الدراسات البحثيةالمتخصصة

بحر الصين الشرقي في الإستراتيجية البحرية الصينية : من الدفاع الساحلي إلى التوسع البحري

اعداد :  أونايسية سمية – قسم العلوم السياسية – جامعة 08 ماي 1945

  • المركز الديمقراطي العربي

 

الملخص:

يعد بحر الصين الشرقي محورا استراتيجيا في السياسة البحرية الصينية، إذ انتقلت الصين من سياسة الدفاع الساحلي التقليدية إلى نهج التوسع البحري الهادف إلى حماية مصالحها الإقليمية والاقتصادية. ويعكس هذا التحول سعيها لترسيخ مكانتها كقوة بحرية كبرى قادرة على ضبط الممرات الحيوية وتعزيز حضورها في المياه المتنازع عليها. كما يرتبط هذا التوجه بإعادة تشكيل موازين القوى في شرق آسيا، ما يثير مخاوف إقليمية ودولية بشأن الأمن والاستقرار في المنطقة.

Abstract

  The East China Sea constitutes a strategic axis within China’s maritime policy, as Beijing has shifted from a traditional coastal-defense strategy to a broader maritime expansion aimed at safeguarding its regional and economic interests. This transition reflects China’s pursuit of consolidating its status as a major naval power capable of securing critical sea lanes and strengthening its presence in contested waters. Moreover, this strategic orientation is closely tied to the restructuring of power balances in East Asia, thereby raising regional and international concerns regarding security and stability in the area.

مقدمة

يمثل بحر الصين الشرقي إحدى أهم الساحات الجيوسياسية في آسيا والمحيط الهادئ، ونظرا لموقعه الاستراتيجي الحيوي الذي يشرف على أكثر الممرات البحرية ازدحاماً في العالم. وقد تحوّل هذا البحر، خلال العقدين الأخيرين، إلى محور رئيس في الاستراتيجية البحرية للصين في ظل انتقالها من عقيدة “الدفاع الساحلي” المحدودة إلى تبني توجهات توسعية قائمة على فرض السيطرة وبسط النفوذ في المياه الإقليمية والجزر المتنازع عليها. ولا يمكن فهم هذا التحول بمعزل عن صعود الصين كقوة اقتصادية وعسكرية عالمية، وسعيها إلى حماية خطوط إمدادها التجارية على امتداد شرق آسيا، بالإضافة إلى إعادة تعريف دورها في النظام الدولي.

وفي ظل هذا الواقع، أصبح بحر الصين الشرقي مسرحا لعدد متزايد من النزاعات البحرية المعقدة التي تضم الصين واليابان والولايات المتحدة، الأمر الذي جعل المنطقة إحدى بؤر التوتر الأكثر حساسية في ميزان الأمن الإقليمي. وتكتسي هذه الدراسة أهمية خاصة في ضوء التحولات الاستراتيجية العميقة التي تشهدها الصين داخليا، واشتداد حدة التنافس الجيوسياسي في شرق آسيا، وارتباط هذه التحولات بموازين القوة البحرية العالمية.

الإشكالية:

تحاول هذه الدراسة بناء إطار معرفي شامل حول الدور الاستراتيجي لبحر الصين الشرقي في العقيدة البحرية للصين، وذلك عبر تحليل التحول من نهج الدفاع الساحلي إلى سياسة التوسع البحري، وما يترتب على ذلك من تأثيرات مباشرة على موازين القوى والأمن الإقليمي في شرق آسيا. وتسعى الدراسة إلى إبراز المفاهيم الأساسية المرتبطة بالموضوع، من خلال الانطلاق من الإشكالية المركزية الآتية:

كيف ساهم التحول في العقيدة البحرية الصينية من الدفاع الساحلي إلى التوسع البحري في إعادة تشكيل دينامكيات الأمن الإقليمي في بحر الصين الشرقي؟ وما انعكاساته على توازن القوى بين الصين واليابان والولايات المتحدة؟

الفرضية:

يفترض أن التحول في العقيدة البحرية الصينية نحو التوسع البحري قد جعل بحر الصين الشرقي محورا رئيسا في استراتيجية بكين الإقليمية، مما أسهم في تصاعد التوترات البحرية وأعاد تشكيل ميزان القوى في شرق آسيا، بما يعزز احتمالات الاحتكاك العسكري ويضعف فرص الاستقرار الإقليمي.

أهداف الدراسة:

تسعى هذه الدراسة إلى تحقيق مجموعة من الأهداف المتمثلة في:

  • تحليل الموقع الجيوبوليتيكي لبحر الصين الشرقي الذي يعتبر جزـء لا يتجزأ من العقيدة البحرية الصينية.
  • تفسير التحول الاستراتيجي من الدفاع الساحلي إلى الدفاع الإقليمي البعيد ثم إلى بناء قوة بحرية عالمية.
  • دراسات التفاعلات الإقليمية والدولية إزاء التوسع البحري للصين

أهمية الدراسة: تمكن أهمية الدراسة من خلال وضع إطار تحليلي متكامل لفهم التحولات العميقة في الاستراتيجية البحرية الصينية، لا سيما في بحر الصين الشرقي، والذي يعد نقطة ارتكاز لسياساتها الإقليمية. كما تساهم في سد فجوة معرفية متعلقة بدور القوى البحرية الصاعدة في إعادة تشكيل توازنات الأمن في آسيا.

هيكلة الدراسة:

المحور الأول: دراسة مناطقية لبحر الصين الشرقي

المحور الثاني: تطور العقيدة البحرية الصينية

المحور الثالث: إنعكاسات التوسع البحري الصيني في منطقة بحر الصين الشرقي على الأمن الإقليمي والدولي

خاتمة

قائمة المراجع

المحور الأول: دراسة مناطقية  لمنطقة بحر الصين الشرقي

يعد بحر الصين الشرقي منطقة استراتيجية محورية في التنافس الجيوسياسي بين القوى الكبرى، لما يتميز به من موقع حيوي وموارد بحرية غنية. كما يعكس التحول في العقيدة البحرية الصينية من الدفاع الساحلي إلى التوسع البحري سعي الصين لترسيخ مكانتها كقوة بحرية عالمية.

1/ الخصائص الجغرافية  لمنطقة بحر الصين الشرقي:

يمثل بحر الصين الشرقي  أبرز المناطق البحرية الحيوية في النظام الجيوسياسي الدولي، إذ يمتد على مساحة تقدّر بنحو 1.249.000  كيلومتر مربع أي ما يعادل تقريبا 482.000  ميل مربع ضمن الجزء الغربي من المحيط الهادئ.  وتحيط به من الشرق جزيرة كيوشو اليابانية وسلسلة جزر ريوكيو، ومن الجنوب والغرب تايوان وبقية دول آسيا المتصلة ببحر الصين الجنوبي عبر مضيق تايوان، في حين يتصل شمالا بــــ:  البحر الأصفر عبر المضيق الكوري. كما تعد كل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان الدول الرئيسية المطلة عليه، ويتميّز هذا البحر بتدفق نهر اليانغتسي في مياهه، ما يجعله محورا استراتيجيا للتجارة والملاحة والطاقة، وعاملا مؤثرا في التفاعلات السياسية والاقتصادية الإقليمية.[1]

وتعد المياه المحيطة ببحر الصين الشرقي حلقة وصل بحرية محورية بين شمال شرق آسيا وجنوب شرقها، ما يمنحها أهمية جيوإستراتيجية استثنائية جعلت من منطقة آسيا والمحيط الهادئ عامة، ومن بحر الصين الشرقي خاصة مسرحا لتنافس القوى الإقليمية والدولية.  وتستمد هذه المنطقة أهميتها من موقعها الذي يضم عددا كبيرا من الأرخبيلات والممرات البحرية الحيوية، فضلا عن ما تمتلكه من إمكانات طبيعية واقتصادية جعلتها مركزا للتفاعلات الجغرافية والسياسية المعقدة.

وينقسم موقعها الجغرافي إلى مظهرين رئيسيين: الأول هو النتوء القاري أو البرّ الرئيسي: ويشمل كل من الصين ، اليابان، كوريا الجنوبية، تايوان، فيتنام، ماليزيا، إندونيسيا، والفلبين؛  أما الثاني فهو النطاق البحري: المكون من سلاسل أرخبيلية تمتد عبر بحرَي الصين الشرقي والجنوبي وتضم مجموعة من الدول الساحلية ذات النفوذ البحري.  أما من الناحية المناخية، فتقع المنطقة ضمن النطاقين المداري وشبه الاستوائي، وهو ما يمنحها نظاما ممطر موسميا يساهم في تنوعها البيئي وتكوّن السلاسل الجبلية والهضاب وانتشار شبكات صرف مائية واسعة، مما يعزز من قدراتها الزراعية والاقتصادية ويزيد من قيمتها الاستراتيجية في التوازنات الإقليمية لشرق آسيا.[2]

أما بالنسبة للممرات البحرية نجد مضيق ملقا الذي يعد أحد أهم الممرات البحرية الحيوية في العالم، إذ يصنف ثاني أطول مضيق بعد مضيق هرمز، ويمثل محورا استراتيجيا بالغ الأهمية في حركة التجارة الدولية. ويمتد المضيق على طول يقارب 800  كيلومتر،  حيث يتراوح عرضه بين 50 و320 كيلومترا، ليضيق في بعض النقاط إلى نحو 2.5 كيلومتر فقط، وبعمق يبلغ حوالي 23 مترا. ويقع جغرافيا بين ماليزيا وإندونيسيا، بينما تتمركز سنغافورة عند طرفه الشرقي، ليشكل همزة وصل بين المحيط الهندي وبحر الصين الجنوبي والمحيط الهادئ، ما جعله صلة وصل رئيسية بين الاقتصادين الآسيوي والأوروبي.[3]

وتظهر الإحصاءات الحديثة أن مضيق ملقا يستحوذ على نحو 40٪ من حجم التجارة العالمية، إذ تعبره سنويًا أكثر من 50  ألف سفينة تجارية تحمل شحنات متنوعة، أبرزها الواردات النفطية التي تمثل قرابة 80٪ من إجمالي حركة النقل عبره. كما يعد الممر البحري الرئيس لكل من الصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، ونظرا لاعتماده كقناة استراتيجية لإمدادات الطاقة والسلع الأساسية. ومن ثم يشكل المضيق بؤرة جيوستراتيجية تربط بين الشرق الأوسط وشبه القارة الهندية وشمال شرق آسيا، مما يجعله عنصرا محوريا في منظومة الأمن البحري العالمي والتوازنات الاقتصادية الدولية.[4]

ولا تقتصر أهمية المضيق على أبعاده الاقتصادية، بل تمتد إلى بعده الجيوستراتيجي، إذ يعدّ نقطة تماس بين نفوذ القوى البحرية الكبرى، وفضاءا مفتوحا للتنافس على ضمان حرية الملاحة وتأمين سلاسل الإمداد. كما ساهم تاريخيًا في نشوء الكيانات الساحلية وتطور المراكز التجارية في ماليزيا وإندونيسيا وسنغافورة، مما جعله عنصرا بنيويا في تشكل التفاعلات الاقتصادية والسياسية في جنوب شرق آسيا. وعليه، فإن مضيق ملقا لا يمثل مجرد ممر تجاري، بل يشكل ركيزة مركزية في توازنات القوة الدولية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.[5]

وفي السياق ذاته يبرز مضيق تايوان، المعروف أيضا باسم مضيق فورموزا، من أبرز الممرات البحرية الاستراتيجية في شرق آسيا، إذ يمتد على مساحة تقارب 180 كيلومترا  مربعا، ويربط بين البر الرئيسي للصين وجزيرة تايوان، مشكلا بذلك همزة وصل بحرية بين بحر الصين الجنوبي وبحر الصين الشرقي في جهته الشمالية الشرقية. ويلاحظ أن أضيق نقطة في هذا المضيق لا تتجاوز 131 كيلومترا،  فضلا عن كونه منطقة تماس سياسي وعسكري بين الصين وتايوان، حيث تتقاطع فيه المصالح الأمنية والاقتصادية للقوى الإقليمية الكبرى. وبالتالي، يمثل مضيق تايوان عنصرا محوريا في معادلة التوازن الجيوستراتيجي لشرق آسيا، نظرا لدوره في تأمين طرق الملاحة والتحكم في حركة النقل البحري بين أهم الأسواق العالمية.[6]

ومنذ نهاية الحرب الأهلية الصينية عام 1949، تحوّل المضيق إلى منطقة تماس سياسي وعسكري دائم بين بكين وتايبيه، حيث تصر الصين على اعتبار تايوان جزءا من سيادتها الوطنية، في مقابل تمسك الأخيرة بوضعها السياسي القائم. وقد انعكس هذا الخلاف على طبيعة التفاعلات الإقليمية، إذ بات المضيق مسرحا لتوازنات الردع والتنافس بين الصين والولايات المتحدة.

وتنظر واشنطن إلى مضيق تايوان باعتباره عنصرا أساسيا في استراتيجيتها لاحتواء النفوذ الصيني في شرق آسيا، حيث يشكل الممر حلقة وصل حيوية لحركة التجارة والطاقة، فضلا عن كونه موقعا متقدما لمراقبة التحركات البحرية الصينية. وفي هذا السيا، حافظت الولايات المتحدة على حضور عسكري نشط في محيط المضيق، مستندة إلى شبكة تحالفات إقليمية وقواعد عسكرية تمتد من اليابان إلى غوام وأستراليا، بهدف ضمان حرية الملاحة وردع أي تغيير أحادي للوضع القائم.[7]

ومن الناحية الجيوستراتيجية، تعد تايوان مركزا لوجستيا وإمداديا محوريا عبر المضيق، إذ تربط بين شمال شرق آسيا وجنوبها، وتشكل عقدة مواصلات حيوية بين بحر الصين الشرقي والجنوبي، ما يزيد من أهميتها في معادلات الأمن الإقليمي. وقد تجسّد التمسك الأمريكي بالحضور البحري في المضيق من خلال سياسة الردع المباشر تجاه الصين، كما حدث عام 1996  عندما أرسلت إدارة بيل كلينتون حاملتي الطائرات USS Independence  إلى شرق آسيا، في استعراض واضح للقوة لردع بكين عن اتخاذ أي خطوة أحادية ضد تايوان.[8]

وعليه فأن مضيقي ملقا وتايوان يعبران حقيقة جوهرية مفادها أن الممرات البحرية لم تعد مجرد فضاءات لعبور التجارة، بل تحولت إلى أدوات استراتيجية تعكس طبيعة الصراع على النفوذ في النظام الدولي. فبينما يجسد مضيق ملقا البعد الاقتصادي-الطاقوي للتنافس الدولي،  على النقيض  من ذلك  فإن مضيق تايوان يمثل  البعد الأمني-السياسي الأكثر توترا في شرق آسيا. ومن ثم، فإن التحكم في هذه الممرات  إذ يشكل أحد المفاتيح الأساسية لفهم ديناميات القوة، وإعادة تشكل النظام الدولي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

2/ الأبعاد الإقتصادية لمنطقة بحر الصين الشرقي:

وتجدر الإشارة  إن بحر الصين الشرقي  يرتبط بالصين ارتباطا وثيقا من حيث التاريخ والتسمية من جهة، ومن حيث المصالح الاستراتيجية والاقتصادية من جهة أخرى، إذ شكل عبر العصور منطقة عازلة بين الصين وخصمها التاريخي اليابان. ويكتسب هذا البحر أهميته من موقعه الجغرافي الحيوي الذي جعله محورا للتفاعل بين الأمن والاقتصاد في شرق آسيا.

وفي هذا السياق، يشير الباحث نيكولاس سبايكمان (Spykman) إلى أن المنطقة الساحلية لشرق آسيا تمثل ما يعرف بـ”حافة العالم” نظرا لما تشكله من مركز للتنافس البحري العالمي، خاصة مع التحول في بنية التجارة الدولية الحديثة، حيث يتم نقل ما يقارب 90٪ من التجارة العالمية عبر الطرق البحرية، ويتركز نحو نصفها في بحري الصين الشرقي والجنوبي، مما جعلهما معا قلب الحركة التجارية الدولية والإقليمية، وأحد بؤر التوتر الجيوسياسي بين القوى الكبرى.[9]

أما من الناحية الجغرافية، فتضم المنطقة ثماني جزر صخرية غير مأهولة تعرف باسم “سينكاكو” في اليابان و**”دياويو” في الصين**، وتكتسب هذه الجزر أهمية إستراتيجية واقتصادية كبرى. إذ تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية احتياطيات النفط فيها بما يتراوح بين 6 و100 مليون برميل، في حين تقدر احتياطيات الغاز الطبيعي بين 1 و2 تريليون قدم مكعب. أما التقديرات الصينية فتشير إلى احتياطيات نفطية قد تصل إلى 160 مليون برميل. كما تحتوي المنطقة على موارد معدنية نادرة مثل الذهب، التيتانيوم، البلاتين، الزركون، إضافة إلى الأحجار المرجانية الثمينة، مما يعزز من قيمتها الاقتصادية.[10]

وتتمثل الأهمية الجيوسياسية لهذه الجزر في كون السيطرة عليها تمنح الدولة المالكة حق المطالبة بما يزيد عن 40 ألف كيلومتر مربع كمنطقة اقتصادية خالصة وفقا لقانون البحار الدولي. ومن هذا المنطلق، تنظر الصين إلى الجزر كركيزة استراتيجية عسكرية تمكنها من توسيع نطاق سلسلة جزرها الأولى، بما يتيح لجيش التحرير الشعبي تعزيز انتشاره البحري. أما اليابان، فترى في الجزر موقعا دفاعيا محوريا يحول دون توسع النفوذ الصيني في بحر الصين الشرقي، لذلك أقامت أنظمة مراقبة واستطلاع متطورة قرب الأرخبيل لمتابعة النشاط الصيني في المنطقة.[11]

وعليه، فإن الثروات الطبيعية الهائلة التي تزخر بها المنطقة فتحت المجال أمام الشركات النفطية الكبرى لاستثمار قدراتها التقنية لتحويل التقديرات النظرية إلى مشروعات استخراج واقعية، الأمر الذي زاد من الأهمية الجيوبوليتيكية لبحر الصين الشرقي، وعمق حدة الصراع الإقليمي بين الصين واليابان على موارد الطاقة ومناطق النفوذ. وتجدر الإشارة إلى أن جزر سينكاكو الغنية بالثروات السمكية والنفطية تقع على بعد 92  ميلا بحريا شمال شرقي مدينة كيلونغ في تايوان، مما يجعلها نقطة تماس بحرية ذات قيمة استراتيجية واقتصادية مزدوجة في معادلات القوة في شرق آسيا.[12]

3/  بحر الصين الشرقي  في ميزان التنافس الصيني الياباني: كمنطقة تنافس استراتيجية بين الصين واليابان

تعد الجزر المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي هي ثماني جزر صخرية غير مأهولة أكبرها لا تتجاوز مساحتها أربع كيلومترات مربعة، محورا أساسيا للتنافس الجيوسياسي بين الصين واليابان، إذ تقع هذه الجزر في موقع استراتيجي بالغ الأهمية، حيث تبعد نحو 76 ميلا بحريا عن سواحل تايوان و92 ميلا بحريا عن اليابان، وقرابة 100 ميل بحري عن البرّ الصيني الرئيسي. وتتميز المنطقة بثرائها الكبير كمصب للثروات البحرية ومصدر متوقع لاحتياطات النفط والغاز، فضلا عن كونها تقع على مشارف أهم طرق النقل البحري في بحر الصين الشرقي، مما يزيد من قيمتها الاستراتيجية والاقتصادية في آن واحد.[13]

ويعود أصل النزاع بين الصين واليابان إلى حقبة ما قبل الحرب العالمية الأولى، إذ سعت اليابان، مدفوعة بتزايد حاجتها إلى الموارد وبكثافة سكانها، إلى التوسع في الشرق الأقصى بعد استحواذها على المستعمرات الألمانية واحتلالها أجزاء واسعة من الأراضي الصينية، الأمر الذي أدّى إلى اندلاع الحرب الأهلية في الصين. ومع تعقّد الموقف، تصاعد الخلاف حول الجزر التي تعرف في الصين باسم “دياويو داو” أي جزيرة الصيد، بينما تسميها اليابان “سينكاكو”.  ، حيث  يؤكد الصينيون أنهم أول من اكتشف هذه الجزر واستعملها لأغراض الصيد، وكانت خاضعة للسيادة الصينية منذ عهد أسرة مينغ (1368–1644). غير أن هزيمة الصين في الحرب الصينية-اليابانية الأولى سنة 1895 أجبرتها على توقيع معاهدة شيمونوسيكي، التي تنازلت بموجبها عن جزيرة تايوان والجزر التابعة لها، بما فيها جزر دياويو، لصالح اليابان. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية واستسلام اليابان دون قيد أو شرط، تم إقرار عودة هذه الجزر إلى الصين وفقاً لإعلاني القاهرة وبوتسدام، مما أعاد إحياء النزاع التاريخي القائم حولها في ظل التنافس الإقليمي والدولي على السيطرة على هذه المنطقة الغنية بالموارد والموقع الحيوي.[14]

وقد شهدت الصين خلال مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية انقسامات داخلية حادة تمثلت في الحرب الأهلية بين الشيوعيين والوطنيين، الذين لجأوا إلى جزيرة تايوان وأعلنوا تأسيس ما يسمى بـ”جمهورية الصين”. وفي خضم ذلك، وقّعت الولايات المتحدة معاهدة سان فرانسيسكو عام 1951 مع اليابان، والتي خوّلتها إنشاء إدارة مدنية في جزيرة أوكيناوا، الملحقة بها جزر دياويو، واستمر ذلك إلى غاية عام 1971 حين قررت واشنطن إعادة أوكيناوا والجزر التابعة لها إلى اليابان. وقد أثار هذا القرار اعتراض كل من تايوان وبكين، اللتين أعلنتا سيادتهما على الجزر، غير أن الولايات المتحدة تجاهلت ذلك وأصرّت على تسليم الجزر لليابان سنة 1972، مما فجّر نزاعا إقليميا معقدا حول السيادة على بحر الصين الشرقي.[15]

ورغم تطبيع العلاقات بين طوكيو وبكين سنة 1972 على أساس تأجيل القضايا الخلافية، بقيت الجزر مصدر توتر دائم يهدد استقرار العلاقات الثنائية، بل ويمس بتوازن العلاقات مع تايوان أيضا. وتصاعدت الأزمة مجددا سنة 2011 عندما احتجزت اليابان قارب صيد صينيا، ما أدى إلى احتجاجات واسعة في الصين، تجسيدا لحساسية المسألة القومية المرتبطة بالسيادة. ومنذ عام 2012، شرعت الصين في تطوير قدراتها العسكرية والتقنية ضمن ما يعرف بعمليات المنطقة الرمادية، مستفيدة من التقنيات الناشئة والذكاء الاصطناعي لتعزيز سيطرتها الإدارية على المناطق المتنازع عليها والتحكم في مواردها الحيوية.[16]

وفي المقابل، عززت اليابان تحالفها الدفاعي مع الولايات المتحدة، حيث تم تحديث إرشادات التعاون العسكري سنة 2015، والتركيز على الأمن السيبراني والفضاء الخارجي لمواجهة التحديات الصينية المتزايدة. وقد أكد تقرير الدفاع الياباني لعام 2020 تزايد النشاط الصيني في المجالين الجوي والبحري، بينما شددت قمة الشراكة الأمريكية اليابانية نحو عصر جديد التي عقدت في 16 أفريل  2021 بين الرئيس الأمريكي “جون بايدن” ورئيس الوزراء الياباني “يوشيهيدي سوجا” حيث ناقشت فيها القضايا الأمنية التي تخص البلدين  بما في ذلك  معاهدة الأمن التي تشمل “جزر سينكاكو”، في محاولة لردع التمدد الصيني في بحر الصين الشرقي.[17]

وعلى ضوء الأهمية الجيوسياسية التي يكتسيها بحر الصين الشرقي،  إذ يتخذ الصراع الدائر في هاتين المنطقتين طابعا معقدا لتتداخلية الاعتبارات القانونية والاستراتيجية. فمن جهة، تتمسك الأطراف المتنازعة بادعاءات سيادية ثابتة على عدد من الجزر التي لا تدخل ضمن نطاق مناطقها الاقتصادية الخالصة، وهو ما يعمّق الخلافات ويزيد من حدّة التوتر. ومن جهة أخرى،  كما يتجلى الدور الأمريكي بوضوح من خلال دعم واشنطن لعدد من هذه الأطراف، ودفعها نحو اتخاذ مواقف أكثر صرامة إزاء الصين، حفاظا على توازنات التحالفات الاستراتيجية في الإقليم.

وفي هذا السياق، صرحت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة “هيلاري كلينتون” بأن الولايات المتحدة  تسعى إلى تسوية النزاعات وفق أحكام القانون الدولي، مشيرة ضمنيا إلى اعتبار تايوان كيانا مستقلا غير تابع للصين، وما يترتب على ذلك من منحها الحق في بسط سيادتها والمطالبة ب”جزر دياويو” وهو ما يعيد تصنيف هذه الجزر ضمن المناطق الاقتصادية محلّ النزاع ويزيد تعقيد المشهد الجيوسياسي في المنطقة.[18]

تتسم النزاعات المتعلقة بملكية الجزر محلّ الخلاف بين الصين واليابان بطابع بالغ التعقيد، إذ ترفض الصين لجوء اليابان إلى محكمة العدل الدولية وتعده خطوة غير مقبولة، خاصة في ظل اعتراض طوكيو على عمليات التنقيب الصينية عن الغاز والنفط في بحر الصين الشرقي قرب جزيرة أوكيناوا، وهي منطقة يعتقد أنها تحتوي على احتياطات ضخمة تقدّر بـ200 مليار طن من الغاز و25 مليار طن من النفط. وفي هذا الإطار، تتمسك الصين باعتبار الجرف القاري حدودها الإقليمية، بما يضع نطاق سيادتها قريبا من أوكيناوا، بينما تؤكد اليابان ضرورة الالتزام بالمسافة البحرية الفاصلة بين البلدين. وتستند الصين في مطالبتها بجزر دياويو إلى ثلاث حجج رئيسية: أولها قانونية، تنطلق من أحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 التي تمنح الصين، بحكم قرب الجزيرة من تايوان بمسافة 92 ميلا بحريا، وحق إدراجها ضمن منطقتها الاقتصادية الخالصة الممتدة لـ 200 ميل بحري.

أما الحجة الثانية فمرتبطة بتأكيد الصين الدائم أن تايوان جزء لا يتجزأ من أراضيها، ومن ثمّ فإن جزر دياويو تعد تلقائيا صينية.

وتتمثل الحجة الثالثة في البعد التاريخي، إذ يستند الموقف الصيني إلى بيان القاهرة لعام 1943 وما تبعه من قبول ياباني لشروط استسلام عام 1945، والذي نص على إعادة اليابان للأراضي التي احتلتها، بما في ذلك “تايوان” و”جزر بنغهو”. وإلى جانب هذه الحجج، تعرب الصين عن مخاوف أمنية عميقة من احتمال إقامة اليابان لنظم استطلاع جوية وبحرية بالقرب من سواحلها، وهو ما تراه تهديدا مباشرا لمناطق استراتيجية حساسة مثل “وينزهو ونينغ بو”. خاصة وأن الصين تسعى إلى تعزيز حضورها في “المنطقة الرمادية” عبر تطوير قدراتها الفضائية والسيبرانية واستخدام أنظمة قيادة وسيطرة متقدّمة، فضلا عن توظيف أقمار صناعية مضادة للمراقبة لتعطيل أو الحد من فعالية الأصول الفضائية الأمريكية واليابانية، وهو ما يمثل جزءا من استراتيجيتها الهادفة إلى إعادة تشكيل ميزان القوى في الإقليم على المدى القريب والبعيد.[19]

في حين ترتكز اليابان في مطالبتها بالسيادة على جزر دياويو على جملة من الحجج القانونية والاستراتيجية، حيث تؤكد أن قرب الجزر من أرخبيل أوكيناوا، الذي يعد جزءا أصيلا من الأراضي اليابانية، يمنحها وضع منطقة اقتصادية خالصة استنادا إلى المسافة البحرية التي تتجاوز 200 ميل بحري. وبناءا على ذلك، ترى اليابان، على غرار الصين، أن الثروات الطاقوية الهائلة التي تزخر بها المنطقة وخاصة النفط والغاز الطبيعي تمنحها مبررات إضافية لتعزيز ادعاءاتها السيادية. ومن الناحية الأمنية، تعتبر طوكيو أن الجزر تمثل موقعا استراتيجيا بالغ الأهمية يمتد على طول خطوط الاتصالات البحرية الحيوية لليابان، وهو ما يجعل السيطرة عليها ضرورة دفاعية للحيلولة دون توسع النفوذ الصيني. وفي هذا الإطار، تعمل اليابان على تطوير منظومات مراقبة واستطلاع بحرية متقدمة قرب الأرخبيل لتعزيز قدراتها الدفاعية. كما تتابع باهتمام بالغ أساليب الصين في ممارسة الضغوط ضمن “المنطقة الرمادية”، سواء في الفضاء البحري أو السيبراني أو الفضائي، بهدف استيعاب هذه التكتيكات والتصدي لها بصورة فعالة.[20]

المحور الثاني: تطور العقيدة البحرية الصينية

1/ مرحلة الدفاع الساحلي: 1949 – 1990

شهدت القوات البحرية الصينية منذ تأسيسها عام 1949 انطلاقة نوعية في مسار تطورها العسكري، إذ بدأت خطواتها الأولى من موقع “باي ما مياو” (معبد الحصان الأبيض)، متضمنة خمس وحدات رئيسية شملت: وحدة البوارج، وحدة الغواصات، وحدة السلاح الجوي البحري، ووحدة الدفاع الساحلي ووحدة مشاة البحرية. ومع مرور الزمن، انتقلت هذه القوات من مرحلة التأسيس والبناء إلى مرحلة أخرى أكثر تقدما اتسمت بتعميم الطابع المعلوماتي وتحديث المنظومات القتالية، مما مكنها من امتلاك قوة بحرية قادرة، في مختلف الظروف، على مواجهة التهديدات المتنوعة للأمن القومي وتنفيذ المهام الاستراتيجية الموكلة إليها.

وفي إطار سعي الصين لرفع مستوى جاهزية قواتها البحرية، خصصت الحكومة الصينية عام 1954 ميزانية معتبرة لاستيراد أربع مدمرات سوفييتية الصنع، وسرعان ما انتقلت من مرحلة الاستيراد إلى مرحلة التصنيع المحلي، إذ نجحت عام 1962 في ابتكار أول صائدة غواصات محلية، وفي عام 1971 دخلت أول مدمرة صواريخ موجهة صينية الصنع” المدمرة جينان” الخدمة العملية، وذلك وفق تصميم محلي بالكامل يعكس تطور القدرات الذاتية في مجال بناء السفن الحربية. وتواصل هذا المسار عام 1975 بتسليم أول سفينة حراسة مزودة بصواريخ موجهة إلى القوات البحرية، مما مثّل خطوة إضافية في مسيرة الاستقلالية في تطوير العتاد البحري.

وبحلول عام 1981، أعيد تطوير “جينان” لتظهر بحلة جديدة تضم منصة لإقلاع الطائرات ونظاما متقدما للملاحة بالأقمار الصناعية، مع احتفاظها بقدراتها الصاروخية المضادة للغواصات، الأمر الذي ضاعف من فعاليتها القتالية. وقد شكل هذا التطوير إيذانا بدخول البحرية الصينية مرحلة التكنولوجيا البحرية المتقدمة.

وفي تسعينيات القرن الماضي، تعزز هذا التوجه بإطلاق المدمرة “هاربين” التي عدّت أول مدمرة صينية حديثة بالكامل من الجيل الثاني، إذ جهزت بصواريخ موجهة للدفاع الجوي وأنظمة متطورة لمكافحة الغواصات، فضلاً عن قدرتها على حمل الطائرات المروحية. وقد مكّن إدخال هذا الجيل من المدمرات البحرية الصينية من توسيع نطاق عملياتها لتشمل أعالي البحار وتنفيذ مهام متعددة الأغراض.[21]

في السياق ذاته، واصلت الصين تحديث أسطولها البحري من خلال تزويده بمدمرات “الدرع الصيني الرائع” الحديثة، المسلّحة بصواريخ موجهة محلية الصنع وقادرة على تنفيذ عمليات دفاع جوي واسعة النطاق. كما أدخلت المدمرات الصاروخية للحراسة، وسفن الصواريخ الموجهة، وصائدات الغواصات، وكاسحات الألغام، وسفن الإمداد البحري من الجيل الجديد، مما عزز من قدرة البحرية الصينية على تنفيذ عمليات بعيدة المدى ومتعددة المهام في المحيطات المفتوحة.

أما قوات الغواصات، فقد شهدت تطورا متسارعا بدورها، إذ أطلقت الصين أول غواصة نووية عام 1970، وألحقتها عام 1981 بأولى غواصة نووية محلية الصنع مزودة بصواريخ موجهة. وفي العام نفسه، نجحت للمرة الأولى في إطلاق صاروخ من غواصة، وهو إنجاز استراتيجي عكس تقدما ملحوظا في قدرات الردع البحري. وحاليا، تضاعف عدد الغواصات الصينية وحمولاتها الإجمالية عشرات المرات مقارنة بمرحلة التأسيس، لتشكل ما يشبه “ترسا حصينا” تحت سطح الماء يعزز من مكانة الصين البحرية على المستوى العالمي.[22]

سخرت الصين جهودها في سبيل تعزيز حضورها البحري وإعادة بناء قوتها البحرية بصورة منهجية. ففي عام 1986، تقدّم “الأدميرال ليو هوا تشينغ Huaqing Liu ”  هو كبار ضباط  القوات البحرية الصينية   حيث تقلد منصب قائد القوات البحرية  حيث قام  بمقترح يقضي بإنشاء حاملة طائرات صينية، غير أن المشروع لم ينل الموافقة في حينه نظرا لتعقيدات البيئة الإقليمية والدولية. ومع ذلك، استمر الاهتمام ببناء استراتيجية بحرية وطنية، حيث وقع ليو هوا تشينغ ومفوّضه لياو وين (Liyaowen) بتاريخ 13 نوفمبر 1987 وثيقة رسمية بشأن تأسيس استراتيجية بحرية شاملة، ورفعت إلى اللجنة العسكرية المركزية للمصادقة عليها. وقد أصبحت هذه الوثيقة لاحقاً الإطار الموجّه لسياسات التنمية البحرية في الصين.

كما أسست الصين معهدا متخصصا في الدراسات البحرية والاستراتيجية البحرية من أجل دعم تطوير رؤيتها في مجال المحيطات وتعزيز مكانتها كقوة بحرية صاعدة.

ولم تكن الصين، عبر مراحلها التاريخية المبكرة، قوة بحرية بالمعنى الدقيق، بل شكلت دولة قارية تعتمد أساسا على عمقها البري. فقد شهدت خلال عهد أسرة يوان احتلالاً مغولياً، ومع انتقال العاصمة إلى بكين، وجد القادة الجدد أنفسهم أمام مسطّحات مائية لم يألفوها من قبل، فظنوا أنها تشكّل بحارا حقيقية، ما دفعهم إلى إطلاق تسميات ذات طابع بحري عليها، مثل “بحر هو” و”بحر شيجا”. ويعكس هذا الإدراك المحدود للمجال البحري ضعف الخبرة البحرية الصينية في تلك المرحلة.

وبسبب هذا الضعف، لم تتمكّن الصين من حماية شواطئها أمام القوى البحرية الغربية الصاعدة، فتكبّدت هزيمة قاسية أمام اليابان في المعركة البحرية الحاسمة عام 1894. غير أنّ تأسيس جمهورية الصين الشعبية شكّل نقطة تحوّل مهمّة، إذ بدأت القيادة الصينية تدرك تدريجيا الأهمية الاستراتيجية للأمن البحري وضرورة تطوير قدراتها في هذا المجال.[23]

وتشير استراتيجية الدفاع الساحلي في الفكر الأمني الصيني إلى حماية الشريط البحري المحاذي للساحل الصيني، والذي يمتدّ إلى مسافة تقدّر بـ 12 ميلا بحريا من المياه الإقليمية، إضافة إلى الشريط البري المتاخم للساحل بعمق يصل إلى نحو 300 كيلومتر في الداخل. وتمثّل هذه المنطقة الحيوية المجال الذي يضمّ الغالبية الكبرى من المدن الصينية ذات الأهمية السياسية والاقتصادية. ومع امتداد الخط الساحلي للصين إلى نحو 18,000 كيلومتر، يصبح من الصعب بل من غير الواقعي فرض سيطرة بحرية فعّالة وشاملة على كامل هذا الامتداد الجغرافي الواسع والمتعرّج في كل الأوقات.[24]

وبناءا على ذلك، ركّزت الاستراتيجية البحرية الصينية على حماية المضائق والممرات البحرية ذات الأهمية الاستراتيجية، سواء تلك التي تكتسب أهميتها من موقعها الجغرافي أو من تجارب تاريخية سابقة استغلّت فيها  القوى الأجنبية مثل اليابان والمملكة المتحدة البريطانية هذه الممرات لغزو الأراضي الصينية عبر البحر. ومن أبرز هذه الممرات مضيق بوهاي الذي يعد البوابة البحرية الرئيسة إلى مدينتي تيانجين وبكين، ويشكّل محورا أساسيا في أمن الساحل الشمالي للصين. كما يبرز مضيق تايوان الذي يرتبط مباشرة بأمن الساحل الشرقي الصيني، إضافة إلى صلته الوثيقة بقضية إعادة توحيد تايوان وتأمين خطوط الاتصالات البحرية حول الجزيرة. أما مضيق تشيونغتشو (Qiongzhou) فيعتبر ممرا بحريا بالغ الأهمية لتأمين جزيرة هاينان وتعزيز أمن الساحل الجنوبي للصين.

وفي هذا الإطار، يرتبط تركيز الصين على هذه المضائق بتنامي الحاجة إلى تطوير أساطيل قادرة على الانتشار السريع وحماية النقاط البحرية الحساسة، بما يضمن تحقيق مستوى أعلى من الردع البحري وتأمين المصالح الاستراتيجية للدولة في محيطها الإقليمي القريب.[25]

2/ مرحلة الدفاع عن المياه القريبة 1990- 2010 :

مثلت الفترة الممتدة من سنة 1990 إلى 2010 م مرحلة مفصلية في تطوّر العقيدة البحرية الصينية، حيث انتقلت الصين خلالها من مجرد قوة دفاع ساحلي محدودة القدرات إلى قوة بحرية إقليمية قادرة على فرض حضور فعلي داخل نطاق المياه القريبة. فقد جاءت هذه المرحلة امتدادا عمليا لتوجهات بدأت ملامحها منذ ثمانينيات القرن الماضي، إلا أن تسارع المتغيرات الإقليمية والدولية بعد نهاية الحرب الباردة فرض على الصين إعادة صياغة رؤيتها البحرية بطريقة أكثر شمولا وواقعية.

بدأ المفهوم الاستراتيجي الصيني يشهد تحوّلا نوعيا، إذ لم يعد التركيز ينحصر على الدفاع عن المياه القريبة فحسب، بل توسع ليشمل العمليات البحرية في البحار البعيدة، بما يشمل الممرات البحرية للصين في المحيط الهندي والمناطق البحرية الحيوية خارج المياه الإقليمية. ومن الناحية العملية، يمكن القول إن التمييز بين البحار القريبة والبعيدة يرتكز على طبيعة العمليات: فالأولى تهدف إلى الدفاع عن الأراضي الصينية ومناطق النفوذ القريبة، بينما ترتبط الثانية بمهام الهجوم الوقائي، وحماية المصالح الاقتصادية، وتأمين الممرات البحرية في الخارج.

وقد أكد الكتاب الأبيض الصيني لعام 2015 هذا التحول، مشيرا إلى أن جيش التحرير الشعبي البحري يجب أن يمتلك قدرات تتيح له العمل ليس فقط ضمن نطاق الدفاع الساحلي، بل أيضًا في البحار المفتوحة لضمان حماية المصالح الصينية الحيوية في الخارج. وقد اعتبر مؤيدو استراتيجية الدفاع عن البحار البعيدة، على غرار “الأدميرال ليو هواكينا” أن هذا التوسع ضروري لضمان الأمن الاقتصادي الوطني وللتصدي للتهديدات الخارجية المحتملة.

لعبت الأحداث الدولية دورا محوريا في هذا التحول الاستراتيجي، فعمليات الولايات المتحدة ضد العراق وصربيا في العام 1990، وتدخلها في أزمة مضيق تايوان عام 1996، إلى جانب التحديث المستمر للبحرية اليابانية والتايوانية، أبرزت محدودية القدرات البحرية الصينية حينها، وعكست استعداد الولايات المتحدة للتدخل في النزاعات الإقليمية، وقد أدركت القيادة الصينية، من خلال هذه المعطيات، أن الصين لم تكن مستعدة بعد لمواجهة تكتيكات الحرب الحديثة، سواء على صعيد القدرة التكنولوجية أو على مستوى الانتشار البحري خارج المياه الإقليمية.[26]

استجابة لهذه الحقائق، كلفت اللجنة العسكرية المركزية جيش التحرير الشعبي  للقوات البحرية  بتطوير قدراتها العسكرية، بما يتيح لها خوض الحروب بتقنيات متقدمة، مع الاستمرار في حماية المصالح البحرية الوطنية وتوسيع نطاق عملياتها بما يتجاوز حدود المياه الساحلية. وفي سبيل تحقيق ذلك، تبنت الصين استراتيجية دفاعية نشطة في بحر الصين الجنوبي، ركزت فيها على ضرورة الانتقال التدريجي لجيش التحرير الشعبي البحري من الدفاع التقليدي عن المياه القريبة إلى الدفاع في البحار البعيدة، وتطوير قدرات المناورة البحرية بعيداً عن الساحل، بما يتيح للصين حماية مصالحها الاقتصادية والأمنية في نطاق أوسع.[27]

وتقوم هذه الاستراتيجية على ثلاث مراحل رئيسية، ركزت المرحلة الأولى منها الفترة الممتدة بين 2000  و2010 م على تحقيق هدف السيطرة على الجزر والممرات البحرية الاستراتيجية بين أوكيناوا وتايوان والفلبين. وقد اعتبرت هذه المرحلة مرحلة تأسيسية، إذ كان الهدف منها تأمين الحلقات البحرية الأولية التي تُشكّل بوابات الوصول إلى عمق المحيط الإقليمي، وضمان قدرة الصين على ردع أي تهديد محتمل للقواعد البحرية والمصالح الاقتصادية الحيوية. وتضمنت هذه المرحلة عدة محاور عملية، من أهمها:

  • تطوير القدرات العملياتية للأسطول البحري الصيني، بما يشمل السفن السطحية والغواصات والسفن متعددة المهام، لضمان قدرة الرد السريع والدفاع المستدام في هذه المناطق.
  • تحسين نظم المراقبة والاستطلاع البحري، من خلال تركيب رادارات طويلة المدى، وتطوير الأقمار الصناعية، ونشر مراكز إنذار مبكر على الجزر والممرات الحيوية.
  • تعزيز قدرة المناورة والتدريب التكتيكي للأسطول في المناطق المفتوحة، بما يتيح القيام بعمليات بحرية بعيدة المدى مع الحفاظ على التكامل مع الدفاع الساحلي التقليدي.
  • تأمين الممرات البحرية الحيوية، التي تعتبر شرياناً لحركة التجارة والطاقة الصينية، وذلك عبر الانتشار المسبق في المناطق الاستراتيجية بين أوكيناوا وتايوان والفلبين.

مثلت استراتيجية البحار البعيدة نقطة التحول الأساسية في الفكر البحري الصيني، إذ ساعدت على الانتقال من التركيز على الدفاع المحلي حول الساحل إلى القدرة على تنفيذ عمليات بحرية بعيدة المدى، ما مهد الطريق لتطوير المراحل اللاحقة التي تهدف إلى تعزيز النفوذ البحري الصيني في المحيطين الهندي والهادئ بشكل أوسع.

وبهذا، يمكن اعتبار هذه الفترة مرحلة تأسيسية من حيث تطوير البنية التحتية البحرية، وتعزيز القدرات العملياتية للأسطول، وتدريب الأفراد على العمل في البحار المفتوحة، مع الحفاظ على ربط الاستراتيجية بالتهديدات الإقليمية المباشرة وبالمصالح الاقتصادية الوطنية، وهو ما يعكس التحول الاستراتيجي للصين نحو بناء قوة بحرية حديثة متعددة الأبعاد.[28]

3/ مرحلة التوسع البحري 2010 – 2025:

شكلت مرحلة التوسع البحري في العقيدة البحرية الصينية تحوّلا بنيويا في الرؤية الاستراتيجية لبكين، إذ انتقلت البحرية الصينية من التركيز التقليدي على الدفاع عن المياه القريبة إلى تبنّي عقيدة أكثر انفتاحاً وامتداداً نحو البحار البعيدة. وقد تزامن هذا التحول مع إدراك القيادة الصينية وخاصة منذ مطلع الألفية الثالثة أن البيئة البحرية لم تعد مجرد مجال للدفاع الإقليمي، بل أصبحت فضاء حيويا لصون المصالح الاقتصادية والسياسية المتنامية للصين على المستوى العالمي. ومن ثمّ، برزت الحاجة إلى تطوير نموذج أمني بحري قادر على حماية خطوط الملاحة البحرية ومصادر الطاقة وطرق التجارة الاستراتيجية التي تشكّل شريان الاقتصاد الصيني.

تجدر الإشارة إلى أن هذا التوسّع لم يكن مقتصراً على تطوير القدرات العسكرية البحرية فحسب، بل ترافق معه أيضاً بناء شبكة واسعة من الشراكات والتحالفات العسكرية والأمنية، بهدف تأسيس حضور صيني دائم في مناطق بحرية ذات أهمية استراتيجية، ولا سيما في المحيطين الهادئ والهندي. وهكذا، انتقلت العقيدة البحرية الصينية إلى مرحلة جديدة تُعرف بـ”مرحلة التمكين الخارجي” التي تزاوج بين تعزيز القوة الصلبة عبر تحديث الأسطول البحري، وبين استثمار القوة الناعمة والديبلوماسية الدفاعية عبر تأسيس تحالفات تعزّز شرعية وجودها البحري الدولي.

وبناءا على ذلك، سعت الصين إلى إنشاء قواعد لوجستية واتفاقات تعاون عسكري تسمح لأسطولها البحري بالعمل بشكل مستدام خارج محيطها الإقليمي، كما هو الحال في القاعدة البحرية الصينية في جيبوتي، والتي تمثّل نقطة ارتكاز استراتيجية في البحر الأحمر وخطوط التجارة المؤدية إلى قناة السويس. إضافة إلى ذلك، عملت بكين على ترسيخ تحالفات أمنية ثنائية ومتعددة الأطراف، سواء عبر منظمة شنغهاي للتعاون أو من خلال اتفاقيات دفاعية مع دول جنوب شرق آسيا ودول المحيط الهندي، وذلك بهدف ضمان بيئة إقليمية أكثر ملاءمة لحركتها البحرية المتنامية.[29]

وقد ارتبط هذا التوسع البحري ارتباطا عضويا بمبادرة “الحزام والطريق”، التي تسعى إلى تأسيس شبكة عالمية من البنى التحتية والممرات التجارية. فإلى جانب بعدها الاقتصادي،  إذ تحمل المبادرة بعدا أمنيا واضحا يتمثل في بناء شراكات ثنائية ومتعددة الأطراف تتيح للصين امتلاك بنى لوجستية داعمة لانتشارها البحري.

ومن خلال هذه المبادرة، نجحت الصين في تعزيز وجودها في موانئ ومضائق استراتيجية مثل جوادر في باكستان، هامبانتوتا في سريلانكا، بيرايوس في اليونان، ودوراليه في جيبوتي، وغيرها من النقاط التي تعرف نظريا بـ”سلسلة اللآلئ”. وقد أتاح هذا الحضور للصين إمكانية إنشاء منشآت ذات طابع مزدوج مدني وعسكري  بالإضافة إلى توفر الأسطول البحري  على قواعد دعم وتموين وصيانة، ما يعزّز قدرته على تنفيذ عمليات بعيدة المدى.

وبذلك أصبحت مبادرة “الحزام والطريق” إطارا عمليا لتوسيع التحالفات البحرية، وتكريس الحضور الاستراتيجي للصين في المحيطين الهندي والهادئ، مع توفير غطاء اقتصادي وسياسي لوجودها العسكري الخارجي.[30]

مثلت استراتيجية الانتقال من “الدفاع في المياه القريبة” إلى “الدفاع في البحار البعيدة”   ثورة مفاهيمية في العقيدة البحرية الصينية. فقد ارتكزت العقيدة الأولى على حماية المجال البحري ضمن 12 إلى 200 ميل بحري حول الساحل الصيني أي الدفاع الساحلي، مكافحة الإنزال البحري، وتأمين المدن الساحلية، أما العقيدة الجديدة فترمي إلى تمكين البحرية من العمل ضمن نطاق يصل إلى 1000 ميل بحري وربما أبعد منه، وتتجلى الفوارق بين العقيدتين في ثلاث نقاط جوهرية:

النطاق الجغرافي:

المياه القريبة: هي حماية الساحل والمضائق المجاورة (تايوان، بوهاي، هاينان).

البحار البعيدة:  هي العمل في المحيطين الهندي والهادئ وصولاً إلى الشرق الأوسط وإفريقيا.

الغاية الاستراتيجية:

المياه القريبة:  تتمثل منع الخصوم من اختراق الساحل.

البحار البعيدة:  تتمثل حماية المصالح العالمية والطرق التجارية.

متطلبات القوة البحرية:

المياه القريبة:  وتشمل سفن دفاع ساحلي، وزوارق صواريخ، غواصات صغيرة.

البحار البعيدة:  وتشمل حاملات طائرات، مدمرات ثقيلة، غواصات نووية، وقدرات لوجستية عالية.

شكلت العقيدة البحرية الصينية تحولا بنيويا عميقا تتمثل في إعادة هيكلة قدرات الأسطول بما يتوافق مع متطلبات الانتشار في البحار البعيدة، إذ أصبح بناء حاملات الطائرات جزءا محوريا في بنية القوة البحرية الجديدة؛ حيث دخلت حاملتا “لياونينغ وشاندونغ الخدمة الفعلية، بينما تعمل الصين على تطوير حاملة أكثر تقدما مجهزة بتقنيات الإطلاق الكهرومغناطسي، وهو ما يعكس انتقالها نحو قدرات إسقاط النفوذ خارج الحدود. وإلى جانب ذلك، واصلت الصين تعزيز قدرات المدمرات والفرقاطات من خلال تطوير مدمرات متقدمة من طراز” Type 052D وType 055 ” القادرة على تنفيذ مهام الدفاع الجوي والبحري والهجومي لمسافات بعيدة، كما أولت اهتماما كبيرا بتطوير الأسطول الغوّاصاتي، ولا سيما الغواصات النووية من فئتي” Type 093 وType 094 “التي تعد الركيزة الأساسية للردع البحري الاستراتيجي. وفي السياق نفسه، توسعت القدرات اللوجستية للأسطول عبر إدماج سفن الإمداد الضخمة من فئة “Type 901″، وهو ما مكّن البحرية الصينية من تنفيذ عمليات مستدامة في أعالي البحار دون الحاجة للعودة إلى القواعد البرية.

وبموازاة ذلك، اتجهت الصين نحو دمج التكنولوجيا البحرية المتقدمة، بما يشمل الذكاء الاصطناعي والطائرات المسيّرة والسفن غير المأهولة، لتعزيز قدراتها على جمع المعلومات ورفع دقة العمليات القتالية. ونتيجة لهذه التحولات المتراكمة، أصبح الأسطول الصيني اليوم أحد أكبر الأساطيل العالمية من حيث العدد وأكثرها تطورا من حيث النوعية، مما يعكس توجها واضحا نحو تعزيز النفوذ البحري الصيني وتكريس حضوره في الفضاءات البحرية البعيدة.[31]

وقد تشكل هذا التحول بصورة خاصة بعد عام 2000، حين بدأت بكين تنفيذ استراتيجية “عقد اللؤلؤ” التي تهدف إلى بناء شبكة من الموانئ والقواعد اللوجستية الممتدة عبر المحيط الهندي. فمع بداية عام 2005 برزت معالم هذه السياسة بوضوح عبر استثمارات مكثفة في موانئ استراتيجية مثل ميناء غوادر في باكستان، الذي تعزز دوره بعد 2013 عقب انضمامه إلى مبادرة الحزام والطريق، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا الذي حصلت الصين على حق تشغيله في إطار عقد طويل الأمد سنة 2017،

بالإضافة إلى إنشاء أول قاعدة عسكرية صينية خارج حدودها في جيبوتي والتي افتتحت رسميا عام 2017. وتفيد تقارير مؤسسة “ساساكوا للسلام” بأن هذه المنشآت البحرية تشكل نقاط ارتكاز تتيح للبحرية الصينية تأمين وجود طويل المدى خارج منطقة آسيا–المحيط الهادئ، وتعزيز قدرة بكين على حماية طرق الإمداد البحري الحيوية، ولا سيما تلك التي تمر عبر مضيق ملقا.[32]

ويعد الاستثمار الصيني في الموانئ الدولية جزءا مركزيا من الاستراتيجية البحرية الجديدة، خصوصاً منذ عام 2008 حين بدأت البحرية الصينية المشاركة في عمليات مكافحة القرصنة في خليج عدن، مما عزز الإدراك بأهمية خطوط المواصلات البحرية الدولية (SLOCs). وقد ارتبط هذا التوجه ارتباطا وثيقا بمبادرة الحزام والطريق التي أُطلقت عام 2013، حيث شرعت بكين في تمويل وتطوير موانئ ذات أهمية تجارية وإستراتيجية في آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط. وتشير الدراسات المنشورة عبر” David Publisher” إلى أنّ هذه الاستثمارات لا تعد مجرد مشاريع اقتصادية، بل تدخل في إطار رؤية أشمل تقوم على دمج البعد الاقتصادي بالبعد الجيوستراتيجي، بما يتيح للصين تأمين سلاسل التوريد وتعزيز وجودها البحري عبر  موانئ يمكن استخدامها لوجستيا من قبل الأسطول العسكري عند الحاجة.[33]

وفي السياق نفسه، عملت الصين على تطوير قدراتها العسكرية البحرية بوتيرة متسارعة منذ العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ما أدى إلى بناء واحد من أكبر الأساطيل في العالم من حيث العدد بحلول عام 2020. فقد دخلت أول حاملة طائرات صينية “لياونينغ” الخدمة في عام 2012، تلتها الحاملة الثانية “شاندونغ” سنة 2019، ثم الحاملة الثالثة “فوجيان” التي دشنت عام 2022 بتقنيات متقدمة للإقلاع الكهرومغناطيسي.

وبالتوازي مع ذلك، شهدت القوات البحرية تقدما ملحوظا في مجال الغواصات النووية والتقليدية، لاسيما غواصات الجيل الجديد من فئتي 094 و095. كما اعتمدت بكين على تكوين قوات غير تقليدية مثل الميليشيا البحرية، التي وصفها مجلس الجيوإستراتيجية البريطاني بأنها وسيلة فعّالة للسيطرة على المناطق البحرية المتنازع عليها عبر حضور مدني-عسكري مرن يصعب تصنيفه كعمل عدائي مباشر.[34]

ويمثل بحر الصين الشرقي الساحة الأبرز لتجسيد هذا التوسع البحري المتسارع، خاصة منذ عام 2009 حين قدّمت الصين خريطتها الشهيرة ذات الخطوط التسعة إلى الأمم المتحدة. ومع بداية عام 2013، شرعت بكين في تطبيق ما يعرف بتكتيك “الملفوفة”، الذي يقوم على تطويق الجزر المتنازع عليها بطبقات متعددة من السفن التابعة للميليشيا البحرية وخفر السواحل والقوات النظامية، على نحو يشبه طبقات الملفوفة، وذلك بهدف فرض السيطرة الفعلية بدون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة. وتوضح العديد من الدراسات والأبحاث أن الصين اعتمدت، إلى جانب التكتيكات الميدانية استراتيجية تسمى “استراتيجية التأخير الدبلوماسي” والتي تقوم على تجنب الحسم القانوني للنزاعات البحرية، وإبقائها في حالة تفاوض مستمر إلى حين اكتمال فرض الأمر الواقع عبر بناء الجزر الاصطناعية ونشر قوات دفاعية عليها.[35]

أما على مستوى العلاقات الدولية، فقد اعتمدت الصين في القرن الحالي على بناء شبكة واسعة من الشراكات بدلا من التحالفات العسكرية التقليدية، انطلاقا من رؤية تعتبر أن الشراكات الاقتصادية والسياسية أكثر مرونة وتقلل من الأعباء العسكرية المباشرة. وقد توسعت هذه الشراكات بصورة ملحوظة بعد إطلاق مبادرة الحزام والطريق عام 2013، حيث وطدت الصين علاقاتها مع دول المحيط الهندي مثل باكستان وسريلانكا، ومع دول شرق أفريقيا مثل جيبوتي وكينيا، وذلك في إطار مناورة استراتيجية تهدف إلى تعزيز النفوذ البحري عبر التعاون الاقتصادي والتمويل والبنية التحتية. وأن هذه الشراكات تعد امتدادا طبيعيا لاستراتيجية “عقد اللؤلؤ”، التي تمنح الصين عمقا بحريا ولوجستيا ممتدا من بحر الصين الجنوبي إلى البحر الأحمر.[36]

ويبرز في هذا الإطار الاستخدام الصيني لمجموعة أدوات بحرية متداخلة تشمل الأسطول الحربي النظامي، وخفر السواحل الذي يعد الأكبر في العالم من حيث العدد والحجم، إضافة إلى الميليشيات البحرية العاملة تحت غطاء الصيد التجاري.  حيث يوضح مجلس   council on Geostrategy لدى مركز الابحاث واستشارات في لندن  الذي يعنى بدراسة قضايا الامن الدولي في منطقة المحيط الهادي  مؤكدا  أن هذا النموذج المتعدد الطبقات يمكن الصين من العمل في المنطقة الرمادية دون تجاوز الخطوط الحمراء،[37]

وفي العمق الأيديولوجي لهذه التحركات، ترتكز العقيدة البحرية الصينية الحديثة على ربط القوة البحرية بمشروع “إحياء الأمة الصينية” الذي أطلقه الرئيس “شي جينبينغ “منذ 2012، باعتبار أن استعادة المكانة التاريخية للصين تمر عبر امتلاك قوة بحرية قادرة على حماية المصالح الوطنية أينما وجدت. وقد أعادت بكين تفسير مبادئ الماركسية–الاشتراكية بما يخدم هذا الهدف، إذ بات “الدفاع النشط” يشمل حماية التدفقات التجارية وطرق الطاقة في البحار البعيدة. ورغم الطابع العسكري المتصاعد، تحرص الصين على تقديم خطاب دبلوماسي قائم على مفهومي “السلام” و“التنمية”، مؤكدة أن قوتها البحرية تهدف إلى حماية التجارة الدولية والمساهمة في الاستقرار العالمي، وهو خطاب يتكرر في الكتب البيضاء للدفاع التي أصدرت عامي 2015 و2019.[38]

المحور الثالث: إنعكاسات التوسع البحري الصيني في منطقة بحر الصين الشرقي على الأمن الإقليمي والدولي

1/ التأثير على التوازن العسكري بالمنطقة:

أحدث التوسع البحري الصيني خلال العقود الأخيرة تحوّلا بنيويا في طبيعة التوازنات الأمنية داخل منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لا سيما مع التحديث العميق الذي أدخلته بكين على قواتها البحرية منذ العام 2012، وهو العام الذي دخلت فيه أول حاملة طائرات صينية “لياونينغ” الخدمة، تلتها “شاندونغ” سنة 2019، ثم حاملة ثالثة متطورة عام 2022، وهو ما أسهم في انتقال الصين من قوة برّية تقليدية إلى قوة بحرية قادرة على بسط نفوذها خارج محيطها الجغرافي المباشر. وقد ترافق ذلك مع تطوير المدمرات المتعددة المهام والغواصات النووية، وتعزيز قوة خفر السواحل والميليشيا البحرية، الأمر الذي أسهم في خلق ضغوط عسكرية مباشرة على القوى الإقليمية كاليابان والهند وفيتنام والفلبين، ودفعها إلى تبني برامج تحديث عسكري واسعة، ما مهد لظهور سباق تسلح بحري واضح منذ منتصف العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين.[39]

وتتجلى أبرز انعكاسات التوسع البحري الصيني في إعادة تشكيل ميزان الردع العسكري داخل بحر الصين الشرقي، حيث أسهمت سياسات بكين الرامية إلى تعزيز حضورها البحري في فرض واقع عملياتي جديد في المناطق المتنازع عليها، ولاسيما حول جزر سينكاكو/دياويو. وقد اعتمدت الصين في هذا السياق على مزيج من أدوات القوة الصلبة والناعمة، شمل توسيع الدوريات البحرية والجوية، ونشر أنظمة مراقبة واستطلاع متقدمة، إلى جانب توظيف أساليب «المنطقة الرمادية»، وعلى رأسها تكتيكات التطويق التدريجي والضغط المستمر دون الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وهو ما حدّ من حرية المناورة الاستراتيجية للدول المجاورة، خاصة اليابان.[40]

كما يتجاوز التوسع البحري الصيني في بحر الصين الشرقي كونه تحركا جغرافيا محدودا، ليشكل جزءا من استراتيجية أشمل تهدف إلى إعادة هندسة بيئة الردع الإقليمي الممتدة من بحر الصين الشرقي إلى مضيق تايوان. ففي كلا الفضاءين، اعتمدت بكين على مزيج مركب من أدوات القوة العسكرية التقليدية وأساليب «المنطقة الرمادية»، بما يسمح بتغيير الوقائع الميدانية تدريجيا دون بلوغ عتبة الصراع المسلح المباشر.[41]

وفي بحر الصين الشرقي، تجلى هذا التوجه من خلال تكثيف الدوريات البحرية والجوية حول جزر سينكاكو/دياويو، وتوسيع نطاق المراقبة والإنذار المبكر، إلى جانب ممارسة ضغوط عملياتية مستمرة على اليابان. أما في مضيق تايوان، فقد اتخذ السلوك الصيني طابعا أكثر حساسية، عبر اختراقات متكررة لمنطقة الدفاع الجوي التايوانية، ومناورات عسكرية واسعة النطاق، تهدف إلى تقويض الردع القائم وإرسال إشارات استراتيجية للولايات المتحدة وحلفائها. [42]

ويمكن فهم هذا السلوك ضمن إطار نظرية الردع المركب (Complex Deterrence)، حيث لا تسعى الصين إلى تحقيق تفوق عسكري حاسم، بقدر ما تعمل على تقليص حرية الحركة الاستراتيجية لخصومها عبر تعزيز قدرات منع أو إعاقة الوصول (A2/AD)، وربط المسارح البحرية ببعضها البعض. فبحر الصين الشرقي ومضيق تايوان يشكلان معا حلقتين أساسيتين في ما يعرف بــــ:  سلسلة الجزر الأولى، والسيطرة النسبية عليهما تمكّن بكين من تحييد التدخل الأمريكي في حال اندلاع أزمة تايوانية.[43]

في المقابل، دفع هذا التحول الولايات المتحدة إلى إعادة تفعيل منطق توازن القوى البحري، عبر تعزيز وجودها العسكري في محيط مضيق تايوان، وتوثيق تحالفها مع اليابان، باعتبارها الفاعل الأكثر تأثرا بالتحولات في بحر الصين الشرقي. كما يفسر هذا الترابط الاستراتيجي توجّه واشنطن نحو بناء شبكات ردع متعددة الأطراف، تستند إلى التنسيق العملياتي بدل المواجهة المباشرة.[44]

أما على المستوى الدولي، فقد أسهم التوسع البحري الصيني في إعادة تشكيل التصورات الأمنية العالمية المرتبطة بحماية خطوط الملاحة البحرية الحيوية، لا سيما في ظل مرور ما يزيد عن ثلث التجارة العالمية عبر بحري الصين الجنوبي والشرقي والمحيط الهندي. ولم يعد هذا التوسع مقتصرا على المجال الإقليمي المباشر، بل امتد ليشمل أبعادا جيوستراتيجية عابرة للأقاليم، تمسّ صلب النظام البحري الدولي القائم على مبدأ حرية الملاحة.[45]

وفي هذا السياق، شكّل انخراط الصين في بناء شبكة مترابطة من الموانئ والمنشآت اللوجستية ضمن مبادرة «الحزام والطريق» مثل ميناء جوادر في باكستان، وميناء هامبانتوتا في سريلانكا، والقاعدة العسكرية في جيبوتي منذ عام 2017عنصرا محوريا في تعزيز قدرتها على الربط العملياتي بين المحيط الهندي وبحري الصين الجنوبي والشرقي. وقد أثار هذا الامتداد البحري مخاوف متزايدة لدى القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة واليابان، من احتمال تحول هذه المنشآت إلى بنى تحتية عسكرية مزدوجة الاستخدام، بما يسمح للصين بتوسيع نطاق تأثيرها البحري خارج محيطها الإقليمي المباشر.[46]

ويكتسب هذا البعد أهمية خاصة عند ربطه ببحر الصين الشرقي، حيث تسعى بكين إلى تكامل المسارح البحرية ضمن استراتيجية أوسع تهدف إلى تأمين خطوط الإمداد، وتعزيز قدرات منع أو إعاقة الوصول (A2/AD)، وتقليص هامش المناورة للقوى المنافسة. فالتوسع الصيني في بحر الصين الشرقي، خصوصًا في المناطق المتنازع عليها مع اليابان، لا ينفصل عن حضورها المتنامي في المحيط الهندي، إذ يشكّل كلا المجالين جزءًا من تصور استراتيجي موحد لإعادة ضبط موازين القوة البحرية في آسيا.[47]

وعليه، فإن هذا التمدد البحري المتعدد المستويات يعكس سعي الصين إلى إعادة تعريف قواعد النظام الأمني البحري العالمي، من خلال الانتقال من دور المستفيد من حرية الملاحة إلى فاعل يسعى إلى إعادة صياغتها بما يتوافق مع مصالحه الاستراتيجية. وهو ما يضع بحر الصين الشرقي، إلى جانب بحر الصين الجنوبي، في صلب التنافس الدولي حول مستقبل الأمن البحري، ويجعل من هذه الفضاءات البحرية مؤشرات كاشفة لتحولات أعمق في بنية النظام الدولي.[48]

2/المواقف الإقليمية والدولية من التحرك البحري الصيني بالمنطقة:

لقد أثار التحرك البحري الصيني في آسيا والمحيط الهادئ سلسلة من المواقف المتباينة دوليا وإقليميا، وذلك نتيجة التحولات العميقة التي أحدثتها بكين في موازين القوى البحرية. فمن جهة أولى، اتخذت الولايات المتحدة موقفا يقوم على الاحتواء الاستراتيجي، ولذلك، كثفت الولايات المتحدة منذ عام 2015 عمليات “حرية الملاحة” قرب الجزر المتنازع عليها، كما عززت تحالفاتها الدفاعية مع اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا، وأعادت إحياء ترتيبات أمنية كـ”الكواد” و”أوكوس”، في إطار ما تعتبره مواجهة صعود قوة بحرية منافسة قد تغير طبيعة النظام الدولي في آسيا[49]،  وتجلى ذلك من خلال ما يلي:

  • نشر القواعد اللوجيستية العملياتية الأمامية: تتمثل وظيفة هذا النوع من القواعد في توفير الدعم المباشر للقواعد الاستراتيجية الرئيسية، مع اعتمادها على عدد محدود من الأفراد والمعدات. ويعد ميناء سينغ فونغ في سنغافورة نموذجا لهذه القواعد، حيث يشكل مركز دعم أساسي لأسطول الولايات المتحدة في المحيطين الهندي والهادئ، كما يستضيف إدارة السفن القتالية الساحلية. وقد شهدت سنغافورة عام 1992 إنشاء منشأة جديدة مهمة مخصصة لصيانة السفن الحربية، تمتد على مساحة 51 ميلا مربعا، ما مكّنها من لعب دور لوجستي محوري ضمن الاستراتيجية البحرية الأمريكية.[50]
  • تعزيز وتكثيف قواعد التعاون الأمني: تشمل هذه الفئة القواعد الجوية والبحرية التابعة لحلفاء الولايات المتحدة، والتي تتيح للقوات الأمريكية إمكانية الوصول إليها واستخدامها في حالات الطوارئ أو اندلاع النزاعات. وتعد القواعد الأسترالية من أبرز هذه المواقع، إذ تسمح بتوسيع نطاق انتشار القوات الأمريكية وتعزيز مرونتها العملياتية في كامل المنطقة.
  • القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان: تحظى القواعد العسكرية الأمريكية في اليابان بأهمية استراتيجية فائقة، خاصة تلك المنتشرة في أوكيناوا ويوكوسوكا وساسيبو. ويعزى ذلك إلى وقوعها ضمن المدى التكتيكي المباشر للبر الرئيسي الصيني، وقربها من مدن رئيسية مثل شنغهاي وتشانغتشو وشيامن، ما يمنح القوات الأمريكية قدرة عالية على مراقبة التحركات العسكرية الصينية والرد السريع عند الضرورة. وفي هذا الإطار، تؤدي قاعدة أوكيناوا الجوية دورا أساسيا في تأمين التفوق الجوي الأمريكي شمال غرب المحيط الهادئ.

وفي السياق ذاته، تعد قاعدة أندرسن في غوام أهم قاعدة استراتيجية للولايات المتحدة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، لما تتمتع به من قدرة كبيرة على استيعاب مختلف أنواع الطائرات، فضلا عن احتوائها على أكبر ترسانة ومستودع وقود في المحيط الهادئ بسعة تصل إلى 66  مليون جالون. كما يشكل موقع غوام نقطة انطلاق رئيسية للعمليات البحرية والجوية، حيث تستغرق الرحلة البحرية انطلاقا منها نحو تايوان زمنا قصيرا نسبيا، مما يعزز أهميتها العملياتية في أي سيناريو يتعلق بالصراع حول مضيق تايوان.[51]

ومن خلال هذه الاستراتيجية، تسعى الولايات المتحدة الأمريكية إلى المحافظة على هيمنتها البحرية في المحيطين الهادئ والهندي، إضافة إلى منع الصين من تحقيق تفوق بحري قد يمنحها القدرة على التحكم بخطوط التجارة الدولية الحيوية.

ومن جهة ثانية، جاءت المواقف اليابانية والكورية الجنوبية أعلى درجة من القلق، نظرا لارتباط أمنهما الوطني مباشرة بتوازن القوى في بحري الصين الشرقي والجنوبي. فقد اعتبرت طوكيو أن الأنشطة الصينية قرب جزر “سينكاكو/دياويو” تهديدا مباشرا لسيادتها، ما دفعها، منذ 2022، إلى تبني استراتيجية أمن قومي جديدة تقوم على زيادة الإنفاق الدفاعي إلى الضعف تقريبا، وتحديث قواتها البحرية لتشغيل مقاتلات F-35B على حاملات هليكوبتر معدّلة. وبالتوازي مع ذلك، تبنت كوريا الجنوبية مقاربة مشابهة، فاستثمرت بشكل متزايد في بناء مدمرات “KDDX” المتطورة، وفي تعزيز أسطول الغواصات والصواريخ الباليستية، إدراكا منها أن أي خلل في ميزان القوى البحري سيؤثر بشكل مباشر على أمن شبه الجزيرة الكورية . وبالتالي، مثّل التحرك الصيني محفزا قويا لتسريع سباق التسلّح البحري في شمال شرق آسيا، خصوصا مع تزايد التنسيق العسكري الثلاثي بين الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية.[52]

أما على الصعيد الإقليمي، فقد اتخذت دول رابطة الآسيان مواقف متباينة، تراوحت بين الحياد البراغماتي والاحتجاج الدبلوماسي الواضح، فالدول التي تربطها بالصين علاقات اقتصادية كبيرة مثل كمبوديا ولاوس وماليزيا تبنت موقفا مرنا يميل إلى عدم التصعيد، بينما أبدت دول أخرى مثل الفلبين وفيتنام رفضا حادا للأنشطة الصينية في بحر الصين الجنوبي، معتبرة أنها تمس سيادتها وتعرض أمنها القومي للخطر. وتبرز الفلبين كنموذج واضح لهذا التحول، إذ أعادت عام 2023 تفعيل اتفاقيات الدفاع مع الولايات المتحدة، وسمحت للأخيرة باستخدام قواعد عسكرية إضافية، في خطوة تعكس تأثير النفوذ البحري الصيني على خيارات الأمن الإقليمي. ونتيجة هذه الانقسامات، أصبحت الآسيان عاجزة عن تشكيل موقف موحد، وهو ما استفادت منه بكين لتوسيع حضورها البحري والدبلوماسي في المنطقة.[53]

وعلى الجانب الآخر، أبدت الهند موقفا أكثر حذرا وحساسية، إذ تنظر إلى التوسع البحري الصيني في المحيط الهندي من زاوية التهديد لمجالها الحيوي. فالصين، عبر “مبادرة الحزام والطريق” و”استراتيجية عقد اللؤلؤ”، عززت وجودها في موانئ السابقة ذكرها وهو ما تعتبره نيودلهي محاولة لتطويقها بحرياً. وقد أدى ذلك إلى إطلاق الهند برنامجا ضخما لتطوير أسطولها البحري، يشمل بناء حاملات طائرات جديدة وغواصات نووية وقدرات صاروخية بعيدة المدى. ونتيجة لذلك، بات المحيط الهندي يشهد هو الآخر صراع نفوذ بحري متناميا بين القوتين الآسيويتين، يعكس انتقال المنافسة الاستراتيجية من اليابسة إلى البحار.[54]

خاتمة :

يعد بحر الصين الشرقي أحد المكوّنات الجيوبوليتيكية الحيوية في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وذلك بالنظر إلى موقعه الاستراتيجي الذي يهيمن على واحد من أهم الممرات البحرية المخصّصة للتجارة الدولية. وتزداد أهمية هذه المنطقة تعقيدا بفعل النزاعات الإقليمية غير المحسومة بين الدول المطلة عليها، ما جعلها إحدى بؤر التوتر المستدام في شرق آسيا.

ويكتسب بحر الصين الشرقي بعدا استراتيجيا مضاعفا، ليس بالنسبة للصين واليابان فحسب، بل أيضا بالنسبة للولايات المتحدة ودول المنطقة ككل، نظرا لجملة من المتغيرات البنيوية التي أعادت تشكيل البيئة الإقليمية. ومن أبرز هذه المتغيرات انتقال السلطة داخل الصين من الجيل الرابع إلى الجيل الخامس، وما رافقه من تحوّل في الرؤية الاستراتيجية لبكين تجاه محيطها البحري. كما يتزامن ذلك مع تحول مركز الثقل الاقتصادي العالمي نحو شرق آسيا، مما عزّز من أهمية السيطرة على المناطق البحرية الحيوية باعتبارها بوابة للحفاظ على النفوذ الاقتصادي والجيوسياسي في المنطقة.

النتائج والتوصيات:

تكشف الدراسة حول الدور الذي يلعبه بحر الصين الشرقي في الاستراتيجية البحرية للصين عن جملة من النتائج الجوهرية، أبرزها:

  • انتقال الصين من نهج “الدفاع الساحلي” المحدود إلى تبني استراتيجية “الدفاع بعيد المدى” و“المياه الزرقاء”، وهو تحول يعكس رغبتها في تأمين مصالحها الحيوية خارج حدودها التقليدية، خصوصا في بحر الصين الشرقي الذي يمثل نقطة ارتكاز مركزية في هذا التوسع.
  • تعاظم الأهمية الاستراتيجية لبحر الصين من خلال الموارد الطبيعية التي يسخر بها، بالإضافة إلى أنه بوابة للتحركات العسكرية في المحيط الهادي.
  • تصاعد النزاعات البحرية الإقليمية خاصة النزاع حول جزر دياويو/سينكاكو يعكس هشاشة الأمن الإقليمي، كما يؤكد أن المنطقة مرشحة لمزيد من التوتر في ظل غياب آليات فعالة لإدارة الخلافات.
  • تغيّر موازين القوة البحرية في شرق آسيا أدى صعود الصين البحري وتحديث أسطولها بما في ذلك الغواصات النووية، وحاملات الطائرات، وأنظمة الصواريخ المضادة للسفن  إلى إعادة تشكيل الهيكل الأمني للمنطقة، الأمر الذي دفع اليابان وكوريا الجنوبية إلى تعزيز تسلّحهما البحري، وزاد من انخراط الولايات المتحدة في دعم حلفائها.
  • تأكيد الصين على انتقالها من الجيل الرابع إلى الجيل الخامس يعد توجها حاسما في السياسة البحرية الصينية من أجل تأمين الموارد الأولية وفرض الوجود البحري الصيني كجزء من مشروع الصين العظمى.
  • ضرورة إنشاء إطار ثلاثي مؤسسي يضم الصين واليابان والولايات المتحدة لإدارة الأزمات البحرية، والحد من احتمالات سوء التقدير العسكري.
  • تطوير اتفاقيات فض النزاعات وذلك اعتماد  على ترتيبات مشتركة لاستغلال الموارد البحرية – خاصة الغاز والصيد  بما يقلل من حدة التنافس ويحول دون العسكرة المتزايدة للبحر.
  • إعادة صياغة قواعد الاشتباك البحري من خلال تبني قواعد واضحة للتعامل في المناطق المتنازع عليها، بما يضمن تجنب الاحتكاكات العسكرية التي قد تتطور إلى مواجهات أكبر.
  • تشجيع البحوث الأكاديمية المشتركة من خلال دعم الدراسات العلمية حول الأمن البحري والنزاعات البحرية، بما يضمن بناء فهم مشترك لدينامكيات الصراع وآفاق تسويته.

في رأينا الشخصي يمكن القول إن بحر الصين الشرقي سيظل مركز الثقل في التنافس الجيوسياسي بآسيا للمستقبل المنظور، ليس فقط بسبب موارده وموقعه، بل لأنه يمثل الامتداد الطبيعي لصعود الصين كقوة بحرية. فالتصعيد الحالي لا يمكن فهمه بمعزل عن التحوّل العميق في الهوية البحرية للصين، والتي لم تعد تكتفي بالدفاع عن سواحلها، بل باتت تطمح إلى حماية مصالحها الإقليمية والعالمية عبر السيطرة على البحار القريبة. وفي الوقت ذاته، فإن سعي الصين إلى توسيع حضورها في بحر الصين الشرقي يصطدم مباشرة بمصالح اليابان والولايات المتحدة، ما يجعل البحر النقطة الأكثر حساسية في معادلة الردع المتبادل في شرق آسيا. ويرجح أن يستمر التنافس البحري في التصاعد ما لم تصمم آليات دبلوماسية فعّالة تشترك فيها الأطراف الثلاثة.

قائمة المراجع:

1/ الكتب:

  1. جوناثان جرينرت. المياه المعكرة في بحر الصين الشرقي عمليات المنطقة الرمادية الصينية والتنسيق داخل التحالف بين الولايات المتحدة واليابان، تر: حسن سالم . د ب ن:المركزالوطني للأبحاث الأسيوية،2021.
  2. سكوتدبلي وهارولد وأخرون. التحالف الأمريكي الياباني ومواجهة ضغوطات التحالف الأمريكي الياباني ومواجهة ضغوطات النزاع البارد (المنطقة الرمادية( في مجالات البحر والفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي. كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2017.
  3. كابلان روبرت. انتقام الجغرافيا: ما تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة، تر: محمد عبد الرحمن .بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015.
  4. معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تقرير التسلّح والنفقات العسكرية في آسيا. أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،  2022 .
  5. وانغ هونغ. البحرية الصينية وصعود الصين كقوة بحرية عالمية، تر:أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، 2018 .

2/ المقالات العلمية:

  1. أسامة عمر وفادي خليل،” الاستجابة اليابانية لسياسة الصين الحازمة في بحر الصين الشرقي في ظل حالة اللايقين”، مجلة الأستاذ للعلوم الإنسانية  والاجتماعية04 (2022).
  2. أندرو سكوبل، “الاستراتيجية البحرية للصين وتداعياتها الإقليمية” ، مجلة دراسات أسيوية 12 (2022).
  3. بردان باهر، “العلاقات الصينية اليابانية بين المتغيرات السياسية والثوابت الاقتصادية”، مجلة دراسات دولية 57(د س ن).
  4. بوزراع منى  ومنصر جمال، “تحديات القرصنة البحرية وتأثيراتها على أمن الملاحة البحرية في مضيق ملقا”، مجلة الفكر القانوني والسياسي01(2022).
  5. جلال محمود عبده أحمد، “أثر الأزمة التايوانية على التوازن الاستراتيجي في شرقي آسيا: العلاقات الصينية-الأمريكية 2016–2022: دراسة حالةـ”، مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية 03 (2022).
  6. حطاب عبد المالك،” الصعود الصيني وتأثيره على الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا”، مجلة المعيار 46 (2019).
  7. دندن، عبد القادر،” مكانة بحر الصين الشرقي والجنوبي في الاستراتجية الصينية لمنطقة أسيا المحيط الهادي”، مجلة قضايا أسيوية01( 2019).
  8. رضا بطرس ماجد وآخرون ،” التغير في الاستراتيجية العسكرية الصينية “، المجلة العلمية للبحوث التجارية 01 (2025).
  9. شهاب أحمد حميد وسمين إبراهيم كمال ،” توظيف القوة العسكرية في السياسة الصينية بحر الصين الجنوبي نموذجا”، مجلة حبوراي 44 ( 2022).
  10. قصعة حورية،” البعد الجيوبوليتكي لمضيق ملقا ضمن استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية مبادرة حزام الطريق نموذجا”، مجلة حوليات قالمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية02(2021).
  11. كلاع شريفة، “المنظور لاستراتيجي الصيني اتجاه قضية تايوان”، مجلة دراسات الدفاع والاستشراق17(2022).
  12. كلاع شريفة ، النزاع الأمريكي الصيني للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، مجلة الفكر القانوني والسياسي02 (2021)، ص12.
  13. مال الله قاسم مشتاق،” موقف روسيا من التدخل الياباني في الصين”، مجلة دراسات ايرانية15(2012).
  14. مردان باهر،” العلاقات الصينية اليابانية بين المتغيرات السياسية والثوابت الاقتصادية “،مجلة دراسات دولية 57( د س ن).
  15. منصر جمال  وبوزراع منى، “نزاعات بحر الصين الجنوبي وتداعياتها على أمن الطاقة في مضيق ملقا”، مجلة أبحاث قانونية وسياسية 01 (2022).

3/ المذكرات:

  1. معتوق جمال و بلمادي سفيان، جيوسياسية المضائق البحرية الاستراتجية وأمن إمدادات الطاقة مضيق ملقا وأثره على أمن الطاقة الصيني نموذجا”، محاضرة ألقيت على طلبة السنة الثانية، قسم العلوم الاجتماعية والإنسانية، جامعة البليدة، د س ن.
  2. حذفاني نجيم.” التنافس الجيواستراتجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في منطقة أسيا باسيفيك”. أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضر، 2021/2022.
  3. دندن عبد القادر. “الاستراتيجية الصينية لأمن الطاقة وتأثيرها على محيطها الإقليمي: أسيا الوسطى- جنوب أسيا- جنوب شرق أسيا”. أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضر باتنة، 2012/2013.
  4. فلاح أمنية. “الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة في منطقة جنوب شرق أسيا”. أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضرباتنة،2020/2019).
  5. مشعالي إبراهيم.” دور القوة البحرية في استراتيجية الأمن القومي الصيني”. أطروحة دكتوراء ، جامعة الجزائر03 ،2024/2025.

4/ الروابط الإلكترونية:

  1. أحمد محمود أحمد.”البحرية الصينية… والسعي نحو القوة البحرية الأكبر”. أطلع عليه 14 نوفمبر 2025، https://www.nationshield.ae/index.php/home/details/files
  2. المنصوري عبد الرحمن. “الملفات الساخنة في العلاقات اليابانية الصينية.” أطلع عليه 03 نوفمبر، 2025    https://studies.aljazeera.net/ar/issues/2013/02/20132610105032411.html#:~:text=%D8%A

5/ المراجع باللغة الأجنبية:

  1. Rasha Suhail Mohamed Zaydan, « US-Chinese competition against the South China Sea(A study of geo-strategic dimensions) » Tikrit Journal For Political Sciences 20 (2020) .
  2. History proves diaoyo islands » ; in Bejing review, septembre 1996
  3. Pham Quang Minh, “The South China sea issue and its implications: perspective form Vietnam”, A paper presented for the 6th Berlin conference on Asia security (BCAS), The U.S and China in regional security: implications for Asia and Europe. June 18-19, 2012.
  4. Sasakawa Peace Foundation (SPF), China’s Maritime Expansion in the Indian Ocean, 2021.
  5. AlZarooni, N., China’s Global Maritime Expansion and Strategic Ports, David Publisher, 2024.
  6. Council on Geostrategy, China’s Plan for Maritime Dominion Beyond the South China Sea, 2023.
  7. Fravel, M. T., China’s Strategy in the South China Sea, ResearchGate, 2016.
  8. State Council Information Office of China, China’s Military Strategy (White Paper), 2015.
  9. Kaplan, R. D. (2014). Asia’s Cauldron: The South China Sea and the End of a Stable Pacific. New York: Random House.
  10. Blanchard, J.-M. F., & Flint, C. (2017). The Geopolitics of China’s Maritime Silk Road. Geopolitics, 22(2),
  11. Erickson, A. S. (2016). Chinese Anti-Access/Area Denial Capabilities. Washington, DC: National Defense University Press.
  12. Mazarr, M. J., Heath, T., & Cevallos, A. (2018). China and the International Order. Santa Monica, CA: RAND Corporation.
  13. Liff, A. P., & Ikenberry, G. J. (2014). Racing Toward Tragedy? China’s Rise, Military Competition in the Asia-Pacific, and the Security Dilemma. Interna(2)
  14. Liff, A. P., & Ikenberry, G. J. (2014). Racing Toward Tragedy? China’s Rise, Military Competition in the Asia-Pacific, and the Security Dilemma. International Security, 39(2).
  15. Fravel, M. T. (2019). Active Defense: China’s Military Strategy since 1949. Princeton: Princeton University Press.
  16. Office of the Secretary of Defense. (2023). Annual Report to Congress: Military and Security Developments Involving the People’s Republic of China. Washington, DC.
  17. (4) Mazarr, M. J. (2015). Mastering the Gray Zone: Understanding a Changing Era of Conflict. Santa Monica, CA: RAND Corporation.

[1] – عبد القادر دندن ،”الاستراتيجية الصينية لأمن الطاقة وتأثيرها على محيطها الإقليمي: أسيا الوسطى- جنوب أسيا- جنوب شرق أسيا”( أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضر باتنة، 2012/2013)،294

[2] – أمنية فلاح، ” الاستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة في منطقة جنوب شرق أسيا”( أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضرباتنة،2020/2019)،37.

[3]– منى بوزراع وجمال منصر، “تحديات القرصنة البحرية وتأثيراتها على أمن الملاحة البحرية في مضيق ملقا”، مجلة الفكر القانوني والسياسي01(2022):05.

[4] – حورية قصعة،” البعد الجيوبوليتكي لمضيق ملقا ضمن استراتيجيات القوى الإقليمية والدولية مبادرة حزام الطريق نموذجا”، مجلة حوليات قالمة للعلوم الاجتماعية والإنسانية02(2021):04   .

[5] – نفس المرجع، ص 07.

[6] – جمال منصر ومنى بوزراع، “نزاعات بحر الصين الجنوبي وتداعياتها على أمن الطاقة في مضيق ملقا”، مجلة أبحاث قانونية وسياسية 01 (2022):13 .

[7] – أحمد جلال محمود عبده، «أثر الأزمة التايوانية على التوازن الاستراتيجي في شرقي آسيا: العلاقات الصينية-الأمريكية 2016–2022: دراسة حالةـ”، مجلة الدراسات السياسية والاقتصادية 03 (2022):  ص15.

[8]– شريفة كلاع، “المنظور لاستراتيجي الصيني اتجاه قضية تايوان”، مجلة دراسات الدفاع والاستشراق17(2022): ص11.

[9] – نجيم حذفاني، “التنافس الجيواستراتجي بين الصين والولايات المتحدة الأمريكية في منطقة أسيا باسيفيك”(أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضر، 2021/2022)، ص120.

[10] – باهر مردان،” العلاقات الصينية اليابانية بين المتغيرات السياسية والثوابت الاقتصادية “،مجلة دراسات دولية 57( د س ن): ص 08.

[11] – عمر أسامة وفادي خليل،” الاستجابة اليابانية لسياسة الصين الحازمة في بحر الصين الشرقي  في ظل حالة اللايقين”، مجلة الأستاذ للعلوم الإنسانية  والاجتماعية04 (2022): ص06 .

[12] – عبد القادر دندن،” مكانة بحر الصين الشرقي والجنوبي في الاستراتجية الصينية لمنطقة أسيا المحيط الهادي”، مجلة قضايا أسيوية01( 2019):ص 05.

[13] –  Rasha Suhail Mohamed Zaydan, « US-Chinese competition against the South China Sea(A study of geo-strategic dimensions) » Tikrit Journal For Political Sciences 20 (2020) , 5

[14] – مشتاق مال الله قاسم،” موقف روسيا من التدخل الياباني في الصين”، مجلة دراسات ايرانية15(2012): ص 17.

–   3    History proves diaoyo islands » ; in Bejing review, septembre 1996, P-10.

[16] – باهر بردان، “العلاقات الصينية اليابانية بين الثوابت السياسية والمتغيرات الاقتصادية”، مجلة دراسات دولية 57(د س ن): 05.

[17] – سكوتدبلي وهارولد وأخرون، التحالف الأمريكي الياباني ومواجهة ضغوطات التحالف الأمريكي الياباني ومواجهة ضغوطات النزاع البارد (المنطقة الرمادية(  في مجالات البحر والفضاء الإلكتروني والفضاء الخارجي( كاليفورنيا: مؤسسة راند، 2017)،ص 15

[18] – عبد الرحمن المنصوري، “الملفات الساخنة في  العلاقات اليابانية الصينية.” أطلع عليه 03 نوفمبر، 2025   https://studies.aljazeera.net/ar/issues/2013/02/20132610105032411.html#:~:text=%D8%A

[19] –  عبد الرحمن المنصوري، “الملفات الساخنة في  العلاقات اليابانية الصينية.” أطلع عليه 03 نوفمبر، 2025   https://studies.aljazeera.net/ar/issues/2013/02/20132610105032411.html#:~:text=%D8%A.

[20]–  سكوتدبلي وهارولد وأخرون، التحالف الأمريكي الياباني ومواجهة ضغوطات النزاع ،ص 13

[21] – معين أحمد محمود، “البحرية الصينية. والسعي نحو القوة البحرية الأكبر”، أطلع عليه 14 نوفمبر 2025، https://www.nationshield.ae/index.php/home/details/files

[22] – معين أحمد محمود،” البحرية  الصينية والسعي نحو القوة البحرية الأكبر”، أطلع عليه 14 نوفمبر 2025، https://www.nationshield.ae/index.php/home/details/files

[23] – Pham Quang Minh, “The South China sea issue and its implications: perspective form Vietnam”, A paper presented for the 6th Berlin conference on Asia security (BCAS), The U.S and China in regional security: implications for Asia and Europe. Berlin. June 18-19, 2012, p. 13.

[24] – إبراهيم مشعالي،” دور القوة البحرية في استراتيجية الأمن القومي الصيني”( أطروحة دكتوراء ، جامعة الجزائر03 ،2024/2025)، ص 145.

[25] – إبراهيم مشعالي، دور القوة البحرية في استراتيجية الأمن القومي الصيني،  ص 147.

[26] – عبد القادر دندن ، الاستراتجية الصينية للطاقة وتأثيرها على الاستقرار ، ص282.

[27] – شريفة كلاع، النزاع الأمريكي الصيني للسيطرة على بحر الصين الجنوبي، مجلة الفكر القانوني والسياسي02 (2021)، ص12.

[28] – نفس المرجع، ص 76.

[29] –  حميد شهاب أحمد وكمال سمين إبراهيم ،” توظيف القوة العسكرية في السياسة الصينية بحر الصين الجنوبي نموذجا”، مجلة حبوراي 44 ( 2022): ص 12.

[30] –  حميد شهاب أحمد وكمال سمين إبراهيم ، توظيف القوة العسكرية في السياسة الصينية بحر الصين الجنوبي ، ص 14.

[31] – إبراهيم مشعالي،” دور القوة البحرية في استراتيجية الأمن القومي الصيني، 152.

[32] – ماجد رضا بطرس وآخرون ،” التغير في الإستراتجية العسكرية الصينية “، المجلة العلمية للبحوث التجارية 01 (2025): ص 24.

[33] -Sasakawa Peace Foundation (SPF), China’s Maritime Expansion in the Indian Ocean, 2021.p14.

[34] – AlZarooni, N., China’s Global Maritime Expansion and Strategic Ports, David Publisher, 2024.p25.

[35] –   Council on Geostrategy, China’s Plan for Maritime Dominion Beyond the South China Sea, 2023.p8.

[36] –  Fravel, M. T., China’s Strategy in the South China Sea, ResearchGate, 2016.

[37] –  State Council Information Office of China, China’s Military Strategy (White Paper), 2015.

[38] –  عبد المالك حطاب،” الصعود الصيني  وتأثيره على الأمن الإقليمي في جنوب شرق آسيا”، مجلة المعيار 46 (2019): ص 15.

[39] – وانغ هونغ، البحرية الصينية وصعود الصين كقوة بحرية عالمية، تر:   ( أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،  2018 )، ص 44–52.

[40] – Liff, A. P., & Ikenberry, G. J. (2014). Racing Toward Tragedy? China’s Rise, Military Competition in the Asia-Pacific, and the Security Dilemma. International Security, 39(2), 52–91.

[41] – Fravel, M. T. (2019). Active Defense: China’s Military Strategy since 1949. Princeton: Princeton University Press.

[42] – (3) Office of the Secretary of Defense. (2023). Annual Report to Congress: Military and Security Developments Involving the People’s Republic of China. Washington, DC.

[43] – Mazarr, M. J. (2015). Mastering the Gray Zone: Understanding a Changing Era of Conflict. Santa Monica, CA: RAND Corporation.

[44] – معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، تقرير التسلّح والنفقات العسكرية في آسيا ( أبوظبي:  مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية،  2022 )، ص 26.

[45] -Kaplan, R. D. (2014). Asia’s Cauldron: The South China Sea and the End of a Stable Pacific. New York: Random House.

[46] – Blanchard, J.-M. F., & Flint, C. (2017). The Geopolitics of China’s Maritime Silk Road. Geopolitics, 22(2), 223–245.

[47] -Erickson, A. S. (2016). Chinese Anti-Access/Area Denial Capabilities. Washington, DC: National Defense University Press.

[48] -Mazarr, M. J., Heath, T., & Cevallos, A. (2018). China and the International Order. Santa Monica, CA: RAND Corporation.

[49] – روبرت كابلان، انتقام الجغرافيا: ما تخبرنا به الخرائط عن الصراعات المقبلة، تر: محمد عبد الرحمن ( بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، 2015 )، ص225.

[50]–  Stanley B. Weeks , Charles A. Meconis, The Armed Forces Of The USA In The Asia-Pacific Region(Australia: Allen & Unwin Pty Ltd, 1999), p.33.

[51] –  أمنية فلاح،”الإستراتيجية الأمنية الأمريكية الجديدة في منطقة جنوب شرق أسيا”( أطروحة دكتوراء، جامعة الحاج لخضرباتنة،2020/2019)، ص117.

[52]– جوناثان جرينرت، المياه المعكرة في بحر الصين الشرقي عمليات المنطقة الرمادية الصينية والتنسيق داخل التحالف بين الولايات المتحدة واليابان، تر: حسن سالم ( د ب ن:المركزالوطني للأبحاث الأسيوية،2021)،ص 18.

[53] – أندرو سكوبل، “الاستراتيجية البحرية للصين وتداعياتها الإقليمية” ، مجلة دراسات أسيوية 12 (2022): ص 90.

[54] – وانغ هونغ، البحرية الصينية وصعود الصين كقوة بحرية عالمية، 115.

5/5 - (1 صوت واحد)

المركز الديمقراطي العربي

مؤسسة بحثية مستقلة تعمل فى إطار البحث العلمي الأكاديمي، وتعنى بنشر البحوث والدراسات في مجالات العلوم الاجتماعية والإنسانية والعلوم التطبيقية، وذلك من خلال منافذ رصينة كالمجلات المحكمة والمؤتمرات العلمية ومشاريع الكتب الجماعية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى