fbpx
الدراسات البحثيةالعلاقات الدوليةالمتخصصة

أستراتجية المصالح بين الصراع والثورة “الأبعاد الإقليمية والدولية” في المسألة السورية

اعداد الباحثة : إيمان أبوزيد مخيمر – المركز الديمقراطي العربي

 

مقدمة :
يتسم التعامل الدولى مع الآزمة السورية بالانقسام فى مجلس الآمن هو انقسام عكس اختلاف مواقف دول العالم ما بين تلك التي تظهر تعاطفاً مع الثورة السورية، وداعمة لمطالب الشعب في الحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية، ومواقف أخرى داعمة للنظام واستمرار بقائه في حكم السوريين وقمع حرياتهم وانتهاك حرماتهم ونهب ثرواتهم.

وفيما لم تقدم القوى الداعمة للثورة سوى دعم إعلامي وسياسي شابه التشرّط والتردد، إلى جانب دعم مادي محدود، فإن القوى الداعمة للنظام لم توفر مساعيها وجهودها في تغطية أفعال النظام من عنف مفرط وقتل يومي، وساندته ودعمته عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

بل وفرت له مظلة حماية سياسية دولية وإقليمية، إلى درجة منعت المجتمع الدولي من اتخاذ أي قرار يدين انتهاكات النظام وجرائمه، ومنعت كذلك اتخاذ أي عقوبات اقتصادية دولية، أو حتى التلويح بها، حيث استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات متتالية في مجلس الأمن الدولي، منعت بواسطتها صدور أي قرار أممي ضد النظام السوري.
“الواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف ”

والواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف، فلم يتحقق إجماع دولي في أزمات البلقان أو رواندا أو الصومال أو العراق أو ليبيا وسواها.

لكن المشكلة هو في إرادة القوى الفاعلة الداعمة للتغيير، وفي اختلاف أجنداتها وحساباتها ومصالحها.
وربما من حق أي مراقب أن يتساءل عن اختلاف المعيارية في المواقف من الأزمات الدولية، وخصوصاً في جانبها الأخلاقي والإنساني، وعن أسباب التردد في تطبيق مهام الأمم المتحدة وهيآتها -ومنها مجلس الأمن الدولي- في حفظ السلام العالمي والدفاع عن حقوق الإنسان، فالشعب السوري يتعرض أمام مرأى العالم وسمعه لجرائم ومجازر باتت يومية، في ظل صمت وتردد المجتمع الدولي، بل إن هناك دولاً وحكومات تبارك هذه المجازر وسائر أعمال القتل، وتقدم أعذاراً وتبريرات مختلفة وواهية. اتسم التعامل الدولي مع الأزمة السورية بالانقسام في مجلس الأمن. وهو انقسام عكس اختلاف مواقف دول العالم ما بين تلك التي تظهر تعاطفاً مع الثورة السورية، وداعمة لمطالب الشعب في الحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية، ومواقف أخرى داعمة للنظام واستمرار بقائه في حكم السوريين وقمع حرياتهم وانتهاك حرماتهم ونهب ثرواتهم.

وفيما لم تقدم القوى الداعمة للثورة سوى دعم إعلامي وسياسي شابه التشرّط والتردد، إلى جانب دعم مادي محدود، فإن القوى الداعمة للنظام لم توفر مساعيها وجهودها في تغطية أفعال النظام من عنف مفرط وقتل يومي، وساندته ودعمته عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.

بل وفرت له مظلة حماية سياسية دولية وإقليمية، إلى درجة منعت المجتمع الدولي من اتخاذ أي قرار يدين انتهاكات النظام وجرائمه، ومنعت كذلك اتخاذ أي عقوبات اقتصادية دولية، أو حتى التلويح بها، حيث استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات متتالية في مجلس الأمن الدولي، منعت بواسطتها صدور أي قرار أممي ضد النظام السوري.
“الواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف. ”

والواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف، فلم يتحقق إجماع دولي في أزمات البلقان أو رواندا أو الصومال أو العراق أو ليبيا وسواها. لكن المشكلة هو في إرادة القوى الفاعلة الداعمة للتغيير، وفي اختلاف أجنداتها وحساباتها ومصالحها.

وربما من حق أي مراقب أن يتساءل عن اختلاف المعيارية في المواقف من الأزمات الدولية، وخصوصاً في جانبها الأخلاقي والإنساني، وعن أسباب التردد في تطبيق مهام الأمم المتحدة وهيآتها -ومنها مجلس الأمن الدولي- في حفظ السلام العالمي والدفاع عن حقوق الإنسان، فالشعب السوري يتعرض أمام مرأى العالم وسمعه لجرائم ومجازر باتت يومية، في ظل صمت وتردد المجتمع الدولي، بل إن هناك دولاً وحكومات تبارك هذه المجازر وسائر أعمال القتل، وتقدم أعذاراً وتبريرات مختلفة وواهية.
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بخصوص تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السورية، يطال افتراق المواقف وعدم تناسبها مع حجم الانتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا، وممكنات ومفاعيل تهديد الأمن الإقليمي والدولي.

ماهي الأبعاد والتداعيات الإقليمية والدولية للثورة السورية؟

  • هل هناك المزيد من المشاكل والتعقيدات في أيام الثورة السورية المقبلة؟
  • أم أن هناك نوراً في آخر النفق سيطل أخيراً على الشعب السوري المظلوم والمقتول؟
  • لماذا هذا القدر من الاهتمام والاصطفاف الاقليمي والدولي في الازمة السورية؟
  • هل هذا الاهتمام نظراً لموقع سورية والهلال الخصيب الجيواستراتيجي كنقطة التقاء ثلاث قارات وعقدة طرق برية وبحرية وجوية تربط العالم؟

بدئية الآزمة فى سوريا:

في المواجهة بين النظام السوري والمعارضة، لا توجد الآن أزمة ولكن ثور على الأقل، مرحلة الأزمة ودخلت مرحلة ثورة على وبينما يمكن لأطراف أي أزمة أن يتحاوروا ويقدموا التنازلات ويلتقوا في منتصف الطريق، فإن الحوار الوحيد الممكن في ظل الثورة هو حوار الرصاص. ولهذا، من الغريب أن يتحدث بعض السياسيين في أمريكا وروسيا وأوروبا، إضافة إلى بعض دول المنطقة، عن الحل السلمي للصراع في سوريا. فما هو الحل السلمي الذي يتحدثون عنه، وكيف يمكن أن يتحقق؟ هذا سؤال واحد فقط من أسئلة كثيرة، أما الإجابات عليها فقليلة، فيما تتعدد المشكلات والحلول شبه معدومة.

وإذا كانت مواجهة المعارضة مع النظام تقوم على أساس الثورة وليس الأزمة، فإن الثورة السورية نفسها تواجه الآن أزمة انقساماتها، وهناك أكثر من أزمة مرشحة للظهور على الصعيدين الإقليمي والدولي بشأن المسألة السورية. ولفهم المشهد السوري الحالي على حقيقته ينبغي العودة إلى أكثر من أربعين سنة مضت عندما تمكنت الطائفة العلوية من الهيمنة والسيطرة على سوريا من خلال وقوفها وراء مجموعة من العائلات العلوية التي سيطرت على النظام وفرضت نفوذها على جميع أقليات سوريا وعلى الأغلبية السنية فيها. ولقد كان الرئيس حافظ الأسد، مؤسس النظام السوري الحالي، صاحب الحنكة السياسية الكبيرة التي يفتقر إليها ولده بشار، يعلم جيداً منذ البداية هشاشة الأرض التي يقف عليها في حكمه، ولهذا فقد وجه لنفسه، وبعض خبرائه وأعوانه الموثوقين، السؤال: كيف يمكن لأقلية أن تحكم أكثرية؟. ويبدو انه كان يعلم في قرارة نفسه، وبالرغم من إقدامه على مذبحة حماة، أن سياسة القمع والقتل والتخويف لن تكون كافية وحدها للمحافظة على أمن النظام واستقراره، خاصة وأن مجموعة الأسر العلوية التي يعتمد عليها تمثل جزءاً فقط من الطائفة العلوية التي ينتمي إليها وليس كلها؛ فهناك دائرة علوية صغيرة ضمن دائرة علوية أكبر، وهناك بعض الأهمية في التمييز بينهما، فلقد تبين الآن بوضوح أن بعض العلويين في سوريا أعلنوا معارضتهم لنظام بشار الأسد، كما امتنع آخرون منهم عن تبرير ممارسته القمعية أو الوقوف بجانبه، ولكن هذا التفريق لا يعني عدم وجود مشكلة بين الطائفة العلوية، من طرف، وسوريا كلها من طرف آخر.

وللتعامل مع هذه الإشكالية المهمة فلقد وضع حافظ الأسد لحماية نظامه سياسة تعتمد على القمع والعنف عند الضرورة، كما تعتمد أيضاً على اختراق جميع الأقليات الأخرى والأغلبية السنية. وحاول بشار الأسد التمسك بهذه السياسة، ولكنه لم ينجح فيها بالشكل المطلوب، وذلك بالرغم من سياسة الإصلاح التي انتهجها في التوجه التدريجي نحو السوق المفتوح وإشراكه لبعض التجار السنة في مشاريع الدولة الاقتصادية.

وإضافة إلى إخفاق بشار في اختراق المجتمع السوري فلقد ارتكب خلال السنوات العشر الأخير مجموعة من الأخطاء الكبيرة القاتلة في سياساته المحلية والإقليمية، كانت تنقله دائماً من مشكلة إلى مشكلة ومن أزمة إلى أزمة. وتتمثل أول هذه الأخطاء في اندفاعه الكبير وراء إيران وعدم حرصه على موازنة ذلك بعلاقته مع المملكة العربية السعودية، وهو التوازن الذي كان والده يهتم به كثيراً أثناء فترة حكمه. ويتعلق الخطأ الثاني في تعامله مع الملف اللبناني وتورطه من خلال حليفه، حزب الله، بتدبير عملية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري.

وتتضح أهمية هذا الخطأ الفادح في ضوء الكثير من المؤشرات عندئذ، والتي كانت تدل على رغبة القطاع الخاص السعودي والخليجي في الاستثمار في سوريا، واهتمام رفيق الحريري، بوصفه رجل أعمال كبير، بإنشاء مشاريع سياحية مشتركة بين سوريا ولبنان على نطاق واسع. ولكن الخوف، كما يبدو، من توسع دور رفيق الحريري الاقتصادي في سوريا، والاستسلام للضغوط الإيرانية، دفعا بشار الأسد إلى ارتكاب خطأ التورط في اغتيال الحريري. وأعقب ذلك أيضاً تورط نظام بشار الأسد باغتيال العديد من الشخصيات اللبنانية السياسية والإعلامية وما نتج عن ذلك من نشر “الغسيل الوسخ” للنظام السوري في الدول العربية وأوروبا وأمريكا. ولعل أشد أخطاء بشار الأسد حماقة تمثل في سوء تعامله مع انتفاضة الشعب السوري، التي بدأت في درعا قبل ثلاثة أعوام، حيث استخدم القوة المفرطة في التعامل مع تجمعات طلابية محدودة جداً خرجت من مدارسها متأثرة بجروح الربيع العربي. لقد كانت هذه المظاهرات هي نقطة البدء في انتفاضة الشعب السوري السلمية، والتي تحولت بعد بضعة أشهر إلى ثورة مسلحة كاملة. وفرضت الثورة السورية نفسها على الواقع السياسي السوري والإقليمي والدولي وأصبحت لها تداعيات إقليمية وعالمية كبيرة. والثورة السورية في طبيعتها الحالية هي ثورة كرامة وثورة أيديولوجية دينية جهادية. إنها ثورة كرامة قادتها جماعات من الطبقة الوسطى السورية ضد التسلط والظلم والطغيان، وليست ثورة فقراء جياع ثاروا لأجل لقمة العيش، ولكن سرعان ما انضم غالبية فقراء سوريا للثورة بسبب كرههم للنظام السوري المستبد الظالم. وخلال أحداث وتطورات الثورة السورية أصبحت هذه الثورة تقوم على أساسين اثنين عوضاً من أساس واحد؛ فإلى جانب كونها ثورة كرامة أصبحت أيضاً ثورة دينية جهادية. والدافع الأول لإدخال هذا العنصر المستجد على الثورة السورية هو تمسك النظام بهويته العلوية وحصوله على الدعم المستمر من إيران وحزب الله لحماية نظامه المتهالك.
الأبعاد والتداعيات الإقليمية والدولية.

من قبل النظام السوري ضد شعبه فعلى الصعيد الإقليمي وقبل استخدام السلاح الكيماوي يمكننا ملاحظة أن تزايد عدد القتلى واللاجئين السوريين قد أدى إلى زيادة وتيرة وحدة رفض دول المنطقة لأعمال العنف والقمع التي يقوم بها النظام السوري، وتأتي في مقدمة هذه الدول تركيا والمملكة العربية السعودية وبعض دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى والأردن. وارتبطت مواقف هذه الدول بأسباب إنسانية أولاً، وأسباب سياسية ثانياً تمثلت في معارضتها لدموية النظام السوري واعتماده الكبير على إيران وحزب الله في قمع شعبه وتسهيله توسيع النفوذ الإيراني في جنوب لبنان والعراق، الذي أصبحت حكومته تتجه أكثر وأكثر نحو تبعيتها.

فإيران والعراق وحزب الله يدعمون النظام السوري من طرف، وتركيا ودول مجلس التعاون الخليجي والأردن تدعم المعارضة السورية من طرف آخر. ومن التأمل في الصفة المذهبية لكل طرف من هذه الأطراف تبرز مباشرة مشكلة الإنقسام السني – الشيعي في هذه المسألة، وانحياز الشيعة بصفة عامة لجانب نظام بشار الأسد، وانحياز السنة بالمقابل لصف المعارضة السورية. يضاف إلى ذلك انحياز العلويين في شمال لبنان وتركيا إلى جانب النظام السوري. فالمشهد بصفة عامة يؤكد أن الفتنة الطائفية قد بدأت تكشر عن أنيابها في المنطقة بعد تطورات أحداث الثورة السورية. وعلى الرغم من أن الفقه الشيعي القديم يتخذ موقفاً قوياً في رفضه للفكر الديني للفرقة العلوية، وهو موقف يصل أحياناً إلى حد تكفيرها، فإن التقارب السياسي بين سوريا وإيران قد منع بروز هذه المسألة بين المَلالي في إيران. إن الفتنة الطائفية السنية – الشيعية المتزايدة في المنطقة والمتأثرة بالظروف السورية، هي أمر قبيح فعلاً، وينبغي التعامل معه بحذر ومواجهته بجديةٍ كاملة، وذلك قبل توسع نطاقه إلى العالم الإسلامي بأكمله. ينبغي على السنة أن يكونوا قادرين على التمييز بين كرههم للنظام السوري وبين علاقتهم بالشيعة. وينبغي على الشيعة أن يكونوا أكثر حكمة في تقدير أهمية علاقتهم بالسنة.

ويتضمن البعد الإقليمي للحالة السورية أيضاً دور جامعة الدول العربية في معالجة هذه المشكلة، الذي تمثل في الوساطة أولاً ثم الإدانة لنظام بشار ثانياً، وصولاً إلى وقف عضوية سوريا في الجامعة العربية ثالثاً. بَيد أن أهم عنصر من عناصر البعد الإقليمي للحرب في سوريا يتعلق بالجماعات التي قدمت للقتال إلى جانب النظام السوري أو ضده؛ فهناك حزب الله الذي رمى بثقله العسكري الكامل لجانب النظام السوري، إضافة إلى بعض الجماعات الشيعية في العراق وغيرها، وهناك بالمقابل الجماعات الإسلامية الأخرى التي قدمت للقتال ضد النظام السوري وبعضها على صلة بالقاعدة مثل جبهة النصرة، ودولة الإسلام في العراق والشام.

إن الإدراك الكامل لدور وثقل هذه الجماعات الجهادية وتأثيرها الكبير لن يتضح إلا إذا عرفنا أن بعض التقارير الدولية تقدر عدد أفرادها بحوالي مئة ألف مقاتل، بما في ذلك أفراد الجماعات السورية التي ترفع شعار الجهاد في الثورة السورية، وفي مقدمتها جماعة الإخوان المسلمين السوريين. ولقد بدأت بعض مشكلات هذه الجماعات .

تظهر في عمليات الإقتتال بينها وبين قوات الجيش الحر، وكذلك بينها وبين الأكراد في شمال شرق سوريا وينبغي أن نأخذ في الإعتبار سلبيةً أخرى لهذه الجماعات، إذ أن حجمها وإيديولوجيتها الجهادية يزيدان من تردد الغرب في التدخل ضد النظام السوري وضد قوات حزب الله وطردها من سوريا. فلسان حال الكثير من السياسيين بالغرب في هذه المسألة قد يقول: “دعوا الأشرار يقاتلون الأشرار.

وهناك البعد الإقليمي المتعلق بإسرائيل في المسألة السورية. فإسرائيل دولة قوية في المنطقة مجاورة لسوريا ومناطق حزب الله في لبنان. والنظام السوري لم يتورط بأي صدام عسكري فعلي مع إسرائيل منذ حرب أكتوبر (تشرين أول) 1973، ولكنه بقي في كل هذه السنوات يرفع شعار “الصمود والمواجهة” مع إسرائيل. ولقد سَخِر الكثيرون من موقف النظام السوري هذا، واتهمه البعض بتأمين الحماية لإسرائيل من خلال إبقاء جبهة الجولان هادئة. ولكن النظام السوري حليف قوي لإيران وحزب الله، وهما أشد أعداء إسرائيل في المنطقة، وذلك من حيث المواقف والتصريحات الرسمية على الأقل. وأما الحكومة الإسرائيلية فلقد أعلنت من جانبها منذ بداية الثورة السورية أنها لن تتدخل في أحداث سوريا، وأن الخطر الحقيقي الذي يواجهها يأتي من إيران، ولهذا فإنها ستراقب الوجود العسكري الإيراني في سوريا ووجود قوات حزب الله فيها، وكذلك وجود الجماعات الجهادية بحذر شديد. فإسرائيل لم تعلن، من منظور أمنها القومي، بأنها تفضّل بقاء نظام بشار أو انتصار الثورة ضده.

هل هناك المزيد من المشاكل والتعقيدات في أيام الثورة السورية المقبلة؟ أم أن هناك نوراً في آخر النفق سيطل أخيراً على الشعب السوري المظلوم والمقتول؟

الموقف الإقليمية والدولية:
اتسم التعامل الدولي مع الأزمة السورية بالانقسام في مجلس الأمن. وهو انقسام عكس اختلاف مواقف دول العالم ما بين تلك التي تظهر تعاطفاً مع الثورة السورية، وداعمة لمطالب الشعب في الحرية والكرامة وبناء دولة مدنية ديمقراطية، ومواقف أخرى داعمة للنظام واستمرار بقائه في حكم السوريين وقمع حرياتهم وانتهاك حرماتهم ونهب ثرواتهم.
وفيما لم تقدم القوى الداعمة للثورة سوى دعم إعلامي وسياسي شابه التشرّط والتردد، إلى جانب دعم مادي محدود، فإن القوى الداعمة للنظام لم توفر مساعيها وجهودها في تغطية أفعال النظام من عنف مفرط وقتل يومي، وساندته ودعمته عسكرياً واقتصادياً وسياسياً.
بل وفرت له مظلة حماية سياسية دولية وإقليمية، إلى درجة منعت المجتمع الدولي من اتخاذ أي قرار يدين انتهاكات النظام وجرائمه، ومنعت كذلك اتخاذ أي عقوبات اقتصادية دولية، أو حتى التلويح بها، حيث استخدمت كل من روسيا والصين حق النقض (الفيتو) ثلاث مرات متتالية في مجلس الأمن الدولي، منعت بواسطتها صدور أي قرار أممي ضد النظام السوري.
“الواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف ”
والواقع هو أنه لم يشهد تاريخ العالم الحديث موقفاً دولياً موحداً حيال أي أزمة من الأزمات، بل كان الانقسام -على الدوام- هو سيد المواقف، فلم يتحقق إجماع دولي في أزمات البلقان أو رواندا أو الصومال أو العراق أو ليبيا وسواها. لكن المشكلة هو في إرادة القوى الفاعلة الداعمة للتغيير، وفي اختلاف أجنداتها وحساباتها ومصالحها.
وربما من حق أي مراقب أن يتساءل عن اختلاف المعيارية في المواقف من الأزمات الدولية، وخصوصاً في جانبها الأخلاقي والإنساني، وعن أسباب التردد في تطبيق مهام الأمم المتحدة وهيآتها -ومنها مجلس الأمن الدولي- في حفظ السلام العالمي والدفاع عن حقوق الإنسان، فالشعب السوري يتعرض أمام مرأى العالم وسمعه لجرائم ومجازر باتت يومية، في ظل صمت وتردد المجتمع الدولي، بل إن هناك دولاً وحكومات تبارك هذه المجازر وسائر أعمال القتل، وتقدم أعذاراً وتبريرات مختلفة وواهية.

القاسم المشترك بين القوى الدولية الفاعلة:

ولعل القاسم المشترك بين مواقف القوى الدولية الفاعلة في الملف السوري -سواء المؤيدة للثورة أم المدافعة عن النظام- هو تسليمها بأن الحل في سوريا هو حل سياسي -بوصفه الحل الوحيد- ترصف طريقه الديبلوماسية والحوار، لذلك توافقت على خطة المبعوث الدولي العربي المستقيل كوفي أنان، الذي اقترح خطة غائمة من ست نقاط، طالب فيها جميع الأطراف بالالتزام بها، ورحب بها المجتمع الدولي، ودعمها بقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2042، الذي قضى بوضع آلية مراقبة دولية للإشراف على تطبيق وقف إطلاق النار، من خلال إرسال بعثة مراقبين دوليين.
لكن البعثة -التي قضت في سوريا ثلاثة أشهر- لم تراقب سوى الانتهاكات والقصف بمختلف أنواع الأسلحة وأعداد الشهداء. وبالتالي، فشلت المهمة بسبب إمعان أركان النظام في الحل الأمني والحسم العسكري، وعدم توفر الدعم الدولي اللازم، الأمر الذي اضطر كوفي أنان إلى إعلان فشله واستقالته، واضطر الأمم المتحدة إلى إنهاء عمل بعثة المراقبين.
وبعد تعيين الأخضر الإبراهيمي ممثلا خاصا مشتركا -دوليا وعربيا- وليس مبعوثا، ظهر الانقسام أيضاً، بالرغم من الموافقة المبدئية الدولية الواسعة على تعيينه، إذ رحبت روسيا به لكنها اشترطت عليه، وقدمت شروطها في صيغةِ توقعِّها أن يسير على أساس خطة أنان، واتفاق جنيف الذي توصلت إليه مجموعة العمل حول سوريا، طبعاً حسب قراءتها للخطة وللاتفاق. أي أنها تريد إنهاء المهمة قبل بدئها.
وبدورها أبدت الولايات المتحدة الأميركية استعدادها لدعم الإبراهيمي، وطالبت بمزيد من الإيضاحات حول مهمته. وكعادته رحب النظام السوري بالإبراهيمي. وسبق له أن رحب بسلفه أنان وقبل نقاط خطته الستة، لكنه لم ينفذ منها شيئاً، بل عمل على الأرض في اتجاه يعاكس الخطة تماماً.
واللافت أن ترحيب النظام جاء في بيان صادر عن فاروق الشرع، المعزول على الأقل، والمتواري عن الأنظار على الأرجح. وكأن هناك من يصدق أن أي شخص في سوريا -حتى ولو كان يحمل صفة نائب رئيس الجمهورية- قادر على أن يصدر أي قرار أو بيان سياسي.
“بعثة أنان -التي قضت في سوريا ثلاثة أشهر- لم تراقب سوى الانتهاكات والقصف بمختلف أنواع الأسلحة وأعداد الشهداء. وبالتالي، فشلت المهمة بسبب إمعان أركان النظام في الحل الأمني والحسم العسكري.”

مفارقة المواقف القوى الفاعلة:

غير أن القاسم المشترك بين القوى الفاعلة في المجتمع الدولي لم يترافق مع موقف دولي موحد، بغية التوصل إلى الحل السياسي المنشود الذي تفضله غالبية السوريين، فراحت كل من موسكو وطهران تسوّقان أن الحل السياسي يعني بقاء النظام، مع بعض الإصلاحات الشكلية التي “يحددها السوريون” المعنيون بتحديد مصيرهم ومصير رئيسهم.
وتعني كلمة “السوريون” -في تصور ساستها- أولئك المؤيدين للنظام، مع بعض القوى المعارضة “الوطنية”، التي صنعها النظام أو هي قريبة منه، أو تلك التي ترضى بالحوار معه تحت سقفه ودون شروط مسبقة، وتؤيد بقاء قمة هرم السلطة في مكانها، وتحافظ على المصالح الروسية، وعلى دوام النفوذ الإيراني في سوريا.
أما القوى الأخرى الداعمة للتغيير في سوريا، فشهدت مواقفها تعرجات وانكسارات كثيرة، وفترات من صعود لهجة تصريحات مسؤوليها الإعلامية، وأخرى خافتة وباهتة، وسارت في خط متغير بتغير المعطيات على الأرض السورية.
ففي بداية الثورة، ارتفعت أصوات التنديد والشجب لممارسات النظام مع تأييد مطالب المحتجين، وبلغت سقفها بمطابة الرئيس الأسد بالرحيل، واعتباره فاقد الشرعية. ثم أقرّت الولايات المتحدة الأميركية ودول الاتحاد الأوروبي والجامعة العربية سلسلة من العقوبات الدبلوماسية والسياسية والاقتصادية، التي شملت رموز النظام وأزلامه وأركانه الأمنيين والعسكريين والماليين.
ولم تخف معظم الدول الغربية -ومعها تركيا ودول الخليج- دعمها الصريح لمطالب الشعب السوري في التغيير، بل تحدث معظم زعماء دولها وساستها عن ضرورة رحيل الأسد، وأن أيامه في الحكم باتت معدودة.
غير أن المفارق في الأمر هو أن سقف التصريحات السياسية انخفض بعد أشهر من الثورة، وراح يكرر نفس المقولات. واليوم -وبعد عام ونصف من الثورة- وسقوط أكثر من خمسة وعشرين ألف شهيد، ودمار قرى وبلدات وأحياء كثيرة، وقصف المدن الرئيسية وسواها بالطيران الحربي وبمدافع الدبابات، وتهجير أكثر من مليونيْ سوري عن أماكن سكناهم.
مع ذلك كله، لا يزال زعماء الغرب وساسته يرددون نفس الكلام، ويتحدثون عن ضرورة الحل السياسي وتفضيلهم له، الأمر الذي يكشف عجزاً كبيراً حيال الأزمة السورية، بل إن المخاتل في مواقفهم هو أنهم لم يكفوا عن التذرع بتعقيدات الوضع السوري، مثل عدم وجود البديل المناسب، واختلافات المعارضة وتشرذمها، وتعقيدات الوضع السوري، والخوف على حقوق الأقليات ومصيرها، وامتلاك النظام أسلحة كيميائية، وبروز تنظيمات متطرفة، وسوى ذلك. وكلها اشتراطات اتخذت ذريعة لترك الشعب السوري رهينة، يقتل منه النظام ما يشاء.
“تعني كلمة “السوريون” -في تصور حلفاء النظام- أولئك المؤيدين للنظام مع بعض القوى المعارضة “الوطنية”، التي صنعها النظام أو هي قريبة منه، أو تلك التي ترضى بالحوار معه تحت سقفه ودون شروط مسبقة.”

الانقسام الإقليمي:

مثلما انقسم المجتمع الدولي حيال الأزمة السورية، انقسمت كذلك مواقف القوى الإقليمية في منطقة الشرق الأوسط حيالها ما بين مواقف تركيا ودول الخليج، ومواقف إيران والفصيل الحاكم في العراق وحزب الله اللبناني.
والأزمة السورية هي ببساطة أزمة تعامل النظام مع الثورة الشعبية، وتفاعلاتها وامتداداتها الداخلية والخارجية.
ومن الطبيعي أن تفيض على دول جوار سوريا، فتركيا اعتبرتها أزمة ترتقي إلى مصاف قضية تركية داخلية، بالنظر إلى امتلاكها حدوداً على طول أكثر من 850 كيلومترا، ووجود الأكراد على المناطق الحدودية خاصة مع تمدد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في الشمال الشرقي من سوريا بمساندة النظام ودعمه، إضافة إلى عوامل التاريخ والجغرافيا والعلاقات الاقتصادية ودور تركيا الإقليمي الصاعد.
وعليه، فقد ارتفعت أصوات الساسة الأتراك ضد ممارسات النظام، واستقبلت قوى المعارضة السورية، وفتحت حدودها للاجئين السوريين، وراحت التصريحات السياسية التركية تحتد حيناً وتخفت أحياناً أخرى، بالنظر إلى مواقف الولايات المتحدة وحلف الناتو.

موقف أيران من الآزمه فى سوريا :
أما النظام الإيراني، فقد اعتبر الأزمة السورية منذ اليوم الأول لانطلاق شرارة الثورة مؤامرة خارجية، هدفها النيل من مواقف النظام المعادية للمشاريع الأميركية والصهيونية، ولم يخف ساسته وقوفهم القوي إلى جانبه بكل إمكاناتهم الدبلوماسية والسياسية واللوجستية، بل تبنوا وجهة نظره وطريقة تعامله مع الأوضاع الدامية والمتفاقمة في البلاد، واعتبروا الأرض السورية ساحة لمقارعة الغرب.
ويخفي ساسة إيران تخوفهم من السيناريوهات المحتملة لنهاية الأزمة السورية، ومن تأثيرها على مصالح نظامهم وتحالفاته، لذلك ينظرون في كل الخيارات للمحافظة على تأثيرهم ونفوذهم، ومنع تمكين الأتراك أو السعوديين من لعب دور محوري في سوريا والمنطقة، خاصة أن العقل السياسي الإيراني ليس بعيداً عن عالم الصفقات.
فالعقلية السياسية الإيرانية توصف بـ”عقلية البازار” القائمة على المساومة والمماطلة، والتي تضع المصالح فوق كل العلاقات والاعتبارات التي لا تتوقف عند حدود النظام السوري، وإنما تجاوزه إلى حزب الله في لبنان وإلى القوى الحليفة له في العراق، وما وراء ذلك.

ولعل السؤال الذي يطرح نفسه بخصوص تعامل المجتمع الدولي مع الأزمة السورية، يطال افتراق المواقف وعدم تناسبها مع حجم الانتهاكات لحقوق الإنسان في سوريا، وممكنات ومفاعيل تهديد الأمن الإقليمي والدولي.
ويبدو أنه بالرغم من اختلاف المواقف الدولية، فإن ما يجمعها من مشتركات تفضيل للحل السياسي لا يحذوها سعي لتحقيق هذا الحل، بل إن الأمر يبدو وكأن مختلف القوى الدولية -الدعمة للثورة والداعمة للنظام- لا تكترث في الحقيقة للثمن الذي يدفعه السوريون، بل تنحاز إلى ترك الوضع يتعفن ويتفكك ويهترئ، وبشكل يعم فيه الدمار والخراب سائر أنحاء سوريا. ولا شك في أن المستفيد الأكبر هو إسرائيل.
يتحدث الروس على الدوام عن ضرورة المحافظة على الاستقرار حتى ولو في ظل الأنظمة القمعية، ونظامهم السياسي ليس بعيداً عن ممارسات تلك الأنظمة”
وهناك من يربط بين قوة اللوبي الإسرائيلي في كل من روسيا الاتحادية والولايات المتحدة الأميركية، ومواقفهما من الأزمة السورية.
غير أن المخرج السياسي للمواقف الدولية هو استنادها إلى مقولة مهترئة، تفضل الاستقرار واستتباب الأوضاع على الديمقراطية وحريات الناس، لذلك يتحدث الروس على الدوام عن ضرورة المحافظة على الاستقرار حتى ولو في ظل الأنظمة القمعية، ونظامهم السياسي ليس بعيداً عن ممارسات تلك الأنظمة.
وفي المقابل، لا يخفي بعض المنظرين السياسيين -ومعهم بعض الساسة الغربيين- تخوفهم من تأثير الثورات العربية على الاستقرار والأمن الإقليمي والدولي. ويتناسى هؤلاء جميعاً أن النظام السوري كان على الدوام عنصر زعزعة لاستقرار دول جواره، وعاش طويلاً على الأزمة اللبنانية، ثم على الأزمة العراقية.
وكان يدعم إبان حكم الأسد الأب حزب العمال الكردستاني ضد تركيا قبل أن يبرم صفقة مع الأتراك، ويضحي بالورقة الكردية وبزعيم حزب العمال الكردستاني نفسه الذي يقف مع النظام في أيامنا هذه، في مفارقة لافتة.
وبصرف النظر عن أهمية المواقف الدولية، فإن العامل الحاسم والمحدد لاتجاهات حلّ الأزمة السورية هو الثورة الشعبية السورية التي باتت قواها الفاعلة تتحكم في تطور الأحداث بشكل كبير، وأضحت سرعة الخلاص من نير الاستبداد والقتل مرهونة بتلاحم وتكاتف جهود مختلف قواها .

الجانب الآخر الموقف الدولى والمصا لح الآقتصاديه :
لماذا هذا القدر من الاهتمام والاصطفاف الاقليمي والدولي في الازمة السورية, هل هذا الاهتمام نظراً لموقع سورية والهلال الخصيب الجيواستراتيجي كنقطة التقاء ثلاث قارات وعقدة طرق برية وبحرية وجوية تربط العالم، ؟
ام لان الدور الذي تلعبه سورية بهذا الموقع الاستراتيجي بات الحاجز الذي يفصل تركيا عن العالم العربي, ويقف عقدة كأداء بوجه ما يُسمى الربيع الاسلامي الاخواني وكيل المصالح الاميركية في العالم العربي, والذي تخوض اميركا عبره حربها على المجتمعات العربية وحرب المجتمعات العربية على نفسها, والذي بدلاً من العداء لإسرائيل بالعداء للشيعة انصياعاً للاوامر الاميركية بتمويل وتوجيه وكلائها في الخليج وتركية، ام لان سورية باتت خط الدفاع الاول عن الامن السياسي والاقتصادي الروسي والصيني والايراني, خاصة بعد ان اعتمدت سورية استراتيجية البحار الاربعة وطريق الحرير التي تلاقت مع استراتيجية الصين لكسر الطوق الاميركي عليها في مضيق ملقا, وبعد اكتشافات الغاز المؤكدة في سورية ولبنان ومياههما الاقليمية والتي أسالت لعاب المتصارعين على امتلاك الطاقة للتحكم بالقرن الحالي, ام لان سورية عقدة مواصلات الغاز وعليها يتوقف مصير غاز (نابوكو) وتركية واميركة وقطر لتحرير اوروبا من قبضة غاز (بروم) الروسية ومنافستها على امتلاك هذا السوق الكبير؟… لكل هذا, ولان سورية لم ترضخ لمشيئة اميركة والغرب, بل عملت مع ايران على تقويض السياسة الاميركية والاطلسية والاسرائيلية وافشلتها عبر دعم المقاومات في لبنان والعراق وفلسطين، استهدفت سورية بهذه الحرب الكونية التي تخاض على أرضها لإسقاطها وتفتيتها والمنطقة الى دويلات عرقية طائفية عبر تقسيم المقسم (سايكس بيكو) وبقية العالم العربي الى دويلات طائفية على اساس المذهب والعرق والطاقة لا على اساس سياسي، كما وصفها الكاتب الكبير محمد حسنين هيكل, وذلك لإكمال فرض هيمنة اميركا على المنطقة وإقامة الشرق الاوسط الجديد.

ولأن العالم يمر في لحظة تاريخية فاصلة بين نظامين, نظام عالمي جائر أحادي الاستقطاب (سقط الى غير رجعة) قادته اميركا والحلف الاطلسي بعد انهيار الانحاد السوفياتي السابق للسيطرة على الكون, أورث العالم كوارث وحروباً ودماراً هائلاً وازمة اقتصادية مالية بالغة الدقة أوصلت أميركا إلى حجم دين عام مقداره 16.330 تريليون دولار، أي بنسبة 109.6% من ناتجها الإجمالي وافلست العالم الرأسمالي ولا تزال تداعياتها ماثلة من دون حل، ونظام عالمي جديد قيد التشكل تقوده روسيا والصين ومن خلفهما منظمة شنغهاي للتعاون ودول مجموعة البريكس التي تمثل نصف سكان العالم, مدفوعة بقوة اقتصادية واحتياط نقدي هائل وبمعدل وسطي للنمو تجاوز الـ8%. وقد اتخذ هذا المحور الازمة السورية منصة لإسقاط نظام الاحادية القطبية وفرض حضوره وإيقاعه السياسي بقوة على المسرح السياسي العالمي عبر ثلاثة فيتوات مزدوجة في مجلس الامن حماية لسورية من التدخل الخارجي ودفاعاً عن مصالحه في المنطقة.

ولأن ثمة انتقالاً لمركز الثقل الاقتصادي والسياسي من الغرب الى الشرق وتحديداً الى جنوب آسيا, وما سيترتب عن هذا الانتقال من تبعات اقتصادية وسياسية وعسكرية، ولان موقع سورية الجيواستراتيجي كبوابة آسيا الى اوروبا, وهي واحدة من أهم مناطق التداخل بين القوى البرية والبحرية، والقوى الجوية في العالم بل تشكل جزءاًً حساساًً للغاية من منطقة مصير العالم التي طرحها المارشال الكسندر دوسيفرسكي عن القوى الجوية عندما قال: «إن المنطقة العربية هي المعبر الذي يربط قارتي آسيا وأفريقيا وأوروبا، وهي مفتاح الدفاع الجوي عن قارتي أفريقيا وأوروبا.

لهذا تداخلت كل الملفات المحلية والعربية والإقليمية والدولية في سورية وبات الحل معقداً ومركباً. وإن أي تفسير مبني على أن ما يجري الآن من أحداث في بلاد الشام بأنه نتيجة ثورة أو بسبب القمع الديناميكي الداخلي الموجود في سورية, ليس فقط تفسيراً خاطئاً بل هو تحريف حقيقي لما يجري على الأرض ويحمل في طياته مغالطات وتجاذبات سياسية متشعبة. الأزمة السورية هي أول وأهم واخطر أزمة من نوعها في العصر الحديث وتشكل مرحلة متقدمة في مشروع “الشرق الأوسط الجديد” لرسم خرائط جديدة للمنطقة على أساس اثني مذهبي تفتيتي لإشعال الفتنة السنية الشيعية والسيطرة على منابع ومسارات الغاز، وقد تؤدي ايضاً إلى نشوب أول حرب غاز في العالم التي على نتائجها يتقرر من سيتحكم بمصير هذا القرن. وتسير باتجاه القضاء على محور المقاومة عبر إسقاط (واسطة العقد سورية) بما تمثل كحاضنة وداعمة وكعمق استراتيجي للمقاومة. في الواقع الشيء المهدد بالخطر في سورية ليس كيف سيستطيع الرئيس بشار الأسد إحلال مبادئ الديمقراطية وتداول السلطة في المؤسسات التي ورثها أو هل سينجح أمراء الوهابية في الخليج ومن خلفهم اميركا والغرب في القضاء على آخر حكومة علمانية في المنطقة ونشر الاسلام الوهابي, بل الخطر يكمن في تحديد الخطوط الفاصلة والمصالح بين ]منظمة شنغهاي للتعاون SCO [ بقيادة الصين وروسيا من جهة, واميركا والحكومات الجديدة التي شكلتها مع حلف الناتو في المنطقة العربية بعد ركوبهما حصان الاخوان المسلمين من جهة اخرى.

ولكي نفهم ماذا يجري في سورية والى اين مآل هذه الازمة, علينا ان ندرس التداخل الدولي والاقليمي والعربي فيها وعليها, فالمنطقة يتجاذبها صراع عالمي على الطاقة منذ بداية القرن الماضي والقوى الكبرى المتنافسة على الموارد لا تهتم لحريات الشعوب ولا للديمقراطية وتداول السلطة بل تستغل هذه الشعارات لنهب خيرات الامم وتقسيمها والسيطرة عليها. وسورية اصبحت ساحة صراع عالمي، كما وصفها بان كي مون الامين العام للامم المتحدة والذي اعترف فيه ان الاحداث في سورية هي معركة بالنيابة بعد تداخل أخطر ملفات عالمية بها وحولها.

وهذه الملفات هي كالتالي:

  • الاول: ملف الطاقة العالمي (الغاز) مصادره وطرق إمداده.
  • الثاني: معركة التحدي بين روسيا واميركة على الغاز والقواعد العسكرية, والصراع على القرن الجديد وملف النزاع على المناطق الاستراتيجية العالمية كوسط آسيا والبحار الاربعة والمضائق والبحر الابيض المتوسط والدول المطلة عليه.
  • الثالث: معركة التحدي الصيني – الاميركي على الاقتصاد والطاقة وطريق الحرير والنظام العالمي الجديد والمحيط الهادي.
  • الرابع: الملف النووي الايراني ودور ايران الاقليمي وامن الخليج ومسارات الطاقة.
  • الخامس: التدافع بين ايران وحلفائها والسعودية وقطر وحلفائهما على دور ومستقبل المنطقة.
  • السادس: ملف الصراع التركي – السوري (حزب العمال الكردستاني) و”الأحلام” العثمانية المتجددة.
  • السابع: ملف الصراع بين سورية وحزب الله من جهة وإسرائيل من جهة اخرى.

الثامن: الربيع الاسلامي العربي الاميركي والنزاع الطائفي في العالم العربي والاسلامي وتحدياته وملف القاعدة والجماعات المتطرفة .

هذه الملفات المفصلية والمعقدة والمستعصية اصبحت كلها لاعبة وحاضرة ومطروحة على نسب مختلفة في كل ابعاد الازمة السورية وتداعياتها بطريقة لم يشهد لها مثيل في العالم منذ انتهاء الحرب الباردة بين القطبيين العالميين الاتحاد السوفياتي والولايات المتحدة الاميركية حتى الآن. والتي على حلها يتوقف مصير سورية والمنطقة ورسم خرائطها الجغرافية, ومصير القرن الـ 21.
سنحاول في هذا المقال الإضاءة على ملف الطاقة العالمي (الغاز) مصادره وطرق إمداده ودوره في الحرب الكونية التي تدور في سورية عليها.

وكذلك زاد الطلب على الغاز لأن استراتيجية خطة تنمية الطاقة في الصين للأعوام 2011 – 2015، تعكس تحولاً في السياسة يهدف إلى إعطاء دور أكبر للغاز الطبيعي في مزيج الطاقة في الصين. والخطة الصينية الخمسية الـ 12 لتطوير قطاع صناعة الطاقة تركز على التنظيم الهيكلي لقطاع الطاقة، تحسين كفاءة استخدام الطاقة, وخفض الانبعاثات وبذل مزيد من الجهد في تطوير الطاقات النظيفة، وهذا ينطوي على زيادة نسبة الغاز في مزيج الطاقة إلى 8.3 في المائة بحلول العام 2015 مقارنة بـ 5.3 في المئة في الخطة السابقة. في هذا الجانب تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يصل استهلاك الصين من الغاز إلى 247 مليار متر مكعب بحلول عام 2015 وإلى 634 مليار متر مكعب في العام 2035 من 85 مليار متر مكعب في العام 2008.
وستستمر الصين في استيراد أكثر من نصف احتياجاتها من الغاز الطبيعي بحلول العام 2035، على الرغم من أنها من المتوقع أن تصبح واحدة من أكبر منتجي الغاز في العالم.

وفي هذا الجانب يشير تقرير وكالة الطاقة الدولية إلى أن تجارة الغاز في العالم ستنمو أكثر من الضعف، وإن الزيادة في الطلب على الغاز بمقدار 620 مليار متر مكعب سيتم تزويدها بصورة متساوية تقريبا عبر خطوط أنابيب الغاز وعن طريق شحنات الغاز الطبيعي المسال. وإن الإنتاج السنوي العالمي من الغاز الطبيعي من المتوقع أن يزداد بمعدل 1.8 تريليون متر مكعب بحلول العام 2035، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف الإنتاج الحالي من الغاز الروسي.

ولأن النفط اصبحت مادة مستنفدة، حيث تشير توقعات وكالة الطاقة الدولية الى أنها ستبدأ بالنضوب العام 2040 وستنتهي العام 2065 . ولان احتياطات الغاز الحالية تكفي لـ120 عاما في مستوى الاستهلاك الحالي, اما جميع الاحتياطات القابلة للانتاج قد تزيد على 250 سنة وهذا وفق الوكالة نفسها. ولان اوروبا تعتمد على الغاز الروسي كمصدر اساسي للطاقة بغياب اي مصدر بديل منافس, ولان الترتيب العالمي للغاز كان يتأرجح بين روسيا وتركمانستان واذربيجيان وجورجيا وإيران وقطر، وباتت الدراسات تتحدث عن ترتيب جديد يقرّه واقع المخزون الاستراتيجي الجديد حيث أولاً روسيا: (في حوض غرب سيبيريا باحتياطي يُقدّر بـ643 تريليون قدم مكعب) وثانياً الربع الخالي (426 تريليون قدم مكعب) + حقل غوار الكبير شمال شرق السعودية (227 تريليون قدم مكعب)، وثالثاًً غاز البحر الأبيض المتوسط 345 تريليون + 5.9 مليار برميل من الغازات السائلة + 1.7 مليار برميل من النفط، وجلّ ذلك في سورية، حيث تتحدّث دراسات أخرى عن أن ما يُرى في البحر المتوسط مركزه في سورية وأن اكتشاف حقل “قارة” قرب حمص بما يحقق 400 ألف متر مكعب يومياً وبمخزون يقدر بـ(437 م م مً) قد حسم أمر واقع ثراء سورية بالطاقة وصولاً إلى إعطائها المرتبة الأولى، ورابعاً حزام حقول الغاز على امتداد الخليج العربي (حزام زاغراوس) من إيران إلى العراق (212 تريليون قدم مكعب.

ولان انتقال الغاز إلى البحر المتوسط يستوجب المرور عبر سورية كما أن اختيار إيران طريق العراق ثم سورية فالبحر المتوسط لنقل الغاز وفق الاتفاقية التي عقدتها مع الرئيس الاسد العام 2011 بتكلفة 10 مليارات دولار ويبدأ ضخ الغاز بعد ثلاث سنوات, قد أطاح مشروع الأميركيين (غاز نابوكو العابر للأناضول وهو ممر مخصص لنقل الغاز الطبيعي من أذربيجان عبر جورجيا وتركيا وصولاً إلى أوروبة مجانباًً روسيا), وأطاح ايضا ربط مشروع الغاز العربي الذي ينقل الغاز القطري والمصري والإسرائيلي من الاردن عبر سورية الى تركية لوصله بانبوب نابوكو. وثبت مشروعي السيل الشمالي والجنوبي الروسيين مع ما يضاف لهما من استثمارات في شرقي المتوسط كأولوية على حساب الأميركيين والغرب في تنافس على قسمة دولية سيتعين على اساسها من يتحكم بالقرن الـ21 سياسيا واستراتيجيا، حيث ينحسر الاستثمار الأميركي في اسرائيل وقبرص وهم يلهثون وراء الغاز والنفط اللبنانيين بعد ضياع فرصة الغاز السوري.

ولان الغاز فعلياً مادة الطاقة الرئيسة في القرن الواحد والعشرين سواء من حيث البديل الطاقي لتراجع احتياطي النفط عالمياًً أو من حيث الطاقة النظيفة. ولهذا، فإن السيطرة على مناطق الاحتياطي (الغازي) في العالم يعتبر بالنسبة للقوى القديمة والحديثة أساس الصراع الدولي في تجلياته الإقليمية.

فالنفط والغاز العربي حلم أميركي قديم ـ جديد. واميركا مسيطرة كلياً على نفط الخليج عبر قواعدها العسكرية واساطيلها المتواجدة في المنطقة, وحروب العراق وأفغانستان وليبيا وسورية تندرج تحت عنوان تحقيق هذا “الحلم”.

وللتأكد من ذلك وبعد التفتيش في ملفات المسؤولين الأميركيين ندرك الأسباب الكامنة وراء الحروب الطويلة التي خاضتها واشنطن على امتداد العقدين الماضيين. وفي عودة سريعة إلى تصريحات من كانوا في سدة القرار الاميركي إبان الحروب، نرى ان سببين يتكرران دائماً في اسباب كل حرب، سراًً وعلناًً وهما: (النفط والغاز الطبيعي.

الحرب الأميركية على العراق كان سببها النفط. كلام آلان غريسبان وجون ماكين وجورج بوش وسارة بالين ومسؤولي مجلس الأمن القومي وغيرهم يثبت ذلك. ديك تشيني، نائب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، اعتبر حقول النفط العراقية أولوية في مجال الأمن القومي الأميركي حتى قبل أحداث 11 أيلول. وتؤكد «صنداي هيرالد» نقلاًً عن مسؤولين أن واشنطن كانت تحشد قبل خمسة أشهر من 11 أيلول لاستخدام القوة ضدّ العراق بغاية تأمين حقول النفط.

وتؤكد «بي بي سي» نقلاً عن مسؤول باكستاني رفيع المستوى كشف أن مسؤولين أميركيين أكدوا له في منتصف تموز العام 2001 أن الحملة على أفغانستان ستبدأ في منتصف تشرين الأول من العام ذاته. وهو واقع أثبتته قناة «أن بي سي» الأميركية نقلاًً عن مسؤولين أميركيين أكدوا أن بوش كان يخطط للمصادقة على خطط مفصلة لخوض حرب عالمية ضدّ «القاعدة» قبل يومين من اعتداء 11 أيلول. ووفقاً لمسؤولي استخبارات فرنسيين، كانت أميركا تستعد للسيطرة على خط إمداد يمر عبر أفغانستان لنقل النفط من آسيا الوسطى بشكل أسهل وأقل تكلفة. ويلفت هؤلاء إلى أن الأميركيين قالوا لـ«طالبان» آنذاك «يمكنكم إما الحصول على بساط من الذهب أو بساط من القنابل»، الخيار الأول إذا سمحوا للأميركيين بحرية التصرف مع خط الإمداد والثاني في حال العكس. وتثبت هذه الحقيقة وثائق نشرها كتاب، طبع في فرنسا العام 2002، يفضح خفايا المفاوضات السرية بين واشنطن وطالبان.

وصل الأميركيون والاطلسي إلى ليبيا لأجل النفط أيضاً. ويقول عضو الكونغرس الاميركي إد ماركي في حديث إلى قناة «أن بي سي» الأميركية «حسناً، نحن في ليبيا لأجل النفط. وأعتقد أن هذا الاعتماد على واردات النفط عوامل سلطت الضوء على حاجة الولايات المتحدة إلى اعتماد أجندة جديدة للطاقة». بدوره، وافق السيناتور ليندسي غراهام على أن وجود الأميركيين في ليبيا مهم، حيث هناك مال كثير لصناعة مستقبل ليبيا، كما هناك الكثير من النفط للإنتاج.

ولكن المعركة ليست متعلقة بالنفط فحسب، بل بالغاز الطبيعي كذلك. وبالقدر ذاته. وكما قال «مهندس الحرب» جون بولتون العام الماضي عن منطقتنا إنها «منطقة إنتاج النفط والغاز الطبيعي، المهمة والحساسة، التي حاربنا فيها لأجل حماية مصالحنا من التأثير السيئ للعدو الذي يجعلنا إما نخسر إمداد النفط والغاز الطبيعي أو نحصل عليه بأسعار باهظة التكلفة.

وفي تقرير مطوّل نشرته مدونة «واشنطن بلوغ» المعروفة، مرفقاً بالوثائق والمستندات والخرائط، ربطاً بالأزمة السورية. وبعد استعادة تفصيلية لحروب سابقة ارتبطت بالنفط والغاز الطبيعي، وصل التقرير إلى سورية ليؤكد أن ما يجري فيها مرتبط بصراع دولي مرتبط بدوره بموقع سورية الحيوي بمشروع خط الغاز العربي الممتد على 1200 كلم. يُذكر أن خط الغاز العربي هو خط لتصدير الغاز المصري لدول المشرق العربي ومنها إلى أوروبا. وتتضمن الخطة إنشاء خط من مدينة العريش في شمال سيناء إلى العقبة في جنوب الأردن والجزء الثاني من المشروع يصل بين العقبة والرحاب في الأردن، والتي تبعد 24 كلم عن الحدود السورية. أما الجزء الثالث للخط فطوله 324 كلم من الأردن إلى دير علي في سورية، ومن هناك سيمتد ليصل إلى قرية رايان الى تركيا. وفي العام 2006 تم الاتفاق بين مصر وسورية والأردن ولبنان وتركيا ورومانيا على توصيل خط الغاز إلى الحدود السورية – التركية ومن هناك سيتم وصله بخط غاز نابوكو ليوصل بالقارة الأوروبية. وكانت سلطات مصر والأردن ولبنان وسورية قد اتفقت في العام 2004 مع العراق على توصيل خط الغاز العربي مع العراق لتصدير الغاز العراقي لأوروبا أيضاًً.
ما سبق يوضح أن تغيير النظام السوري كان مخططاًً له، كما الحال مع العراق وليبيا ولبنان والصومال والسودان وإيران، منذ 20 سنة مضت. وبالطبع إن الدور المركزي لسورية في خط الغاز الايراني عبر العراق اليها, وخط الغاز العربي يفسر لماذا أصبحت اليوم مستهدفة. وكما تمّ وضع «طالبان» على لائحة الاستهداف الأميركي بعدما طلبت الكثير مقابل خط إمداد «يونوكال»، هكذا يتم استهداف الأسد لأنه «لاعب غير جدير بالثقة» بنظرهم. وما يعزز هذا الاستهداف هو أن تركيا وإسرائيل وأميركا وقطر يريدون تدفقاً آمناً للغاز الطبيعي عبر سورية، ولا يريدون نظاماً سورياً لا يدين بالولاء الكامل لهم مهدداً بقطع الطريق على الإمدادات أو بطلب مقابل باهظ التكلفة.
اخيرا يبدو ان الحرب الكارثية في سورية مقبلة على مفترق خطير بعد تعذر الحسم ضد القوى التكفيرية, وقد تفجر المنطقة برمتها ان لم تحسم بتسوية تحفظ وحدتها وتأخذ بمصالح القوى اللاعبة على الساحة السورية وتحديدا ملف الغاز ومساراته لانه مسألة حياة او موت بالنسبة لروسيا والصين وايران, والتسوية معقدة وصعبة رغم ما يحكى عن توافق اميركي روسي على الحل. اميركا واتباعها حولت سورية الى مطمر لتنظيم القاعدة عبر تجميعهم للقتال فيها بواسطة تركيا ودول الخليج, مستهدفة تدميرها وتفتيتها فإن سحقه النظام تكون اميركا تخلصت منها وانهكت النظام ودمرته. وان انتصرت القوى التكفيرية وهذا مستحيل تكون اميركا قد تخلصت من نظام ممانع يعطل مشاريعها في المنطقة. ما اشبه ما يجري الآن في سورية بما جرى بداية القرن الماضي ابان الحرب العالمية الاولى يوم استغلت قوى الاستعمار ممثلة ببريطانيا وفرنسا في ذلك الوقت سياسة التتريك التى اتبعها حزب الاتحاد والترقي الذي كان يحكم الامبراطورية العثمانية, وما جلبه من مظالم وقتل وتجويع على شعوب المنطقة, لتبرير تدخلها لتحقيق مطالب الشعوب المظلومة فقسمت المنطقة عبر اتفاقية سايكس بيكو العام 1916, وزرعت اسرائيل في المنطقة عبر وعد بلفور العام 1917 خدمة لمصالحها لتفتيتها وللسيطرة على ثروات المنطقة من النفط، متناسية ومسقطة مطالب الشعوب بالحرية والاستقلال. ويبدو ان معاهدة سايكس بيكو قد استنفدت اهدافها والصراع على الغاز (منابعه ومساراته) يستدعي سايكس بيكو جديدة لتقسيم المقسم الى دويلات اثنية عرقية تخدم توزيع منابع الغاز ومساراته بين القوى العظمى الجديدة فلا يمكن فهم المشاريع السياسية التى تحاك على سورية والمنطقة دون الاحاطة بخلفياته التاريخية والسايكس بيكوية. ولا يمكن للتحليل السياسي الا ان يربط بين تأجيج النزاعات الطائفية في سورية وجوارها والحرب الدولية الاقليمية المحتدمة على اراضيها واكتشافات الغاز في سورية وشرق المتوسط مع المصالح الدولية للسيطرة مجدداً على ثروة الغاز.
مشكلة شعوبنا انها تنسى او تتناسى استغلال الغرب الاستعماري وتأجيجه للحروب للطائفية والمذهبية في المنطقة منذ العام 1840 حتى الآن لتبرير تدخله فيها لنهب خيراتها. ففي تاريخ امتنا الكثير من العبر من تجاربنا الكارثية مع الاستعمار، ولكن للأسف المعتبرون قلائل.

الموقف التراكى :
بدأ مجلس الشعب التركي قبل أيام مناقشة مشروع قانون “إنهاء الإرهاب وتمتين الوحدة المجتمعية” كخطوة في سلسلة الإجراءات الرامية إلى حل القضية الكردية بالطرق السياسية السلمية..وتزداد أهمية هذا القانون إذا ما نظرنا إليه من زاويتي المضمون والتوقيت، خاصة مع بدء حملة الانتخابات الرئاسية التركية وتطورات الوضع في العراق.

مواطنون من الدرجة الثانية:

لقد عانى الأكراد في تركيا من انتقاص حقوقهم كمواطنين أصلاء في الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1924، ذلك أن أتاتورك وضع لها ستة مبادئ عامة تحكم نشأتها ومسيرتها، تأتي في المقدمة منها القومية التركية، ملغيا كل الإثنيات الأخرى غير التركية من أكراد وعرب وبوشناق وشركس وغيرهم، إذ اعتبر ذلك التنوع ضعفا وعنوان تشتت لا تملك تركيا الناشئة حديثا رفاهية تحمل تبعاته.
“عانى الأكراد في تركيا من انتقاص حقوقهم كمواطنين أصلاء في الجمهورية التركية منذ تأسيسها عام 1924، ذلك أن أتاتورك وضع لها ستة مبادئ تحكم نشأتها ومسيرتها، تأتي في المقدمة منها القومية التركية، ملغيا كل الإثنيات الأخرى غير التركية”
وبذلك اعتبر كل مواطن في الجمهورية التركية “تركيا”، وإن كان ينتمي فعلا إلى عرق آخر، وكان في مقدمة هؤلاء الأكراد الذين يقدر عددهم اليوم بحوالي 14 مليونا (لا أرقام رسمية بهذا الخصوص) من بين 76 مليونا هم تعداد الشعب التركي.

تبع هذا التصنيف الكثير من الإجحاف بحق الأكراد على مدى عشرات السنين، على رأسه حظر لغتهم تحدثا وتدريسا، وعدم الاعتراف بحقوقهم الثقافية، إضافة إلى ما لحق منطقة جنوب شرق تركيا -ذات الأغلبية الكردية- من إهمال اقتصادي وتنموي، خاصة بعد نشوب الصراع المسلح مع حزب العمال الكردستاني منذ سبعينيات القرن الماضي.
وقد تبدلت الأوضاع قليلا -وإن بطيئا- مع وصول حزب العدالة والتنمية للحكم، فقد استثمرت الحكومات المتعاقبة الاستقرار السياسي والانتعاش الاقتصادي الذي عاشته تركيا، والحاضنة الشعبية التي تأمنت بفعلهما، إضافة إلى التمترس بمعايير الاتحاد الأوروبي للانضمام إليه، لتقوم بإصلاحات على مراحل متباعدة، بحيث تبني كل منها على سابقتها، فكانت أولاها عام 2003 حين سمحت الحكومة بتنظيم دورات لتعليم لغات غير التركية، لحقها افتتاح أقسام لتعليم تلك اللغات في الجامعات التركية، إضافة إلى حقوق التأليف والنشر باللغة الكردية، ثم افتتحت الدولة نفسها قناة تلفزيونية رسمية ناطقة بالكردية، وفي عام 2012 تم السماح بتعليمها كمادة غير إلزامية في المدارس.

أما الحلقة الأخيرة من هذه الإصلاحات فكانت في “حزمة الإصلاحات الديمقراطية” التي أعلنها أردوغان في سبتمبر/أيلول عام 2013، والتي تضمنت السماح بفتح مدارس ومعاهد خاصة تدرس بلغات غير التركية (الكردية خاصة)، والدعاية السياسية بلغات ولهجات أخرى، وتغيير أسماء بعض القرى لتعود لأسمائها القديمة، وزيادة عقوبات العنصرية والتمييز على أساس اللغة والعرق والقومية، وصولا إلى تغيير “القسَم الطلابي” الذي كان يتلى صباحا في كل المدارس التركية لأنه يشير إلى الطالب “التركي” حصرا كقومية.

كما تبنى العدالة والتنمية سياسة تنمية المناطق الكردية عبر سلسلة من المشاريع الاقتصادية والتنموية، من طرق ومستشفيات ومطارات وجامعات ومرافق سياحية، نهضت بالمنطقة المهملة منذ عشرات السنين، وأظهرت اهتمام الحكومة ورئيسها بالمنطقة، الأمر الذي أمّن له استقبالا حاشدا ومهيبا لدى زيارته مدينة دياربكر -أكبر المدن الكردية- حين زارها قبل ثمانية أشهر.

عملية السلام:

رأت تركيا أن كل هذه الخطوات ستكون ريشة في مهب الريح إن لم يتم تأمين الهدوء والأمن في المناطق الكردية، بما يبعد شبح النزاع المسلح ويساعد الأكراد على الاندماج في المجتمع كطيف أصيل ورئيس، لا سيما أن تركيا دفعت ثمن هذا النزاع ثلاثين ألفا من أبنائها، إضافة إلى خسائر اقتصادية بمئات المليارات من الدولارات (ثلاثمائة مليار دولار وفق إحدى الدراسات)، فضلا عن إعاقة التنمية والاستقرار السياسي، وليس انتهاء بهشاشة الجبهة الداخلية وفتح الباب للتدخلات الخارجية.

في 21 مارس/آذار 2013 -وفي احتفالات النوروز التقليدية لدى الأكراد- تليت رسالة وجهها عبد الله أوجلان زعيم الحزب المعتقل لدى السلطات التركية يأمر فيها أتباعه بإلقاء أسلحتهم ومغادرة الأراضي التركية، تبين على إثرها أن بنود الاتفاق غير المعلن بين الطرفين تتضمن مغادرة أعضاء الحزب المسلحين تركيا نحو العراق (جبال قنديل) على دفعات، وإدماج من لم يشتركوا في عمليات تفجير وقتل في المجتمع التركي، في مقابل إصلاحات دستورية وقانونية تلحظ حقوق الأكراد المضاعة. وقد اجتازت فعلا مجموعات من الحزب الحدود، بينما عادت مجموعات أخرى إلى قراها، وساد هدوء نسبي المنطقة منذ ذلك الحين ..
تركيا وتغيرات الإقليم:

بيد أن هذا الملف ليس تركيا محضا، فالأكراد الذين يتوزعون منذ نهاية الحرب العالمية الأولى على أربع دول هي: إيران والعراق وسوريا إضافة إلى تركيا، ظلت تراودهم فكرة الدولة القومية لتجمع شتات شعبهم، دون أن يجدوا الفرصة المواتية لذلك.
“بدأت نظرة تركيا تتغير نحو إقليم شمال العراق كمنطقة سياسية مستقرة نسبيا وسط سيولة الأوضاع السياسية في باقي المناطق العراقية، وهو ما يفيد الجار التركي في نقطتين: عقود النفط وتأمين الحدود. ”
لقد بنت تركيا سياستها الخارجية على نظرية تصفير المشاكل التي صاغها وزير خارجيتها أحمد داود أوغلو، وآتت تلك السياسة أكلها لسنوات طويلة، دخلت تركيا خلالها العالم العربي من عدة أبواب في مقدمتها سوريا، وطورت علاقاتها مع جميع الأطراف في الإقليم، دون التنازل عن خطوطها الحمراء، وعلى رأسها رفض قيام دولة قومية للأكراد في المنطقة، لما يشكله ذلك من خطر على أمنها القومي .

غير أن كرة الثلج المتدحرجة في المنطقة اضطرت تركيا لتغيير كبير في سياساتها الخارجية، تحديدا في ما خص الملف الكردي. فقد استقبلت تركيا رسميا رئيس حزب الاتحاد الديمقراطي الذي يسعى إلى حكم ذاتي لأكراد سوريا، كما رافق رئيس إقليم شمال العراق مسعود البارزاني أردوغان في زيارته المهمة إلى دياربكر أكبر المدن الكردية، وباتت كلمة “كردستان” المحظورة في تركيا تتردد على ألسنة العديد من السياسيين.
لكن المفاجأة الكبيرة أتت مع تفجر الأوضاع في العراق، وخطف طاقم القنصلية التركية في الموصل على يد تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، والإعلان عن عزم إقليم شمال العراق الاستقلال وضم كركوك، وموقف أنقرة شبه الصامت إزاء كل هذه التطورات. ويمكننا رصد عدة أسباب جوهرية لهذا التغير الدراماتيكي في الموقف التركي، منها:

براغماتية السياسة التركية التي تعلمت من دروس الموقف في سوريا، ولا تريد أن تورط نفسها في مواقف متشددة أو عالية السقف في ظل وضع متفجر ومتدحرج نحو المجهول

كما أن انقرة لا تريد أن تغضب “داعش” الذي يحتفظ بطاقم القنصلية التركية بين يديه كورقة ضغط، وتخشى أن يكون مصيرهم القتل نتيجة أي موقف عدائي.

تغيير الوضع القائم، يبدو أن تركيا تفكر مؤخرا بطريقة “إذا أردت أن تحل مشكلة، فافتعل مشكلة”، فهي لم تكن يوما على وفاق مع حكومة المالكي وسياساته رغم انفتاحها عليه، إضافة إلى محاولاته المتكررة إعاقة الاتفاقيات الاقتصادية الموقعة بين تركيا وإقليم شمال العراق. وما دامت الأحداث في غير مصلحة الحكومة المركزية، وتسير في طريق تغيير الموازنات والخريطة السياسية هناك، فلم التعجل في إعلان المواقف؟

الصراع مع إيران، لا شك أن تركيا نجحت حتى الآن في تجنب أي صراع مباشر مع جارتها القوية، حتى ولو بالتراشق الإعلامية، رغم الخلاف الشديد بينهما في عدة ملفات على رأسها سوريا والعراق.

تبدو تركيا أكثر حذرا بعد الاتفاق الغربي مع إيران، الذي اضطرها في حينه إلى التراجع خطوة نحو الوراء والانفتاح أكثر على إيران وحكومة المالكي، ولذلك تبدو غير راغبة في أي تصعيد من أي نوع معها، في ظل تخوفها من إعادة رسم الخرائط في المنطقة بين إيران والغرب بمعزل عنها..

الجار الحليف بدأت نظرة تركيا تتغير نحو إقليم شمال العراق، كمنطقة سياسية مستقرة نسبيا وسط سيولة الأوضاع السياسية في باقي المناطق العراقية، وهو ما يفيد الجار التركي في نقطتين: عقود النفط التي تستفيد أنقرة من عائداتها، وتأمين الحدود حيث يشكل الإقليم منطقة عازلة بين تركيا ومناطق الاضطرابات..
“لا تقدم تركيا بشأن القضية الكردية مقاربة أيديولوجية أو شعاراتية جامدة، بل تتبنى سياسة المتابعة المرنة التي تعتمد على تغيير المواقف التكتيكية طبقا لتطورات الأحداث على الأرض”
عملية السلام: تنصب جهود تركيا حاليا على محاولات إنهاء القضية الكردية وملف “الإرهاب” سياسيا، ولذلك فهي لا تريد لأي موقف منها خارج السياق أن يؤثر على عملية السلام مع حزب العمال الكردستاني، التي ترى فيها أحد أهم سبل الاستقرار والتنمية داخليا، كما تطمع أنقرة بمساهمة من أكراد العراق بالضغط على الحزب للاستمرار في العملية دون إبطاء أو تعطيل، خصوصا جناح جبال قنديل.

الانتخابات الرئاسية: ستكون تركيا في العاشر من أغسطس/آب القادم على موعد مع استحقاق الانتخابات الرئاسية الذي سيشكل بدرجة كبيرة النظام السياسي التركي في السنوات القليلة القادمة، ويبدو المرشح الأبرز حظا -رئيس الوزراء التركي أردوغان- بحاجة لأصوات الأكراد خصوصا إذا ما تأجل الحسم إلى جولة الإعادة.

آفاق المستقبل القضية الكردية:

وفي المحصلة، تبدو تركيا اليوم أكثر إدراكا أن القضية الكردية لم تعد شأنا داخليا للدول الأربع المحتضنة للشعب الكردي بعد ضعف الحكومتين المركزيتين في العراق وسوريا، وأن حلها قد يمر عبر إعادة رسم الخرائط في الإقليم، وأن الوضع صعب الاستشراف في ظل تدخل فواعل كثيرة في الساحة العراقية على رأسها “داعش”، فضلا عن إيران.

ولذلك، لا تقدم تركيا مقاربة أيديولوجية أو شعاراتية جامدة، بل تتبنى سياسة المتابعة المرنة التي تعتمد على تغيير المواقف التكتيكية طبقا لتطورات الأحداث على الأرض.

كما تبدو الحكومة التركية شديدة الحرص على أصوات الأكراد في الانتخابات القادمة، والذي تأمل أن تعود نتائجها الإيجابية -إضافة إلى انتخاب أردوغان رئيسا- على عملية السلام في البلاد، وربما ينتج عنها تحالف انتخابي أو سياسي يسهل تحويل البلاد إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي وفق رؤية أردوغان، ويسعى لصياغة دستور جديد بعد الانتخابات البرلمانية في 2015، بما يقدم حلا إستراتيجيا ونهائيا للقضية الكردية، ربما عبر إعطاء المناطق الكردية حكما ذاتيا يسعون إليه، أو التحول إلى نظام حكم فيدرالي في المستقبل البعيد.

طائرات تركية تهاجم مواقع لحزب العمال الكردستاني بشمال العراق , مواقع لتنظيم داعش داخل الأراضي السورية، وفق بيان للمنسقية العامة لرئاسة الوزراء التركيةماهي تداعيات توجيه تركيا ضربات لتنظيم “الدولة الاسلامية” في سوريا ؟
ذكرت وكالة أنباء دوجان ووسائل إعلام محلية أخرى أن طائرات حربية تركية شنت غارات على معسكرات تابعة لحزب العمال الكردستاني في شمال العراق في وقت متأخر يوم الجمعة.
وجاءت الهجمات على الفور بعد ضربات جوية في شمال سوريا حيث استهدفت الطائرات الحربية التركية قواعد لتنظيم الدولة الإسلامية.
شنت مقاتلات تركية غارات جديدة على مواقع لتنظيم “الدولة الإسلامية” في سوريا وأخرى على معسكرات لحزب العمال الكردستاني شمالي العراق، وفقا لوسائل إعلام محلية في تركيا.
وتفيد التقارير بأن الطائرات التركية دخلت المجال الجوي السوري لدى قصفها مواقع تنظيم “الدولة الإسلامية” مساء الجمعة، وذلك عكس غارات سابقة استهدفت فيها المقاتلات مواقع التنظيم المتشدد من داخل المجال الجوي التركي.
وقال مسؤول تركي إن المجموعة الأولى من الغارات كانت ضربة استباقية لمنع التنظيم من شن غارات على تركيا. وبحسب تقارير إعلامية تركية، فقد قصفت مقاتلات من طراز إف 16 معسكر الزاب التابع لحزب العمال الكردستاني شمالي العراق.
وقال بختيار دوغان، وهو متحدث باسم حزب العمال الكردستاني، لوكالة فرانس برس إن الطائرات التركية قصفت مواقع مسلحة تابعة له في حوالي الساعة الحادية عشر مساء بالتوقيت المحلي الثامنة مساء بتوقيت غرينتش.
وأضاف دوغان أن الغارات تزامنت مع قصف عنيف بالمدفعية التركية. وكان حزب العمال الكردستاني قد تبنى هجوما وقع في بلدة تركية قريبة من الحدود السورية الأربعاء أسفر عن مقتل رجلي شرطة تركيين.
وأكدت واشنطن موافقة تركيا على انطلاق غارات جوية تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، من قاعدة إنجرليك العسكرية بمدينة أضنة، لاستهداف تنظيم داعش..
وقال متحدث الخارجية الأمريكية، “مارك تونر”، في بيان صادر فجر اليوم السبت، “أستطيع القول أن تركيا قد منحتنا موافقتها على استخدامنا وأعضاء آخرين في التحالف، طائرات بطيار وأخرى دون طيار، في عمليات جوية ضد داعش.”، مشيرًا إلى أن هذه العمليات ستنطلق من “قاعدة إنجرليك الجوية”
تونر قال إن “القرار التركي ليس بالضرورة، وعلى وجه التحديد أن يكون مرتبطًا بالهجمات التي وقعت في مدينة سوروج أو الهجوم الذي شنه داعش على مخفر حدودي، ما أدى إلى مقتل ضابط صف، وإصابة عسكريين اثنين بجروح في ولاية كيليس جنوبي تركيا.”
وشدّد متحدث الخارجية على أن “تركيا شريك حيوي، وحليف قوي وهم قد فعلوا الكثير مقدمًا، من خلال دعم اللاجئين السوريين، وفيما يتعلق ببرنامج تدريب وتسليح قوى المعارضة السورية، وعن طريق تقليل تدفق المقاتلين الأجانب إلى سوريا.”
وكان مجلس الوزراء التركي وافق أمس الجمعة، على استخدام الطائرات الحربية والاستطلاعية التابعة لقوات التحالف الدولي ضد داعش، بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ولبعض دول المنطقة التي تراها أنقرة مناسبة، القواعد العسكرية التركية في الحرب على تنظيم داعش مستندًا إلى التفويض، الذي حصل عليه في 2 تشرين الأول/ أكتوبر 2014 ، من قبل البرلمان.
وقصف الجيش التركي عصر أول أمس الخميس، مواقع لداعش في قرية “عياشة”، بمدينة اعزاز بريف محافظة حلب السورية.
شن الطيران التركي الجمعة اولى غاراته على مواقع الجهاديين في سوريا في ما يشكل تحولا عن السياسة المتحفظة التي كانت تثير الشكوك تجاه موقف انقرة.
يشكل قرار توجيه ضربات لتنظيم الدولة الاسلامية في سوريا منعطفا في سياسة انقرة التي تجازف كذلك بان تكون هدفا لاعمال انتقامية وبان يحقق المقاتلون الاكراد فائدة من الوضع الجديد، وفق الخبراء..”
ويضيف ان عدم تحركهم ازاء تقدم تنظيم الدولة الاسلامية “ادى الى تلطيخ صورة الاتراك. بات تنظيم الدولة الاسلامية قويا جدا الى الدرجة التي لم يعد بوسع تركيا ان تواصل التظاهر بغض النظر عنه.
ويقول ديديه بيون من معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس ان التدخل التركي “يعني ان تركيا تدخل فعليا في التحالف” الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة لمحاربة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق وسوريا، والذي كانت تركيا حتى الان تقوم فيه بدور الشريك بصورة غير معلنة..
ويضيف ان الغارات التركية “ليست مجرد تحذير (وانما) حلقة جديدة في عملية سياسية.”
واكد رئيس الوزراء التركي احمد داود اوغلو الجمعة ان “العمليات التي بدأت اليوم” ضد التنظيم المتطرف وكذلك ضد المتمردين الاكراد في حزب العمال الكردستاني “ليست محصورة باهداف محددة، وستتواصل.”
قصفت طائرات حربية تركية أهدافا لتنظيم الدولة الإسلامية في سوريا للمرة الأولى يوم الجمعة في حين وعد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان باتخاذ إجراءات أكثر حسما ضد المتشددين والمسلحين الأكراد بالداخل على حد سواء.
وتزامنت الضربات الجوية التي جاءت بعد اتصال هاتفي بين إردوغان والرئيس الأمريكي باراك أوباما يوم الأربعاء مع سلسلة من حملات المداهمة نفذتها الشرطة في جميع أنحاء البلاد لاعتقال مئات ممن يشتبه بأنهم متشددون بينهم من ينتمون لجماعات كردية.
ولوقت طويل كانت تركيا شريكا مترددا في التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية وتصر بدلا من ذلك على ضرورة الإطاحة بالرئيس السوري بشار الأسد كما تقول إن القوات الكردية السورية تشكل خطرا أمنيا كبيرا.
لكن هجمات يوم التي يقول مسؤولون إنها بدأت من المجال الجوي التركي تشير إلى أن أنقرة ستهاجم تنظيم الدولة الإسلامية عبر الحدود السورية بينما ستلاحق أعضاء حزب العمال الكردستاني المحظور الذي تصفه أنقره بأنه منظمة انفصالية في الداخل.
وقال إردوغان للصحفيين “في مكالمتنا مع أوباما جددنا عزمنا على الصراع ضد المنظمة الانفصالية وضد تنظيم الدولة الإسلامية. قمنا بالخطوة الأولى الليلة الماضية.”
وتحركت أنقرة بعد ساعات من قول مسؤولين في واشنطن إنها سمحت بإنطلاق طائرات مقاتلة أمريكية من قاعدة قرب الحدود السورية لتتراجع عن رفض سابق بالسماح بضربات أمريكية بطائرات يعمل عليها طيارون.
وتواجه تركيا تزايد انعدام الأمن على حدودها البالغ طولها 900 كيلو متر مع سوريا. وتسببت معركة بالأسلحة عبر الحدود يوم الخميس بين الجيش ومسلحي الدولة الإسلامية في مقتل خمسة متشددين وجندي تركي.
وشهدت تركيا أيضا موجة من العنف في جنوب شرق البلاد الذي تسكنه غالبية كردية بعد تفجير انتحاري يشتبه بأنه من تنفيد تنظيم الدولة الإسلامية أودى بحياة 32 شخصا كثيرون منهم أكراد في بلدة سروج قرب الحدود مع سوريا.
لكن منتقدي إردوغان يقولون انه مهتم بشكل أكبر بكبح المقاتلين الأكراد السوريين خوفا من أن تؤدي المكاسب التي حققوها ضد الدولة الإسلامية في الحرب الأهلية السورية إلى تشجيع الأقلية الكردية التركية البالغ عدد أفرادها 14 مليونا.
وقال خليل قراولي مدير تحرير ذا توركي أناليست وهي مطبوعة سياسية “رغم أن إردوغان فشل حتى الآن في تحقيق أهدافه في سوريا – وهو الإطاحة بالأسد – ورغم ان تنظيم الدولة الإسلامية أصبح مشكلة فإنه أصبح آداة ملائمة بالنسبة له.”
وتابع قوله “الآن لديه كل الأسباب التي يحتاجها لملاحقة الأكراد كما سيجعله الأمر يبدو بمظهر جيد للغاية في أعين الولايات المتحدة التي ستسعد برؤية تركيا ضمن التحالف.”
وقال مشرعون معارضون من حزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد إن إردوغان ينوي “إعاقة” المكاسب التي حققها الأكراد في مواجهة الدولة الإسلامية. وقالوا في بيان أرسل بالبريد الالكتروني “الهدف الحقيقي لعمليات اليوم ليس الدولة الإسلامية لكن المعارضة الديمقراطية.”
وزادت أنباء العمليات العسكرية من قلق المستثمرين مما تسبب في هبوط الليرة بنحو أربعة في المئة في أسبوع.
وذكر مكتب رئيس الوزراء التركي في بيان أن ثلاث مقاتلات إف-16 أقلعت من قاعدة في ديار بكر بجنوب شرق تركيا في الساعات الأولى من صباح الجمعة وقصفت مقرين و”نقطة تجمع” لمتشددي الدولة الإسلامية قبل أن تعود إلى قاعدتها.
وقال مسؤول في الحكومة التركية لرويترز “لا يمكننا القول أن هذا بداية حملة عسكرية لكن بالقطع السياسة تنطوي على قدر أكبر من التدخل والنشاط والاشتباك. لكن التحرك لن يحدث على الارجح دون مبرر.”
وقال رئيس الوزراء التركي أحمد داود أوغلو إن الشرطة اعتقلت قرابة 300 شخص في حملات اليوم الجمعة ضد من يشتبه في أنهم متشددون ينتمون لتنظيم الدولة الإسلامية ومتشددون أكراد. وتعهد داود أوغلو بمحاربة كل “الجماعات الإرهابية” دون تمييز.
وأضاف داود أوغلو في مؤتمر صحفي أن 297 شخصا بينهم 37 أجنبيا اعتقلوا خلال المداهمات التي نفذت في أنحاء مختلفة من البلاد. وقال إن العملية أعقبت غارات جوية نفذتها مقاتلات تركية ضد تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا ونجحت في تدمير أهدافها بالكامل.
وذكرت وسائل إعلام محلية أن طائرات هليكوبتر وأكثر من خمسة آلاف جندي وضابط بينهم أفراد من القوات الخاصة يشاركون في العملية. وقالت محطتا (سي إن إن ترك) و(إن تي في) التلفزيونيتان إن شرطة مكافحة الإرهاب داهمت اكثر من 100 موقع في انحاء اسطنبول.
وقال مسؤول كبير لرويترز “الضربات الجوية التي نفذت هذا الصباح والعملية ضد الجماعات الإرهابية في الداخل هي خطوات تتخذ كإجراءات وقائية ضد هجوم محتمل على تركيا من الداخل أو الخارج. هناك تحرك صوب الدفاع النشط بدلا من الدفاع السلبي.”
وقالت تركيا أكثر من مرة إنها ستتخذ أي “إجراءات ضرورية” لحماية نفسها من هجوم من الدولة الإسلامية أو المتشددين الأكراد.
وذكر مسؤولو دفاع أمريكيون يوم الخميس أن تركيا وافقت على السماح لطائرات أمريكية يعمل عليها طيارون بشن ضربات جوية ضد متشددي الدولة الإسلامية من قاعدة إنجرليك الجوية القريبة من الحدود السورية. وتنطلق بالفعل من القاعدة طائرات أمريكية بدون طيار.
واتفق أوباما وأردوغان خلال مكالمتهما على العمل معا للحد من تدفق المقاتلين الأجانب وتأمين الحدود التركية.
وقد تكون هناك ميزة كبرى للطيران برحلات مأهولة تنفذ من إنجرليك ضد أهداف في سوريا. وكانت هذه الطلعات تنطلق من الخليج.
وأثار موقف تركيا إحباط حلفائها في حلف شمال الأطلسي بما في ذلك الولايات المتحدة والتي تركز على قتال الدولة الإسلامية وليس الأسد. وحث الحلفاء تركيا على بذل المزيد من الجهد لمنع استغلال حدودها كمعبر لسوريا من قبل المتشددين الأجانب.
ويرى بعض المحللين في ذلك اعادة تموضع لتركيا “في اللعبة الكبيرة” الجارية بين القوى العظمى في المنطقة في اطار النزاع السوري.
كانت تركيا تعطي حتى الان الاولوية لمقاتلة قوات الرئيس السوري بشار الاسد بدلا من محاربة تنظيم الدولة الاسلامية، لكن “التطورات التي شهدتها الايام الماضية توحي بان الامر تغير”، كما يقول ايجي سيكين المتخصص في شؤون تركيا المقيم في لندن، في تحليل نشره معهد الدراسات الجيوسياسية (انستيتيوت اوف هيومن ستاديز).
“من المرجح كذلك ان تركيا تسعى الى ضمان مكانتها في سوريا” امام تصاعد نفوذ طهران حليفة النظام السوري والذي يرتسم بعد الاتفاق المبرم مع الدول الكبرى حول برنامجها النووي في فيينا.
وقرار انقرة السماح للطيران الاميركي باستخدام قاعدة انجرليك في جنوب البلاد سيوفر لواشنطن منطلقا مثاليا لضرب التنظيم في سوريا وسيزيل نقطة توتر بين انقرة وواشنطن التي دأبت على طلب ذلك بالحاح.
ويقول مايكل ستيفنز “هناك قواعد كثيرة في المنطقة يمكن للولايات المتحدة ان تعمل منها لكن ان تكون على بعد مئة كيلومتر بالكاد من منطقة الهجمات يوفر سهولة لوجستية كبيرة.”
ولكن قدرة اكراد سوريا وربما تركيا على الاستفادة من الوضع الجديد قد يعقد المعادلة بالنسبة لتركيا التي حرصت الجمعة في اثناء اعتقال اعضاء مشتبه بانتمائهم لتنظيم الدولية الاسلامية على تنفيذ عمليات تستهدف المقاتلين الاكراد في الوقت نفسه.
ويقول ايجي سيكين ان تركيا تسعى كذلك الى كبح التطلعات الاستقلالية لدى الاكراد و”ضمان هيمنتها على المجموعات المسلحة المعارضة في سوريا.”
وفي هذا الاطار، يمكن ان تكون الضربات التركية مقدمة “لتوافق مع الاميركيين لاقامة منطقة عازلة” على طول الحدود التركية مع سوريا تتيح محاربة الجهاديين وكذلك المقاتلين الاكراد.
ويقول آرون شتاين الذي يعمل مع المجلس الاطلسي في مركز رفيق الحريري في بيروت ان انقرة “تريد ان تسهم الضربات الجوية في ضرب تنظيم الدولة الاسلامية في المنطقة ولكن دون ان يوفر ذلك اسنادا جويا لحزب العمال الكردستاني.”
والاعلان عن تعزيز الامن على الحدود التركية السورية يستجيب كذلك للمخاوف من تنفيذ اعمال انتقامية وهجمات في تركيا ردا على الضربات في سوريا.

دور تركيا في الأزمة السورية:
تركيا واحدة من أكثر الدول المعنية بالأزمة السورية، ليس فقط بسبب أن حدودها المشتركة مع سوريا تعد الأطول بين الدولتين، وكذلك لطبيعة التشابه والتشابك العرقي والطائفي في البلدين، وإنما أيضاً لأن دور تركيا في سوريا يعد اختباراً لمستقبل سياستها الإقليمية والخارجية.
لقد راهنت تركيا على المعارضة السورية، وبالتحديد حركة “الإخوان المسلمين” ودعمتها في مواجهة نظام الحكم، سواء من خلال استضافة أبرز رموزها أو عبر دعمها مادياً وعسكرياً، أو من خلال التحرك على الساحة الإقليمية والدولية لعزل النظام في دمشق، وكذلك الدعوة إلى إقامة منطقة حظر جوي في مناطق تمركز المعارضة، ثم التحول بعد ذلك للدعوة إلى تشكيل تحالف دولي لإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد.
بيد أن هذه السياسة أدخلت تركيا في صراعات مع العديد من دول الجوار: سوريا والعراق وإيران، كما جاءت بارتدادات سلبية على الأمن التركي ذاته، مما دفع أنقرة إلى إعادة تدوير مواقفها وتغييرها وتعديل التوجهات والتصريحات نسبيا، وذلك في محاولة لتجاوز الصعوبات التي باتت تواجه علاقاتها مع بعض الفاعلين الإقليميين جراء الأزمة السورية وما يصاحبها من تطورات متلاحقة على مسرح العمليات الإقليمي.

لقد ارتبطت الأزمة السورية بفرص عديدة حاولت تركيا اقتناصها، تمثلت بسعي تركي لتصبح سوريا من دون الرئيس الأسد بحيث يمكن أن تصبح دولة حليفة تشكل شريكا استراتيجيا محتملا لتركيا، وهو تطور من شأنه إعادة ترتيب المشهد الإقليمي برمته، لتغدو أنقرة بؤرته ومركزه الأساسي، فيما تصبح طهران، منافستها الإقليمية التاريخية، على هامش ذلك المشهد. إلا أنه، وعلى غير المتوقع، من قبل أنقرة، حملت رياح هذه الأزمة عواصف لم تسلم تركيا ذاتها من آثارها، لتدفع إلى إعادة صوغ مقاربتها حيال بعض أطراف هذه الأزمة بفعل عدد من الأسباب وأهمها :

1- إرهاب الداخل: ازداد المشهد التركي تعقيدا خلال الأشهر الأخيرة لنجاح العديد من الجماعات الإرهابية المتمركزة في بعض المدن السورية في اختراق الحدود التركية وتحويلها إلى بوابات عبور من سوريا وإليها، مما سبب مشكلات أمنية عديدة لأنقرة، كان من أبرز نتائجها العملية التي شهدتها مدينة الريحانية في ١١ مايو / أيار ٢٠١٣، والتي أسفرت عن مقتل نحو ٥٠ شخصا وإصابة ١٠٠ آخرين. وقد تبع هذه العملية العديد من المحاولات التي كشفتها الشرطة التركية، وكان من بينها العثور على سيارة مفخخة تحمل نحو ١٧٧ كلغ من المتفجرات في جنوب محافظة كيليس، وهي محافظة كانت قد شهدت عدة محاولات من قبل بعض التنظيمات للقيام بأعمال إرهابية ضد المنشآت والمصالح التركية. كما ضبطت أجهزة الأمن التركية حوالي ١٢٠٠ رأس حربي لصواريخ كانت معدة للتهريب إلى ” جبهة النصرة “، وقد جرى توقيف ٩ أشخاص بينهم أتراك وسوريون متورطون في هذه العملية.

٢- الانقسام السياسي: لم يأت الموقف التركي من الأزمة السورية منفصلا عن بقية المواقف والرؤى التركية حيال العديد من الملفات الخارجية، والتي أوجدت حالة من الضعف التي باتت تهدد تماسك حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، وذلك بسبب تباين الرؤى والتوجهات، ليس مع أحزاب المعارضة الرئيسية فحسب، وإنما داخل هذا الحزب نفسه، حيث هناك العديد من الشخصيات البارزة في داخله أصبحت تعارض قيادة أردوغان وإدارته لعلاقات تركيا الإقليمية، والتي أفضت إلى توتر علاقات أنقرة مع أغلب البلدان المجاورة لها، لاسيما وأن الأزمة السورية حولت تركيا من موقع الدولة الوسيط إلى موقع الدولة الطرف، كما أثار حساسيات قومية عربية حيال مواقف تركيا الإقليمية الأخرى. وقد بدا التأثير السلبي واضحا لهذه المواقف في التباين بين تصريحات أردوغان ونائبيه اللذين هما أقرب إلى الرؤى المعتدلة لرئيس الدولة عبد الله غول حيال ملفات الصراع الإقليمي.

٣- التطور الإقليمي المفاجئ: في ظل التحولات في العلاقة الإيرانية ـ الأمريكية خلال الأشهر الأخيرة، وبالتحديد منذ انتخاب الرئيس الإيراني الشيخ حسن روحاني، الذي اتخذ من الاعتدال والتدبر شعاراً أساسياً لسياسته، فكان هذا التطور بمثابة انعطافة طارئة أفضت إلى بدء جولات التفاوض المباشر للتوصل إلى تسوية الملفات العالقة بخصوص البرنامج النووي الإيراني. كما أن هذا التطور بات يلقي بتبعاته على مسار علاقات تركيا بالولايات المتحدة التي تشهد بالفعل حلقات من التوتر المكتوم، ذلك أن تركيا ذاتها كانت جزءاً مركزياً من عملية حصار إيران، من خلال نصب منظومة الدفاع الصاروخي على الأراضي التركية وبالقرب من الحدود الإيرانية، كما لا تغيب عن ملفات التوتر بين البلدين مسألة تأجيل الضربة العسكرية لسوريا وإعلان واشنطن أن الهدف من أي عمل عسكري هو استهداف القدرات العسكرية للرئيس الأسد وليس إسقاط نظام حكمه، الأمر الذي يتناقض مع الإستراتيجية التركية القائمة أساسا على العمل لإسقاط النظام القائم في دمشق.

٤- الدور الروسي في المنطقة: واحدة من المشكلات الإضافية التي نجمت عن الأزمة السورية، هي إعادة إحياء الدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط ، لاسيما بعد إستراتيجية الرئيس فلاديمير بوتين في تجنيب سوريا للضربة العسكرية من خلا ل صفقة الكيماوي، وهي الصفقة التي تعتبرها تركيا بمثابة إقرار بزيادة نفوذ موسكو في منطقة الشرق الأوسط وتراجع الدور الأمريكي، وهو الدور الذي اتسم بالتردد وعدم الحزم في الإقدام على أي عمل عسكري خشية أن يتحول إلى حرب إقليمية شاملة.
٥- انكسار تحالف تركيا مع دول الخليج: شهدت علاقات تركيا مع العديد من الدول الخارجية تطورات كبيرة على خلفية تباين المواقف حيال ثورة ٣٠ يونيو/حزيران في مصر، والتي أدت إلى إعادة اصطفاف إقليمي جعل أنقرة تبدو أقرب ما تكون إلى العداء مع مؤسسات الدولة المصرية، والتي تلقت بدورها مساندة ودعما غير مسبوق من قبل العديد من دول الخليج.

هل رُفع الغطاء الأمريكي عن أردوغان؟
هل اتخذ غولان موقفه التصادمي ضد رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان على خلفيات شخصية شَعر معها أنّ الأخير قد “انتفَخ” كثيراً، وأنه لم يعد ذلك السياسي المطيع لتوجيهاته؟ أم أن في الأمر ما هو أخطر من ذلك، حيث يعتقد البعض أنّ غولان ما كان ممكناً له أن يسرّب هذه المعلومات من دون إذن أمريكي، خصوصاً أنّ كثيراً منها قد مرّرته له دوائر استخبارية أمريكية؟.
ويستطرد الخبراء بالشؤون التركية في تساؤلاتهم: هل تريد واشنطن ومعها غولان أن تسقط حكومة أردوغان لأسباب متعددة، أهمّها رغبة الإدارة الأمريكية في إرضاء حليفها السعودي المنزعج أصلاً من “أخونة” أردوغان وطموحاته إلى أن يكون “خليفة المسلمين”؟

هنا، يظن البعض أنّ واشنطن المضطرة إلى عقد اتفاق جنيف النووي مع إيران لأنها لا تريد الحرب، وفق ما يحذّر الرئيس باراك أوباما دائماً معارضي هذا الاتفاق، لا بدّ لها من استرضاء الرياض الغاضبة على هذا الاتفاق الذي أُبرم من وراء ظهرها.
ومن هنا، يمكن أن يكون رأس أردوغان جائزة ترضية للرياض التي لا تخفي انزعاجها من دور “الإخوان المسلمين” في المنطقة، ومن دور أردوغان نفسه في حماية هؤلاء “الأخوان” والاعتماد عليهم ودعمهم، خصوصاً في مصر ضد حكم تعتبره الرياض حليفاً أساسياً لها.
ويعتقد الخبراء في الشؤون التركية أيضاً أنه قد يكون وراء هذا الغضب الأمريكي من أردوغان، انكشاف فضيحة “الذهب مقابل النفط” التي عقدها رئيس الوزراء التركي مع الحكومة الإيرانية في إطار مساعدتها على التفلّت من العقوبات الدولية المفروضة عليها.
فقد كشفت وسائل الإعلام التركية أن إيران وافقت مع تركيا على أن تُصدّر لها نفطاً مقابل تسديد ثمنه بالليرة التركية بما يخرج هذه العملية من أيّ رقابة أمريكية، سواء عبر المصارف، أو عبر استخدام الدولار لشراء النفط. وقد وافقت إيران أيضاً على أن تضع أنقرة رصيد شراء النفط الإيراني في حساب خاص بالليرة التركية، ثم يشتري الإيرانيون الذهب من تركيا بالليرة التركية، فيصبح في إمكانهم أن يستعيدوا نفطهم ذهباً يمكنهم بَيعه في الأسواق العالمية من دون أن يكون لواشنطن أو لمجلس الأمن الدولي أيّ قدرة على مراقبة هذه العمليات ومنعها.
وقد اعتبرت الإدارة الأمريكية أنّ الروح التجارية عند أردوغان قد غلبت التزاماته السياسية، فوجدت أنه لا بدّ من “تأديبه” عبر تفجير فضيحة في مستوى فضيحة الفساد التي انفجرت أخيراً. ولذلك، لا يستبعد كثيرون أن تكون هذه الفضيحة ومَن يقف وراءها بمثابة رفع الغطاء عن أردوغان، ما يتيح بالتالي لمعارضيه التحرّك في الشارع بعد أن انكشف فساد حكومته التي كانت تعتزّ بشفافيتها ونزاهتها وابتعادها عن ألاعيب الفساد التي طالما شوّهت السياسة التركية.
فهل تركيا والمنطقة أمام مشهد يخرج منه أردوغان ليتقدم رئيس الجمهورية الحالي عبد الله غول الذي التزم الصمت طوال السنوات الثلاث الماضية، وإذا تكلّم فبلغة مختلفة عن لغة أردوغان ووزير خارجيته احمد داود أوغلو؟ أم أننا أمام مشهد يخرج فيه حزب “العدالة والتنمية” من السلطة في تركيا ومن دون انقلاب هذه المرة؟
في هذا السياق، يلفت الخبراء بشؤون تركيا إلى أنّ الانتخابات الرئاسية والتشريعية التركية باتت على الأبواب، وأن تأثير غولان هو تأثير حاسم في سحب البساط من تحت أقدام حزب “العدالة والتنمية” عبر الإيعاز للملايين من أنصاره لكيلا ينتخبوا أردوغان وحزبه، وأن ينفتحوا على معارضيه من قوميين وعلمانيين ويساريين، ومن علويين وأكراد، فيدفع أردوغان ثمن سلسلة الأخطاء والخطايا التي وقع فيها، سواء إزاء الأحداث في سوريا، أو في مصر، أو في غيرهما.
على أنّ انكفاء إسلاميي تركيا عن الدور القيادي الذي يلعبونه اليوم فيه مصلحة لروسيا الشديدة الحذر من تعاطف الحكومة التركية مع المتمردين الإسلاميين في الشيشان والقوقاز وغيرهما. أمّا إدارة أوباما فهي أكثر خوفاً من انتشار هذه الظاهرة التي تُعتبر تركيا قاعدة رئيسية لها، وليس من قبيل المصادفات أبداً أن تدعو واشنطن كل الدول والجهات المعنية إلى أنّ التوقّف عن دعمها للمنظمات الإسلامية المتشددة، ولاسيما منها “جبهة النصرة” و”داعش” اللتان شكّلت حكومة أردوغان سنداً كبيراً لهما وممراً لرجالهما وسلاحهم.
فهل ستظهر انعكاسات هذه الفضيحة على مستوى السياسات التركية في المنطقة؟ وهل سيتراجع أردوغان عن سياسات بات ثمنها فادحاً على بلاده وحزبه؟حملت التحولات التي طرأت مؤخراً على الوضع الداخلي لمعظم الدول التي تؤثر في الملف السوري، حملت معها ليس تحولاً في الخطاب السياسي تجاه الأسد والثورة السورية بشكل عام فحسب ، وإنما مفاجآت كبيرة وخصوصاً التقارب السعودي التركي، وتخبّط إيران بسبب ” القوة السعودية” في التحكم بأسعار النفط.

فالشهر المنصرم ( شباط \ فبراير) لم يكن شهراً عادياً في عمر الثورة السورية، حيث شّهد إعلانا صريحاً من ايران الداعمة للأسد، بأنها هي من تخوض الحرب في سورية، وتطور الأمر بها إلى حشد مليشياتها بشكل علني أيضاً في مثلث درعا – القنيطرة – ريف دمشق .

التطور المهم في المعارك الأخيرة، هو العملية العسكرية التي نفذتها إيران بريف حلب الشمالي، وذلك عن طريق تسلل مليشياتها إلى القرى المحررة، بغية السيطرة على خط الإمداد الرئيس، وفك الحصار عن قريتي نبل والزهراء، ورغم فشل العملية (فشلاً ذريعاً)، إلّا أنها سلطت الضوء على أن النظام بات بحالة حرجة، تتطلب انتصاراً على غرار (الانتصار ) الذي حققه في حمص سابقاً

والتطور الأبرز في شباط / فبراير الماضي، هو دخول قوات عسكرية تركية إلى سورية للمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، وذلك بحجة نقل ضريح ” جد العثمانين”. وهذا ما اعتبر في الأوساط السياسية أنه استعراض عسكري.

التطورات السابقة خصّت الداخل السوري بشكل مباشر، أما مايخص التطورات السياسية على صعيد الدول الداعمة للملف السوري، هو ملامح التقارب السعودي التركي، بعد توتر شهدته المنطقة بسبب التباين الكبير بين الدولتين في مايخص .”ملف الإخوان”

وتعّد زيارة الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إلى المملكة العربية السعودية مؤشراً على “ردم الهوة” بين الطرفين، وهذا يعني أن الداعمين للملف السوري باتوا على موقفٍ سياسيٍ واحدٍ، إذا ماصدقت المعطيات والتحليلات في هذا التقارب.
التحويل فى الموقف الآيرانى

مدير الاستخبارات الوطنية الأميركية (جيمس كلابر) قال إن تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى أن النظام الإيراني ينفق 35 مليار دولار سنويا من أجل إبقاء بشار الأسد على رأس نظامه في سورية، وأشار كلابر) أن المبلغ المذكور يتضمن كلفة الأعمال الحربية، والسلاح والذخيرة، ومرتبات الميليشيات المختلفة الموالية لطهران التي تقاتل في صفوف قوات النظام. وأرجع كلابر سبب بقاء الأسد في السلطة حتى الآن إلى الدعم الاقتصادي الذي يتمتع به من إيران، ولأنه لا يزال محاطا بأقليته الدينية التي من “مصلحتها الحفاظ على الوضع القائم لأنها تستفيد منه.”

الخسارة الاقتصادية الكبيرة دون تحقيق النتائج، دفعت بالايرانيين إلى خوض مفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن مستقبل سورية، أخر تلك المفاوضات مانقلته صحيفة القدس العربي عن (فرديك هوف) الملقب بقيصر الشأن السوري في الأوساط الأمريكية، حيث كشف النقاب عن سلسلة اجتماعات سرية أمريكية ـ إيرانية، عُقدت بعيداً عن الأنظار، للتداول حول مستقبل نظام بشار الأسد، والدور الإيراني في المخارج المقترحة.

الحوار الأمريكي ـ الإيراني وتاثيره على سوريا :
جولة خامسة من هذا الحوار استُكملت مؤخراً، وتضمنت كالعادة نقاشات مستفيضة بين مجموعات صغيرة من الإيرانيين والأمريكيين، ممن لا يشغل أيّ منهم وظيفة رسمية، ولكن يتمتعون جميعاً بصلات وثيقة مع دوائر القرار العليا في البلدين، خاصة المجموعة الإيرانية التي ترتبط بأناس يشرفون على سياسات إيران في سوريا والعراق ولبنان، ويمثلون وجهات نظر “الحرس الثوري” و”فيلق القدس”، أكثر من تمثيلهم للرئيس الإيراني حسن روحاني أو وزير خارجيته محمد جواد ظريف.

مفارقة التناقضات في تحليل أعضاء الفريق الإيراني لمستقبل النظام السوري، فمنهم من يرى أن بقاء النظام ما كان سيتحقق لولا ضمانات إيران العسكرية والسياسية والمالية، ومنهم من يعتقد أن النظام هو الذي يجرّ إيران إلى الموقف الراهن ولا يترك للسياسة هوامش مناورة ملموسة، ومنهم من يصرّ على أنّ المعادلة الراهنة في سوريا حصرت الخيار بين «داعش» أو بشار الأسد، ومنهم من يصرّ على أنّ أي تدخل أمريكي حتى إذا كان إنساني الطابع سوف يستدعي رداً مباشراً من إيران، وهذا الفريق يذهب إلى درجة التذكير بأنّ إيران سبق أن حرّكت «القاعدة» عملياتياً، وبالتالي تستطيع استخدامها مجدداً، ومنهم من يصرّ على أن النظام السوري ليس تابعية إيرانية، فيردّ آخرون بأن بقاءه معتمد كلياً على طهران… وفي ختام جلسة خامسة من هذه المداولات غير الرسمية، أعرب أحد أعضاء الوفد الإيراني عن مخاوف طهران من العواقب الفوضوية التي ستواجه سورية إذا انهار نظام الأسد، وهذه نقطة توافق عليها أحد أعضاء الوفد الأمريكي، وزاد على زميله الإيراني بالقول إنّ أي مستوى للتدخل العسكري الخارجي قد يتسبب في اضطراب قوى النظام، ويصيب ما تبقى في بنيته من «استقرار» بخلل قاتل. وأوضح عضو آخر في الوفد الأمريكي أن الولايات المتحدة تميّز رسمياً بين النظام ـ أي الزمرة الحاكمة وأجهزتها القمعية وعصاباتهاد.
وميليشياتها ـ وبين وزارات ومؤسسات الجمهورية العربية السورية، التي تقدّم الخدمات وتدير الدولة.

ورأي واشنطن هو أن النظام يتوجب أن يرحل، وتبقى المؤسسات سليمة وعاملة، وهذا تفصيل اهتم  الإيرانيون بالوقوف على تفاصيله اللوجستية، قبل أن يتخذوا منه موقفاً عملياً.

النتائج :
السيناريوهات المحتملة:
يظهر أن هناك أربعة سيناريوهات محتملة للوضع في سورية، يؤثر كلٌّ منها بشكل أو بآخر على سورين:

1- السيناريو الأول: وصول الأطراف المتصارعة، وكذلك البيئة الإقليمية والدولية إلى قناعة بعدم قدرة أي طرف على حسم الأمور لصالحه. وبالتالي الوصول إلى تسوية سياسية تؤدي إلى الحفاظ على الدولة السورية وبشكل يراعي مصالح الأطراف السورية الرئيسية المختلفة. وقد ينشأ عن ذلك نظام ضعيف وغير مستقر مركزياً، لأنه سيحاول التعبير في وقت واحد عن مصالح فئات متصارعة ومتنافسة، وكما قد يضطر النظام الجديد للانكفاء على نفسه والانشغال في إعادة بناء الاقتصاد والبنى التحتية، وفي إعادة اللُّحمة الاجتماعية، أي “إطفاء الحرائق” التي سَعَّرتها سنوات الصراع الذي أخذ في بعض أشكاله أبعاداً طائفية وعرقية. وهو وضع قد يحمل عناصر التفجير في داخله إذا أصرَّت بعض الأطراف على أولوياتها الخاصة ومصالحها الذاتية.
وهذا الوضع، وإن كان يحمل استقراراً ظاهراً، لكنه سيمثّل حالة مقلقة في سورية، وقد يجدون أنفسهم ضحايا المناورات السياسية أو الضغوط الخارجية؛ مع سلم أجندة وأولويات النظام السوري المحتمل تَشكُّله.  غير أنه في الوقت نفسه سيمكن الكثير من السورين من العودة إلى مساكنهم واستئناف حياتهم المعتادة، مع احتمال فقدان لبعض المزايا التي كانوا يتمتعون بها.

2- السيناريو الثاني: اتجاه الدولة السورية نحو التفكك، وقد ينتج عنه قيام دويلات ضعيفة على أساس طائفي أو عرقي (سني، علوي، درزي، كردي). وهنا يُطرح مستقبل وجود س في هذه الدويلات بقوة، وإعادة تعريفهم كمسلمين سنّة أو كعرب، وإعادة موضعتهم جغرافياً بناءً على ذلك، بمعنى أن اللاجئ سورين سيخضع كلياً لطبيعة الكيانات السورية التي ستتشكل، وسيكون محكوماً ربما بأجندتها وبرامجها، التي لن تكون في محصلتها متشابهة أو منسجمة تجاهه. لذلك سيتطلب هذا بذل جهود مضاعفة للتنسيق والتشبيك بين المكون السورين في ظلّ هذه الكيانات، وإلا فإن حالة التفكك والتجزئة ستلقي بظلالها تشظياً وتشرذماً في الواقع. كما أن بعض هذه الكيانات قد تلجأ لقوى خارجية في سبيل المحافظة على نفسها، وهو ما سيعطي فرصة للتدخل الإسرائيلي الأمريكي لفرض حمايات تنعكس سلباً على الإنسان السوريه.
أو تأخذ بعض الكيانات بعداً طائفياً معادياً أو غير قادر أو غير راغب في استيعاب اللاجئ السورين ذو الخلفية الإسلامية السنية.
وهو سيناريو خطير ليس فقط على سورية بل وعلى الأمة كلها. وقد يدفع السورين ثمن هذا السيناريو مزيداً من الإيذاء والتهجير أو انتقاصاً من حقوقهم.

3- السيناريو الثالث: هو استمرار حالة الصراع والتدافع بين كرٍّ وفَرٍّ وتوسُّعٍ وانكماش في المدى المنظور، بحيث تبقى سورية لبضع سنوات قادمة على الأقل بؤرة للتوتر وتصفية الحسابات بين القوى المحلية والإقليمية والدولية. وهو ما يعني استمرار الأزمة والمعاناة السورية ومعها معاناة اللاجئين السورين الذين قد يستمرون في التناقص في سورية مع استمرار بحثهم عن مواطن لجوء واستقرار جديدة؛ مما يؤدي إلى ضمور المجتمع في سورية إلى حدّ كبير.

4- السيناريو الرابع: السيناريو النهضوي الوحدوي الذي يتجاوز البعد الطائفي والعرقي، ويتمكن من تقديم طرح قوي، يستوعب الجميع، ويعبّر عن إرادة شعوب المنطقة بعيداً عن الديكتاتوريات المحلية أو التدخل الخارجي. وهو ما قد يعطي فرصة انطلاقة جديدة الى تجتمع عليها الأمة وتتوحد بوصلتها باتجاهها.  غير أن هذا السيناريو بحاجة إلى طاقة هائلة وقوى فاعلة على الأرض تتحرك باتجاه تحقيقه، مع تزايد إدراك القوى المختلفة لمخاطر السيناريوهات الأخرى.

أما السيناريو المرجح، فيبدو أن أزمة ومعاناة السورين ستستمر في السنتين أو الثلاث القادمتين على الأقل، حيث يترجح السيناريو الثالث المرتبط باستمرار حالة الصراع وعدم الاستقرار، بانتظار وصول الأطراف الداخلة في الصراع إلى قناعات باتجاه أي من السيناريوهين الأول والثاني.

أما السيناريو الرابع فما زالت حظوظه الحالية ضعيفة، لكنها ستأخذ في التزايد البطيء على المدى المنظور مع نمو القناعات بجدواه، ومع قدرة الأطراف الإسلامية والوطنية المعتدلة على تقديم نموذجها الحضاري في ضوء حالة الإحباط الشامل من الخيارات الأخرى. وستزداد حظوظ هذا السيناريو إذا ما فشل الانقلاب في مصر، وإذا ما توقفت أو تراجعت الموجة المضادة لـ”الإسلام السياسي” في المنطقة.

التوصيات:
1- ضرورة إيجاد مرجعية سوريه موحدة تملك رؤية سياسية واحدة لمقاربة وضع اللاجئين السورين هناك، والعمل على حمايتهم وتحييدهم وفق محددات لدورها، أبرزها مواجهة وإفشال مشاريع تصفية قضية اللاجئين، ومنع استخدام اللاجئ في معارك الأطراف المتنازعة في المنطقة.
2- حفظ حقوق ومكتسبات ، وصيانة وحماية الشخصية الاعتبارية للشعب السوريه ، خاصة في دول الطوق، وخدمته والانحياز إليه والدفاع عن حقوقه في أماكن إقامته.
3- هناك حاجة ملحة لترسيم العلاقة بين السورين اللاجئ والأنظمة السياسية المضيفة، في إطار تحشيد الموقف الرسمي والشعبي ، وبشكل لا يُستخدم فيه السورين في معارك وتناقضات هذه الأنظمة الداخلية والخارجية.
4- لا بدّ من العمل الجاد لإطلاق مؤسسات لرعاية عوائل الشهداء والضحايا ، وكذلك رعاية الجرحى والمعوقين، بالإضافة إلى تنشيط وتفعيل المؤسسات القائمة.
5- تشكيل فرق عمل حقوقية تخصصية لمتابعة المعتقلين والمطلوبين والمطاردين في داخل سورية وخارجها، وتكوين فرق عمل اجتماعية من وجهاء عائلات وعشائر، استعداداً لأي مصالحة مجتمعية.

الوسوم

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق