الشرق الأوسطتحليلاتعاجل

التحديات الاقتصادية وأثرها على السلطة القضائية في اليمن

إعداد  : ق.د. علي مرشد العرشاني – قاضٍ ودكتور في العلوم القانونية والسياسية (الجمهورية اليمنية)

  • المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة:

منذ اندلاع الأحداث في سبتمبر 2014م دخلت الجمهورية اليمنية مرحلة معقدة من الصراع السياسي والعسكري، أسفرت عن انقسام مؤسسي واسع شمل مختلف سلطات الدولة، وقد كان لهذا الواقع أثر مباشر وغير مباشر على أداء المؤسسات العامة بما فيها السلطة القضائية التي تمثل الركيزة الأساسية لإقامة العدل وصون الحقوق والحريات.

ورغم هذا السياق الاستثنائي حافظت السلطة القضائية في كافة المحافظات الخاضعة لسلطة الحكومة الشرعية على قدر ملحوظ من الاستمرارية المؤسسية، إذ واصلت المحاكم والنيابات العامة عملها في وقتٍ تعطلت فيه عدد كبير من القطاعات الحكومية الأخرى كلياً أو جزئياً.

أولاً: واقع أداء السلطة القضائية في ظل النزاع:

تعد السلطة القضائية السلطة الدستورية الوحيدة التي استمرت في أداء وظائفها الأساسية كاملةً خلال سنوات الصراع، حيث واصل القضاة وأعضاء النيابة العامة الحضور المنتظم إلى مقار أعمالهم رغم التحديات الأمنية وضعف البنية التحتية وغياب الحد الأدنى من التجهيزات الفنية.

وقد عكس هذا الاستمرار قدراً عالياً من الالتزام المهني والمسؤولية الوطنية لدى القضاة إدراكاً منهم لحساسية دور القضاء في الحفاظ على السلم المجتمعي ومنع انزلاق المجتمع نحو العدالة الخاصة أو الفوضى القانونية.

ثانياً: التدهور الاقتصادي وأثره على استقلال القضاء:

على الرغم من الدور الحيوي للقضاء إلا أن السلطة القضائية لم تحظ بالدعم المؤسسي اللازم من قبل السلطة التنفيذية، سواء من حيث تحسين الأوضاع المعيشية للقضاة أو توفير متطلبات العمل الأساسية وتحسين البنية التحتية وتوفير متطلبات الأمن والحماية.

ومع الانهيار الحاد في قيمة العملة الوطنية وارتفاع معدلات التضخم تراجعت القوة الشرائية لرواتب القضاة بصورة غير مسبوقة، فبعد أن كانت الرواتب القضائية قبل الأزمة تعد من بين الأعلى في هيكل الوظيفة العامة، إلا أنها أصبحت اليوم غير قادرة على تغطية الحد الأدنى من متطلبات المعيشة الكريمة.

وتشير التقديرات إلى أن متوسط دخل القاضي الابتدائي انخفض من ما يعادل 1000 دولار أمريكي شهرياً قبل عام 2015م إلى ما يقارب 200 دولار أو أقل شهرياً في المرحلة الراهنة، وهو تراجع لا ينسجم مطلقاً مع طبيعة الوظيفة القضائية ولا مع الضمانات المفترضة لاستقلال القاضي وحياده ونزاهته.

وهذا الوضع يثير إشكالية جوهرية تتعلق بمبدأ استقلال السلطة القضائية، إذ لا يمكن تصور قاضٍ مستقل ومحايد وهو يعيش تحت ضغوط معيشية قاسية أو ينشغل بتأمين احتياجاته الأساسية على حساب التفرغ الكامل لأداء رسالته القضائية.

ثالثاً: المفارقة في هيكل الأجور داخل مؤسسات الدولة:

يبرز الخلل بصورة أوضح عند مقارنة الوضع المعيشي للقضاة بأوضاع فئات أخرى في مؤسسات الدولة لا سيما في قطاعي الأمن والجيش، حيث يحصل بعض منتسبي هذه القطاعات على مخصصات مالية بالعملة الصعبة تفوق في بعض الحالات ثلاثة أضعاف راتب القاضي.

ولا تهدف هذه المقارنة إلى التقليل من أهمية أدوار تلك القطاعات وإنما إلى إبراز الاختلال في ترتيب الأولويات، ذلك أن العدالة تمثل أساس الاستقرار، وأن إضعاف القضاء مادياً ينعكس سلباً على منظومة الحكم بأكملها.

رابعاً: الإمكانية الواقعية لمعالجة الوضع المعيشي للقضاة:

من الناحية العملية لا يعد العبء المالي لتحسين أوضاع القضاة تحدياً كبيراً على الدولة، إذ لا يتجاوز عدد القضاة وأعضاء النيابة العامة العاملين في نطاق الحكومة الشرعية نحو 3000 قاضٍ وقاضية.

وبناءً على ذلك فإن إقرار حزمة من المعالجات الاستثنائية التي تتضمن صرف مخصصات مالية منتظمة أو بدلات معيشية بالعملة الصعبة أسوة ببعض القطاعات السيادية، يعد خياراً ممكناً من الناحية العملية وذا أثرٍ بالغٍ على استقرار القضاء ورفع كفاءته وصولاً إلى دولة الحق والقانون.

الخاتمة:

إن صون كرامة القاضي المعيشية ليس مطلباً فئوياً بل هو شرط جوهري لإقامة العدل وترسيخ سيادة القانون، فالدولة التي تسعى إلى الاستقرار وإعادة البناء لا يمكن أن تحقق ذلك دون قضاء قوي ومستقل ومحصن اقتصادياً بحيث يكون قادراً على أداء رسالته بعيداً عن الحاجة أو التأثير.

ونخلص من هذا التحليل إلى أن استمرار التدهور المعيشي للقضاة يشكل تهديداً مباشراً لاستقلال السلطة القضائية وفاعلية دورها الدستوري، وعليه  نوصي بما يلي:

  • اعتماد معالجة عاجلة لتحسين الوضع المعيشي للقضاة وأعضاء النيابة العامة.
  • إقرار مخصصات مالية ثابتة بالعملة الصعبة تتناسب مع طبيعة الوظيفة القضائية وتستمر إلى حين استقرار العملة وعودة أسعار الصرف لما قبل عام 2015م.
  • إدراج السلطة القضائية ضمن أولويات الدعم الحكومي بوصفها سلطة سيادية لا غنى عنها لاستقرار الدولة.
4.9/5 - (7 أصوات)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى