت الجزيرة ساحة حرب حدودية دفع سكانها ثمنها من استقرارهم؛ إذ تناوبت السيطرة على أجزائها، ونزح كثير من أهلها أثناء المعارك بين الإمبراطوريتين. وكذلك عانت المنطقة خلال الحروب الصليبية وما تلاها من غزوات تيمورلنك من موجات قتل وتهجير إضافية، خاصة لمجتمعات المسيحيين السريان الذين استُهدفوا في طور عابدين ونصيبين.
وفي أوائل العصر العثماني، أدى استمرار غارات قبائل بدوية (مثل عنزة وشمر) وصراعاتها مع إمارات كردية محلية إلى إبقاء الكثير من القرى في حالة عدم استقرار وفراغ. وبحلول القرن التاسع عشر، كان الرحالة يصفون مناطق واسعة من الجزيرة بأنها تكاد تخلو من القرى لسوء الأحوال الأمنية، وهجمات اللصوصية القبلية المتبادلة (Buckingham, Travels in Mesopotamia,1827) ؛ أيّ أن تكرار الحروب والغزوات الكبرى عبر القرون جعل التركيبة السكانية للجزيرة في حالة سيولة دائمة، تنتقل بين فترات ازدهار نسبي (في عهود السلم والاستقرار السياسي)، وفترات انكماش حاد (في عهود الفوضى والانهيار الأمني)، مما عزز نمط الحياة البدوية كتكيف مع تلك الظروف الصعبة.
- أثر السياسات والإدارات: لعبت سياسات الدول المتعاقبة دوراً مهماً في تشكيل ديموغرافية الجزيرة، سواء عبر الإهمال أو التشجيع على الاستيطان المتعمد. وفي العهد العباسي (القرون 8–13م)، ورث الخلفاء منطقة الجزيرة كإقليم حدودي مع الثغور البيزنطية، فاتبعت سياسات المرابطة، وتوطين بعض القبائل العربية الموالية لتأمين الحدود. وتشير المصادر إلى أن العباسيين شجّعوا بعض قبائل ربيعة ومضر على البقاء في مواطنها بالجزيرة، ومنحوها امتيازات مقابل حراسة التخوم (الكعبي، 2009). وكما شهد العصر العباسي المتأخر نشوء إمارات تركية وكردية محلية (مثل إمارة ماردين الأرتقية) في أجزاء من الجزيرة، والتي استقطبت بعض الهجرات إليها لكنها ظلت محدودة المجال.
أما في العهد العثماني (القرن 16م فما بعد)، فيمكن القول إن السياسة العثمانية تجاه الجزيرة تأرجحت بين الإهمال والاستغلال غير المباشر. ولم تكن الجزيرة السورية ضمن الولايات العربية المركزية (كولاية دمشق أو حلب)، بل قُسّمت بين ولايات تابعة لبلاد الرافدين والأناضول. فالجهات الشمالية من الجزيرة (ماردين ونصيبين وجزيرة ابن عمر) أُلحقت بولاية دياربكر، والجهات الشرقية (الموصل وجوارها) أصبحت ولاية قائمة بذاتها، بينما الجهات الجنوبية الصحراوية أُلحقت لفترات بولاية بغداد ثم حلب. وقد اتّبع العثمانيون نظام التيمار في المناطق المأهولة زراعياً على أنهار الخابور والفرات، فمنحوا إقطاعيات محدودة لبعض العشائر الكردية والعربية الموالية لتكون حامية للطريق بين الموصل وحلب. ولكن معظم أراضي الجزيرة ظلت مصنفة أراضي أميرية (ميري) غير مفوضة، تعامل معها العثمانيون كمراعي مشتركة للقبائل.
وفي أواسط القرن التاسع عشر الميلادي، أدخلت الدولة العثمانية قانون الأراضي عام 1858م، والذي أوجب تسجيل الأراضي الخاضعة للزراعة، فاستغل بعض زعماء العشائر ذلك لتسجيل مساحات واسعة – كانت تُرعى جماعياً بشكل عرفي – بأسمائهم كملكيات فردية. ومثال شهير هو قيام الزعيم الكردي قَدّور بك (جدّ آل يونس في قبيلة كيكية) بتسجيل أراضٍ شاسعة في مثلث الخابور – جغجغ باسمه، والتي بُنيت على جزء منها لاحقاً مدينة القامشلي في عهد الانتداب الفرنسي. ورغم تلك المحاولات، بقيت أنماط الملكية التقليدية (أراضي المشاع القبلية) سائدة في معظم أنحاء الجزيرة السورية حتى أوائل القرن العشرين، حيث كانت القبيلة الفلانية تعتبر مساحة معينة من المرعى ضمن “ديورها” الموروثة دون أوراق رسمية، ويتعايش في تلك المساحة ملاك ومزارعون مستقرون قليلون حول موارد الماء مع بدو رحّل يجوبونها بحرية (Bakr Ali, 2018). وكما أنشأ السلطان عبد الحميد الثاني في أواخر القرن التاسع عشر فرَق الحميدية شبه النظامية من بعض العشائر الكردية (مثل ميلي ومحركي)، بهدف ضبط الأمن في ولايات الشرق. وعشائر عربية بمناطق أخرى في دواخل الجزيرة. وقد منحت هذه السياسة زعماء كإبراهيم باشا الملّي نفوذاً رسمياً لتسليح رجاله والسيطرة على العشائر الأخرى، فبسط إبراهيم باشا حكماً عشائرياً على مناطق واسعة بين دياربكر وأورفة شمالًا وحتى تخوم نصيبين ورأس العين جنوباً. وقد دخلت قواته في صدامات مع قبائل عربية كبيرة مثل شمر في بادية الجزيرة، وقاد حملة مشهورة ضد فرع من شمر على نهر الخابور عام 1900م انتهت بانتصاره. وإن هذه الأحداث عكست تحولاً في ميزان القوى القبلية أواخر العهد العثماني لصالح بعض العشائر الكردية في شمال الجزيرة، لكنها لم تغير الطبيعة العامة لسكان المنطقة الذين ظلّ أغلبهم رحّلاً قليلي الاستقرار. وتشير تقارير عثمانية أخيرة (حوالي 1910م) إلى أن مجمل سكان سنجق دير الزور (الذي شمل جنوب الجزيرة) لم يتجاوز 100 ألف أغلبهم بدو عرب رحّل، وأن المنطقة كانت تُعدّ بمثابة “تخوم مهجورة” ضمن السلطنة.
وجاءت نقطة التحول الكبرى مع الانتداب الفرنسي على سوريا (1920–1946)، حيث انتهجت سلطات الانتداب سياسة نشطة لإعادة تشكيل ديموغرافية الجزيرة بما يخدم مصالحها الاستعمارية. ولقد اعتبرت فرنسا منطقة الجزيرة منفصلة نوعاً ما عن باقي سوريا بسبب غلبتها الإثنية غير العربية وقتذاك، فسعت أولاً إلى تثبيت سيطرتها عليها عبر إنشاء إدارة خاصة سُمّيت “الجزيرة العليا” تتمتع بدرجة من الحكم الذاتي الإداري.
ولقد أصدر المفوض السامي بيير أليبي عام 1926 قراراً بتنظيم إدارة الجزيرة العليا، وتحديد حدودها لتشمل منطقتي الحسكة والقامشلي. وبالتوازي مع ذلك، شجعت فرنسا موجات كبيرة من الهجرة والاستيطان في الجزيرة لتحقيق عدة أهداف: ملء الفراغ السكاني، واستثمار الأراضي الزراعية، وإنشاء حزام موالٍ لفرنسا من الأقليات في مواجهة تركيا. فبعد الحرب العالمية الأولى ومآسيها، استقبلت الجزيرة عدد من اللاجئين المسيحيين الأرمن الفارّين من مذابح 1915م وما بعدها. ولجأ إلى مدن وقرى الجزيرة آلاف من السريان والكلدان الآشوريين القادمين من الأناضول ومنطقة حكاري، وخاصة بعد مجزرة سميل 1933م في العراق.
وكما استقرت مجموعات كبيرة من الأرمن الناجين من إبادة 1915م في قرى الجزيرة وعلى ضفاف الخابور. وتذكر الوثائق الفرنسية أن السلطات أنشأت لهم مستوطنات خاصة (مزارع نموذجية)، وأعطتهم الجنسيات السورية لتشجيع بقائهم. وبالتوازي، شهدت عشرينات القرن العشرين، وصول موجات كثيفة من اللاجئين الأكراد من تركيا، إثر إخفاق ثورات الكرد في تركيا (مثل ثورة الشيخ المجاهد سعيد بيران 1925، وثورة أرارات عام 1930م). ويُقدّر أنه بين 1925 و1930 دخل الجزيرة حوالي 20 – 25 ألف كردي من جنوب تركيا. ورحّب الفرنسيون بهؤلاء، وقدموا لهم التسهيلات كجزء من سياسة “فرّق تَسُد” بين القوميات، ولإضعاف الأكثرية العربية حينذاك، وكوسيلة لاستثمارهم في مشاريع زراعية تعود بالنفع الاقتصادي. ولقد منح الضابط الفرنسي بيير تيرييه (Terrier) معظم اللاجئين الكرد الجنسية السورية، وأقطَع بعضهم أراضٍ زراعية بشكل غير رسمي فيما عُرف بـ”خطة تيرييه”. ونتيجةً لذلك تكاثرت القرى الكردية الجديدة؛ تُظهر الإحصائيات أنه حتى 1927 لم يكن في منطقة الجزيرة سوى نحو 45 قرية ذات غالبية كردية (موروثة من العهد العثماني)، لكن بحلول 1939 ارتفع العدد إلى ما بين 700 و800 قرية كردية بفعل موجات النزوح والاستيطان المتتابعة خلال الانتداب.
وقد أسس الفرنسيون مدينة القامشلي عام 1926م، كمحطة على سكة حديد بغداد، ومركز إداري لجذب الوافدين (من كرد ومسيحيين)، وبلدة ديريك (المالكية ( سميت بالفرنسية Tigre)) أقصى الشمال الشرقي من الجزيرة السورية. وبذلك تَغيّر المشهد البشري للجزيرة جذرياً خلال عقدين من حكم الانتداب الفرنسي. ويصف روبرت مونتان (الجغرافي الفرنسي) الحال في 1932، قائلاً: “نشهد تزايداً في إنشاء القرى إما ببنائها من قبل الأكراد النازلين من جبال الأناضول لاستصلاح الأرض، أو نتيجة استقرار مزيد من جماعات العرب مع مزارعيهم الأرمن والإيزيديين” (مونتان، رحلة في الجزيرة، 1932).
وبحلول أواخر عهد الانتداب الفرنسي، أضحت الجزيرة أشبه بـفسيفساء سكاني حديث. وقد قدّر إحصاء رسمي فرنسي عام 1939م، بأن إجمالي سكان منطقة الجزيرة (لواء الجزيرة) بلغ حوالي 158 ألف نسمة، توزعوا تقريباً 40% عرب، 30% أكراد، 25% مسيحيين سريان/آشوريين، مع بضع آلاف من الأرمن والإيزيديين (فرنسيس، تقرير لواء الجزيرة، 1940). ورغم أن العرب ظلّوا أكبر مجموعة منفردة عدداً (ولا سيما قبائل شمّر والجبور)، فقد أصبح الكرد غالبية محلية في مناطق معينة خاصة على الحدود التركية (في قضائي القامشلي وديريك)، وصار المسيحيون السريان والآشوريون يشكّلون أكثرية سكانية في بلدات مثل القامشلي نفسها لفترة من الزمن. وبذلك يمكن القول إن الصورة الديموغرافية التي نراها اليوم لشمال شرق سوريا قد تشكّلت إلى حد بعيد خلال حقبة الانتداب الفرنسي عبر سياسات التوطين والهجرة المنظمة للكرد والسريان والآشوريين والأرمن على حساب العرب. فالكثافة السكانية ارتفعت بسرعة من أقل من 1 نسمة/كم² قبل 1920م إلى تجمعات كبيرة ومستقرة بعد عام 1940م.
وكما انتقل الثقل السكاني من البدو الرحّل في البادية إلى المزارعين المستقرين في القرى المستحدثة، وتحولت الحسكة والقامشلي إلى مدن حقيقية بعد أن كانتا مجرد مواقع نائية. واستمرّت بعد الاستقلال (1946) بعض العمليات التي عززت هذه التغييرات السكانية، مثل مشروع الحزام العربي في عهد الأسد الأب، عندما جلبت الحكومة السورية بعض العائلات العربية (4000 عائلة أسكنتها في 19 قرية أنشأتها داخل المناطق الكردية الحدودية)؛ لإسكانها في مشاريع ري على امتداد الحدود التركية عقب بناء سد الفرات (لتعويض المهجرين من بحيرة السد)، لكن تلك السياسات اللاحقة تبقى محدودة التأثير مقارنةً بأساس التشكّل السكاني الذي حدث زمن الانتداب الفرنسي (Tejel, 2009)
وباختصار، كانت الجزيرة قبل القرن العشرين أرضًا قليلة السكان يطغى عليها الترحال والبداوة، ومن ثم خلال النصف الأول من القرن العشرين تدفقت عليها موجات بشرية جديدة أعادت رسم تركيبتها الإثنية والدينية بشكل جذري. وقد ترافق ذلك مع تغيرات في البنية الاجتماعية – كالانتقال من ولاءات قبلية بحتة إلى مجتمع قروي ومديني مختلط – ستظهر آثارها في مسارات السياسة والهوية بالمنطقة خلال دولة الاستقلال.
- الجزيرة الفراتية في أعين الرّحالة والمستشرقين الغربيين
في أوج الاندفاعة الاقتصادية والعِلمية الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر الميلاديين، تدفق إلى الجزيرة الفراتية جيش من الرحالة السُّياح، والتجار، والرهبان، وعلماء الآثار، والجغرافيون، والأثريون، والرسامون، والشعراء، والضباط، والجواسيس الغربيين، أخذوا يَجوبون الجزيرة من أقصاها إلى أقصاها، يرسمون الخطط، ويمسحون المناطق، هاموا في مناطقها، وخَطفتهم عذرية طبيعتها، وطيبة ناسها، وأسرار بيئتها الطبيعية، وهؤلاء اختلفت مقاصدهم، ومصادر تمويلهم، ووجدنا في مذكراتهم ومخطوطاتهم الوصف المهبر والدقيق للسكان والعمران، والخيمة، والمرأة، واللباس، والأعراف، والخيول، والجمال، وشظف الحياة وبساطتها في البيئة القبائلية الفراتية. ولم يكن هؤلاء الرحالة في يوم من الأيام رجالاً عاديين، بل هم مواطنون أفذاذ على درجة كبيرة من العلم والثقافة والوعي، وعلى أحدهم تعلم اللهجات المحلية، وآخر ارتداء الزي العربي، وغيره حفظ الأنساب، والأفكار، والمذاهب، والشعائر.
وبالإضافة إلى رحلة كارستن نيبور في القرن الثامن عشر الميلادي، فقد زار الرحالة الفرنسي جيرتشه أوغستوس لويس، الجزيرة الفراتية في القرن ال 18م، وبكتابه العديد من الأعمال حول تاريخ المنطقة وثقافتها. ومما كتبه عن الجزيرة الفراتية: “قمت بزيارة الجزيرة الفراتية ووجدت فيها آثاراً تشهد على تاريخ عريق وحضارة متقدمة، وهذه المنطقة لها أهمية كبيرة في فهم التاريخ الإسلامي والحضارة العربية.” وقال: “مكان ذو طبيعة خلابة، حيث يتدفق نهر الفرات بجانب القرى والمدن القديمة، مما يجعلها واحدة من أجمل المناطق في الشرق الأوسط”.
بعده زار الألماني جاسبار سيتزن سورية عام 1802م، فعاش مع قبائل الفرات والبادية السورية، وعَرف طرق التجارة، وشيوخ القبائل، وعادات أهل الجزيرة، وكتب رحلته “رحلات إلى سورية وفلسطين”. ومسح الكولونيل البريطاني شيزني (ضابط في مصلحة المساحة العسكرية البريطانية) في رحلته الجغرافية، منطقة حوض الفرات عام 1835م، وصدرت رحلته في مجلدين في الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، واعتبر أبو المراجع التاريخية والجغرافية المسحية عن منطقة الجزيرة الفراتية حتى وقت متأخر.
وهناك عدد من الرحالة والمستشرقين الأوروبيين الذين قاموا بزيارة الجزيرة الفراتية، وقدموا مؤلفات غنية حول تلك المنطقة، ومن أهمهم:
- رحلة الباحث البريطاني هنري ليارد عام 1841م في تنقيبه عن الآثار وأصل الشعوب في الجزيرة الفراتية، وكتب تفاصيل دقيقة عن واحدة من القبائل العربية الكبيرة هناك، وهي قبيلة الجبور من بني زبيد.
- رحلة المستشرق البريطاني فيليبس كيركوراندو: بعد زيارته للجزيرة الفراتية، كتب كتابه “مسيرة عبر الجزيرة الفراتية”، وهو من أبزر المصادر حول الجزيرة في القرن الــ 19، يوثق تجربة شمولية عن تاريخها وثقافتها. ويقول: “الجزيرة الفراتية هي إحدى الوجهات الثقافية الرائعة في الشرق الأوسط، فهي تحتضن تراثًا غنيًا يعكس تأثير العديد من الحضارات على مر العصور.” و”نهر الفرات هو مصدر الحياة في هذه المنطقة.” و”.. أثرت طيبة سكان الجزيرة الفراتية وضيافتهم الكبيرة على تجربتي، حيث قابلت العديد من الأشخاص الودودين والمضيافين.”
- رحلة المستشرق والرحالة البريطاني هورنوزد رابرز: زار الجزيرة الفراتية ومناطق أخرى في الشرق الأوسط في القرن ال 19، وقام بتأليف عدة كتب حولها. وكتب عن رحلته: “الجزيرة الفراتية هي واحدة من أماكن العالم القليلة التي تجمع بين الجمال الطبيعي الساحر والتاريخ الغني. إنها تأخذك في رحلة عبر العصور.” و”تلك المناطق الريفية الخصبة والحقول الخضراء الممتدة على طول نهر الفرات، تجعلك تفهم لماذا كان هذا المكان مركزًا هامًا في التاريخ الزراعي والثقافي.”
- الرحلة الأهم التي وثَّقت تاريخ الجزيرة الفراتية في الأدب الاستشراقي والسجل الاستخباراتي الغربي رحلة الرحالة والمغامرة البريطانية “الليدي آن بلنت” عام 1877م، وهي حفيدة الشاعر الإنجليزي اللورد بيرون، وزوجة الشاعر النبيل الرحالة ولفرد سكاون بلنت الذي قضى جزءاً من حياته في الشرق الأوسط دبلوماسياً وشاعراً، وكان خبيراً بالخيول والقبائل العربية، وهو صاحب فكرة مشروع “المملكة العربية التي يرأسها الأمير عبد القادر الجزائري”. وقد جمع الترحال بين أديبين يعشقان المغامرة والحرية، وكانت رحلتهما نحو الشمال في الجزيرة الفراتية والبادية الشامية بتكليف من الجمعية الجغرافية الملكية البريطانية، ودونت كل أحداثها في كتاب عنوانه “قبائل بدو الفرات” الذي انتهت منه عام 1878م، وتتميز عن غيرها من الرحالة الغربيين الذين تجولوا في البلاد العربية والشرق الأوسط بكونها أديبة تتقن الوصف والتشويق، وواقعية موضوعية متزنة، وشخصية قوية وفريدة.
ولقد انطلقت في رحلها باتجاه الجزيرة الفراتية من بيت القنصل البريطاني في حلب السيد “سكين”، وهو الأب الروحي لرحلات الإنجليز في الشرق الأوسط، ومنه تعلمت الليدي وزوجها مشاق الطرق بين حلب والجزيرة الفراتية، وكيفية التعامل مع البدو، وسمعت قصص البادية العربية، وذكرهم بأسماء فرسانها أمثال الشيخ أحمد الموالي والشيخ جدعان ابن مهيد والشيخ عبد الكريم الجربا، واشترى لهما كل ما يلزمان للرحلة التي كان يرافقهما فيها التاجر الحاج محمود الحلبي، والخادم الطباخ حنا الحلبي مع مجموعة من الحرس العثماني. ونزلا في الفرات الأوسط “دير الزور” في دار الحكومة بضيافة حسين باشا، والذي كان مكلف بحراستهما، ويحاول معرفة مآربهما من الرحلة. ونزلت وزوجها ضيفين عند الشيخ فارس الصفوق الجربا، ثم عادا إلى الدير، وخافا من نوايا الحكومة العثمانية التي بدأت تشك بنواياهما. ولم يطل بهما المقام هناك حتى أرسلهما الباشا ضمن فريق من الحراس ويقودهم دليل تدمري هو محمد العراوج من قبيلة طيء إلى دمشق (رحالة الغرب في ديار العرب، ص 320 – 322).
تقول الليدي آن بلمنت: “تذوقت القهوة العربية فوجدتها قوية ممتازة، وأعجبت بفناجينها الخزفية التي تجار لكل الناس أكثر من مرة، وفي كل مرة يضع الساقي عدة ملاعق في الفنجان الواحد.. وهكذا حتى نهايتها…”. (قبائل بدو الفرات، ص 142). وتقول: “كانت الجزيرة والبادية السورية العليا قد سُكنت في ذلك الوقت من قبل قبائل رعوية مختلفة، بعضها عربية جاءت مع موجات الفتوحات الأولى تحت لواء الخلفية عمر، وبعضها من القبائل الكردية التي اندفعت إلى الأمام نتيجة للغزوات المعاكسة من الشمال في القرنين الثالث عشر والرابع عشر…” (قبائل بدو الفرات، ص 411).
عدَّدت الليدي مجموعة من زعماء القبائل والبطون المعروفين في الجزيرة الفراتية، ومنها: “… ابن مزيد شيخ الحسنة، وابن جندل شيخ الرولة، وابن الطيار شيخ الرولة، وابن الحميدي شيخ الهذال، وابن سمير شيخ ولد علي، وابن صفوق من الجربا، وشيوخ قبيلة طيء، وابن مرشد شيخ القمصة، وشيخ الموالي…” (قباءل بدو الفرات، ص 457).
وتضيف: “يعتبر النظام السياسي عند البدو بمنتهى الغرابة، لأنه يعطي مثالاً راقياً لأفضل أنواع الديموقراطية في العالم، وربما ديموقراطية البدو هي الوحيدة التي تتحقق فيها الشعارات: الحرية والمساواة والأخوة..” (قبائل بدو الفرات، ص 453).
وبالتالي، سافر الرحالة لخدمة الأوطان التي انطلقوا منها، ليكونوا عيونها التي ترى، وآذانها التي تسمع، وأقلامها التي تكتب، ورُب حادثٍ عابرٍ، أو خبر طريف ينقله الرحالة لقيادة بلده، يُغير مجرى عملياتهم جذرياً في المناطق التي يقصدها الرحالة. حتى إن بريطانيا كانت تفكر بمد خط سكة حديد أيام العثمانيين يبدأ من البحر المتوسط عبر الصحراء إلى الفرات، وعلى طول الفرات حتى يصل الخليج العربي، بهدف نقل الإمداد للجيش البريطاني في الهند، والعودة بالبضائع والمواد الخام عن طريق البحر، ولكن المشروع توقف تنفيذه نتيجة لتوصية مجموعة من الرحالة، ومنهم الليدي آن بلنت نفسها بعد زيارتها.
- أنماط وحقوق الملكية التاريخية في الجزيرة
يُعدّ موضوع ملكية الأرض وأنماط استخدامها في الجزيرة السورية من المحاور النادرة التي تسلط الدراسات الضوء عليها، على الرغم من أهميته لفهم الصراعات السكانية الحديثة. فعبر العصور، تأثرت أنظمة حيازة الأرض في الجزيرة بالعوامل القبلية والقانونية بشكل فريد، ويمكن تمييز عدة أنماط تاريخية أساسية:
- الملكية العشائرية العرفية: سادت في فترات ما قبل الدولة الحديثة. بموجبها اعتبرت كل قبيلة بدوية مساحة معينة من البادية ضمن نطاقها التقليدي (الديرة)، وتتشارك أفراد القبيلة الانتفاع بالمراعي ومصادر الماء فيها دون تقسيمات فردية. هذه الأراضي المشاعة كانت عمليًا “مملوكة جماعيًا” عبر العرف القبلي ولم تكن موثقة في سجلات رسمية. وعند استقرار بعض أبناء القبيلة في قرية أو واحة ضمن تلك الديرة، كانوا يظلون يدينون بالولاء لشيخ القبيلة ويحترمون حق بقية أفرادها في المرور والرعي حول مستقرهم. استمر هذا النمط قرونًا خلال العهدين الأيوبي والمملوكي وحتى العثماني المبكر، ولم يبدأ بالتغير إلا مع تدخلات الدولة المركزية في أواخر القرن التاسع عشر. على سبيل المثال، كانت قبيلة طيء العربية تبسط تقليديًا حق الانتجاع على معظم بادية الجزيرة منذ العصر العباسي، وعشيرة مثل الشرابيين كان نطاق ترحالها على ضفاف الخابور تعتبره ضمن حقها العشائري إلى مطلع القرن العشرين.
- أراضي الأوقاف الدينية: وُجدت في مناطق الاستقرار القديمة (خاصة جنوب تركيا اليوم). فبعض الأراضي الزراعية حول أديرة طور عابدين وقرى السريان كانت موقوفة للكنائس والأديرة منذ العصر البيزنطي واستمر هذا الوضع خلال العصور الإسلامية حيث احترمت كثير من تلك الأوقاف. كما أوقف بعض سلاطين وأمراء المسلمين أراضي معينة في الجزيرة على المؤسسات الدينية (كالوقف على الحرمين أو المدارس). هذه الأراضي الوقفية لم تكن قابلة للبيع وكانت تُستغل لريعها لصالح الجهة الموقوف عليها. في أواخر العهد العثماني، تم إحصاء عدد من الأوقاف في سنجق ماردين والموصل، وكانت تشمل قرى بكاملها يقطنها فلاحون مسيحيون أو مسلمون يعملون كأجراء للحفاظ على ريع الوقف (الخصاونة، 1990). وقد بقي تأثير الأوقاف محدوداً في الجزيرة السورية نفسها نظراً لقلة المناطق المعمورة فيها قبل القرن العشرين، لكنه ترك بصمة في المناطق الشمالية المحاذية حيث كانت بعض القرى تدار كأوقاف دينية.
- ملكية الدولة (أراضي الميري والموات): بحكم ضعف الاستيطان المدني في معظم أراضي الجزيرة، اعتبرت الدولة العثمانية غالبية تلك الأراضي ميري (أي أملاك دولة) أو موات (أرض بور لا مالك لها) حسب قانون الأراضي. فالأرض التي لا يفلحها أحد رسميًا تعدّ نظرياً ملكاً للسلطان/الدولة، حتى لو كانت القبائل ترتادها للرعي. لم تمانع الدولة في انتفاع العشائر بهذه المساحات مقابل الجزية أو الضريبة، دون أن تعترف لهم بحقوق ملكية قانونية. وعندما بدأ مشروع الطابو العثماني 1858، صُنّف كثير من أراضي الجزيرة كموات يمكن منح امتيازات عليها لمستثمرين. ولكن نظراً لعزلة المنطقة آنذاك، لم ينجذب الكثير من المستثمرين، فبقيت المساحات الأكبر دون تسجيل. وإنما استفاد بعض الوجهاء المحليين كما أسلفنا – مثل قدور بك وآل عبد العزيز وآل الهفل – من القانون لتسجيل أراضٍ باسمهم كانت فعليًا ضمن نطاق القبائل التابعة لهم.
وهكذا ظهرت نواة الإقطاع العشائري الحديث في الجزيرة أواخر العهد العثماني، حيث امتلك بضعة شيوخ قبائل أو متنفذين مدنيين صكوك ملكية لمساحات كبيرة بينما الجمهور ظل إما رحّلاً بلا أرض مسجلة أو فلاحين يعملون كخدم لدى هؤلاء الملاك الجدد. وشهدت هذه العملية تسارعاً بعد 1864م، مع فرض نظام الطابو في ولاية الموصل ودياربكر.
- التغييرات في عهد الانتداب الفرنسي: أدخل الانتداب نظاماً إدارياً حديثاً للأراضي مستنداً للقوانين العثمانية السابقة ولكن مع تطبيقات جديدة. فمن جهة، اعترفت السلطات الفرنسية بملكيات من سبق تسجيلهم أراضيهم (سواء كانوا من وجهاء العشائر العرب والأكراد أو ملاك سريان وأرمن عادوا واستصلحوا أراضٍ). ومن جهة أخرى، شجعت على استثمار الأراضي البور الشاسعة عبر مشاريع زراعية حكومية. وأنشأت فرنسا مزارع نموذجية، وسلمتها لبعض العائلات من اللاجئين الأرمن والسريان لتشجيع الزراعة الحديثة. وكما قامت بمنح امتيازات ري على الخابور والبليخ لشركات فرنسية لاستصلاح الأراضي(Velud, 1987)، وأفسحت المجال لكبار التجار الشوام لشراء مساحات في الحسكة وإدخال مضخات الري الحديثة، مما أدى إلى تحول نمط الملكية تدريجياً من الجماعي إلى الفردي التجاري في بعض المناطق الخصبة.
بالتوازي، استمرت الغالبية العظمى من الفلاحين تعمل في إطار شبه إقطاعي؛ إذ حصل زعماء عشائر موالون للفرنسيين على اعتراف بدورهم كوسطاء بين الحكومة والفلاحين، وترسخ امتلاك بعضهم لمساحات واسعة. فمثلًا، آل الملِّي (ورثة إبراهيم باشا) احتفظوا بنفوذهم على أراضٍ في ريف القامشلي، وآل الجربا (شيوخ شمر) نالوا وضعاً خاصًا في إدارة بادية الجزيرة.
وشهدت تلك الفترة أيضاً بروز نزاعات ملكية بين الوافدين والسكان المحليين: اعترض بعض الزعماء العرب على منح الأراضي للقادمين الأرمن معتبرين ذلك “استعماراً فرنسياً” وانتُزاعاً لأرض العرب، كما وقع تنافس بين زعماء الأكراد والعرب على مكاسب تمثيل المنطقة. لكن عمومًا، وبحلول نهاية الانتداب، كان قد وُضع أساس نظام عقاري حديث بالجزيرة فيه خليط من الملكيات الفردية الكبيرة (لدى مشايخ ووجهاء)، وملكية الدولة لمساحات شاسعة غير مفلوحة، وملكية جماعية عُرفية مستمرة في المراعي البعيدة عن الرقابة، إضافة لاستمرار بعض أراضي الوقف التابعة للكنائس في القرى السريانية.
إن تمييز هذه الأنماط مهم لفهم كثير من التطورات اللاحقة (مثل قضية الإحصاء السكاني الخاص بالكرد عام 1962م، والذي جرّد الآلاف من الجنسية بحجة أنهم متسللون لا يملكون أراضي مسجلة، أو مشروعات الإصلاح الزراعي في السبعينات التي استهدفت كبار الملاكين). فالجزيرة دخلت عهد الاستقلال بواقع عقاري مضطرب؛ نخبة محدودة تحوز صكوك ملكية لمساحات كبيرة تضم مئات القرى (سواء ورثتها من العثمانيين أو منحها الفرنسيون)، وجموع غفيرة من الفلاحين الرحّل سابقًا أصبحوا مستقرين ولكن دون ملكيات رسمية واضحة، مما مهد لصراعات اجتماعية وقومية حول الأرض فيما بعد.
- الإدارات السياسية المتعاقبة ودورها الديموغرافي
خضعت منطقة الجزيرة عبر ألفي سنة لسلسلة من الكيانات والدول المختلفة التي ترك كلٌ منها بصماته على التركيبة السكانية ونمط الاستقرار فيها. ومن المفيد استعراض أبرز تلك الإدارات التاريخية بوصفها عاملًا ديموغرافيًا، لا مجرد سلطة حكمت المكان:
– العصور القديمة (الآشورية – الإغريقية – الرومانية): كانت الجزيرة الفراتية قلب الإمبراطورية الآشورية خلال الألف الأول قبل الميلاد، تتبع لها مدن مهمة مثل نينوى وآربيل ونصيبين. اعتمد الآشوريون سياسة التهجير وإعادة التوطين كوسيلة للسيطرة، فنقلوا جماعات آرامية من سوريا إلى أطراف بلادهم الشمالية وبالعكس (Diakonoff, 1991) ولذا شهدت تلك الحقبة اختلاطاً إثنياً بين الآشوريين (الأكاديين) والآراميين في المنطقة. وفي العصر الهيلينستي والروماني اللاحق، أُلحقت الجزيرة بمقاطعات الدولة السلوقية ثم الرومانية (مثل ولاية ما بين النهرين). وقد اهتم الرومان بتأمين الطرق العسكرية عبرها أكثر من تطوير مدنها، فأنشؤوا قلاعاً على الفرات والخابور. وترك الحكم البيزنطي (القرون 4–6م) تأثيرًا دينيًا مهمًا بتعزيز المسيحية السريانية في المنطقة عبر الأديرة ومراكز التعليم في الرها ونصيبين. ولكن الجزيرة أيضًا كانت خط تماس بين البيزنطيين والساسانيين؛ وتقاسمها الطرفان فترات طويلة (كانت نصيبين مثلًا ضمن فارس وفقًا لهدنة 363م). وإن هذا الوضع الحدودي أدّى إلى اضطراب سكاني مستمر – نزوح الأهالي نحو الجنوب أو الجبال في أوقات الحرب وعودتهم بعد انجلائها. ومع ذلك بقي السكان السريان المحليون متمسكين بأرضهم ولغتهم خلال تلك العهود، واستمرّت مدن مثل الرها ونصيبين مركزًا حضاريًا سريانيًا حتى الفتح الإسلامي.
- العهد الإسلامي المبكر (الخلافة الراشدة والأموية والعباسية): دخلت الجزيرة في الإسلام ما بين 637 و640م على يد جيوش الفتح بقيادة عياض بن غنم. وقد نظّم الأمويون المنطقة كما أسلفنا في ديارات سميت على أسماء القبائل العربية التي استقرت فيها بأمر الدولة. وأدّت هذه السياسة الاستيطانية إلى تغيير ديموغرافي واضح خلال القرن الأول للهجرة: أصبحت قبائل ربيعة ومضر هي العمود الفقري لسكان الجزيرة مع بقاء السريان الأصليين كأقلية في المدن والقرى تحت حماية الدولة الإسلامية (البلاذري، 1987). ولقد ازدهرت العديد من مدن الجزيرة في العصر الأموي ثم العباسي اقتصادياً لوقوعها على طرق القوافل والتجارة بين الشام والعراق – فكانت الرقة مركزًا مزدهرًا على الفرات، والموصل قاعدة حيوية على دجلة. وشهدت المنطقة هجرات مضادة أيضاً من الشمال: فجلب العباسيون مثلاً بعض قبائل التركمان وأسكنوها ثغور الجزيرة لتعزيز الدفاعات (حسن، 1987). وبصورة عامة، نجحت الخلافة في دمج الجزيرة ضمن منظومتها عبر توطين العرب ومنحهم الأراضي (ضمن نظام العطايا و الإقطاعات) وتحصين الثغور (كمنطقة الجزيرة التي غدت دار جهاد ضد البيزنطيين). لكن مع ضعف العباسيين، انقسمت الجزيرة بين إمارات مستقلة (بويهية ثم سلجوقية) ما أدى لتراجع السيطرة المركزية على التركيبة السكانية.
- العصور الوسطى الإسلامية (الزنكية – الأيوبية – العثمانية المبكرة): في القرن 12م وحّد عماد الدين زنكي ثم ابنه نور الدين معظم أنحاء الجزيرة والشام في دولة قوية، واعتمدوا سياسة إسكان جنودهم التركمان والأكراد في المناطق المفتوحة. وقد ظهر في تلك الفترة الوجود الأيوبي الكردي في مدن الجزيرة (حكم الأيوبيون ماردين وخلاط وأجزاء من الموصل لفترة).
غير أن ذلك لم يصاحبه تغيير بنيوي كبير في ديموغرافية القرى، إذ بقي الفلاحون السريان والعرب على أرضهم، وتركز الكرد في الطبقة العسكرية الحاكمة أكثر من توطين شعبهم. وخلال الغزو المغولي 1260م، دُمّرت مراكز الحضارة تمامًا كما ذكرنا وانخفض عدد السكان بشكل هائل. وعندما استعاد المماليك السيطرة على الجزيرة أواخر القرن 13م، وجدوها شبه خالية فسلموا إدارتها لأمراء تركمان (كالأرتقيين في ماردين) ولعشائر عربية لضبط البوادي. ومن ثم جاء العثمانيون في القرن 16م، ليجدوا واقعاً عشائرياً فوضوياً نسبياً، فاستندوا إلى أمراء كرد محليين لحكم بعض النواحي (تاركين لهم حكمًا ذاتيًا واسعًا مقابل الولاء، كما في إمارة بهدينان في سنجار وإمارة بوطان في جزيرة ابن عمر).
وعموماً، يمكن وصف الفترة من القرن 15 حتى 19م، بأنها حقبة ركود ديموغرافي في الجزيرة: فلا مدن كبرى جديدة نشأت، ولا زيادة سكانية تذكر حصلت – بل استمر النمط البدوي سائداً، وتعايشت جماعات مختلفة تحت حكم عثماني اسمي لم يتدخل بعمق في حياتها. وهذا ما يفسر لماذا عند بداية القرن العشرين كانت منطقة الجزيرة أشبه بـ”متاهة قبلية” أكثر من كونها مجتمعًا مدنيًا: عرب وكرد وسريان وإيزيديون يعيشون في جماعات متمايزة تحت إدارة عثمانية ضعيفة.
- الانتداب الفرنسي وتكوين الدولة السورية (1920–1946) كما شرحنا في قسم سابق، مثّل الانتداب نقطة انعطاف كبرى. فعلى الصعيد الإداري، اقتطعت فرنسا منطقة الجزيرة من محيطها الطبيعي (تركيا والعراق) وضمتها إلى كيان سوريا الحديثة بعد ترسيم الحدود مع تركيا عام 1923. ولكنها في البداية منحتها حكمًا خاصًا ضمن دولة حلب ثم ضمن الدولة السورية، مع اعتراف بالتنوع القومي والديني فيها. أقامت فرنسا حكمًا محليًا (قائمقامية الجزيرة) عاصمته الحسكة تحت إشراف مباشر من المفوضية الفرنسية. وقد تعاملت السلطات مع مشيخات القبائل وكبار وجهاء المهاجرين كأدوات للحكم غير المباشر. فمثلاً، حافظت على نفوذ آل الملِّي الأكراد في الشمال وآل الجربا العرب في الجنوب (داخل الجزيرة) عبر إعطائهم مناصب شرفية وقوات مسلحة مساندة. وفي الوقت نفسه، أدخل الفرنسيون مفهوم الجنسية والهوية الوطنية إلى مجتمع الجزيرة المتعدد، فمنحوا جميع المقيمين (عربًا وأكرادًا وسريانًا وأرمنًا) الجنسية السورية بحلول 1935 لضمان ارتباطهم بالدولة الجديدة (Tejel, 2009) ، وشجعت على تمثيلهم السياسي عبر مجالس محلية. غير أن سياسة “فرّق تسد” استمرت أيضاً، شجعت الفرنسيون تأسيس أحزاب وهويات فرعية؛ ساعدوا في تشكيل نادي للهوية الكردية (جمعية خويبون مثلاً) وجمعيات آشورية وأرمنية، كما حاولوا إقامة إقليم ذاتي للجزيرة عام 1936م على غرار لبنان – إلا أن تلك المحاولة فشلت بعد احتجاج الوطنيين السوريين الذين أصرّوا على مركزية الحكم.
وبشكل عام، أدى الانتداب الفرنسي إلى ترسيخ حدود الجزيرة الحالية داخل سوريا الحديثة، وربط اقتصادها وإدارتها بمركز الدولة في دمشق، بعد أن كانت تاريخيًا أقرب للعراق والأناضول. وبنهاية الانتداب كانت الحسكة قد تحولت إلى مركز محافظة ناشئة، والقامشلي إلى مدينة مزدهرة، وتم إشراك أبناء المنطقة (من عرب وأكراد ومسيحيين) في مؤسسات الدولة كالبرلمان والجيش.
- الدولة السورية الحديثة (1946–حتى اليوم): بعد الاستقلال، ورثت الحكومات السورية تحديات دمج الجزيرة في الوطن. وفي البداية، انتهجت الدولة سياسة استيعابية حذرة: اعترفت بالتنوع الثقافي (كانت السريانية لغة رسمية محلية لفترة وجيزة في القامشلي مثلاً)، وعيّنت شخصيات من عشائر الجزيرة في مناصب إدارية. ولكن تصاعد المد القومي العربي في الخمسينات والستينات أدى إلى توتر مع المكونات غير العربية – خاصة الكرد (الذي نزحوا من تركيا عبر موجات بين 1925 و1962) الذين تعرضوا لإجراءات تهميش (كإحصاء حكومة نظام القدسي في الحسكة عام 1962 الذي جرّد حوالي 80 ألف كردي من الجنسية بحجة أنهم مهاجرون حديثاً).
وشهدت الجزيرة توترات بين العرب والأكراد أبرزها اضطرابات عام 2004 في القامشلي. ورغم ذلك، ظلت المنطقة إحدى أكثر مناطق سوريا تنوعاً وأقلها اندماجاً قومياً. وقد سعى نظام البعث خلال السبعينات من القرن العشرين إلى إعادة التوزيع الديموغرافي عبر مشروع الحزام العربي الذي جرى فيه توطين آلاف الفلاحين العرب على طول الشريط الحدودي مع تركيا، وإنشاء عشرات القرى النموذجية لهم (Osseiran, 1976) كما مُنح الضباط والموظفون من خارج المنطقة أراضٍ زراعية في الجزيرة ضمن برامج الإصلاح الزراعي. كل ذلك زاد نسبة العرب قليلاً في بعض المناطق، لكنه لم يلغِ الوجود الكردي الكبير المتجذر منذ عهد الانتداب. ومع اندلاع الثورة السورية 2011، برزت الجزيرة مجدداً كمسرح لصراع إثني وسياسي معقد، لكنها أيضاً أثبتت تماسك مكوناتها أمام أخطار التفكك حتى سقوط نظام الأسد. ورغم تأكيد الكثير من أبناء الشعب السوري بأن الجزيرة السورية إقليم متعدد القوميات والاثنيات، تشكل عبر الزمن الطويل، وليست كياناً قومياً أحادياً، ولكن مع ظهور فكرة الإدارة الذاتية الكردية (روج آفا) في عام 1915م، وبدأوا بتصدير رواية أن الجزيرة ليست عربية، وبأن هي جزء من كردستان الكبرى، ولذلك نشأ خلاف مع سقوط نظام الأسد، بين رؤية الحكومة الوطنية السورية في اندماج الجزيرة ضمن الدولة الوطنية في إطار لا مركزية إدارية تحقق الصلاحيات الخدمية والمرفقية لكل المناطق والمحافظات السورية، في المقابل هناك من يطالب من المكون الكردي باللامركزية السياسية والفدرالية الاثنية، والخصوصية الجغرافية، وهو ما جعل الصراع حول طبيعة النظام السياسي وشكل الحكم والعلاقة بين المركز والأطراف.
- خلاصة ..
تبيّن الدراسات التاريخية والوثائق المتقاطعة أن الجزيرة السورية، تمتلك خصوصية فريدة بوصفها امتداداً لبلاد ما بين النهرين أكثر من كونها جزءاً من بيئة سوريا الطبيعية التقليدية. فعلى مدار ما يقرب من ألفي عام، تعاقبت على هذه الرقعة سلطات مختلفة وأسفر التفاعل بينها وبين طبيعة المنطقة المفتوحة عن نسيج سكاني متعدد الإثنيات والثقافات. ولقد نشأت البنية السكانية الأولى من الآشوريين والآراميين، ثم دخل العنصر العربي، ومن ثم العربي الإسلامي، وفي العصر الأموي أعطى المنطقة طابعها العربي القبلي لقرون، ليلحقه في عهد السلطان سليم الأول في القرن السادس عشر، ومن ثم في القرن العشرين العنصر الكردي الوافد من الشمال معززاً لمكون كردي أقل حجماً كان موجوداً في تخومها.
وكذلك ظل الوجود السرياني المسيحي متجذراً رغم ما تعرض له من تقلص ونكبات، وعاد ليتعزز مع موجات اللجوء الأرمني والآشوري إبان الحربين العالميتين. وتغيّرت ديموغرافية الجزيرة بتأثير الجغرافيا التي فرضت نمط الترحال طويلًا، ثم بتأثير الحروب المغولية والفتن التي كادت تفني سكانها، وأخيراً بفعل سياسات التوطين والتقسيمات الاستعمارية التي رسمت حدودها وأعادت حشد سكانها خلال الانتداب الفرنسي. وأما ملكية الأرض فقد انتقلت من المشاع القبلي الذي ساد قروناً إلى نظام الملكيات الفردية الكبيرة خلال قرن واحد، ما خلق إشكالات اجتماعية ما زالت ظلالها قائمة في قضايا النزاع على الأراضي والهوية الزراعية للمنطقة. وخلال ذلك كله، لعبت الإدارات السياسية المتعاقبة دور المهندس أحيانًا – عبر الإقطاعيات أو التجنيس أو حملات التوطين – ودور المتفرج أحياناً أخرى تاركةً البيئة القاسية تفعل فعلها في السكان.
إن تتبع الأصل التاريخي والديموغرافي للجزيرة السورية يفنّد تبسيطات بعض الخطابات الاثنية المتصارعة. فلا يصح القول إن هذه الأرض كانت “كردية خالصة” قبل القرن العشرين؛ فجذورها الآشورية والعربية والسريانية موثقة لقرون طويلة. وفي الوقت نفسه، هي فعلاً لم تكن جزءاً من سوريا إلا حديثاً، بل شكلت إقليماً قائماً بذاته يتبع تارةً للعراق وتارةً للأناضول. وإن هذا التشابك ينعكس اليوم على هوية الجزيرة المركبة ضمن الدولة السورية: فهي تضم عرباً يتواجدون فيها منذ الفتح الإسلامي، وكرداً يشكلون جزءاً معتبراً من سكانها نتيجة هجرات القرن العشرين، وسرياناً يعتبرون أنفسهم أصحاب الأرض الأصليين، إلى جانب أقليات أخرى. ولذلك فإن أي فهم أو طرح سياسي لمستقبل الجزيرة يحتاج إدراكاً عميقاً لخلفيتها التاريخية بعيداً عن سرديات الاختزال. ولقد كانت الجزيرة وما زالت أرضاً للتعدد والتعايش، ولم تكن يوماً وطناً حصرياً لقومية دون أخرى. وكما أن انتماءها للدولة السورية الحديثة جاء نتيجة ظروف القرن العشرين ولم يكن امتداداً لوحدة سياسية سابقة، مما يجعل خصوصيتها الحالية مفهوماً تاريخياً أكثر منه انحرافاً. وخلاصة القول: يؤكد التاريخ الموثق أن الجزيرة السورية كانت عبر العصور نقطة تلاقٍ بين الحضارات والقبائل، تتغير ملامحها السكانية بتغير الدول والحكام والظروف السياسية، ولكنها تحافظ على جوهرها كفسيفساء بشرية غنية. وإن هذا الإرث هو ما ينبغي الاسترشاد به عند النظر في أي سياسات معاصرة تتعلق بهذه المنطقة الحيوية.
- المراجع:
- Altuğ, Seda (2011). Sectarianism in the Syrian Jazira: Community, Land and Violence (1915–1939) – PhD Thesis, Utrecht Univ.loc.govjournals.openedition.org
- Buckingham, James.(1827). Travels in Mesopotamia.
- Niebuhr, Carsten (1778). Travels through Arabia and Other Countries in the East.
- Tejel, Jordi (2009). Syria’s Kurds: History, Politics and Society.
- باروت، م. ج. (2013). التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحول من البدونة إلى العمران الحضري (ط. 1). الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
- البلاذري، أ. ب. ي. (1987). فتوح البلدان. بيروت: دار ومكتبة الهلال. (العمل الأصلي نُشر نحو 892م).
- بلمنت، آن. (1991). قبائل بدو الفرات عام 1878م (ترجمة: أسعد الفارس ونضال خضر معيوف). سورية: دار الملاح للطباعة والنشر. (العمل الأصلي نُشر 1878م).
- حسين، ب. ع. (2018). القبائل العربية في الجزيرة الفراتية العليا في تركيا. مجلة جيل الدراسات التاريخية، (37).
- الدغيم، ط. (2023، 8 سبتمبر). الجزيرة الفراتية في أعين الرحالة والمستشرقين الغربيين. ترك برس.
https://www.turkpress.co - فارس، أ. (1997). رحلة الغرب في ديار العرب (ط. 1). الكويت: دار صقر الخليج للنشر والتوزيع.
- المفوضية الفرنسية. (1939). إحصاء لواء الجزيرة (الملف رقم 3547). الأرشيف الوطني الفرنسي، باريس.
- المقدسي، ش. د. (1906). أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم. ليدن: دار بريل. (العمل الأصلي نُشر نحو 965م).



