الجماعات الاسلاميةالدراسات البحثيةالمتخصصة

السياق الفكري والمؤسسي الذي ادي الي ظهور صلاح الدين

 

اعداد الباحث  : عماد ادهم مصطفي  – المركز الديمقراطي العربي

اشراف : د . امل حمادة

 

مقدمة:

دائما ما تميل الطبيعة البشرية الي ذكر الامجاد و التآسي بالابطال القدامي بالاخص فى ظل اللحظات التي تمر بها من ضعف و هوان و انسحاق امام الاخر . فلا عجب ان نري المفكرين و الساسة و رجال الفلسفة و علماء المسلمين كثيرا ما يستشهدون بالناصر صلاح الدين الايوبي شخصيته و انتصاراته مدللين بذلك على تلك الروح الاسلامية فى مواجهه التحديات و الاخطار .

بيد ان الاسلوب الذي يتبعه الكثيرين يبدا باستعراض للحملات الصليبيية و المجازر التي حدثت فى الشام و رافقت احتلال بيت المقدس ثم يتم القفز قرابة نصف قرن من الزمان لينتقل الحديث عن حركة الجهاد الاسلامي التي قادها آل زنكي ثم صلاح الدين و التي كان من ثمارتها تخليص بيت المقدس و تطهير المقدسات من المحتل الغربي و هذا الاسلوب يقود الي ان ما تحتاجه الامه فى معركتها الحالية مع الازمات الداخلية و الخارجية هو قائد مسلم مجاهد يثير فى النفوس الروح و يشحذ الهمم و يعلن المعركة و لعمري ان هذا الاسلوب مغلوط و خطر لاسباب 3 تدور فى ان هذا الفهم يبعدنا عن ادراك المرض الحقيقي الذي يخترق جسد الامة الاسلامية من داخلها و يجعلها قابلة للهزيمة منسحقة امام المستعمر الغربي مما يجعلها منشغلة بالعرض دون المرض و الحقيقة الاجتماعية و التاريخية و العبر المأخوذة من الامم و الشعوب هي ان الامة المريضة و الضعيفة داخليا لا تنجز ولا تنتصر خارجيا و يستحيل على امه ينخر التخلف و العصبية و الجهل فى جسدها ان تقاوم مستعمر او تنتصر على محتل و المعقول هو انه اذا اتم الله شفاء الامة من امراضها الداخلية و تم علاج عقول و انفس افراد المجتمع فى هذه الحالة يسعنا اذن الحديث عنالانتصارات و المعارك التي تحتاج لقائد مجاهد . السبب الثاني يدور فى ان هذا الفهم لا يوجه الا ناحية العمل الفردي و يحول دون العمل الجماعي فهو يعطي صورة خاطئة حين يسعي الي ظهور صلاح الدين بكونه احد الاساطير من جديد باعتباره نبتة ظهرت دون مقدمات بلا مبرر اجتماعي او اخلاقي و لكنه ظهر هكذا كمان انه يضع القائد و الامة فى غير موضعهما فيجعل الحل كله فى يد قائد و ما علي الامة الا ان تنتظر ظهوره مما ينمي فى القادة روح الفردية و الانفراد بالعمل مما يؤدي الي الارتجال و الصراعات الفردية اما الامة فهو يستبعد دورها فى المسئولية و يطمس فى عقول الافراد مفهوم المسئولية الجماعية التي لابد ان تطول كل فرد مسلم مما يجعلها تتثاقل فى الارض امام صور العجز و الفشل تحت دعوي انتظار القائد الملهم الاسطورة فلعله المهدي المنتظر … !! ..  بالاضافة الي ان هذا الفهم ينسي تماما فلسفة الزمن و اختلاف المجتمعات و تباين الازمنة و التحديات بين عصر الناصر صلاح الدين و بين القرن الواحد و العشرين و ما بعده مما يجعل الامة فى فجوة زمنية تامة .

نعتقد انه فى ظل ما تمر به البلاد الاسلامية من محن و تدني حضاري على مستويات الاجتماع و السياسة و العلم و الاخلاق و فى ظل سيطرة الحضارة الغربية على مقدرات المجتمع الانساني و اختراقها للعقل المسلم منذ ما يقرب من 3 قرون من الزمن كان لزاما على العقل المسلم البحث فى اسباب الضعف و التدني و البحث التاريخ لمعرفة اين كنا و اين اصبحنا و الي اين نسير ولا جدال ان صلاح الدين الايوبي و من كانوا معه صفحة مهمة فى تاريخ الحضارة الاسلامية خاصة عند النظر الي صلاح الدين باعتباره جزء من كل وليس مجرد اسطورة فردية ظهرت فى غفلة من الزمن لا بل النظر اليه باعتباره جزء من كيان و نتاج مجهودات شاقة افرزت لنا جيل كامل استطاع انقاذ المسلمين داخليا و خارجيا مما مهد لظهور دولة مثلا دولة المماليك فى مصر و العثمانيين فى الاناضول و ما كان لهما من سيادة على العالم القديم فى العصور الوسطي . و من ثم نستطيع البحث فى الاسباب التي تداعت بعد ذلك و ادت الي انيهار هذا المشروع فى القرون المتعاقبة منذ اواخر عصر سلاطين المماليك مرورا بالحكم العثماني للبلاد الاسلامية الذي بدأ يافعا قويا و انتهي مريضا ضعيفا جعل من المسلمين امة ممزقة تعاني من التغريب و ضياع الهوية .

المشكلة البحثية :

ما بين رسم اسطورة صلاح الدين فى عقول المسلمين و ما بين التقليل من مكانته تدور سطور هذا البحث الذي يتحدث حول التعامل مع شخصية صلاح الدين باعتباره احد افراد امة اسلامية كانت منسحقة امام العدو منهزمة تماما اخلاقيا و سياسيا و عسكريا و اصبحت فى اوج عصور نهضتها الحضارية و ما بين ذلك و تلك زمن لا يزيد عن نصف قرن . لذلك كان لابد من دراسة هذا التغير الذي حدث و انتج بدوره الناصر صلاح الدين ومن معه . و يتلو ذلك التنقيب عن اسباب عدم استمرار هذا الجيل و ما بهذا المشروع من عيوب وجب علينا البحث فيها من اجل التنبيه و العمل علي تفاديها .

ان البحث فى تفاصيل هذا التغيير الذي طرأ على امه كانت منسحقة منهزمة انهزام عقلي و اخلاقي قبل ان يكون انهزام عسكري و سياسي انه يستدعي الاجابة على سؤال هو ما يدور حوله هذا البحث و هو سؤالي الرئيسي :” صلاح الدين – ظاهرة فردية ام نتاج عمل جماعي و جزء من كل و عضو فى مجتمع ” ..و هذا هو سؤال البحث الاهم الذي تتفرع منه اسئلة يتم الاجابة عليها من خلال الفصول المكونة للبحث .. فتكون تلك الاسئلة كالتالي : 

1- ماهي المفاهيم و التصورات الفكرية التي كانت تسود الامة ابان ظهور الصليبيين على مسرح الشرق ؟
2- ما اثر هذه المفاهيم و التصورات فى جعل المسلمين امة قابلة للهزيمة متبلدة لا تقدر على المقاومة ؟
3- ما هو السياق الفكري الذي لعب الدور الاكبر فى تأسيس جيل صلاح الدين ؟
4- من المسئولين عن تكوين جيل صلاح الدين ؟ و ما نتائج هذا الجيل ؟ وهل هو بالفعل جيل ام مجرد حوادث فردية ؟
5- ما العبر المراد توضحيها من دراسة ” جيل ”  صلاح الدين ؟
6- ماهو المصير الذي آلت اليه مدارس الاصلاح ؟
7- كيف يمكن تقويم استراتيجية التغيير تلك التي ادت لظهور صلاح الدين ؟

اهمية الدراسة :

ان المصادر التاريخية التي كتبت الاحداث التي يتناولها البحث و التراث الحضاري للامة الاسلامية فى تلك الحقبة الزمنية المهمة و الحساسة فى تاريخ المسلمين و العالم تبين بشكل واضح ان صلاح الدين الايوبي ليس اسطورة ولم يكن فى بدايته سوي عنصر من عناصر الجيل الجديد الذي مر بتغيرات  فى الافكار و القيم و التقاليد و الذين قادوا عملية التغيير هم افراد عاشوا الاحداث و ذاقوا مرارة الهزيمة و الانحراف الفكري و الممارسات المنافية للحضارة الاسلامية الي ان ذاقوا حلاوة الانتصار و استخلصوا من الهزيمة العبر و الحكم التي جعلتهم يضعون فلسفة و استراتيجة لتغيير ما بانفس القوم من انحراف و الخطوات المتعاقبة التي سوف نورد ذكرها فى اثناء الحديث عن المنهج او الفلسفة المتعبة فى هذا البحث .. لذلك فان اهمية هذا البحث تأتي فى انه يدور فى فلك البحث فى الافكار و الاستراتيجيات التي نصرت القوم على المحتل دون البحث فى العوامل الفردية البحتة التي يتخذ منها الكثير من المؤرخين منطلق للحركة و البحث فى التاريخ .

ولا شك ان الوقوف على تفاصيل هذا التغيير و كيف انقلبت الهزيمة انتصارا  و البحث فى مظاهر هذا التغيير خاصة اذا تم تناول الفترة التي سبقت الهزيمة و ما بها من افكار و معتقدات جعلت من الامة موطن مناسب للهزيمة ، يقدم لنا العبر و الدروس التي لاشك انها مفيدة لنا فى التعامل مع المحن التي تواجه الامة الاسلامية خاصة الضعف المتأصل فى الكيان الداخلي للامة افرادا و كيانا و الاخطار التي تهددنا من الخارج

الهدف من الدراسة :

وضعنا  لهذا البحث هدفين هدف من اجل التاريخ وهدف من اجل الحاضر والمستقبل . اما الاول فهو اثبات ان صلاح الدين الايوبي ذلك القائد هو فرد من كيان امة و جزء من كل متكامل و احد من عاصر الهزيمة و مر بالتغييرات الفكرية الي ان انتصرت الامة على يده فى ملحمة حطين فنريد اثبات ان صلاح الدين ليس ظاهرة و لكنه نتاج عمل و مجهود شاق . اما  الثاني فهو اظهار العبر و الحكم التي يجب ان نخرج بها من دراسة جيل صلاح الدين و شخصية صلاح الدين من اجل الاستفادة منها فى محنة المسلمين الحالية لعل و عسي نكون قد قدمنا ما يكتب لنا فيما بعد و ان نكون ساهمنا بما نستطيع .

النطاق الزماني و المكاني :
الزمن ” ما بين القرنين التاسع و الحادي عشر الميلادي ”
المكان ” املاك الخلافة العباسية و الفاطمية و دولة السلاجقة ”

المنهج :
يقوم المنهج المعتمد عليه فى هذا البحث علي اساس فلسفة تاريخية تدور فى فلك مكون من قسمين او مبدأين اولهما ان المجتمع اى مجتمع مكون من 3 مكونات هي الافكار و الاشخاص والاشياء و من خلال العلاقة و التبادل بين الثلاث مكونات تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية و القيم و الولاءات و مناهج الفكر و السلوك ، يكون المجتمع في قمة عنفوانه الحضاري و الاخلاقي حين تدور الاشخاص و الاشياء في فلك الافكار التي تقوم بدور السيادة و الملك عليهم .
اما حين يكون الولاء للاشخاص هو الاصل و تدور الافكار و الاشياء حول الاشخاص تظهر فى  المجتمع في هذه الحالة الهيمنة اي هيمنة الافراد واصحاب القوة والنفوذ و يسخرون الفكر و الاشياء لخدمة مصالح الافراد و تظهر السطحية و العصبيات و المذهبية و ذلك انذار بما اصاب المجتمع من مرض .

اما حين يدور الاشخاص و الافكار في فلك الاشياء فتلك كارثة كبري تنذر بانهيار الحضارة حيث تكون السيطرة لاصحاب الاموال و صناع الشهوات و تسود قيم الترف و الاستهلاك و تمزق المجتمع و تتحول الافكار و القيم الي سلع تستخدم كدعايا و يكون الهم الاكبر للافراد هو شهواتهم من طعام و شراب و جنس من اجل ارضاء شهواتهم الجسمانية ولا يوجد مكان للمعرفة القلبية و العقلية او الروحية . و فى تلك المرحلة يلفظ المجتمع انفاسه و فى ذلك يقول احدهم ان فى هذه المرحلة نكون كالجاهلية  “همة احدهم لا تتعدى بطنه و فرجه لا يعرف معروفاً ولا ينكر منكر .

و المبدأ الثاني يقول ان السلوك الانساني هو قصد و حركة و أن القصد يتجسد فى الفكر و الارادة و الحركة تظهر على هيئة تعبيرات و ممارسات عملية .

السلوك الانساني يتكون من حلقات خمس يولد بعضها بعضا فتبدا الحلقة الاولي فى الخاطرة التي تظهر نتيجة تعامل الانسان مع المؤثرات البيئية من حولة ثم ياخذ العقل الخاطرة ليضعها فى قالب المعقول و الديني و الثقافي ثم تأتي الحلقة الثانية وهي الفكر الذي بدوره يكون مع العاطفة الحلقة الثالثة و هي الارادة التي بعد ان يتم صياغتها و قولبتها تنتج الحلقة الرابعة وهي التعبير و من ثم تتحرك الاعضاء و الاجساد لتعطي الحلقة الاخيرة الخامسة وهي الممارسة و الكسب كما يقول الله فى القرآن الكريم ” يعلم سركم و جهركم و يعلم ما تكسبون” فالسر يشير الي الخاطرة و الفكر و الارادة و الجهر هو التعبير و الكسب هو الممارسة .

من هذا النسق يمكن القول ان الظاهرة الاجتماعية تبدا بالفكر الذي ينتج غايات معينة بدورها تؤدي الي انبعاث الارادة التي تنتهي بالممارسة و الفعل الذي يؤدي الي الانجاز سوا متقدم او متخلف فى ميدان الحياة.

والسؤال هنا كيف يمكن الحكم على التغيير او الممارسة فى المجتمع بالايجاب او بالسلب و فى هذا البحث نتبع المنهج القرآني حيث يقول رب العباد :” ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ” وذلك هو الايجاب و يقول ايضا :” ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتي يغيروا ما بأنفسهم  ” وذلك هو السلب . و من ذلك ما يتطابق مع قول النبي الكريم :” وان فى الجسد مضغة اذا صلحت صلح الجسد كله و اذا فسدت فسد الجسد كله الا  وهو القلب .” و القلب هنا له قوتين الفكر و الارادة و حين يتم التزاوج بينهما تنتج حلقتي السلوك وهما الفكرة و الارادة قبل الثالثة وهي الانجاز العملي .

 

وضع القرآن الكريم قوانين للتغيير لا يتم الا بها وهما ثلاث نتلوهم تباعا .
1- التغيير يبدأ من الانفس ثم يعقبه تغييرا فى الميدان الاجتماعي و الاقتصادي و السياسي و العسكري و الاداري و سائر مجالات الحياه العامة و الانفس هنا تحمل معني واسع شامل يجمع ما بين الافكار و القيم و العقائد و الاخلاق و الثقافة  والعادات و التقاليد بالاضافة الي التصور حول الكون و الاله و المصير و عله الوجود الانساني .
2- التغيير لا يحدث الا اذا قام “الناس” مجتمعين و ليس الافراد كأفراد بتغيير ما بأنفسهم
3- التغير المثمر يحدث حين يبدأ “الناس” بدورهم فى تغيير ما بأنفسهم و ان احسنوا ذلك تبعه تغيير مثمر فى مجالات الحياه المختلفة .

ان الالتزام بهذه الفلسفة التاريخية فى دراسة الاحداث و مناهج التغيير يقودنا الي حقيقتين :
1- ان فترات القوة و التحصين فى التاريخ الاسلامي ظهرت حين اتحد الاخلاص بالاردة و الصواب فى الفكر بالعمل و اذا غاب احدهما فلا امل ولا فائدة من اي تضحيات تقدم
2- التاريخ برهن على انه حين تقوم شبكة الولاءات فى المجتمع على اساس الايمان و الولاء التام الكامل بافكار الرسالة ايا كان نوعها تلك التي تعيش من اجلها الامة و تحيا بها فان كل فرد فى المجتمع يصبح مصانا و محترما فى حياته و مماته مهما اختلفت اراؤه مع الاخرين اما حين تكون شبكة العلاقات و الولاءات فى المجتمع تقوم على اساس العصبيات و المذهبية و الاقليمية ومن ثم الدوران فى فلك الاشخاص يصبح الانسان ارخص ما فى المجتمع .

تلك هي الخطوط العريضة لفلسفة التاريخ المتبعة فى البحث .

الدراسات السابقة :

يمكن القول ان اغلب الدراسات التي تناولت عصر صلاح الدين الايوبي و فترة الحروب الصليبية اتخذت منهجا مغايرا عما نحن بصدد البحث من خلاله فالكثير من المؤرخين و الكتاب اعتمدوا على نوعين من الكتابات الاول يتمثل فى الدافع التحفيزي اى الكتابة من اجل تحفيز الامة بالطاقات المعنوية لمواجهه التحديات و دراسات اخري تتناول حياة صلاح الدين و نور الدين و غيرهما من ابطال الحروب الصليبية و لكن يظهر فيها الفردانية حيث يتم التعامل مع صلاح الدين كفرد مركزين على شخصيته شخصية القائد البطل دون النظر فى الحياه العامة و الظروف المجتمعية المحيطة به غاضين الطرف عن النخبة التي كانت موجودة فى مراحل عمر صلاح الدين و بالتالي اهمال المجهودات الجماعية و التركيز فقط على شخصية البطل سواء كان صلاح الدين او نور الدين و بالتالي لا تتم الدراسة على اساس البحث فى قوانين التاريخ و فلسفة التغيير واضعين التاريخ فى فلك الاشخاص العباقرة لا فى فلك الفكرة مما يودي بالامة الي الاستكانة و يجعلها تنتظر ظهور صلاح الدين .

تقسيم الدراسة :

الفصل الاول : ” المسلمون فكرياً قبيل الحملات الصليبية ”
المبحث الاول : مذهبية الفكر الاسلامي
المبحث الثاني: الباطنية
المبحث الثالث: الفلسفة

الفصل الثاني :”السياق الفكري ”
المبحثالاول: الامام ابو حامد الغزالي
المبحثالثاني : الامام عبد القادر الجيلاني
المبحثالثالث : التنسيق بين مدارس الاصلاح

الفصل الثالث : ” السياق المؤسسي”
المبحثالاول: الحياة السياسية و الاجتماعية قبيل الغزو الصليبي
المبحثالثاني : اخراج امة المهجر ” الدولة الزنكية”
المبحثالثالث : التعاونبينمدارسالاصلاحودولةآلزنكيودولةصلاحالدين
المبحثالرابع : الاعداد العسكري
المبحث الخامس : الوحدة السياسية و تحرير بيت المقدس

الفصل الرابع :” العبر ”

الفصل الأول ” المسلمون قبيل الحملات الصليبية ”

بالنظر الي طبيعة الاشياء و عوامل انهيار الحضارات و تقدمها و من خلال القاء نظرة عامة على احوال المسلمين قبيل الحملات الصليبية نجد ان تلك الهزيمة و الانهيار المتتالي امام حملات الغرب المسيحي ماهي الا نتاج ما كان يسود العالم الاسلامي من افكار و معتقدات و قيم و عادات و معايير و اسس ينبني عليها المجتمع و العلاقات بين الافراد و ذلك لان الممارسات التي تجري فى ميادين السياسة و الاجتماع و الاقتصاد لابد وان تكون الحلقة الاخيرة فى السلوك فهو يبدأ بخاطرة او عاطفة تتبلور فى فكرة عقلية ثم الارادة لتطبيق تلك الفكرة و ينتهي ذلك بالممارسة فى الميادين السالف ذكرها  .. و عليه فإن محاولة فهم ما كانت تجري عليه الامور فى العالم الاسلامي قبيل الغزو الصليبي ينبغي ان تبدأ بفهم القيم و المعتقدات السائدة و الفاسدة بطبيعة الحال التي جعلت الانهيار سهل و يسير و ذلك انطلاقا مما يقرره الله العلي فى كتابه حين يقول :” ذلك بأن الله لم يك مغيرا نعمة انعمها على قوم حتي يغيروا ما بأنفسهم ” – الانفال 53 و حين يتم اسقاط ذلك المبدأ الالهي على احوال المسلمين فى تلك الفترة نجد ان المكون الفكري و القيمي للمسلمين دار حول صفات سلبية تمثلت فى الصراع المذهبي و الفكري و تدهور التصوف و تحديات الفكر الباطني و الفلسفة .. تلك امور اربعة يدور حولها هذا الباب كمقدمة لفهم ما كان يدور فى اروقة المجتمع الاسلامي فى تلك الحقبة …

المبحث الاول : مذهبية الفكر الاسلامي
المبحث الثاني: الباطنية
المبحث الثالث: الفلسفة

 

المبحث الاول : مذهبية الفكر الاسلامي

ان المسلمين قد اختلفوا الي مذاهب في مجالات الاعتقاد و السياسة و الفقه و قبيل الحديث عن اسباب ذلك الاختلاف الذي انتج المذاهب والفرق يجب التنويه الي عده امور نراها مهمة لعل ما اورده الامام محمد ابو زهره فى كتابه تاريخ المذاهب الاسلامية يمكن ان يوضح ذلك حيث انه قال :” ان هذا الاختلاف لم يتناول لب الدين فلم يكن الاختلاف فى العبادات ولا فى القران نزل من عند الله العلى القدير وانه معجزة النبي الكبرى ولا انه فى يروى بطريق متواتر نقلته الاجيال الاسلاميه كلها جيلا بعد جيل ولا فى اصول الفرائض كالصلوات الخمس والزكاة والحج والصوم ولا فى طريق اداء هذه التكليفات وبعبارة عامة لم الخلاف فى ركن من اركان الاسلام ولا فى امر علم من الدين بالضرورهكتحريم الخمروالخنزير واكل الميته والقواعد العامة للميراث وانما الاختلاف فى امور لا تمس الاركان ولا اصول العامه . الامر الثانى :انهذا الاختلاف بلا ريب شر بالنسبة للاختلاف حول بعض العقائد وحول السياسة ولذلك روى البخارى عن(زينب بنت جحش انها قالت استيقظ النبى صلى الله عليه وسلم ووجهه محمرا يقول لا اله الا الله ويل للعرب من شر قد اقترب ) ويشير النبى الى ما يجرى بين المسلمين من خلاف من بعده . واذا كان افتراق الامه حول العقائد شرا فانه يجب ان نقرر ان الاختلاف الفقهى فى غير ما جاء به من نص من الكتاب والسنه لم يكن شرا بل كان دراسه عميقة لمعانى الكتاب والسنه وما يستنبط منها من اقيسه ولم يكن افتراقا بل كان خلافا فى النظر وكان يستعين كل فقيه باحسن ما وصل اليه الفقيه الاخر ويوافقه او يخالفه وكان عمر بن عبد العزيز يسره اختلاف الصحابه فى الفروع . [1]

ان الاختلاف بين المسلمين يرجع لاسباب كثيرة منها العصبية او الدعوة الي التمييز على اساس القبيلة علي الرغم من ان هذا المبدأ دوما ما نهي عنه القرآن الكريم و رسول الله صلي الله عليه و سلم حيث ورد فى الحديث انه قال : ” ليس منا من دعي الي عصبية ” و قوله صلي الله عليه وسلم :” كلكم لآدم و آدم من تراب لا فضل لعربي علي اعجمي الا بالتقوي ” و لعل هذا الخلاف القبائلي كان قد اختفي تماما فى صدر الاسلام خصوصا فى العصري النبوي و خلافة ابي بكر و عمر رضي الله عنهما الا انه عاد للظهور فى فترة خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم بعث مرة اخري فى الخلاف بين الامويين و بني هاشم و انتشرت فكرة القبلية بين الخوارج و على الرغم من ذلك يمكن القول ان تأثير القبلية فى احداث الخلاف العقائدي او الفقهي بين المسلمين ربما يكون اقل المبررات المقبولة الا انه لا يمكن انكاره نظرا لوجوده ولو بتأثير اضعف من غيره . و لعل مجاورة المسلمين لكثير من اهل الديانات القديمة و دخول بعضهم الاسلام له بالغ الاثر في ذلك فعندما ” دخل كثيرون من اهل الديانات القديمة فى الاسلام فدخل فى الاسلام يهود و نصاري و مجوس و كل هؤلاء فى رءوسهم افكارهم الدينية الباقية من دياناتهم القديمة و قد استولت علي مشاعرهم فكانوا يفكرون فى الحقائق الاسلامية علي ضوء اعتقاداتهم القديمة وقد اثاروا بين المسلمين ما كان يثار فى دياناتهم من الكلام فى الجبر و الاختيار و صفات الله تعالي اهي شىء غير الذات ام هي و الذات شىء واحد و انه يجبب ان نقرر انه كان بجوار هؤلاء الذين دخلوا مخلصين اخرون دخلوا فى الاسلام ظاهرا و ابطنوا غيره وما كان دخولهم الا ليفسدوا على المسلمين امور دينهم و ليبثوا فيه الافكار المنحرفة و لذا وجد من نشروا بين المسلمين اهواء مردية كما كان يفعل الزنادقة و غيرهم ” [2] . الي جانب ذلك يمكن اعتبار ايضا ان حركة الترجمة التي انتشرت فى الدولة الاسلامية خاصة الترجمة عن اليونانية و قراءة المسلمين لفلسفة اليونان كان لها اثر هام فى هذا المجال حيث تم طرح عديد من القضايا الفلسفية التي اثارت الخلاف بين الاسلامية الي جانب ذلك لا يمكن اغفال ما يسمي فى الشريعة الاسلامية الامور المتشابهات كما ورد فى النص القرآني بالاضافة الي عوامل سياسية مثل الصراع على الحكم و التقرب من السلاطين و الامراء و حب الشهرة و الجاه .

بالنظر الي الفترة التي نحن بصدد الحديث عنها و هي قبيل الحملات او الحروب الصليبية يمكن القول انه على الرغم من ان المجتمع الاسلامي الذي عاصر الحرب الصليبية لم يعدم الرجال المخلصين و الدعاة الي الحق بالحق و مع وجود نشاط اسلامي الا انه افتقد الي المنهج القويم و اتسم بالانقسام و المذهبية لذلك ظلت الجهود تضيع دون نتائج مهمة .

فى تلك الفترة ذاع صيت الاشاعرة الشافعية الذين اشتهروا بالقدرة الفعالة على الرد عن تيار الفلسفة و الباطنية و ظهر علماء افذاذ امثال الامام ابي حامد الغزالي و استاذه الامام الجويني و الاثنين لهما دور بالغ الاهمية فى تهيئة ما نسميه جيل صلاح الدين . و لعل الامام ابي الحسن الاشعري الذي تنسب الي اسمه المذهب الاشعري الذي هو بمثابة المتحدث الرسمي باسم اهل السنة و الجماعة السواد الاعظم من الامة الاسلامية فى مسائل علم الكلام و اصول الدين لعل هذا الامام يعتبر حجر الزاوية فى افكار الائمة الذين اسسوا المدارس الاصلاحية التي ظهر بفضلها قادة امثال صلاح الدين الايوبي و سنعود للحديث عن دوره بشكل تفصيلي فيما بعد .
و اشتهر ايضا الحنابلة في تلك الفترة و انجبوا علماء افذاذ لهم باع فى الحماسة و جذب الجماهير مستغلين فى ذلك ما عانوا منه من الاضطهاد و الاذي فى ايام كثيرة مستشهدين بما تعرض له الاب المؤسس وهو الامام احمد بن حنبل رضي الله عنه .

و علي الرغم من ذلك الدور الكبير الذي لعبه الحنابلة و الشافعية و الاشاعرة فى ذلك الوقت من تاريخ الامة الاسلامية الي ان كل فريق كان يفتقد الي التكامل مع الاخر من خلال المنهج الشامل للعمل الاسلامي الذي لا يتم فيه التركيز على الخلافات الفرعية و التفصيلية بل يتم العمل على ابلاغ الرسالة المحمدية بافضل صورة و شكل ممكن بالاضافة الي ذلك فقد عانت المدارس الاسلامية فى ذلك الوقت من ان ” ولاء الجماعات كان لانتماءاتها المذهبية اكثر من ولائها للفكرة التي حملتها او للامة التي تنسب اليها . لقد نشأت هذه الجماعات فى الاصل كمدراس فكرية مثل مدرسة سفيان الثوري و ابي حنيفة و الشافعي و ابن حنبل ولم تكن الا تخصصات فى اطار الرسالة الاسلامية الواحدة و كان اغلب رجالتها قد تتلمذوا على يد بعضهم البعض و ربطتهم المودة و الاحترام المتبادل “[3] .

اثار ذلك الصراع الفكري :

ربما اول ما يمكن ملاحظته من اثار الصراع هو انه اذا اراد بعض رجال مدرسة معينة الخروج عن الانغلاق حولها و التعصب الاعمي و الانفتاح على الاخرين يصبح دوما هدف للاتهام بالنفاق و عدم الالتزام و الخروج على تعاليم المذهب و ذلك مثلما حدث مع الشيخ ابو الوفا عقيل شيخ الحنابلة فى زمانه فقد ثاروا عليه لانه جالس من هم غير الحنابلة فقال : ” و كان اصحابنا الحنابلة يريدون مني هجران جماعة من العلماء وكان ذلك يحرمني علما نافعا” [4] . و ربما اخطر نتائج تلك الظاهرة هو تعطيل الفكر الاسلامي عن الابداع و الاجتهاد فليس كما يشاع ان الاجتهاد توقف بفعل فاعل او بقرار فئة من العلماء فذلك لا وجود له فى الواقع اما الذي حدث هو ان نتيجة الصراعات بين اتباع المذاهب الاسلامية الفقهيه الاربعة المعتبرة من الشافعية و المالكية و الحنابلة و الحنفيه و الصراع العقائدي بين الاشاعرة و غيرهم ادي الي انه بمرور الزمن تحول العلماء من التعامل مع الكتاب و السنة الي الالتزام فقط بما كتبه ائمة المذهب و الانغلاق على ذلك دون مراعاة ما استحدثه العصر من ازمات و مشاكل على الامة الاسلامية .

من نتائج هذه الظاهره ايضا انعكاسها على التعليم و مؤسساته مما ادي الي افساد التعليم و ضياع غايته فاصبح الهدف من التعليم هو فقط اخراج من هم مؤهلين للعمل فى دواوين الحكومة و القضاء و الاوقاف و التدريس فى الجامعات و المدارس و غير ذلك من الوظائف و بالتالي تنافست المذاهب للسيطرة على تلك المناصب والادارات دون الاهتمام بالنظر العقلي و حاجه الامة الاسلامية لمن ينظر فى ازماتها و الاخطار التي تحيط بها . و من نتائج ذلك ايضا اقتصار الفقه على مباحث الفقه التي تتعلق بالمعاملات و العبادات التي تحددت باطار المذهب و اختفت مباحث التزكية و الاخلاق و تأهيل الدعاة بل غلب عليها الدفاع عن اصحاب المذهب و محاولة الانتشار اكثر من محاولة معالجة المشاكل .

يذكر لنا التاريخ الاسلامي الكثير من الفتتن و الاشتباكات التي حدثت بين طلبة المدارس الاسلامية فى تلك الفترة كنتاج للتعصب و الصراع بين شيوخ المذاهب الفقهيه و فى كثير من الاوقات كانت تنهب المدراس و تحرق الكتب ومن ذلك الكثير خاصة فى بغداد .

الاثار السياسية :
تصارع الفقهاء و علماء المدارس و المذاهب الفقهيه ادي الي تحويل اهداف العمل الاسلامي بدلا من تحكيم الشريعة الاسلامية الي تحكيم رجال المذهب انفسهم لا حتي اراءهم الدينية بل اراءهم الشخصية و تلك كانت السمة البارزة فى ذلك العصر فينتهي العمل الاسلامي عند وصول رجال المذهب الي مناصب الافتاء و القضاء و غيرهما مما ادي الي تنافس اكابر رجال كل مذهب للوصول الي السلاطين و التقرب منهم دون النظر الي صلاح هذا السلطان او فساده بل السعي للمكر بالمخالفين و الايقاع بهم من اجل الفوز بحظوه عند السلطان او صاحب السيادة فى الدولة مما ادي الي انتشار اصحاب المصالح الشخصية بصورة طبيعية و توغل الانتهازيين و راغبي الشهرة فى المذاهب الاسلامية حيث وجدوا فيها سبيل للشهرة و كسب الاموال و الجاه فتصدر للعمل الاسلامي الاغبياء و معدومي الفكر و تراجع الاذكياء و العارفين بدروب الحياه الانسانية .

و ازاء تنافس و تكالب المذاهب على حطام الدنيا تحت ستار الدين استخفت الحكومات بالعلماء و المشايخ و الوعاظ و هيمن الامراء على مجال العلم و القضاء و التعليم و صاروا يعينون و يعزلون كما يحلوا لهم هواهم .

و ننتهي من ذلك ان الفكر الاسلامي فى ذلك الحين كا غارقا فى الصراع غير مدرك للاهداف و المفاهيم التي تتناسب مع الاخطار القادمة علي المسلمين و لم يكن لديهم الاستراتيجيات المناسبة لمواجهه هذا الخطر .

المبحث الثاني: الباطنية

ظهرت الحركة الباطنية فى منتصف القرن الثالث الهجري واحدثت ما احدثت من الفتن و القلائل فى ارجاء البلاد الاسلامية و ذلك من خلاف المذهب العقائدي الفاسد الذي يدعونه له الي ان تحول الي جماعات تنشر الرعب فى بلاد المسلمين . ولعل لقب الباطنية لزمهم لانهم جعلوا لكل ظاهر باطن مخالف له بالكلية ولكل تنزيل تأويلا الا ان ” لهم القاب كثيرة سوي هذه علي لسان قوم قوم فبالعراق يسمون الباطنية و القرامطة و المزدكية و بخراسان التعليمية و الملحدة و هو يقولون نحن اسماعيلية لانا تميزنا عن فرق الشيعة بهذا الاسم وهذا الشخص “[5] .

تعتبر افكار الباطنية و العقائد التي دعت اليها هي خليط من افكار و معتقدات شيعية و فارسية و اقوال الفلاسفة و المجوس حيث ذكر البغدادي فى الفرق بين الفرق ان ” الذين وضعوا اساس دين الباطنية كانوا من اولاد المجوس وكانوا مائلين الي دين اسلافهم ولم يجسروا علي اظهاره خوفا من سيوف المسلمين فوضع الاغمار منهم اسسا من قبلها منهم صار فى الباطن الي تفضيل المجوس و تأولوا ايات القرآن و سنن النبي عليه السلام علي موافقه اسسهم “[6] .

ولتبيان العقيدة التي كانت تدعو اليها الباطنية نتتبع ما قاله الامام ابي حامد الغزالي :” اما بالجملة فهو انه مذهب ظاهره الرفض –التشيع- و باطنه الكفر المحض و مفتتحه حصر مدارك العلوم فى قول الامام المعصوم وعزل العقول عن ان تكون مدركه للحق لما يعتريها من الشبهات و يتطرق الي النظار من الاختلافات و ايجاب لطلب الحق بطريق التعليم و التعلم و حكم بأن المعلم المعصوم هو المستبصر وانه مطلع من جهه الله علي جميع اسرار الشرائع يهدي الي الحق و يكشف عن المشكلات و ان كل زمان فلابد فيه من امام معصوم يرجع اليه فيما يستبهم من امور الدين .. و انهم قائلون بالهين قديمية لا اول لوجودها من حيث الزمان الا ان احدهما علة لوجود الثاني و اسم العلة السابق و اسم المعلول التالي وان السابق خلق العالم بواسطه التالي لا بنفسه و قد يسمي الاول عقلا و الثاني نفسا و يزعمون ان الاول هو التام بالفعل و الثاني بالاضافة اليه ناقص لانه معلوله .. السابق لا يوصف بوجود ولا عدم .. فلا هو موجود ولا هو معدوم ولا هو معلوم ولا هو مجهول ولا هو موصوف ولا هو غير موصوف و زعموا ان جميع الاسامي منتفية عنه و كأنهم يتطلعون فى الجملة لنفي الصانع .. و اتفقوا علي انكار القيامة .. و المنقول عنهم الاباحة المطلقة و رفع الحجاب و استباحة المحظورات و استحلالها و انكار الشرائع “[7] .

ولعل من اخطر ما كانت تدعو اليه الباطنية هو انها لكل نصوص القرآن و السنة ظاهرا و باطنا اما الاخير فلا يعرفه الا الامام المعصوم الذي فى مرتبه النبي او يعلوه فقد قاموا بتأويل ايات القرآن و اختلقوا لها المعاني التي هي بعيده كل البعد عن ظاهر النص او المتواتر من تفسيره مما جعلهم يخرجون بالشريعة و العقيدة الاسلامية عن مضامينها و رسالتها التي دعي اليها النبي صلي الله عليه وسلم ” فقد فسروا قول الله تعالي :” يا ايها الذين امنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام ولا الهدي ولا القلائد ولا ءآمين البيت الحرام ” “المائدة: 2 ”  بأن القلائد هم الائمة المستورون والبيت الحرام هو الخليفة الفاطمي و فسروا كذلك قول الله تعالي :” اذا قمتم الي الصلاة فاغسلوا وجوهكم و ايديكم الي المرافق ” المائدة : 6″ هو الاقرار بالامام الناطق الذي يفيض عنه العلم و يوصلنا الي معرفة الله تعالي و ذكروا ان المقصوج بالملائكة هم دعاة الامام الذين ياخذون له العهد علي المستجيبين و يربونهم علي عقائد الباطنية الاسماعيلية التي تمنح شخص الامام الحاكم الريادة العقائدية و السياسية المطلقة و تمنحه مرتبه الهية “[8] .

من ناحية اخري فقد وضع الباطنية قاموسا لغويا للعبادات و العقائد الاسلامية مخالف لما جاء به النبي صلي الله عليه وسلم و اصحابه و ما اتفق عليه ائمة المسلمين علي مر العصور حيث قالوا ان “كل ما ورد من الظاهر عن التكاليف و الحشر و النشر و الامور الالهية هي امثلة و رموز الي بواطن . فمعني الجنابة:افشاء السر . و الغسل:تجديد العهد علي من افشي السر . و الكعبة : النبي . و الباب . عليّ .و التلبية : اجابة الداعي . و الطواف بالبيت سبعا : الطواف بالامام الي تمام السبعة . و النار : الجهل بعلوم الباطنية . و الطهور: التبري من كل مذهب يخالف مذهب امام الباطنية “[9] .

ومن اشهر قادة الباطنية الحسن الصباح[10] زعيم قلعة ألموت الذي يعتبر من اشهرهم و اقواهم نفوذا و جاها بالاضافة الي قوته العسكرية بعد ان سيطر علي القلعة السالف ذكرها و استطاع جلب عقول و مشاعر ضعفاء العوام الي دعوته بدعوي الدين و نصرة آل البيت و افسد علي الناس عقائدهم و رباهم علي الطاعة العمياء و يذكر المؤرخون ان الحسن الصباح كان يستعبن بالمخدرات او الحشيش للتأثير علي اتباعه من اجل طاعة اوامره طاعة عمياء و تنفيذ عمليات الاغتيال و العمليات الانتحارية التي كانت السمة الغالبة لاتباع الحسن الصباح لذلك سموا بالحشاشين .

اما تاريخهم فيحفل بالكثير من عمليات الاغتيال و القتل حيث نسب اليهم قتل الوزير نظام الملك و محاولة قتل صلاح الدين الايوبي و غيرها من عمليات الاغتيال التي كانت منتشرة فى تلك الحقبة من الزمن .

و بالجملة يمكن القول بان دعوة الباطنية تعد من اخطر ما كان يواجه الامة الاسلامية فى ذلك الوقت نظرا لقدرتهم علي جذب العوام و استماله عقولهم عن طريق قدرتهم علي المراوغة و الحيل بالاضافة الي ما كانوا يدعون اليه من فساد عقائدي و ما شكلوه من خطر على الدولة العباسية التي كانت فى احلك اوقاتها و فترات ضعفها الكبري ورغم ذلك كانت الواجهه للعالم الاسلامي بمذهبه السني .

ويعتبر الامام الغزالي رحمه الله فى كتاب المستظهري او فضائح الباطنية اهم من استطاع مواجهه افكار الدعوة البطانية كفكر و و عقائد من خلال كتابه السالف ذكره الذي خصص له الابواب للرد عليهم من حيث بيان عقائدهم و القابهم و السبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة ودرجات الحيل التي يستخدمونها وسبب اغترار العوام بهم كمان انه استطاع الرد علي ما اعتقدوه فى ابواب مثل الالهيات و النبوات و الامامة و التكاليف الشرعية و تأويلاتهم للظواهر وهذا ما سيتم ذكره لاحقا فى باب الحديث عن الامام الغزالي .

المبحث الثالث : الفلسفة

ظهرت الفلسفة بادىء الامر فى القرن الثاني الهجري حيث عرفها العالم الاسلامي من خلال حركة الترجمة عن اليونانية التي انتشرت فى اوج عصور قوة الدولة العباسية الاولي . بدأت الترجمة فى عصر الخليفة المنصور و نشطت و انتشرت الترجمة من اليونانية بالاخص و تم العمل على ترجمة كتب ارسطو و افلاطون فى المنطق و الرياضيات و الفلك و غيرهما من فلاسفة اليونان .

ومن الجدير بالذكر ان المسلمين لم يهتموا كثيرا بالادب اليوناني لما يعتريها من وثنية فى المبدأ و المنتهي الا انهم اهتموا كثيرا بالفلسفة و المنطق اليوناني و تأثر به عدد كبيرا من رجالات الفلسفة الاسلامية الكبار مثل الفارابي و ابن سينا و ابن رشد و الكندي و غيرهم حيث انهم ابدوا بالغ الاحترام لعقل ارسطو و افلاطون و علمهما الواسع و اجلالا لتلك الفلسفة .

نشأ الاتجاه الفلسفي بين المسلمين متأثرا بالمعتزلة من ناحية و بالفلسفة اليونانية بشكل اكبر من ناحية اخري حيث استخدم المعتزلة هذا السلاح  للرد على خصومهم و من بعدهم جاء الكثير من علماء الكلام و استخدموا المنطق اليوناني و اشتغلوا فى الفلسفة من اجل اتخاذها كاسلحة و دروع للرد على خصومهم من المعتزلة و بعض اهل الحديث و ايضا لمواجهه تيارات غير اسلامية و لاثبات العقيدة الاسلامية من الهيات و نبوات من خلال استخدام المعقولات و المنطق اليوناني مثل الاشاعرة و الماتوريدية حيث كان درس اغلب علمائهم الفلسفة و المنطق مثل الامام ابي الحسن الاشعري الذي كان فى بدايته مصاحبا للمعتزلة و الامام ابو حامد الغزالي الذي درس الفلسفة و المنطق و كتب فيهما ما لم يكتبه مثله .

الا انه فى عصور الضعف التي انتابت الخلافة العباسية فى اواخر عهدها وبعد ان سيطر بنو بويه على البلاط العباسي استطاعوا استغلال الفلسفة فى امور مخالفة للعقيدة الاسلامية و محاولين استغلال ذلك فى الصراعات السياسية التي كانت فى ذلك العصر .

ففي رحاب الدولة الشيعية تجد الفاطميون فى مصر استخدموا الفلسفة وخاصة الافلاطونية الحديثة بشكل واسع فى تأييد معتقداتهم فى الامامة و صفات الامام بحيث نستطيع القول بأن الفلسفة كانت احد عناصر ثلاثة كونت المذهب الفاطمي وهي : السياسة و الفلسفة و الدين[11] .

حاول فلاسفة مثل ابن سينا و الفارابي وبما يمتلكانه من عبقرية عقلية و فكرية حاولوا التوفيق بين الدين و الفلسفة ولكن تم نقد تلك النظريات من جانب علماء الكلام خاصة الامام الغزالي الذي صنف الفلاسفة الي 3 اقسام : دهريون انكروا الصانع و قالوا بقدم العالم و هؤلاء هم الزنادقة ، وطبيعيون : اثبتوا الصانع و لكنهم انكروا خلود النفس و ثوابها و عقابها ، و الهيون وهم : سقراط و افلاطون و ارسطوا و اخذ عنهم الفارابي و ابن سينا و هؤلاء علي 3 اقسام اراء مسلمة لهم و اراء تبدعهم و اراء تكفرهم [12] .

وقد كفرهم الامام الغزالي فى 3 مسائل هي قولهم بقدم العالم و انكارهم علم الله بالجزئيات و انكارهم بعث الاجساد و حشرها ” فهذه المسائل الثلاث لا تلائم الاسلام بوجه “[13] .

ومما يؤخذ عن ابن سينا هي نظرية المعرفة التي وضع فيها الفيلسوف على قدم المساواة مع الانبياء ثم خص الفلاسفة بما هو مميز حين قرر ان الفلاسفة استمروا في رسالتهم و ارتقاء معارفهم فى الوقت الذي ختمت فيها النبوة برسول الله محمد صلي الله عليه وسلم .

يري ابن سينا ان الوجود يبدأ بالعقل الفعال “الله” ثم تتلوه مراتب الوجود بحيث تقل كل مرتبة عن سابقتها. و اول مراتب الوجود هم الملائكة ثم الاجرام السماوية ثم المادة ثم العناصر ثم المعادن  ثم الكائنات الحية و ارقي الاحياء هو الانسان الذي يبحث عن البقاء من خلال العيش فى جماعات و المعيشة تلك تطلب قانون موحي به وهذا الوحي يتسلمه الانسان من العقل الاول وهو الله و ارقي بني ادم هم الانبياء و الفلاسفة و الفرق بينهما ان النبي يتسلم الوحي من خلال الاتصال المباشر بالله و بدون تعليم لان قواه العقلية تتفقو على قدرات الاخرين اما الفيلسوف فيتسلم القانون او الوحي من العقل الفعال من خلال القدرة العقلية و التعليم و الجهود المتواصلة . ومن ذلك تجد ان ابن سينا وضع الفيلسوف فى مستوي النبي .

وفى محاولة الفارابي التوفيق بين الفلسفة و الدين فيري ان النبي و الامام و الفيلسوف يرمون الي غاية واحدة فهم واضعو النواميس و المشرفون على النظم الاجتماعي و يستمدون تعاليمهم من مصدر مشترك هو العقل الفعال و هم يتسطعيون الاتصال بهذا العالم الروحاني فى حال اليقظة و اثناء النوم بواسطة الفكر و المخيلة . لقد كان الفارابي يحاول ان يوفق بين الدين و الفلسفة و لكنه اخفق بصورة كبيرة فروح الاسلام لا تقر هذه التأويلات التي تخرج النبوة عن كونها اتصالا بين العالم الالهي و الانساني بصورة خارقة للعادة لذلك لم تسلم تلك الاراء من النقد سواء من المعتزلة او من اهل السنة فالقاضي عبد الجبار يري : ان الله اذا اراد ان يحمل الرسول الرسالة فلابد من ان يوجه اليه الخطاب على وجه يكون معجزا او يقترن به المعجز ليعلم به انه حادث من قبله [14] ، و الامام الغزالي يرد على الفلاسفة بقوله :” بم تنكرون على من يقول : ان النبي يعرف الغيب بتعريف الله عز وجل على سبيل الابتداء وكذا ما يري فى المنام فإنما يعرفه بتعريف الله تعالي او بتعريف ملك من الملائكة فلا يحتاج الامر الي ما ذكرتموه “[15] .

و كان الفيلسوف ابن سينا اخر فيلسوف عملاق فى الشرق الاسلامي كما ان الفلسفة بعده اخذت تتواري كتيار فكري قائم بذاته بعد ان امطرها الغزالي بوابل سهامه فى كتابه “تهالف الفلاسفة ” اولا ثم فى كتابه ” المنقذ من الضلال” الذي اخذ يحذر فيه من النظر فى كتب الفلاسفة .[16] وسوف نورد تلك الردود و الحجج فى باب الحديث عن الامام الغزالي .

اذن يمكن القول ان السياق الفكري الذي ساد الامة الاسلامية فى تلك الفترة التي سبقت اول حملة صليبية على المشرق كان يمتاز بما يلي :
1 جمود مؤسسات الفكر الاسلامي و البعد عن دورها فى ترشيد المجتمع الي مؤسسات حزبية مذهبية منغقلة على نفسها منحرفة عن الاصول القويمة من الكتاب و السنة مفتقدة للمنهج السليم فى العمل .
2 افساح المجال للعقائد و التيارات الفكرية التي تتعارض و تتصادم بصورة كبيرة مع العقيدة الاسلامية و التي لم تستطيع استعياب الظرف التاريخي الذي كان يواجه الامة الاسلامية فى حينها .

الفصل الثاني : السياق الفكري

المبحث الاول: الامام ابو حامد الغزالي
المبحث الثاني : الامام عبد القادر الجيلاني
المبحث الثالث : التنسيق بين مدارس الاصلاح

المبحث الاول : الامام ابو حامد الغزالي

ان الطابع الفردي للمصادر التاريخية التي تؤرخ تلك الفترة من الزمن و التي ركزت فى اغلبها على تتبع حياة الخلفاء و السلاطين و الطابع المذهبي للفكر الاسلامي الذي ظهر فى كتب الطبقات التي حصرت نفسها فى تتبع حياة اعلام و ائمة المذهب قد قضي على كثير من الظواهر الاجتماعية التي تتعلق بحياة الانسان فى ذلك الوقت من تاريخ الامة الاسلامية و اصبح من الصعب رسم صورة كلية شاملة حول هذه الظاهرة التاريخية التي نحن بصدد الدراسة حولها متمثلة فى تلك المدارس او الصحوة و الاحياء الاسلامي الذي حدث مما يجعل من المرهق و الشاق جدا استرجاع الصورة التاريخية لوضعها فى اطار كلي و شامل .

وما وجدناه يتمثل فى انك تلك المصادر او اغلبها تقدم لنا تراجم لاعلام المذهب و الخلفاء و السلاطين دون العمل على محاولة ربط تلك الاحداث فى نسق تاريخي معين يجعلنا ننظر للظاهرة بصورة اكثر شمولا وكلية للاسف .

و بالنظر الي تاريخ نجد ان الامام ابو حامد الغزالي يعتبر بمثابة الاب الروحي لتلك الصحوة الاسلامية لذلك جعلناه بداية الحديث فسوف نستعرض حياته و افكاره و رحلاته و منهجه فى الاصلاح و دور مدارسه الفكرية التي اثرت فى احداث التاريخ و علاقته بالسلاطين و الامراء فى عصره وكيف ساعد الغزالي فى ميدان الاصلاح و التجديد .

1.حياة الامام الغزالي :

هو حجة الاسلام ابو حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي لقبه زين الدين ولد بطوس عام450 هـ – 1058 م ، فتحت تلك المدينة فى ايام عثمان بن عفان رضي الله عنه وبها قبر الامام علي بن موسي الرضا عليه السلام و قبر هارون الرشيد الخليفة العباسي [17] .

اخذ الغزالي علومه الاولية فى بلدة طوس ثم رحل الي نسيابور حيث تفقه على يد الجويني امام الحرمين وهناك ظهر ذكاؤه و تفوقه فاتخذه الجويني معيدا له وفي هذه الفترة صنف الغزالي كتابه “المنخول” وعرضه على الجويني الذي علق عليه قائلا :” دفنتني وانا حي ! هلا صبرت حتي اموت ” [18].

مما لا شك فيه انه لا يمكن فصل التحاق الغزالي بامام الحرمين عن طبيعه الامام الغزالي و عن ظروف عصره و ما انتشر حينها من تيارات فكرية فإمام الحرمين اشعري شافعي و الاشاعرة كانوا يتصدرون المشهد الفكري و الثقافي في ذلك الوقت لذا يمكن القول انهم كانوا الاكثر جاذبية لنفس الغزالي و عقله الذي يتطلع للعلم و المعرفة .
ذاع سيط الامام الغزالي بين العلماء و الفقهاء و بين الامراء و السلاطين ايضا و ازداد شهره حتي قربه الوزير نظام الملك واسند اليه التدرس فى المدرسة النظامية التي اسسها و كان ذلك فى عام 384 للهجرة و لقبه بزين الدين و قدم الي الغزالي طلبه العلم من جميع الارجاء و الانحاء و اقبل عليه العلماء من مختلف المذاهب و المدارس الفقيه و نقلوه فى مصنفاتهم[19] . واصبح له الراي النافذ و السلطان فى ردهات الحكم السلجوقي فى ذلك الوقت .

وعلى الرغم من تلك المنزلة العظيمة و الجاه الرفيع الذي حظي به الامام الغزالي بين رجال العلم و رجال الحكم الا انه لم يغفل عما اصاب الامة الاسلامية من امراض بالاخص ما اصاب العلم و العلماء من الشكلية و القشرية فى حركة الاصلاح التي حاول ان يحققها الوزير نظام الملك فجعل الامام الغزالي ينظر حوله فيمن يتكلمون فى العقائد وجدها شعارات و من يتكلموا فى الفقه وجدها اداة للمناصب و المكاسب فاستخف بذلك كله بذلك الجاه العريض الذي هو فيه و قرر الانسحاب و العزلة عن صفوف التنظيم اي تنظيم للاشتغال بخاصة نفسه وذلك هو لب المنهج الذي وضعه الامام الغزالي للاصلاح كما سنري .

لقد فهم الامام الغزالي حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم جيدا حيث قال :” اذا رأيت شُحاً مطاعاً وهوي متبعاً و دنيا مؤثَرَة و اعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودعك من امر العامة”[20]فآثر الانسحاب و العزلة و الاشتغال بخاصة نفسه ليضع اول لبنة فى منهجه الاصلاحي و يقرر ان اولي خطوات الاصلاح هي الانسحاب من الدنيا و الاشتغال بخاصة النفس من اجل تحقيق امرين :
الاول وهو مراجعة كل ما حولك من افكار و معتقدات و تلك التصورات الكلية و الجزئية حول الوجود و الكون و رسالة الانسان و الدين و مراجعة الفرق و المذاهب العقائدية المتناحرة و محاولة فرز مفهوم الاسلام الحقيقي بين تلك الفرق و الافكار المختلفة وذلك من خلال انه يهرب بعقله بعيدا عن كل ذلك ويعصم فكره و ذهنه من كل تلك التناحرات و الصارعات حتي يستطيع استخلاص العقيدة السليمة و الافكار السليمة التي تناسب عصره و عقله و دينه .
الامر الثاني هو ان يراجع الاهداف التي اكتسبها خلال نشاطه الفكري و المذهبي سواء بين العلماء او فى المدرسة النظامية و هل هي بالفعل اهداف و اتجاهات من اجل الرسالة الاسلامية ام من اجل اهداف خاصة و شخصية .

ادرك الغزالي ذلك كله فمضي فى الاشتغال بخاصة نفسه و عقله و مال الي الزهد و التصوف فبدأ بصحبة الشيخ الفضل بن محمد الفارمذي الذي كان تلميذا لابي القاسم القشيري والذي اشتهر فى زمانه حتي صار مقصد طلاب الزهد والتصوف[21] .

استمر الغزالي فى التدريس فى المدرسة النظامية حتي عام 489 هـ ثم بدأ كما اسلفنا فى صحبة الصوفية و الزهاد وانقطع لذلك الطريق و يقول الغزالي عن ذلك انه اخذ الطريقة من ابي علي الفارمذي وامتثل ما كان يشيد به من وظائف العبادات و استدامة الذكر .

ترك الغزالي النظامية و طلب من اخاه احمد ان يكون فى مكانه و يقول الغزالي :” فى رجب سنة 488هـ جاوز الامر حد الاختيار الي الاضطرار اذ اقفل الله على لسان حتي اعتقل عن التدريس فكنت اجاهد نفسي ان ادرس يوما تطبيبا للقلوب المختلفة الي فكان ل ينطق لساني بكلمة واحدة ولا استطيعها البتة حتي اورثت هذه العقلة فى اللسان حزنا فى القلب بطلت معه قوة الهضم و مراءة الطعام و الشراب فكان لا ينساغ لي ثريد ولا تنهضم لي لقمة وتعدي الي ضعف القوي حتي قطع الاطباء طمعهم من العلاج و قالوا :”هذا امر نزل بالقلب ومنه سري الي المزاج فلا سبيل اليه بالعلاج الا بان يتروح السر عن الهم الملم” .  [22] . غادر الغزالي بغداد و لم يدخر معاه من المال الا قدر الكفاف و ترك اهله و ماله و اسرته ثم رحل الي الشام و يقول الغزالي :” ثم دخلت الشام و قمت به قريبا من سنتين لاشغل الي الا العزلة و الخلوة و الرياضة و المجاهدة اشتغالا بتزكية النفس وتهذيب الاخلاق و تصفية القلب لذكر الله تعلي كمان كمن حصلته من كتب الصوفية[23] . اعتزل الغزالي الناس لمدة 10 سنوات كاملة عاد بها باعظم ما كتبه وهو احياء علوم الدين الذي وضعه خلال ترحاله الي الشام .

بعد ان عاد الغزالي من تلك الرحلة اجبره الوزير نظام الملك على العودة للدرس فى النظامية فوافق لمدة ولكن العمل لم يعجبه فعاد الي طوس و ” ابتني لنفسه مدرسة بجوار بيته و خانقاه للصوفية “[24] .

ومن الجلي اثناء النظر الي كتاب المنقذ من الضلال للامام الغزالي الذي هو بمثابه كتاب يصف رحلته بين الافكار يمكن القول بان تلك الرحلة الي الشام و الزهد الذي امتثل اليه احدثت انقلابا فى افكار الامام الغزالي و شخصيته بشكل كامل فماذا نقول اذا كانت ملابس الغزالي و مركوبه فى بغداد عندما كان عالما مذهبيا كان يقدر بخمسمائة دينار فلما تزهد قدر ذلك بخمسة عشر قيراط ، وعندما زاره وزير الخليفة طوس رد الغزالي يقول :

” زمانك محسوب عليك وانت كالمستأجر فتوفرك فى ذلك اولي من زيارتي ” فخرج الوزير وهو يقول:”لا اله الا الله هذه الذي كان فى اول عمره يستزيدني فضل لقب من القابه وكان يلبس الذهب و الحرير فآل امره الي هذا الحال !!” . ويصفه ابو الحسن عبد الغافر بن اسماعيل الفارسي فيقول :” وقد زرته مرارا وما كنت احدث فى نفسي مع ما عهدته فى سالف الزمان عليه من الزعارة و ايحاس الناس و النظر اليخك بعين الازدراء و الاستخفاف بهم كبرا و خيلاء اعتزازا بما رزق من البسطة فى النطق و الخاطر و العبارة و طلب الجاه و العلو فى المنزلة ، انه صار على الضد و تصفي من تلك الكدورات. ” [25]

2.ملامح منهج الغزالي فى الاصلاح :

انطلق الغزالي فى منهجه الاصلاحي من خلال 3 اشياء رئيسية . الاول هو ان اساس وجود الامة الاسلامية هو حمل الرسالة الي العالم و حين قعد المسلمون عن حمل و تبليغ تلك الرسالة المحمدية الي العالم فسدت الارض و فسد الناس واصبح المسلمون اول ضحايا ذلك القعود و عمت الفتنة و الفساد . الثاني هو انه طالما ان المسلمين مسؤولون عن حمل الرسالة الاصلاحية للعالم و طالما تأخروا عن ذلك فلابد اذن من البحث فى اسباب ذلك التخلف عن حمل الرسالة من خلال البحث فى المسلمين انفسهم لا خارجهم . الامر الثالث هو ان الهدف من البحث فى اسباب ذلك التخلف عن حمل الرسالة هو التشخيص اولا و تقديم العلاج ثانيا لا مجرد الاتهامات و تبادل اللوم .

يمكن ملاحظة بعض الصفات من خلال قراءة مؤلفات الامام الغزالي :

اولا : الغزالي لم يحرض المسلمين للجهاد على الصليبيين و المغول و حتي لم يندد بالوحشية و الجرائم التي ارتكبوها

ثانيا : اعتمد دائما على النقد الذاتي و لم يلجأ الي التبرير و القاء المسئولية على الاعداء او المهاجمين من مغول او صليبين . و ذلك هو ما يتفق مع المنهج الالهي القائل :” وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ؛ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ” (الشورى :30 ) ، و القائل ايضا : ” وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ ( 73 الأنفال ) .

لقد اراد الغزالي ان يعالج ما نسميه الانسحاق امام الاخر او القابلية للهزيمة تلك الكارثة التي نعاني منها فى العصر الحديث فالمشكلة لا تكمن فى كون المسلم مسلم او العربي عربي فى ذاته ولكن الامر هو فساد الافكار وماتحويه و فساد الانفس عند المسلمين فى امور العقيدة و الاجتماع وماسوي ذلك هو مضاعفات و عوارض تزول بزوال المرض . البعض يريد ان يقول ان المسلمين متخلفون لانهم مسلمون ولا مجال للتقدم و التحضر الا بخلع عباءة الاسلام او حتي العباءة العربية و ارتداء ثياب الحداثة او ثياب العالم الغربي المتقدم و بذلك يقررون انه لاخير فى تلك الامة الا بان تصبح امة غيرها .

الصفة الثالثة التي تراها فى افكار الغزالي هي انه انطلق من منطلق اسلامي فلم يتكلم فى البداية عن الاصلاح بمعناه السياسي او العسكري و لكن جعل الامر فى الاصلاح الفكري العقائدي و النفسي وهذا ما اقره القرآن و قال : ” إِنَّاللَّهَلايُغَيِّرُمَابِقَوْمٍحَتَّىيُغَيِّرُوامَابِأَنفُسِهِمْ. (الرعد:11 ) . ولقد رأي الامام الغزالي ما احل بمحاولة الوزير نظام الملك للاصلاح من خلال الشق السياسي و مصير ذلك الاصلاح كان الفشل ولذلك بدأ الغزالي الاشتغال بخاصة نفسه اولا ثم اخذ ينظر الي ما فى انفس الاخرين محاولة لتغييرها و استمر تلاميذه و اصحابه الي ان ظهر ما نسميه جيل نور الدين و صلاح الدين الايوبي .

الصفة الرابعة هي ان الغزالي ركز فى كثير من المواضع حول فكرة ان قضية المسلمين مع غيرهم ليس صراع  قوميات منفصلة تصارع قوميات اخري انما هو احد دواعي قعود المسلمين عن حمل الرسالة و البعد عن الامر بالمعروف و النهي عن المنكر[26] . فوجه كل عقله و افكاره و جهوده حول ضرورة تطهير الامة الاسلامية و عقول المسلمين من الافكار الفاسدة وذلك من اجل استئناف حمل الرسالة .

لقد كان ابو حامد الغزالي عقلية جبارة و بصيرة نافذة لا جدال استطاع استيعاب ازمات و مشكلات الامة الاسلامية فى عصره بداية من الاصول العقائدية و التاريخية و الاجتماعية و اتخذ لنفسه منهجا فريدا ربما ينفرد به فى عصره و ما قبله ذلك المنهج الذي يعتمد على الاشتغال بخاصة النفس و الانعزال ثم تشخيص الامراض الاساسية الفكرية بالاخص التي نخرت فى عقل و جسد المجتمع الاسلامي ثم وضع العلاج و الحل لتلك الازمات و المشكلات .

ادرك الامام الغزالي اثر التراث الذي تسلمه ممن سبقوه من علماء و فقهاء و فلاسفة و غيره من الاجيال السابقة وما به من محاولات للاصلاح و ايضا الانحرافات فراح الغزالي بعقليه فريدة يبحث عن ماهو اسلاميا اصيلا وماهو دخيلا .

بدأ الغزالي بباب التراث العقائدي و الاجتماعي بين الفرق الاسلامية و المدراس الفقهيه و الصوفية و الفلسفية واجتهد فى تمحيص الافكار تلك و تنقيتها من التشويه استبعاد الغريب و الضار منها و الذي هو دخيل على الاسلام الاصيل كما يراه و لم يتردد الغزالي فى التشنيع على كل ما يراه فاسد فكريا و عقليا سواء كان فى باب الفلسفة او علم الكلام فالغزالي رد على الفلاسفة وافكارهم التي تسللت الي المسلمين من باب العلوم الطبيعية و الرياضيات و حركة الترجمة فهو لم يتردد فى رد تلك الافكار و استخلاص الجيد منها والمناسب للعقيدة الاسلامية الغير مخالف لما جاء به رسول الله محمد عليه الصلاة و السلام و الامر الاخر انه من القلائل الذين تناولوا افكار الباطنية التي كانت رائجة بين المثقفين و طلبة العلم فى ذلك الوقت و استطاع ان يجتث ذلك الفكر من جذوره تماما فيمكن القول ان سهام الغزالي التي اصابت الفلسفة من خلال كتاب التهافت جعلت الفلسفة لا تقوم لها قائمة من حيث كونها باب بذاته بين ارجاء الفكر الاسلامي .

تكلم الغزالي ايضا فى الصوفية و قال :”اني علمت يقينا ان الصوفية هم السالكون لطريق الله تعالي خاصة و ان سيرتهم احسن السير و طريقهم اصوب الطرق و اخلاقهم ازكي الاخلاق بل لو جمع عقل العقلاء و حكمة الحكماء و علم الواقفين على اسرار الشرع من العلماء ليغيروا شيئا من سيرهم واخلاقهم و يبدلوه بما هو خير منه لم يجدوا اليه سبيلا فان جميع حركاتهم و سكناتهم فى ظاهرهم و باطنهم مقتبسه من نور مشكاة النبوة وليس وراء نور النبوة على وجه الارض نور يستضاء به .” [27] ولكن على الرغم من ذلك راي الغزالي ما اصاب الصوفية فى عصره من شكليه و انزواء فى الزوايا و عدم المشاركة فى الحياه و انتقد ذلك ايضا و بعد رحله الغزالي مع كل تلك الافكار و المعتقدات خرج الغزالي من عزلته و اعطي للامة الاسلامية كتابه الفريد احياء علوم الدين الذي هو عصاره افكاره و رحلته و عزلته .

ومن الخطأ المنتشر ان يتم التعامل على افكار الغزالي بشكل جزئي و اقتطاعي او ما نسميه التفكيك و اعادة البناء ثم اعادة القراءة قراءة جزئية ولعمري ان هذا لايصح مع حالة كالغزالي فلا يمكن ان يقتص الفيلسوف ما قاله الغزالي فى الفلسفة و يجعله جزء خاص او الفقيه يقتص مايخص الفقه وهكذا لانه بالنظر فى حياه الغزالي و افكاره نجد انه يتبدل كثيرا و يتغير كثيرا لانه مر بمراحل و انقلابات نفسيه و فكرية متعددة و الاكثر منطقية هو ان يتم التعامل مع تراث الغزالي ككل واحد او كحلقات مترابطة لا منفصلة .

لقد دون الامام الغزالي تجربته الفكرية والروحية فى كتابه “المنقذ من الضلال” فذكر انه قام بمراجعة كاملة و شاملة لما كان فى عصره من اتجاهات فكرية و تربوية فبدأ بعلم الكلام ثم انتقل الي الفلسفة و درسها ثم الباطنية و مذهبها ثم انتقل الي الصوفية و استقر وطبق المنهج على نفسه قولا و عملا حيث كان يري ان هؤلاء القوم هم الرجال المراد به اصلاح احوال هذه الامة .

3.تشخيص الغزالي لامراض المجتمع الاسلامي :

القاعدة الاساسية عند الغزالي فى صلاح المجتمع الاسلامي و فساده هي نوع العلاقة القائمة بين العقيدة و السياسة و الاجتماع ، فاذا كان هناك عقيدة صافية راسخة يدور فى فلكها كل من السياسة و الاجتماع و ارتقي العلماء الممثلون لهذه العقيدة الي ما يجب ان يكونوا عليه من الاخلاص والتجرد و الفهم واحتلوا المكانة الاولي فى التوجيه صلح المجتمع وانتظمت الحياة.

اما حين تدور العقيدة فى فلك السياسة و يهبط العلماء الممثلون للعقيدة لتبرير ممارسات الموجهين للسياسة فإن الخلل و الفساد يتسربان الي المجتمع حتي ينتهيا به الي الانهيار و السقوط .

حين خلق الله عز وجل الخلق و خلق الدنيا و الاخره و الجنة و لنار جهل الدنيا دار اختبار والاخره دار قرار و جعل الدنيا رحلة نستزيد بها للمعاد فى الاخره و على كل انسان ان يتناول منها قد حاجته و قد كفايته فى طريقه للاخره و من ثم اذا اخذ الناس من الدنيا كفايتهم بالعدل ماظهر الفساد ولانقطعت الخصومات و الصراعات بين الناس ولان الله خلق الانسان و خلق فيه الشهوات و الملذات بجانب خلقه للارواح و القلوب كما يقول فهديناه النجدين فالحق عز وجل جعل الخير و الشر للناس ليختاروا ولما كان الله يعلم ان فى البشر ميل للشهوات وانهم سيتناولون من الدنيا بالشهوة و بالتالي تولدت الخصومات فكان لابد من سلطان يحكمهم و يفصل بينهم و هذا السلطان لابد له من قانون يحكم به و يرجع اليه فكانت الشريعة و كان الفقهاء فهم اذن العالمون بطريق التوسط بين الحاكم و المحكوم بل هم من يحملون مسئولية تعليم الحكام و تنويرهم و ارشادهم لطريق القانون الالهي الحق من اجل ضبط سياسة الخلق و ضبط شهوات البشر و باستقامة امور الناس تستقيم الدنيا ومتي تنتظم امور الدنيا يصح الطريق للاخره وهكذا هي العلاقة بين الدنيا و الاخره و «إن الدنيا مزرعة الآخرة. ولا يتم الدين إلَّا بالدنيا، والمُلك والدين توأمان، فالدين أصل والسلطان حارس.

وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع. ولا يتم المُلك والضبط إلَّا بالسلطان، وطريق الضبط في فصل الحكومات بالفقه، وكمال سياسة الخلق بالسلطنة ليس من علم الدين في الدرجة الأولى، بل هو مُعين على ما لا يتم الدين إلَّا به ” » ويقرر الغزالي ان هذه القاعدة هي التي حكمت الخلافة الراشدة فهم خلفاء مهديون ائمة علماء بالله تعالي فقهاء باحكامه ولكن حين زالت الخلافة الراشدة تبدل الامر فتولي امور الدين اقوام بغير استحقاق ولا علم بالاحكام و الفتاوي فاضطروا الي اصطحاب الفقهاء و العلماء و اصبح العالم تابع للسلطان ” وكان قد بقي من علماء التابعين ماهو مستمر على الطراز الاول و ملازم لصفو الدين ومواظف على سمت علماء السلف فكانوا اذا طلبوا هربوا و اعرضوا فاضطر الخلفاء الي الالحاح فى طلبهم لتولية القضاء و الحكومات فرأي اهل تلك الاعصار عز العلماء و اقبال الائمة و الولاة عليهم مع اعراضهم عنهم فاشرأبوا لطلب العلم توصلا الي نيل العز و درك الجاه من قبل الولاة فأكبوا على علم الفتاوي و عرضوا انفسهم على الولاة و تعرفوا اليهم وطلبوا الولايات و الصلاح منهم فمنهم من حرم ومنهم من انجح و المنجح لم يخل من ذل الطلب و مهانة الابتذال فاصبح الفقهاء بعد ان كانوا مطلوبين طالبين و بعد كانوا اعزة بالاعراض عن السلاطين اذلة بالاقبال عليهم الا من وفقه الله تعالي فى كل عصر من علماء دين الله” .

و استمر ذلك التبدل الذي يتحدث عنه الامام الغزالي فضاعت منزلة العلماء و قيدت السنتهم الاطماع و انعكس كل ذلك على المجتمع الاسلامي قيادات و عامة و فى ذلك يقول الغزالي : ” اما الان فقد قيدت الاطماع السن العلماء فسكتوا وان تكلموا لم تساعدهم اقوالهم و احوالهم فلم ينجحوا ، ولو صدقوا وقصدوا حق العلم لأفلحوا. ففساد الرعايا بفساد الملوك و فساد الملوك بفساد العلماء و فساد العلماء باستيلاء حب المال و الجاه ومن استوي عليه حب الدنيا لم يقدر على الحسبة على الاراذل فكيف على الملوك و الاكبار والله المستعان على كل حال. ” ومن ذلك خلص الغزالي الي وصف علماء عصره بانهم علماء دنيا لا دين و يعني ذلك انهم علماء السوء الذين قصدهم من العلم التنعم بالدنيا و التوصل للجاه و المنزلة عند اهل الدنيا .

من خلال ما اورده الامام الغزالي فى مؤلفاته بالاخص كتاب الاحياء يمكن القول انه لخص مشكلات عصره فى النقاط التالية :
1. فساد رسالة العلماء
2. التعصب المذهبي
3. انتشار التدين السطحي وهو فئات ” العلماء – المتصوفة – الاغنياء ” … و يظهر لنا فى ذلك ان الامام الغزالي اعتبر ان فساد رسالة العلماء هي السبب الاهم و الذي يؤدي بدوره الي باقي الامراض التي ظهرت فى المجتمع الاسلامي فهو كما اقر فساد الرعيه بفساد الحكام و فساد الحكام بفساد العلماء .

ومن ثم لم يقف الغزالي عند ذلك الحد بل وضع منهج للاصلاح و حل للازمات التي حلت بالمجتمع الاسلامي و يمكن ترتيب ذلك المنهج فى النقاط التالية :
1. العالم المربي
2. التربية و التعليم
3. الامر بالمعروف و النهي عن المنكر
4. محاربة المادية
5. نقد السلاطين
6. محاربة الافكار الفاسدة فى العقيدة .

_______________

(1)فساد رسالة العلماء :

بعد ان تبدلت الاهداف و تغيرت الغايات التي من اجلها يتعلم العلماء و يتفقه الفقهاء فبدل من حمل الرسالة الاسلامية للعالمين و تبيين الدين للناس اصبح الهدف كما اوردنا هو التقرب من اصحاب السلطان و الجاه من اجل كسب ودهم و قربهم و العمل فى دواوينهم و مما زاد الامور فسادا تلك الامراض الفكرية التي حلت بهم نتيجة لذلك ومنها البعد عن قضايا المجتمع الرئيسية و الانشغال بقضايا هامشية لا طائل منها فنحن نري كيف كان هم العلماء السابقين فى عصر الخلافة الراشدة هو الحياة الواقعية و مشكلات الناس و مساعدة الحكام على تسيس امور الدنيا و مواجه التحديات اما علماء عصر الغزالي انحرفوا الي قضايا لا اهمية لها شكلية لا علاقية لها بالتحديات التي تواجه الامة في حينها و مضوا فى الجدال طلبا للمنافسة و المال و الجاه و فى ذلك يقول الامام الغزالي : ” فإن الصحابة رضي الله عنهم ما تشاوروا الا فيما تجدد من الوقائع او ما يغلب وقوعه كالفرائض ولا نري المناظرين يتهمون بانتقاء المسائل التي تعم البلوي بالفتوي فيها بل يطلبون الطبوليات التي تسمع فيتسع المجال للجدل …. وانت تعلم حصرهم على المحافل و المجامع ليس لله وان الواحد منهم يخلو بصاحبه مدة طويلة فلا يكلمه وربما يقترح عليه فلا يجيب واذا ظهر مقدم او انتظم مجتمع لم يغادر قوس الاحتيال منزعا حتي يكون هو المختص بالكلام” [32] .

و من نتائج ذلك الفساد الذي اصاب التعليم و العلماء هو ان انجذب الدارسين للتخصص فى العلم الفقهي و المذهبي و اهمال مادونه من علوم التي يحتاجها المجتمع وهي كذلك فرض يفرضه الدين : “و الفطت يعلم انه لو كان غرضه اداء حق الامر فى فرض الكفاية لقدّم عليه فرض العين بل قدم عليه كثيرا من فروض الكفايات فكم من بلده ليس فيها طبيب الا من اهل الذمة ولا يجوز قبول شهادتهم فيما يتعلق بالاطباء فى احكام الفقه ثم لا نري احدا يتشغل به و يتهاترون فى علم الفقه لا سيما الخلافيات و الجدليات و البلد مشحون من الفقهاء بمن يشتغل بالفتوي و الجواب عن الوقائع فليت شعري كيف يرخص فقهاء الدين فى الاشتغال بفرض كفاية قد قام به جماعة و اهمال ما لا قائم به ؟ هل لهذا السبب الا ان الطب ليس يتيسر الوصول به الي تولي الاوقاف و الوصايا و حيازة مال الايتام و تقلد القضاء و الحكومة و التقدم على الاقران و التسلط على الاعداء؟ هيهات هيهات قد اندرس علم الدين بتلبيس علماء السوء فالله المستعان و اليه الملاذ فى ان يعيذنا من هذا الغرور الذي يسخط الرحمن و يضحك الشيطان” [33] .

(2)التعصب المذهبي :

من النتائج التي سببها فساد العلماء و هوانها و ضياع رسالة العم قيام الخلافات و الخصومات المذهبية فحذر الغزالي طلبة العلم من الاشتغال بهذه الخلافات:” واما الخلافيات التي احدثت فى هذه الاعصار المتأخرة وابدع فيه من التحريرات و التصنيفات و المجادلات ما لم يعهد مثلها فى السلف فإياك ان تحوم حولها و اجتنبها اجتناب السم القاتل فإنها الداء العضال وهو الذي رد الفقهاء كلهم الي طلب المنافسة و المباهه .. وهذا الكلام ربما يسمع من قائله فيقال : الناس اعداء ما جهلوا فلا تظن ذلك فعلي الخبير سقطت فاقبل هذه النصيحة من ضيع العمر فيه زمانا و زاد فيه على الاولين تصنيفا و تحقيقا و جدلا و بيانا ثم الهمه الله رشده و اطلعه على عيبه فهرجه و اشتغل بنفسه ..و بالجملة فالمرضي عند العقلاء ان تقدر نفسك فى العالم وحدك مع الله وبين يديك الموت والعرض و الحساب و الجنة و النار و تأمل فيما يعينك مما بين يديك و دع عنك ما سواه والسلام”[34] .

و يقرر الغزالي ان تلك الخلافات التي ظهرت افسد العلم و افسدت العلماء و اقامت الجفاء بين اهل العلم و التخصصات المختلفة خاصة تلك التي ظهرت بين الفقهاء او علماء الظاهر وبين المربين او الاولياء او علماء الباطن مع ان السابقين كانوا متعاونين ” وقد كان علماء الظاهر مقرين بفضل علماء الباطن و ارباب القلوب :كان الامام الشافعي رضي الله عنه يجلس بين يدي شيبان الراعي كما يقعد الصبي فى المكتب و يسأله: كيف يفعل فى كذا وكذا ؟ فيقال له مثلك يسأل هذا البدوي؟ فيقول : ان هذا وفق لما اغفلناه . وكان احمد بن حنبل رضي الله عنه ويحيي بن معين يختلفان الي معروف الكرخي ولم يكن فى علم الظاهر بمنزلتهما وكانا يسألانه وكيف وقد قال رسول الله صلي الله عليه وسلم لما قيل له :كيف نفعل اذا جاء امر لم نجده فى كتاب ولا سنة؟ فقال :” سلوا الصالحين واجعلوه شوري بينهم”[35] ولذلك قيل :علماء الظاهر زينة الارض و الملك و علماء الباطن زينة السماء و الملكوت ” [36]

وقال الامام الجنيد رحمه الله : قال لي السري شيخي يوما : اذا قمت من عندي فمن تجالس؟ قلت : المحاسبي فقال : نعم خذ من علمه و ادبه ودع عنك تشقيه الكلام ورده على المتكلمين ثم لما وليت سمعته يقول : جعلك الله صاحب حديثا صوفيا ولا جعلك صوفيا صاحب حديث اشار الي ان من حصّل الحديث والعلم ثم تصوف افلح ومن تصوف قبل العلم خاطر بنفسه . [37]

ثم يقارن الغزالي تلك الفضيلة العلمية التي تحلي بها السابقون بما هو قائم فى عصره و يقول :” فانظر الي مناظري زمانك كيف يسود وجه احدهم اذا اتضح الحق على لسان خصمه وكيف يخجل به وكيف يجتهد فى مجاحدته بأقصي قدرته وكيف يذم من افحمه طول عمره ثم لا يستحي من تشبيه نفسه بالصحابة رضي الله عنههم فى تعاونهم على النظر فى الحق ” [38] .

ويقول الشافعي رضي الله عنه :” العلم بين اهل الفضل و العقل رحم متصل ” فستعجب الغزالي بعد ذلك من كون اتباع الامام الشافعي بينهم تلك العداوات و البغضاء و التشاحن .

و يشرح الغزالي التعصب و المذهبية فى الفكر التي تفشت بين العلماء و فتتت وحدة الامة و يقول :” التعصب سبب يرشخ العقائد فى النفوس وهو من آفات علماء السوء فانهم يبالغون فى التعصب للحق و ينظرون للمخالفين بعين الازدراء و الاستحقار فتنبعث منهم الدعوي بالمكافأة و المقابلة و المعامل  و تتوفر بواعث على طلب نصرة الباطل ويقوي غرضهم فى التمسك بما نسبوا اليه ولو جاؤؤا من جانب اللطف و الرحمة و النصح فى الخلوة لا فى معرض التعصب والتحقير لنجحوا في لكن لما كان الجاه لا يقوم الا بالاستتباع و لا يستمل الاتباع مثل التعصب و اللعن و الشتم للخصوم اتخذوا التعصب عادتهم و آلتهم و سموه ذبا عن الدين و نضالا عن المسلمين و فيه على التحقيق هلاك الخلق و رسوخ البدعة فى النفوس “[39] .

(3)انتشار التدين السطحي و القشري :

مما نتج عن اختفاء العلماء الصالحين و الصادقين فساد العقيدة و التربية و فقدان الطابع الاسلامي القويم للحياة الاجتماعية فاصبح العرف هو الرياء و الغرور و النفاق و انتشرت الشكليات و القشريات وظن الناس ان ذلك هو التدين ولكن فى ذلك مخطئون و يصنف الامام الغزالي اصناف المغرورين اصحاب مثل ذلك التدين الشكلي الي اربع اصناف هم العلماء و ارباب العبادة و المتصوفة و ارباب المال و يشرح مظاهر الشكلية بين كل فئة كما يلي :

الفئة الاولي : العلماء

وهؤلاء افتقدوا لصفات العالم الحقيقي و صار العلم وسيلة لاغراض شخصية و فردية . و يمكن تقسيم العلماء فى ذلك الباب الي فرقتين الاولي تضم الذين اتقنوا فنون العلوم المهمة و لكنهم قصروا فى العمل بما تعلموا و الفرقة الثانية تضم هؤلاء الذين تركوا اهم العلوم و انصرفوا الي غيرها فتقصروا عليها و صاروا مغترين بها و استغنوا بها عن اصل العلوم وكل فرقة تضم اصناف مختلفة كما سنذكر .

الفرقة الاولي و تضم هذا الاصناف :

الاول : هؤلاء الذين اتقنوا العلوم الشرعية و العقلية و لكنهم نسوا التطبيق العملي و صاحب ذلك النسيان جفوة فى القلب و فقدان التقوي و نسيان حق الاخرة [40]

الثاني : من احكموا العلم و الطاعة الظاهرة و تجنب المعاصي الظاهره الا انهم اتخذوا علمهم بابا للشهرة و الصيت فى البلاد و بين العباد فهم زينوا ظواهرهم و نسوا باطنهم و اشتغلوا بالعمل و نسوا النويا . [41]

الثالث: وهؤلاء اضافوا الي العلم و العمل الظاهر معرفة بالاخلاقة الباطنة المذمومة التي تصيب العوام واذا اظهروا العجب اولوه بعزه الدين و العلم ولكنهم لا ينفكون عن التمتع بشهوات الدنيا من الملبس و الاقصور مبررين ذلك بقولهم ان العالم لا يجوز ظانين ان عز الاسلام يكون بالثياب الفاخرة و ينسون ان الاسلام قد عز زمن رسول الله صلي الله عليه وسلم بالزهد و اعطاء الدنيا للناس وان عمر بن الخطاب عوتب فى بذاذه لبسه عند قدومه للشام فقال : نحن قوم اعزنا الله بالاسلام فلا نطلب العز فى غيره . و هؤلاء حين يتذللون للسلاطين و الامراء طمعا فى المال و الجاه يقولون ان ذلك لغرض الشفاعة لدي المحكومين و دفع المظالم[42]

الرابع : هؤلاء ممن احكموا العلم و طهروا الجوارح و زينوها بالطاعات و اجتنبوا ظواهر المعاصي و تفقدوا اخلاق النفس و صفات القلب من الرياء و الحسد و الحقد و الكبرياء و طلب العلو و جاهدوا انفسهم لكنه بقي فيها شهوة طلب الذكر و انتشار الصيت و طلب الثناء و المدح بالزهد و الورع والعلم و التقدي فى المهمات و الايثار فى الاغراض و التلذذ باجتماع المعجبين للاصغاء عند حسن اللفظ و تحريك الرؤؤس عند السماع والفرح بكثرة الاصحاب و الاتباع وحب التمييز بين الافراد و كثرة المؤلفات و التصانيف وافراد هذا الصنف يحزنون اذا انفض الناس عنهم و انقطعوا عن مدحهم .[43]

الفرقة الثانية وهي تضم الاصناف التالية :

الاول و هؤلاء الذن اقتصروا على  علم الفتاوي و القضاء من اجل الاشتغال فى الحكومات و فض المنازعات و تفاصيل المعاملات الدنيوية بين الناس و حصروا علم الفقه و اسموه علم الفقه و المذهب تاركين فقه الاخلاق و العقيدة و فقه النفوس و التزكية و هؤلاء غرتهم الشكلية حيث انصرفوا عن علوم العقيدة التي هي اصول الدين و انشغلوا بالفروع بل بالمجادلات فى لفروع و افحام الخصوم و رفض الحق لاجل المنافسة فهم ” طول الليل و النهار فى التفتيش عن مناقضات ارباب المذاهب و التفقد لعيوب الاقران و التلقف لانواع التسبيبات المؤذية وهؤلاء هم سباع الدنس طبعهم الايذاء و همهم السفه ولا يقصدون العلم الا لضرورة ما يلزمهم لمباهاة الاقران “[44] .

الثاني ممن اشتغلوا بعلم الكلام و الجدال فى الاهواء و الرد على المخالفين فعرفعوا المقالات الكثيرة و التصانيف فى ذلك الباب و اشتغلوا بتعلم طرق الجدل و المناقشة من اجل افحام الخصوم فهؤلاء نوعان الاول ضال وهم ممن يدعون الي غير السنة و الثاني محق وهم الذين يدعون الي السنة و الغرور شامل لجميعهم اما الضاله فلغفلتها عن ضلالها و ظنها بنفسها النجاه وهم فرق كثيرة يكفر بعضهم بعضا واما الفرقة المحقة فانما اغترارها من حيث انها ظنت بالجدل انه اهم الامور و افضل القربات فى دين الله و زعمت انه لا يتم لاحد دينه ما لم يفحص و يبحث وان من صدق الله ورسوله من غير بحث وتحرير دليل فليس بمؤمن او ليس كامل الايمان والدافع لدي الاثنين هو التلذذ بالغلبة و الافحام ولذه الرياسة[45] .. اذ روي ابو امامه الباهلي عن النبي صلي الله عليه وسلم انه قال :” ما ضل قوم بعد هدي كانوا عليه الا اوتوا الجدل”.

الثالث وهم قم اشتغلوا بالوعظ و التذكير بدافع العجب و الرياء و اعلاهم من يتكلم فى صفات النفس و القلب من الخوف و الرجاء و الشكر و التوكل و الزهد و اليقين وهم مغرورن يظنون بأنفسهم انهم اذا تكلموا بهذه الصفات ودعو الخلق اليها فقد صاروا موصوفين بهذه الصفات وهم منفكون عنها عند الله الا عن قدر يسير لا ينفك عن عوام المسلمين .. و يزعم ان غرضه اصلاح الخلق ولو ظهر من اقرانه من اقبل الخلق عليه و صلحوا عليه يديه لمات غما وحسدا و لو اثني احد من المترددين اليه على بعض اقرانه لكان ابغض خلق الله اليه .[46]

الرابع وهم الذين اشتغلوا فى علم الحديث و استغرقوا فيه اوقاتهم فى سماع وجمع الروايات الكثيرة و طلب الاسانيد الغريبة العالية ” فهمه احدهم ان يدور فى البلاد و يري الشيوخ ليقول انا اروي عن فلان و لقد رأيت فلانا ومعي من الاسناد ما ليس مع غيري “[47] وهؤلاء غرورهم من انهم لا يهتمون للعناية بمعاني السنة و علمهم من ذلك قاصر فليس معهم الا النقل و يظنون ان ذلك يكفيهم و ايضا انهم يتركون العلم الذي هو فرض عين وهو معرفة علاج القلب و يشتغلون بتكثير الاسانيد وطلب العالي منها ولا حاجه بهم الي شىء من ذلك .

“فتري الصبي يحضر فى مجلس الشيخ والحديث يقرأ و الشيخ ينام والصبي يلعب ثم يكتب اسم الصبي فى السماع فاذا كبر تصدي ليسمع منه و البالغ الذي يحضر ربما يغفل ولايسمع ولا يصغي ولا يضبط وربنا اشتغل بحديث او نسخ والشيخ الذي يقرأ عليه لو صحف صحف وغير ما يقرأ عليه لم يشعر به ولم يعرفه وكلذلك جهل وغرور اذ الاصل فى الحديث ان يسمعه من رسول الله فيحفظه كما سمعه و يرويه كما حفظه فتكون الرواية عن الحفظ و الحفظ عن السماع فان عجزت عن سماعه من رسول الله سمتعه من الصحابة او التابعين و صار سماعك عن الراوي كسماع من سمع من رسول الله وهو ان تصغي لتسمع فتحفظ و تروي كما حفظت وتحفظ كما سمعت بحيث لا تغير منه حرفا ولو غير غيرك منه حرفا او اخطأ علمت خطأه” [48] .

الخامس وهم الذين افنوا اعمارهم فى دراسة النحو و صياغة الشعر و فى غرائب اللغة غير مدركين ان اللغه وسيلة و ليست غاية فى ذاتها فهي وسيلة لفهم القران و السنة و استخراج المعاني .
السادس وهم من تعمقوا فى ايجاد الحيل الفقهيه و يقومون بترير ظواهر الاعمال الشرعية دون الربط بالنوايا .

الفئة الثانية : المتصوفة

المتصوفة اهتم الامام الغزالي كثيرة بنقد المتصوفة فى زمانه و ذلك حرصا على افراد معالم التصوف الصحيح و ازاله ما علق به من شوائب و ما اختلط به من افكار يراها غير صحيحة وغير ملائمة للدين القويم ولقد صنف الغزالي هذه الفئة الي الاصناف التالية :

فرقة وهم متصوفة اهل الزمان الا من عصمه الله اغتروا بالزي و الهيئة و المنطق فسادعوا الصادقين من الصوفية فى زيهم و هيئتهم و الفاظهم و فى ادابهم و راسهم و فى احوالهم الظاهره فى السماع و الرقص و الطهارة و الصلاة ..

ولم يتعبوا انفسهم قط فى المجاهدة و الرياضة و مراقبة القلب و تطهير الباطن و الظاهر من الاثام الخفية و الجلية .. بل يتكالبون على الحرام و الشبهات و اموال السلاطين و يتنافسون فى الرغيب و الفلس و الحبة و يتحاسدون على النقير و القطمير و يمزق بعضهم اغراض بعض مهما خالفه فى شىء من غرضه و هؤلاء غرورهم ظاهر .

و فرقة ادعت علم المعرفة و مشاهدة الحق و مجاوزة المقمات و الاحوال و الوصول الي القرب ولا يعرف هذه الامور الا بالاسامي و الالفاظ لانه تلقف من الفاظ الطامات كلمات فهو يرددها ..

فهو ينظر الي الفقهاء و المفسرين و المحدثين واصناف العلماء بعين الازدراء فضلا عن العوام حتي ان الفلاح ليترك فلاحته و الحائك يترك حياكته و يلازمهم ايام معدودة و يتلقف منهم تلك الكلمات المزيفة فيرددها كأنه يتكلم عن الوحي و يخبر عن سر الاسرار و يستحقر بذلك جميع العباد و العلماء فيقول فى العباد انهم اجراء متعبون و يقول فى العلماء انهم بالحديث عن الله محجوبون و يدعي لنفسه انه الواصل الي الحق وانه من المقربين وهو عند الله من الفجار المنافقين وعند ارباب القلوب من الحمقي الجاهلين.

و فرقة ادعوا حسن الخلق و التواضع و تصدروا لخدمة الصوفية وجمعوا حولهم و تكفلوا بالخدمة و اتخذوا من ذلك شبكة للرياسة و جمع المال و غرضهم التكبر و ايه ذلك انهم يهملون اوامر الله ظاهرا و باطنا و يرضون باخذ الحرام و الانفاق منه .

و فرقة اشتغلوا بالسلوك و انفتحت لهم ابواب المعرفة و لكنهم حين تظهر لهم روائح المعرفة فرحوا بها و اعجبتهم فتقيدت قلوبهم بالتفكر فيها و كيفية انفتاح بابها عليهم و انسدادها على غيرهم فوققوا عند حدهم لان عجائب الله ليس لها حد ولا نهاية و مثالهم مثال من قصد ملكا فرأي على باب ميدانه روضه فيها ازهار و انوار لم يكن قد راي قبل ذلك مثلها فوقف ينظر اليها حتي فاته الوقت الذي يمكن فيه لقاء الملك و فرقة اخري سلكوا الطريق حتي قاربوا معرفة الله فظنوا انهم وصلوا فوقفوا و غلطوا فان لله تعالي سبعين حجابا من نور لا يصل السالك الي حجاب منها الا و يظن انه وصل و اغتر بما وصل اليه فرقة اخري داوموا البحث و التفتيش عن علوم المجاهدة و تهذيب الاخلاق و تزكية الانفس و صاروا فيها متعمقين و لكنهم اهملوا انفسهم فصاروا علما بلا عمل .

و يلخص الغزالي مشكلة التصوف فى زمانه ويقول :

” إلا أن أكثر متصوفة هذا الأعصار – لما خلت بواطنهم عن لطائف الأفكار ودقائق الأعمال ولم يحصل لهم أنس باللّه تعالى وبذكره في الخلوة وكانوا باطلين غير محترفين ولا مشغولين – قد ألفوا البطالة واستثقلوا العمل،واستوعروا طريق الكسب واستلانوا جانب السؤال والكدية،واستطابوا الرباطات المبنية لهم في البلاد،واستسخروا الخدم المنتصبين لللقيام بخدمة القوم واستخفوا عقولهم وأديانهم:من حيث لم يكن قصدهم من الخدمة إلا الرياء والسمعة وانتشار الصيت واقتناص الأموال بطريق السؤال تعللاً بكثرة الأتباع،فلم يكن لهم في الخانقاهات حكم ناقد،ولا تأديب للمريد بن نافع،ولا حجر عليهم قاهر،فبسوا المرقعات واتخذوا في الخانقاهات متنزهات،وربما تلقفوا ألفاظاً مزخرفة من أهل الطامات،فينظرون الى أنفسهم وقد تشبهوا بالقوم في خرقتهم وفي سياحتهم وفي لفظهم وعبارتهم وفي آداب ظاهرة من سيرتهم،فيظنون بأنفسهم خيراً ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً،ويعتقدون أن كل سوداء تمرة،ويتوهمون أن المشاركة في الظاهر توجب المساهمة في الحقائق وهيهات!فما أغزر حماقة من لا يميز بين الشحم والورم؟ فهؤلاء بغضاء اللّه فإن اللّه تعالى يبغض الشاب الفارغ.ولم يحملهم على السياحة إلا الشباب والفراغ،إلا من سافر لحج أو عمرة في غير رياء ولا سمعة،أو سافر لمشاهدة شيخ يقتدي به في علمه وسيرته وقد خلت البلاد عنه الآن.والأمور الدينية كلها قد فسدت وضعفت إلا التصوف فإنه قد انمحق بالكلية وبطل،لأن العلوم لم تندرس بعد،والعالم إن كان عالم سوء فإنما فساده في سيرته لا في علمه،فيبقى عالماً غير عامل بعلمه،والعمل غير العلم.وأما التصوف فهو عبارة عن تجرد القلب للّه تعالى واستحقار ما سوى اللّه.

وحاصله يرجع الى عمل القلب والجوارح.ومهما فسد العمل فات الأصل…لأن الصوفي عبارة عن رجل صالح عدل في دينه مع صفات أخر وراء الصلاح.ومن أقل صفات أحوال هؤلاء أكلهم أموال السلاطين،وأكل الحرام من الكبائر فلا تبقى معه العدالة والصلاح،ولو تصور صوفي فاسق لتصور صوفي كافر وفقيه يهودي.وكما أن الفقيه عبارة عن مسلم مخصوص فالصوفي عبارة عن عدل مخصوص لا يقتصر في دينه على القدر الذي يحصل به العدالة.

الفئة الثالثة : الاغنياء

ينتقد الامام الغزالي هذه الفئة وهم المقصود بهم اغنياء المسلمين خاصة هؤلاء مما يحرصون على شكليات التدين و يطلبون استحسان الناس و الحرص على الوصف بالصلاح و اصل البلوي عند هؤلاء او الغرور كما يذكر الغزالي هو انهم لم يدركوا الحكمة من المال ولم يفهموا الاولويات فى الانفاق فالحكمة من المال هي سد الحاجه و ارساء العدل الاجتماعي و اعانة الناس على التحرر مما يشغلهم عن العبادة حتي لا تتحول العبادة الي صور بلا روح و من افضل درجات التقرب الي الله هو سد حاجه الكفاية و الامن الاجتماعي للمجتمع اما هؤلاء فقد جانبوا هذا المبدأ و راحوا يستعملون المال فى طلب المظاهر و التدين الشكلي الذي لا معني و صنفهم الغزالي اصناف عديدة و يمكن ان نجد بعض الملاحظات حول نقد الغزالي للاغنياء .

اولا : الامام الغزالي فضل سد حاجات الفقراء على بناء المساجد و على الحج و على النوافل و هو فى ذلك لا يخترع دينا بل هو يتكلم من منطلق اسلامي سليم فالله عز وجل حدد المكذب بالدين بانه الذي يدع اليتيم ان يقهره و لا يحضل على طعام المسكين و القصد هو العدل الاجتماعي ووعد الله هؤلاء ممن يمنعون الماعون بويل وهو وادي فى جهنم و الماعون عند ابن عباس رضي الله عنه هو كل ما يعين المسملم على التخلص من مشكلاته و همومه من اجل التفرغ لدينه و صلاته و قراءته ولا اظن ان هناك ما يمكن ان يعين المسلم على ذلك افضل من سد حاجاته المعيشية .

ثانيا : انتقد الغزالي الفقراء ايضا كونهم تقاعسوا عن العمل و رضوا بالكسل و عاشوا فى زوايا الذكر راضين بفتات الطعام و صدقات الاغنياء دون ان يحركوا ساكنين و وصفهم بالغرور .

ثالثا : الغزالي يتحدث من منطلق ظروف العصر و الزمن الذي عاش فيه حيث سيطر الاغنياء و اصحاب الاموال على كل شىء بينما كانت الاكثرية يفترسها القحط و ارتفاع الاسعار و مما زاد الوضع سوءا هو الولايات التي وقعت جراء الاحتلال الصليبي فتحول ملايين الي لاجئين و نازحين و يري الغزالي ان مجتمعا يعاني مثل هذا غير مطلوب منه زخرفة المساجد ولا حج البيت الا مرة .

صنف الغزالي فئة المغرورين من الاغنياء الي عدد من الاقسام فمنهم من يجمع ماله من الرشاوي و النهب و السرقة و ماله حرام و منهم من يجمع ماله حلال ولكنه يجعل كل همه بناء المساجد وهو فى ذلك مغرور لانه مصاب بداء الرياء و حب الثناء فربما يكون فى بلده فقراء كثر يحتاجون الي المال كما انه يصرف ماله فى زخرفه المساجد و الزينة وهذا من فروع الفروع و ربما منهي عنه لانه يشغل قلوب المصلين و يخطف ابصارهم و منهم من ينفق المال في المحافل العامة ليشتهر امره بين الناس و يكثر الحج و العمره ليقال انه من الصالحين و منهم من يجمع المال و يكنزها بحكم البخل و يشتغلون بالعبادة البدنية فقط تلك التي ليس فيها نفقة ولا مال مثل الصيام نهارا و القيام ليلا و ختم القران و هم يحتاجون الي التخلص من البخل “ولذلك قيل لبشر : ان فلانا الغني كثير الصوم والصلاة !فقال: المسكين ترك حاله و دخل فى حال غيره .وانما حال هذا اطعام الطعام للجياع و الانفاق على المساكين”[52] و هذا على التحقيق افضل له من تجويع نفسه ومن صلاته مع كنزه للاموال و منعها على الفقراء و منهم من سيطر على حاله البخل فلا ينفق الا زكاه فقط و يخرجها من اسوء المال و اردئه او يدفعونها الي احد المشاهير من اجل ان ينال منزله او جاه و لم يغفل الغزالي عن ذكر عوام الخلق من الفقاراء و اصحاب الاحوال الذين ” اغتروا بحضور مجالس الذكر و اعتقدوا ان ذلك يغنيهم ويكفيهم واتخذوا ذلك عادة و يظنون ان لهم على مجرد سماع الوعظ دون العمل ودون التعاظ اجرا وهم مغرورون لان فضل مجلس الذكر لكونه مرغبا فى الخير فان لم يهيج الرغبة فى الخير فلا خير فيه “[53] . وبذلك وصف الغزالي اغنياء و فقراء عصره .

هكذا وضع الغزالي تشخيص لمشكلات المجتمع الاسلامي فى عصره بشكل مفصل و دقيق حيث تحدث عن الداء العضال الذي يتمثل فى فساد العلماء الذين بفسادهم فسدت الحكام ومن ثم الرعية و يقرر ان فساد العالم يستتبعه انهيار للمجتمع على المدي و يكون من نتائج هذا الفساد انتشار عادات غير صحيحة و فهم مغلوط للدين و الحياة و ينتشر التدين السطحي و الشكلي و تعم العادات التي فى مجملها زائفة و ينتشر الغرور بين الناس و يظهر التعصب المذهبي الذي يؤدي بدوره الي تفريغ العلم الديني من مضمونه و القضاء على ماهيه التعليم و انتقد الغزالي بعض فئات من الناس فى زمانه وهم العلماء و المتصوفة و الاغنياء .

  1. ملامح منهج الغزالي فى الاصلاح :

لم يقف الغزالي عن ذلك الحد بل وضع منهاجا للحل و مشروعا للاحياء كما سنري .

(1)العالم المربي : كما رأينا فيما سبق كيف رد الامام الغزالي اصل العلل فى المجتمع الاسلامي الي فساد العلماء و فقدان العالم لماهيه رسالته و عدم ادراكه له على الوجه الصحيح و بالتالي افتقد المجتمع الي العالم المربي الذي يعمل للاخره لا للدنيا لذلك كانت الخطوة الاولي لاصلاح مافسد هي الحاجه الماسة الي تربية و تنشأه جيل من العلماء المربيين و كيف اكد الغزالي على ذلك من خلال وقائع من التاريخ و الواقع و من السنة .

الواقع :” فقد الطبيب هو الداء العضال، فإنَّ الأطباء هم العلماء وقد مرضوا فى هذه الأعصار مرضاً شديداً عجزوا عن علاجه، وصارت لهم سلوة فى عموم المرض حتى لا يظهر نقصانهم، فاضطروا إلى إغواء الخلق والإشارة عليهم بما يزيدهم مرضاً؛ لأنَّ الداء المهلك هو حبُّ الدنيا، وقد غلب هذا الداء على الأطباء فلم يقدروا على تحذير الخلق منه استنكافاً من أن يقال لهم فما بالكم تأمرون بالعلاج وتنسون أنفسكم، فبهذا السبب عمَّ على الخلق الداء، وعظم الوباء، وانقطع الدواء، وهلك الخلق لفقد الأطباء، بل اشتغل الأطباء بفنون الإغواء، فليتهم إذ لم ينصحوا لم يغشوا، وإذا لم يصلحوا لم يفسدوا، وليتهم سكتوا وما نطقوا، فإنهم إذا تكلموا لم يهمهم فى مواعظهم إلا ما يرغب العوام ويستميل قلوبهم، ولا يتوصلون إلى ذلك إلا بالإرجاء وتغليب أسباب الرجاء وذكر دلائل الرحمة؛ لأنَّ ذلك ألذ في الأسماع وأخف على الطباع، فتنصرف الخلق عن مجالس الوعظ وقد استفادوا مزيد جراءة على المعاصي، ومزيد ثقة بفضل الله، ومهما كان الطبيب جاهلاً أو خائباً أهلك بالدواء حيث يضعه فى غير موضعه” اما السنة فتمثلت فى حديث رسول الله صلي الله عليه وسلم الذي قال

:” إنكم أصبحتم في زمن كثير فقهاؤه قليل قراؤه وخطباؤه قليل سائلوه كثير معطوه العمل فيه خير من العلم وسيأتي على الناس زمان قليل فقهاؤه كثير خطباؤه قليل معطوه كثير سائلوه العلم فيه خير من العمل ” اما بالنسبة للتاريخ فقد استعرض الامام الغزالي التطور الذي اصحاب منزلة العلماء كما اسلفنا .

لذلك حرص الغزالي على ضرورة تكوين مثل هؤلاء العلماء و تحديد وظيفتهم و علاقتهم بالحكام و بالعامة .

” أطباء الدين وهم العلماء الذين هم ورثة الأنبياء فالعاصي إن علم عصيانه فعليه طلب العلاج ومن الطبيب وهو العالم وإن كان لا يدري أن ما يرتكبه ذنب فعلى العالم أن يعرفه ذلك وذلك بأن يتكفل كل عالم بإقليم أو بلدة أو محلة أو مسجد أو مشهد فيعلم أهله دينهم ويميز ما يضرهم عما ينفعهم وما يشقيهم عما يسعدهم ولا ينبغي أن يصبر إلى أن يسأل عنه بل ينبغي أن يتصدى لدعوة الناس إلى نفسه فإنهم ورثة الأنبياء والأنبياء ما تركوا الناس على جهلهم بل كانوا ينادونهم في مجامعهم ويدورون على أبواب دورهم في الابتداء ويطلبون واحداً واحداً فيرشدونهم فإن مرضى القلوب لا يعرفون مرضهم كما أن الذي ظهر على وجهه برص ولا مرآة معه لا يعرف برصه ما لم يعرفه غيره وهذا فرض عين على العلماء كافة. وعلى السلاطين كافة أن يرتبوا في كل قرية وفي كل محلة فقيهاً متديناً يعلم الناس دينهم فإن الخلق لا يولدون إلا جهالاً فلا بد من تبليغ الدعوة إليهم في الأصل والفرع.

والدنيا دار المرضى إذ ليس في بطن الأرض إلا ميت ولا على ظهرها إلا سقيم.ومرضى القلوب أكثر من مرضى الأبدان. والعلماء أطباء والسلاطين قوام دار المرضى . فكل مريض لم يقبل العلاج بمداواة العالم يسلم إلى السلطان ليكف شره كما يسلم الطبيب الذي لا يحتمي أو الذي غلب عليه الجنون إلى القيم ليقيده بالسلاسل والأغلال ويكف شره عن نفسه وعن سائر الناس. صفات العلماء كما ذكرها الامام الغزالي : 1.ان لا يطلب العالم الدنيا بعلمه 2.

ان تكون عناية العالم بتحصيل العلم النافع فى الاخره الذي يحبب فى الطاعات و يجتنب العلوم الاقل نفعا و التي يكثبر فيها الجدل و القيل و القال 3.عدم الميل للترف فى الطعام و الشرب و الملبس بل يؤثر الاقتصاد فى ذلك كله 4.الاحتراز من مخالصة السلاطين 5. الا يسارع الي الفتيا بل يحرص و يحترز فى ذلك 6.

ان يكون شديد العناية بتوبة اليقين 7.ان يكون اكثر بحثه فى علم الاعمال وعما يفسدها و يشوش الشكوك و يثير الشر ولقد اوضح الغزالي فى الاحياء صفات العلماء بشكل مفصل و دقيق ممن مطلوب منهم حمل رسالة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ميز بين علماء الاخره و علماء الدنيا او علماء السوء و الفرق بينها و اخلاق الطرفين و اوضح نوع العلاقات التي يجب ولا يجب ان تكون بين العالم و السلطان و العوام و الاغنياء و الفقراء .

صفات العلماء كما ذكرها الامام الغزالي :
1.ان لا يطلب العالم الدنيا بعلمه
2.ان تكون عناية العالم بتحصيل العلم النافع فى الاخره الذي يحبب فى الطاعات و يجتنب العلوم الاقل نفعا و التي يكثبر فيها الجدل و القيل و القال
3.عدم الميل للترف فى الطعام و الشرب و الملبس بل يؤثر الاقتصاد فى ذلك كله
4.الاحتراز من مخالصة السلاطين
5. الا يسارع الي الفتيا بل يحرص و يحترز فى ذلك
6.ان يكون شديد العناية بتوبة اليقين
7.ان يكون اكثر بحثه فى علم الاعمال وعما يفسدها و يشوش الشكوك و يثير الشر

ولقد اوضح الغزالي فى الاحياء صفات العلماء بشكل مفصل و دقيق ممن مطلوب منهم حمل رسالة الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و ميز بين علماء الاخره و علماء الدنيا او علماء السوء و الفرق بينها و اخلاق الطرفين و اوضح نوع العلاقات التي يجب ولا يجب ان تكون بين العالم و السلطان و العوام و الاغنياء و الفقراء .

 

(2)التربية و التعليم :

‏الاساس الذي تقوم عليه فلسفة التعليم عند الامام الغزالي هو تحقيق السعادة للانسان و السعادة هنا هي السعادة الاخروية السعادة مع الله لانها شاملة لكل ماهو مرغوب به . “فهي بقاء لا فناء ولذه بلا عناء و سرور بلا حزن و غني بلا فقر وكمال بلا نقصان وعز بلا ذل و بالجملة كل مايتصور ان يكون مطلوب طالب و مرغوب راغب و ذلك ابد الآباد”[57] .

والسعادة المنشودة لا تحصل الا باتحاد العلم مع العمل بحيث ينتج عنه تغيير فى السلوك وما لم يتغير السلوك لم تحصل السعادة . وتلك السعادة الاخروية زادها فى الدنيا و بما يوجه الدنيا من سياسات و تلك السياسات 4 انواع :  “الأولى وهي العليا سياسة الأنبياء عليهم السلام وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً في ظاهرهم وباطنهم

والثانية الخلفاء والملوك والسلاطين وحكمهم على الخاصة والعامة جميعاً ولكن على ظاهرهم لا على باطنهم

والثالثة العلماء بالله عز وجل وبدينه الذين هم ورثة الأنبياء وحكمهم على باطن الخاصة فقط ولا يرتفع فهم العامة على الاستفادة منهم ولا تنتهي قوتهم إلى التصرف في ظواهرهم بالإلزام والمنع والشرع

والرابعة الوعاظ وحكمهم على بواطن العوام فقط فأشرف هذه الصناعات الأربع بعد النبوة إفادة العلم وتهذيب نفوس الناس عن الأخلاق المذمومة المهلكة وإرشادهم إلى الأخلاق المحمودة المسعدة وهو المراد بالتعليم “[58]

يعتبر المنهج الذي تحرك من خلاله الامام الغزالي و وصفه لعلاج ازمات التعليم منهج فريد و مختلف عما كان فى عصره من حيث انه يتخطي المذهبية او بمعني اوضح الاثر الذي سببته المذهبية من اهمال العلوم الغير شرعية فالامام الغزالي يعتبر العلوم كلها اسلامية وتنقسم الي قسمين علوم شرعية و غير شرعية فالعلم الشرعي هو ما استفيد من الانبياء و غير الشرعية هي ما ارشد اليه العقل مثل الطب و الحساب و غيرهما و هي فرض كفاية فلو خلا بلد منها سارع الي الهلاك ومن يقتصر على العلم الشرعي وحده لا يفهم الدين الا” قشوره بل خيالاته و امثلته دون لبابه وحقيقته فلا تدرك العلوم الشرعية الا بالعلوم العقلية فان العقلية كالادوية و الشرعية كالغذاء “[59] .

فمن ثم الامام الغزالي يريد ان يقول انه لابد من وجود تكامل بين العلوم جميعها دون اغفال نوعا و الاهتمام بنوع على حساب الاخر .

الميدان التي اهتم الامام الغزالي بتدريسها :

الاول : بناء العقيدة الاسلامية الصحيحة والهدف هو تكوين جيل عارف بعقيدة الاسلام الحق تكون بمثابة الايدولوجية او المعيار او النسق الذي يتحرك من خلاله فى السياسة و الاجتماع . وفى هذا الباب يتم تعليم الحكمة من وجود الانسان و من خلقه وماهيه وجوده و الحكمة فى خلق السماء و الارض و الكواكب و قبل ذلك اثبات وجود الله و صفاته و النبوات و ذلك نجده بشكل واضح فى كتب الامام مثل الاقتصاد فى الاعتقاد و كتاب الحكمة من مخلوقات الله عزوجل .

الثاني : هو تهذيب النفس و تزكية القلوب و الارواح و الهدف هو الارتقاء بالانسان و البعد عن الشهوات الحيوانية و الوصول الي القرب من الحق وهو مقام العبودية لله حيث يتحرر الانسان من الخضوع لنفسه و شهواته و خوفه و تكون حركاته و سكناته طبقا لمراد الله عن حب و قناعن و رضا .

الثالث : الفقه و حرص الامام الغزالي ان يتم تحرير الفقه من التقليد المذهبي الاعمي وان يكون مواكب للقضايا الحياتية المتجددة .
الرابع : وهو الحكمة او السياسة و وضع الغزالي تحت هذا الميدان كل السياسات و الادارات و المهن التي لا غني عنها فى المجتمع و كيف يتوزع الافراد عليها و اشار بشكل صريح ان هذه العلوم لا تقتصر على ما عرفه الانسان وانما سيبرز الكثير منها فى المستقبل بسبب تطور الانسان و تطور الحضارة و من جهوده فى ذلك كتاب (التبر المسبوك فى نصيحة الملوك) الذي اورد فيه اخبار الملوك و السلاطين و سياسة الحكام و الوزراء و حدد من خلاله مفهوم الادارة و الحكم كما يتصوره .

و قد طبق الغزالي هذه الافكار على المدرسة التي انشأها و استقل بها هو وبعض اصحابه و كان لها الاثر الاكبر فى اخراج جيل من الرجال اسهموا فى الحركة الاصلاحية [60]

(3) الامر بالمعروف و النهي عن المنكر :

يعتبر الامام الغزالي ان الامر بالمعروف و النهي عن المنكر هم من اهم الميادين التي يجب اصلاحها من اجل تكوين صحوة و احياء لهذه الامة فهو يعتبر اهم المهمات التي جاء بها الانبياء جميعا و اذا تم اهماله تعطلت الرسالة الدينية و شاعت الضلالة و الجهل و فى ذلك يقول الغزالي :”وقد كان الذي خفنا ان يكون فإنا لله و انا اليه راجعون اذا قد اندرس من القطب عمله و علمه و انمحت بالكلية حقيقته و رسمه فاستولت علي القلوب مداهنة الخلق و انمحت عليهم مراقبة الخالق و استرسل الناس فى اتباع الهوي و الشهوات استرسال البهائم  عز علي بساط الارض مؤمن صادق لا تأخذه فى الله لومه لائم فمن سعي فى تلافي هذه الفترة و سد هذه الثلمة اما متكلفا بعملها او متقلدا لتنفيذها مجددا لهذه السنة الدائرة ناهضا باعبائها و مستثمرا فى احيائها كان مستأثرا من بين الخلق باحياء سنة افضي الزمان على اماتتها و مستبدا بقربة تتضائل درجات القرب دون ذروتها”[61] .

يبدأ الامر بالمعروف و النهي عن المنكر بأن يبدأ الفرد بنفسه ليصنع منها نموذج للمؤمن الصالح”فكن احد رجلين اما مشغولا بنفسك اما متفرغا متفرغا لغيرك بعد الفراغ من نفسك واياك ان تشتغل بما يصلح غيرك قبل اصلاح نفسك”[62]ثم بعد ذلك ان يعلم اهل بيته ثم جيرانه ثم ان يدعوة اهل محلته ثم بلده ثم يدعو اهل المناطق الحضرية فى البلاد عامة ثم اهل البوادي ثم الانسانية جمعاء .

الا ان الامام الغزالي خص السلاطين ببحث اسماه باب امر الاراء بالمعروف و نهيهم عن المنكر و على الرغم من النقد الشديد الذي وجهه الامام الغزالي الي السلاطين فى سياساتهم الاقتصادية الا انه حرض العلماء بشكل واضح على ضرورة الوقوف من الامراء موقف الآمر الناهي وذلك من اجل تقرير القاعدة التي يؤمن بها وهي ان تدور السياسة فى فلك العقيدة ليس العكس و اوضح فى سبيل ذلك امثلة عديدة و كثيرة ” فهذا سفيان الثوري رضي الله عنه يكتب الي هارون الرشيد : من العبد المذنب سفيان بن سعيد المنذر الثوري الي العبد المغرور بالآمال هارون الرشيد الذي سلب حلاوة الايمان” [63] .

وهذا الحسن البصري رضي الله عنه يعنف عامر الشعبي حين الان الحديث مع الحجاج بن يوسف فيقول :” اليك عني يا عامر! يقول الناس عامر الشعبي عالم اهل الكوفة اتيت شيطانا من شياطين الانس تكلمه بهواه و تقاربه فى رأيه .ويحك عامر هلا اتقيت”  . وهكذا فى مواضع كثيرة اوردها الامام الغزالي فى ذلك الباب.

(4) نقد السلاطين الظلمة :

لم يتجرأ الكثيرون على نقد سلاطين ذلك العصر و كان الغزالي من تلك القلة التي اعلنت بوضوح موقفها الرافض لسياسات الحكم و السلطة فى زمانه فاعتبره ظلمه فاسدين متعدين لحدود الله لا يجوز للعلماء الاختلاط بهم حتي يرجعوا الي العدل والشرع و اعتبر الامام الغزالي اموال السلاطين فى عصره حرام كلها او اكثرها لان لا يدخلها حلال قط سواء صدقة او غنيمة او فىء ولا يبقي غير الجزية التي تؤخذ بانواع من الظلم لا يحل و حرم الغزالي على العلماء قبول هدايا و اعطيات السلاطين و حذرهم الا يقيسوها بقبول علماء السلف لان الاسباب و الاوضاع مختلفة بين الفريقين ولقد وصل النقد الشديد الي تحريك التعامل مع السلاطين و التجارة فى اسواق بنوها و تحريم الانتفاع بالمرافق التي اسسها السلاطين الا مؤقتا على سبيل الحاجه الماسه ولم يقف عند هذا الحد من الكتابة بل انه رفض نفسه التعاون معهم و التعليم فى مدارسهم .

(5) محاربة المادية :

عالج الامام الغزالي السلبية و المادية التي اجتاحت الامة السلامية فى زمانه بروح العالم الفقيه الخبير بامر الدنيا و الاخره و اراد ان يوضح ان سبب هذا الخلل هو اختلال العلاقة بين الدنيا و الاخره عند الانسان و سوء فهم الحكمة الالهية من الخلق فالله خلق الانسان ليعبده و يعرفه و هو فى ذلك يعبر الدنيا التي هي دار سفر الي ان يصل الي الاخرة التي هي دار قرار و اقامة و مستقر لذلك لابد ان يتحرك الانسان وفق معايير يكون اول خطوطها ان الدنيا دار فناء وليست دار بقاء و عليه ان يستزيد منها قدر الحاجه و الكفاف و قدر ما ينفعه فى الرحلة الي الاخره و النموذج الامثل لذلك هو رسول الله صلي الله عليه وسلم و اصحابه و ذلك الجيل من الخلفاء الراشدين المهديين لذلك اوضح انه لابد من التذكرة دائما بان الانسان فى الدنيا هو فى رحلة الي الاخرة و اوضح ان من ينسي ذلك من الناس فهم الغافلون وهم نوعين الاول اشتغل بالدنيا و نسي الاخره و الثاني نسوا الحكمة من محطة الدنيا و حاولوا الوصول للاخره دول عبور الدنيا

النوع الاول منهم من يظن ان السعادة فى جمع المال و الكنوز و تلك لذتهم فى الحياة ناسين ان هذه الاموال وسيلة لسد الحاجه وليست غاية فى ذاتها و منهم من يظن ان السعادة فى ان يمدحهم الناس و يفرحون بالثناء عليهم فهؤلاء يجمعون الاموال و يضيقون على انفسهم فى المطعم و المشرب و كل مهمتهم فى نهارهم و ليلهم انتظار الاستحسان من الناس و طائفة اخري ظنت ان السعادة فى الجاه و السلطة و السيطرة على الناس فانصرفوا الي طلب الرياسة و زادت هموهم فى الدنيا حتي اهلكتهم .

النوع الثاني هو رد فعل للاول بشكل طبيعي ومنهم من رأي فى الدنيا دار بلاء و محنة و الاخره دار سعادة فرأوا ان الصواب ان يقتلوا انفسهم للخلاص من محنة الدنيا مثل ما ذهبت اليهم طوائف فى الهند ممن يقتلون انفسهم بالاحراق و يظنون ان الخلاص فى ذلك و منهم طائفة رأت ان القتل لا يفيد و الصفات البشرية لابد ان تموت بالكلية و السعادة فى وقف عمل الشهوات فاشتغلوا بالمجاهدة حتي هلك بعضهم من شدة الرياضة و بعضه راح عقله و جن وبعضهم ظن ان الشرع محال فوقع فى الالحاد و البعض الاخر ترك العبادات و عادوا للشهوات و سلكوا مسلك الاباحة بزعم ان الله غني عن تعب العباد و طائفة اخري ظنت ان القصد من العبادة المجاهدة حتي يصل العبد الي معرفة الله وبمجرد حصول تلك المعرفة يستغني العبد عن الوسيلة فزعموا ان التكاليف لعوام الخلق .

(6) محاربة الافكار الفاسدة فى العقائد

لم يغفل الامام الغزالي عن دراسة الافكار و التيارات المضادة التي استهدفت العقيدة الاسلامية و الرد عليها و التي تمثلت فى تيارين هما الباطنية و الفلاسفة كما استعرضنا و فى مواجهه تلك التيارات لم يلجأ الامام الغزالي الي السب و الشتم بل بدأ بدراسة هذه الافكار دراسة وافية و الاطلاع على كتبها و اصحاب هذا الفكر مع التركيز على اصول كل مذهب او تيار و استطاع ان يرد و يواجه ذلك حتي اقتلع تلك الافكار من جذورها و لنا ان نقدر للغزالي هذه الجرأة الفكرية خاصة اذا تذكرنا العصر الذي شاع فى الارهاب الفكري من قبل الباطنية و هم يغتالون المعارضين .

استطاع الغزالي تفنيد افكار الباطنية من خلال ما اورده فى كتابه فضائح الباطنية حيث فصل فيه جميع ما امكنه الاطلاع عليه من افكارهم و غاياتهم و مبرراتهم و استطاع تفنيدها و التعليق عليها و رد كل تلك الافكار . اما بالنسبة للفلاسفة فتصدي للقضايا التي كانت مطروحة فى ذلك الوقت من خلال انهم فى بادىء الامر وضع كتاب شارح للفلسفة ثم وضع كتابه الشهير الذي اسماه تهافت الفلاسفة .

من خلال ما اورد الغزالي فى كتاب تهافت الفلاسفة يمكن استخلاص بعض الملاحظات كالتالي :
1.اعتبر الغزالي ان هدف الفلاسفة هو غايات دنيوية و الحادية تتستر بالثقافة و تتظاهرة بقضايا العقيدة “فاني قد اريت طائفة يعتقدون فى انفسهم التميز عن الاتراب و النظراء بمزيد الفطنة و الذكاء وقد رفضوا وظائف الاسلام فى العبادات و استحقروا شعائر الدين من وظائف الصلوات و التوقي عن المحظورات و استهانوا بتعبدات الشرع و حدوده ولم يقفوا عند توقيفاته و قيوده بل خلعوه بالكلية رتبة الدين بفنون من الظنون يتعبون فيها رهطا يصدون عن سبيل الله و يبغونها عوجا وهم الاخره كافرون ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعي إلفي كتقليد اليهود و النصاري” [64]

  1. انتبه الغزالي الي ان تقليد العقائد الوافدة من الغرب فى كل الازمنة يجعل المقلدين يظنون انفسهم فى مرتبه اعلي من المقلدين الاباء وهذه الظاهرة ان مقلدي العقائدة المستوردة يبشرون بعقائدهم من خلال الاستشهاد بتقدم العلوم الطبيعية و الهندسة و الطب فى مواطنها (هذه العقائد) وعلى يدي من وضعوا هذه الفلسفات ويقول الغزالي : ” انما مصدر كفرهم سماعهم اساء هائلة كسقراط و بقراط و افلاطون و ارسطاليس و امثالهم واطناف طوائف من متبعيهم و ضلالهم فى وصف عقولهم وحسن اصولهم و دقة علومهم الهندسية و المنطقية و الطبيعية و الالهيه و استبدادهم باستخراج تلك الامر الخفية لفرط الذكاء و الفطنة وحكايتهم عنهم انهم مع رزانه عقولهم و غزارة فضلهم منكرون للشرائع و النحل و جاحدون لتفاصيل الاديان و الملل و معتقدون انهم نواميس مؤلفة و حيل مزخرفة”[65] .
  2. انتبه الامام الي المشكلة النفسية التي مازال العالم الاسلامي يعاني منها الي وقتنا وهي ان يظن المقلد للافكار و العقائد الغربية انه من عداد الصفوة المثقفة ” تجملوا باعتقاد الكفر تحيزا الي غمار الفضلائ بزعمهم و انخراطا فى سلكهم و ترفعا عن مسايرة الجماهير و الدهماء و استنكافا من القناعة باديان الاباء ظنا بان اظهار التكايس فى النزوع عن تقليد الحق بالشروع فى تقليد الباطل جمال ، وغفلة منهم عن ان الانتقال من تقليد الي تقليد خرق و خيال “[66] .

ناقش الغزالي الفلاسفة فى قضايا خمس هي قضية الخالق (الله) و المخلوق ( العالم ) و العلم (علم الله و علم الانسان) و قضية الانسان و قضية الفناء و البعث ولسنا فى مجال لتفنيد تلك الاراء بصورة مفصلة .

  1. اثر الغزالي :

لن نسترسل كثيرا فى ذكر ما قاله علماء عصر الغزالي من تلوهم فى فضله و غزاره علمه و سعه اطلاعه و رجاحه عقله ولكن الاهم من ذلك هو ذلك الاثر الذي تركه الامام الغزالي من جانبين
الاول : ما ترتب على جهود الامام الغزالي من انحسار لتيارات فكرية مثل الباطنية و الفلاسفة فمنذ ان اصاب الغزالي الفلسفة بوابل سهامه فى التهافت لم تقم لها قائمة فى العالم الاسلامي و من ثم ركد سوق تلك الافكار بين الناس و انتهي امرها .
الثاني : منهج الغزالي المتمثل فى الانسحاب و العودة هو منهج لابد ان يحتذي به و لا شك انه اصبح مثالا اتخذته كثير من الفرق الاسلامية و المذاهب حين توقفت عن الصراعات و انصرفوا الي خاصة انفسهم حتي زكوها و طهروها من الدنس ثم عادوا الي المجتمع من جديد ليسهموا فيه و فى حل مشكلاته و بذلك برز جماعة من العلماء و الصوفية و الفقهاء الذين هم خير مثال على ما كان ينادي به الامام الغزالي .

المبحث الثاني : الامام عبد القادر الجيلاني

فى خضم الحديث فى هذا المبحث سوف نتطرق الي نقاط بعينها تخص دور الامام القطب عبد القادر الجيلاني و جهوده فى الاصلاح و الاحياء الديني الذي ساعد فى تربية جيل من الرجال ساعد فى الانتصارات الاسلامية على الغزاة و سيتضمن هذا الباب سيرة الامام و منهجه فى العقيدة و دعوته فى الاصلاح و دوره فى مواجهه التيارات الفكرية التي مثلت خطرا على المسلمين فى حينه و لن نغفل دور المدرسة القادرية التي هي المدرسة المركزية التي اقامها فى بغداد و من ثم نختم بتلاميذ الامام .

1.سيرة الامام عبد القادر

ولد الشيخ عبد القادر فى عام 470هـ / 1077م فى جيلان وهي تقع فى شمال ايران حاليا على ضفاف بحر قزوين و يقال لها كيلان لذلك يقال فى النسبة جيلاني او كيلاني او جيلي .[67]
يتصل نسب الشيخ عبد القادر من ناحية والده بالامام الحسن بن علي بن ابي طالب رضي الله عنهما و من ناحية والدته ينتهي الي الامام الحسين بن علي رضي الله عنهما .
من الملاحظ ان الزهد كان الصفة الغالبة على اصول و تربية الشيخ عبد القادر فقال فى والده :” والدي زاهد فى الدنيا مع قدرته عليها ووالدتي وافقته على ذلك و رضيت بما فعله كانا اهل الصلاح و الديانة و الشفقة على الخلق. “[68] و كان جده لوالدته من مشايخ جيلان و زهادها المشهورين[69] .

تلقي علومه الاولية فى كتاتيب جيلان و فى عام488هـ غادر الي بغداد ليكمل دراسته وهو فى عمر الثامنة عشر  انتقاله هذا شكل تغيرا و تطورا جديدا فى حياته حيث واجه تغير شامل فى البيئة العامة و الحياة الخاصة . فالمجتمع العام من حوله تميز بالاضطراب السياسي و الاجتماعي و الثقافي ايضا فكان ضعف الخلفاء و الصراع بين سلاطين السلاجقة هو الغالب فى حينها ولم يتكن الحياة الاجتماعية اقل هدوءا فكان ذلك الوقت عصر اضطراب و طالما اشتبك العامة مع غلمان الخليفة من الاتراك و قُدر للشيخ عبد القادر ان يري هذه الامور و حضر الخصومات المستمرة بين السنة و الشيعة تلك التي روي عنها المؤرخون الكثير و عم الغلاء و ضاعت الاقوات و تعرض السكان للنهب و السلب من الجند او العوام .

كانت بغداد فى حينها تزخر بالنشاط العلمي و الثقافي على يد علماء كبار حيث انتشرت الدروس و الزوايا و حلقات المساجد و تباري الخلفاء و الوزراء فى الانفاق على العلم و انتشر اتباع الامام الجنيد فى بغداد يدعون الي نشر التصوف السني امام ما شابه من انحرافات و مما يذكره المؤرخون فى سيره الشيخ عبد القادر امرين :
الاول هو حياة الفقر و العوز التي ميزت حياته دائما و الامر الثاني اختلاطه بالدروس و مجالس الوعظ و المناظرات ووقوفه على اختلافاتهم المذهبية [70] .

درس الامام عبد القادر الجيلاني الفقه على المذهب الحنبلي و احكم الاصول و الفروغ و قرأ القرآن و الادب و اتجه بعد ذلك الي الزهد و التصوف و علومه ولكن السؤال المطروح الان هو ما الذي دفع الشيخ عبد القادر هو فقيه حنبلي و اصبح فيما بعد شيخ الحنابلة يجمع بين الفقه الحنبلي و الزهد الصوفي و يمكن الاجابة علي هذا التساؤل من خلال امرين :
الاول: الخبرات التي مر بها من خلال حضوره دروس العلم و الوعظ جعلته ينفر من سلوك الفقهاء فى عصره بسبب ما كان يحكمهم من دوافع شخصية لا تتصلح بالدين او الصالح العام بل كانوا يثيرون الخلافات  الخصومات و يؤثرون الانتماء المذهبي و المصلحة الذاتية على الصالح العام وذلك طبقا لما حكاها مؤرخي الحنابلة فى ذلك الوقت مما جعل الامام عبد القادر يتجه الي الانقطاع و الزهد و التعبد و يبتعد عن مظاهر النفاق و الصراعات و لعل ذلك يفسر ما شنه الامام من حمله نقد على فقهاء عصره .
الثاني : هو تلك المكانة التربوية التي حظي بها التصوف السني فى عصره بسبب جهود الامام الغزالي فى ذلك فحجه الاسلام الغزالي اشتهر امره و كان الشيخ عبد القادر فى شبابه ومما يدل على اثر الغزالي فى الشيخ عبد القادر هو تأثره الواسع به حيث كان ينقل بعض الفقرات بالنص الحرفي فى كتبه ” وكتاب عبد القادر الغنية لطالبي طريق الحق مصنف على نسق كتاب الغزالي احياء علوم الدين كذلك يبدور اثر الغزالي فى سلوك الزهد الذي اختاره عبد القادر لنفسه فما تسميه المصادر سياحة عبد القادر لمجاهدة نفسه حوالي عشر سنوات جلس بعدها للتدريس و الوعظ فهو تطبيق لمبدأ الانسحاب و العودة الذي مارسه الغزالي حين قامته بسياحته فى الشام و الحجاز”[71]

الا ان ذلك التأثر لم يكن الا في مرحلة معينة و من بعدها انطلق الجيلاني بطريقته الخاصة فى الفكر و فى العمل و يمكن القول ان الامام الجيلاني مر فى حياته ب3 مراحل الاولي هي الجمع بين الفقه التصوف مستلهما من الامام الغزالي ثم ممارسه التصوف علي يد كل من الشيخ الدباس و المخرمي ثم ظهور الطابع الخاص للشيخ فى الجمع بين الفقه و التصوف و الملاحظ ايضا ان الفقه الحنبلي كان له اثر واضح فى كتاباته خاصة فيما يتعلق بضروره الجمع بين القران و السنة و السلف اكثر من اي مصدر اخر و من هنا نستطيع ان نقول ان التكامل بين الغزالي و الجيلاني يعد مثال فريد للفرق بين المذهبية و التحزب الذي يسخر الدين للاهداف الشخصية .

القابه :
لُقب الجيلاني ب ” باز الله الاشهب” و “تاج العارفين” و” محي الدين” و “شيخ الشيوخ” و “قطب الاقطاب ” .

2.تعاليم الامام عبد القادر الجيلاني

ركز الشيخ عبد القادر تعاليمه فى البناء على اساس القيم الاسلامية و يمكن تلخيص ذلك فى عده امور كما يلي :
1 التوحيد
2 القضاء و القدر
3 الايمان
4 اولي الامر و الامر بالمعروف و النهي عن المنكر

______

1)التوحيد :

يقول الشيخ عبد القادر “ويحك تدعي انك عبده و تطيع سواه ، لو انكت عبده على الحقيقة لعاديت فيه و واليت فيه و المؤمن المرقن لا يطبع نفسه و شيطانه و هواه لايعرف الشيطان حتي لا يطيعه ، لا يبالي بالدنيا حتي يذل لها بل يهينها و يطلب الاخره ، فاذا حصلت له تركها و اتصل بمولاه عز وجل يخلص عبادته فى جميع اوقاته سمع قوله عز وجل : ” وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء” دع عنك الشرك بالخلق ووحد الحق عز وجل “[72] .

التوحيد هو الحجر الاساسي الذي تقوم عليه تعاليم الامام عبد القادر الجيلاني و التوحيد هو مفهوم شامل وعام لكل حركات و سكنات و تصرفات و افكار الانسان فى الحياة فالمقصود هنا ان يكون التوحيد خالص بدون شوائب بمعني ان تعبد الله حق العبادة فتحب لله و تكره لله و تغضب لله و ترضي لله فتكون تصرفاتك و اهدافك و افكارك وفقا لما جاء به الله على لسان رسله .

اراد الشيخ عبد القادر ربط مفهوم التوحيد بالحياة الاجتماعية فى عصره حيث ان اراد ان يكون التوحيد هو الضابط و المحرك لتصرفات الناس و علاقتهم ببعضهم و من ثم تصرفات السلاطين و الامراء حيث اراد ان يجردهم من الجاه و السلطان المزيف او القوة المعنوية التي يتمتعون بها و يرد ذلك كله لله و بذلك يربط التوحيد علي التحقيق بالعلاقة التي لابد ان تكون بين الحكومة و الجماهير و بين الافراد وبعضهم .

فيقول : ” دع عنك الشرك بالخلق ووحد الحق عز وجل هو خالق الاشياء جميعها و بيده الاشياء جميعها يا طالب الاشياء من غيره ما انت عاقل . خل شىء ليس هو فى خزائن الله عز وجل قال الله غز وجل ” وان من شىء الا عندنا خزائنه” .[73]

فى مواضع كثيرة يريد الشيخ عبد القادر ان يربط بين التوحيد وبين الحياة الاجتماعية ففي احدي المواعظ يعنف من يلهثون وراء المصالح الشخصية تاركين المصلحة العامة و الرسالة الاسلامية و يعتبر ذلك نوعا من الشرك فيقول : ” انتم عبيد الخلق عبيد الرياء و النفاق عبيد الخلق و الاهوية و الحظوظ و الثناء ما فيكم من تحققت له العبودية الا من يشاء الله عز وجل : آحاد افراد . هذا يعبد الدنيا ويحب دوامها و يخاف زوالها و هذا يعبد الخلق و يخاف منهم و يرجوهم و هذا يعبد الجنة ولا يرجو خالقها وهذا يعبد النار يخاف منها ولا يخاف من خالها . ما الخلق وما الجنة و ما النار و من سواه ؟ قال عز وجل :” وما امروا الا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء “[74]

و في كثير من المواضع يكون الحديث بنفس اللهجة تلك وبذلك يريد المزج بين التوحيد و بين الحياة الاجتماعية و توجيه سلوك الافراد و علاقاتهم مع الاخرين .

2) القضاء و القدر :

اراد الشيخ عبد القادر تصحيح مفهوم القدر لدي مسلمي عصره و تصويب تناولهم معه فى اغلب الاحيان فالفقراء و العامة فى زمانه اختارت الاستسلام للشر و عدم مقاومته بدعوي ان ذلك قضاء الله و تركوا المفسدين يعثيون فى الارض افسادا و فسادا ولكن كان الشيخ عبد القادر يري ضرورة دفع القوم الي تغيير تلك الصورة و ذلك المفهوم من اجل ان يشحذ هممهم و يغيروا ما بانفسهم فيتناولوا الخير و يدفعوا به الشر .

استهدف الشيخ عبد القادر عقيدته حول القضاء و القدر ان يكون ذلك تحفيزا لنصرة الحق والخير و مقاومة الشر و من ثم حدد المفهوم كما يلي : ” ان جميع الحوادث خيرها و شرها كائنة بقدر الله ولكن المؤمن مأمور ان يدفه ما قدر من الشر بما قدر من الخير فيزيل الكفر بالايمان و البدعة بالسنة و المعصية بالطاعة و المرض بالدواء و الجهل بالمعرفة و العدون بالجهاد و الفقر بالعمل و هكذا ”

لقد كان الناس فى زمن الشيخ عبد  القادر ينظرون للقدر بشكل جزئي فاذا كان شرا استسلموا له وجوبا و لو انهم دققوا النظر لعرفوا ان الله تعالي يلقي الخير و الشر فى ساحة الحياة ثم يترك لك الاختيار فاما ان تختار شرا او تستسلم له او ان تتناول الخير تدفع به الخير و احسن الخير هو المراد ففي ذلك يقول الشيخ عبد القادر :” ان كثيرا من الرجال اذا وصلوا الي القضاء و القدر امسكوا الا انا وصلت اليه وفتح لي منه روزنه فأولجت فيها و نازعت اقدار الحق بالحق للحق فالرجل هو المنازع للقدر لا الموافق له ”

و فى موطن اخر يشرح الشيخ عبد القادر مفهومه حول القضاء و القدر و رغبته فى حث الخلق على مقاومه الشر وعدم الخنوع و الخضوع له تحت دعوي قضاء الله فيقول : ” ان لكل حالة من احوال الحياة سعادة كانت ام شقاء زمنا تحل فيه و اخر تنتهي عنده و ازمانها هذه لا تتقدم ولا تتأخر و لذلك فالمطلوب من الانسان ان يعالج هذه الاحوال بالوسائل المشروعة مع الانتظار حتي تسفر الحالة عن ضدها بمرور زمنها و انقضاء اجلها كما ينقضي الشتاء فيسفر عن الصيف و ينقضي الليل فيسفر عن النهار فمن طلب ضوء النهار بين العشائين لا يحصل عليه بل ان ظلمه الليل تزداد حتي تبلغ نهايتها و يطلع الفجر و يحل النهار و لو انه طلب اعادة الليل بعد حلول النهار لم تجب دعوته لانه طلب الشىء فى غير وقته فيبقي ساخطا و من شأن هذا القلق و السخط ان يفضي به الي سوء الظن بالله و التخبط فى معالجة الاقدار فتفضي الحالة السيئة الي ما هو اسوأ “[75] .

3) الايمان :

للايمان فى مفهوم الشيخ عبد القادر مضمونان الاول فكري وجداني لا يتوقف عند مجرد الاعتقاد النظري بل الي العمل و الاخلاص و تطبيق هذا الايمان فالعمل ينهي النفاء و الاخلاص ينهي الرياء و الاخلاص هنا هو التوجه بالعمل الي الله وحده

و المضمون الثاني اجتماعي “فلا يصح ايمان عبد جاره جائع”[76] حيث اراد الشيخ عبد القادر ربط المفهوم الايماني بالحياة الاجتماعية كوسيلة للتكافل و العلاقات بين الناس و مقياس نقيس به دين و ايمان الغني و السلطان فمن يتعاملون بحطام الدنيا بدافع الاحتكار يفقدون صفة الايمان ” الدنيا فى اليد يجوز فى الجيب يجوز ادخارها بنية صالحة يجوز اما القلب فلا يجوز”[77] و حتي جواز ادخار الدنيا يكون من اجل الانفاق على الفقراء او “لصالح عيال الحق عز و جل “[78] و مما يقوله فى ذلك :” المؤمن بصره الله بعيوب الدنيا بطريق الكتاب و السنة و الشيوه فجاءه الزهد .. فيحنئذ لا تضره عمارة الدنيا و لو بني الفا من الدور لانه يبني لغيره لا له . يتمثل امر الله فى ذلك ويوافق قضاءه و قدره و يقيمه فى خدمة الخلق و ايصال الراحة اليهم و يواصل الضياء بالظلام فى الطبخ و الخبز ولا يأكل من ذلك ذره . يصير له طعام يخصه لا يشاركه فيه غيره فيكون مضطرا عند طعامه صائما مجوعا عند غيره “[79]

مرة اخري يتطابق الشيخ عبد القادر مع الامام الغزالي الذي جعل الغني تاجرا للفقير يجتهد و يتاجر ليقدم للفقير حاجته لان القاعدة الالهية أن الغني مستخدم للسعي فى رزق الفقير [80]

4) الامر بالمعروف و النهي عن المنكر :

يري الامام عبد القادر ان الامر بالمعروف و النهي عن المنكر من ضرورات الحياة الاساسية التي ينبغي ان توضح و تقنن من اجل سيادة الخير فى المجتمع وهو واجب على كل مسلم كل على حسب مستواه فالسلاطين انكارهم باليد و العلماء انكارهم باللسان و العامة انكارهم بالقلب[81] .

العلماء هم من يخول لهم تقرير ماهو معروف و مباح و ماهو منكر و محرم اما السلاطين و العامة فدورهم تنفيذ ذلك و لكن من هم العلماء فى هذا المجال ؟؟
يقرر الشيخ عبد القادر بان العلماء فى هذا الموضع هم العارفون بالله السالكون طريق الزهد دون سواهم و لهم صفات كما يلي :

1- يكون القائم بالامر بالمعروف و النهي عن المنكر عالما عارفا بالله احكم علوم الشريعة و سلك طريق الزهد فهم ابدال الانبياء يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر اتبعوا رسول الله صلي الله عليه وسلم حتي حملهم الي المرسل و قربهم من الله و اخرج لهم الالقاب و الخلع و الامارة على الخلق[82] ، و دلالته ان يكون زاهدا فى الدنيا و الاخره و ما سوي الله فاذا وصل الي ذلك ” صلح للوقوف مع الخلق و الاخذ بايديهم و تخليصهم من بحر الدنيا فاذا اراد الحق بالعباد خيرا جعله دليلم وطبيبهم و مؤدبهم و مدربهم و ترجمانهم و سائحمهم و منحتهم و سراجهم و شمسهم”[83]

لذلك هاجم الشيخ عبد القادر من كانوا يتصدون للارشاد فى زمانه وشن عليه حمله قوية من النقد لانهم لم يسلكون طريق الزهد و التزكية و اعتبرهم جهلاء ومن اقواله فيهم :” اذا دعوت الخلق ولست على باب الحق كان دعاؤك وبالا عليك ، كلما تحركت بركت كلما طلبت الرفعة اتضعت . انت لقلقه . انت لسان بلا جنان.انت ظاهر بلا باطن . جلوة بلا خلوة . جولة بلا صولة. سيفك من خشب و سهامك من كبريت “[84].

2- ان يكون عالماب المنكر الذي ينهي عنه على وجه قطعي فالواجب انكار ما ظهر و عدم بحث ما ستر لان الله نهي عن ذلك [85]
3- ان يكون قادرا على الامر بالمعرف و النهي عن المنكر على وجه لا يؤدي الي فساد عظيم و ضرر فى نفسه و ماله و اهله .

حدد الشيخ عبد القادر اساليب الامر بالمعروف و النهي عن المنكر شروطا وهي : ان يستعمل اللين و التودد لا الفظاظة و الغلظة و ان يكون صبورا متواضعا قوي اليقين وان يأمر العاصي و ينهاه فى خلوة والا يخوض في مسائل الاختلاف امام من لا يعتقدونها لان ذلك يفتح باب من الجدل و الخصومة فالحكمة هنا واجبة و ادب العالم اولي من عمله [86]

3.الدعوة الي الاصلاح:

اعتمد الشيخ عبد القادر فى الدعوة الي الاصلاح على امرين الاول هو التعليم و التربية الروحية و الفكرية المنتظمة من خلال المدرسة القادرية و الثاني من خلال الوعظ و الدعوة بين الجماهير.
1) التعليم و التربية :

اكتمل بناء المدرسة القادرية و صارت منسوبة للشيخ عبد القادر فى عام 582هـ [87] . اما تمويل المدرسة فقد اوقف الاتباع و الاغنياء عليها اوقافا دائمة للصرف على الاساتذه و الطلاب [88] و منهم من اوقف لمكتبتها [89] و الي جانب المدرسة كان رباك يسكنه الطلبة الوافدون من خارج بغداد و كان يشرف عليه احد تلاميذ الشيخ عبد القادر الذي تخرج علي يده فى الفقه و التصوف معا و هو محمود بن عثمان بن مكارم النعال .
و لقد لعبت تلك المدرسة دورا رئيسيا فلا اعداد جيل المواجهه للخطر الصليبي فى البلاد الشامية فقط كانت تستقبل النازحين الذين فروا من وجه الاحتلال الصليبي ثم تقوم باعدادهم ثم اعادتهم الي مناطق المواجهه الدائرة تحت القيادة الزنكية و منهم من اشتهر وهو ان نجا الواعظ الذي اصبح مستشار صلاح الدين الايوبي السياسي و العسكري .

وصف ابن قدامه المقدسي طريقة الشيخ عبد القادر و اثره فى طلبته فقال :” دخلنا بغداد سنة احدي و ستين و خمسمائة فاذا بالشيخ عبد القادر ممن انتهت اليه الرئاسة بها علما و عملا و حالا و استفتاء وكان يكفي طالب العلم عن قصد غيره من كثرة ما اجتمع فيه من العلم و الصبر على المشتغلين وسعة الصدر و كان ملء العين و جمع الله فيه اوصافا جميلة و احوالا عزيزة و ما رايت بعده مثله “[90]

لقد تأثر الامام الجيلاني بافكار الامام الغزالي خاصة فى المنهج فقد اعتمد الجيلاني على منهج متكامل بغرض اعداد الشباب و الطلبة و المريدين اعداد شامل اجتماعيا و روحيا و علميا و يؤهلهم لحمل رسالة الامر بالمعروف و النهي عن  المنكر كما توفر له تطبيق تلك الافكار فى رباط القادرية المعروف باسمه فى بغداد حيث كانت تجري التطبيقات التربوية و الدروس و التربية الصوفية بين الطلبة و المريدين .

كما اسلفنا انقسم الاعداد الي 3 انواع روحي و علمي و اجتماعي :
1)الاعداد العلمي او الديني :

يعتمد مثل هذا النوع على حسب عمر الطالب او المريد وحاله سواء كان من كبار السن او العامة ممن يقصدون تصحيح العقيدة و كان الشيخ عبد القادر يشرح العقيدة من خلال كتابه المغني لطالبي طريق الحق الذي صنفه على طريقة كتاب الاحياء للامام الغزالي ومن ثم اعدادهم الي الامر بالمعروف و النهي عن المنكر و اساليبه و وسائله ، اما اذا كان المريد طالبا فى المدرسة فانه يتلقي اعداد اوسع و اشمل حوالي 13 عشرا يشتمل على دروس النحو و التفسير و الفقه الحنبلي و الحديث و الاصول و القراءات و يستبعد الكلام و الفلسفة و ينهي عن قراءة كتبها السائدة .

كان الجمع بين الفقه و التصوف هو الامر الاهم و الاكثر ضرورة لدي الشيخ الجيلاني و من اساسيات بناء المريد الصادق فلابد من الجمع بين الفقه و تزكية النفس

2)الاعداد الروحي :
يستهدف به تربية المريد و تزكية نفسه و تنقيه قلبه من الكدر حتي يصبح صفاء بلا كدر و يصير مع حضرة النبي صلي الله عليه وسلم فى عقله و مشاعره و معناه و يكون دليلة و قدوته[91] و لذلك عليه الالتزام بالسنة فى كل شىء و ان يتصف بصفات اساسها المجاهدة و التحلي باعمال اولي العزم وهي :
1- عدم الحلف بالله لا صادقا ولا كاذبا عامدا ولا ساهيا لانه اذا احكم ذلك من نفسه جفعه لي ترك الحلف بالكلية و بذلك يفتح الله له بابا من انواره يدرك اثره فى قلبه و يمنحه الرفعة و الثبات و الكرامة عند الخلق
2- تجنب الكذب هزلا او جدا
3- الوفاء بالوعد و العمل على ترك الوعد اصلا لان ذلك اضمن له من الوقوع فى الحلف و الكذب ومن ثم يفتح له باب السخاء و الحياء و مودة فى الصادقين
4- تجنب لعن اي شىء من الخلق و ايذاء ذرة فما فوقها فذلك من اخلاق الابرار و الصديقين و يورث الرحمة
5- تجنب الدعاء على احد و ان ظلمه فلا يقطعه بلسانه ولا يقابله بقول او فعل فان فعل ذلك ارتفع فى عين الله ونال محبة الخلق جميعا
6- الا يشهد على احد من اهل القبلة بشرك او كفر او نفاق فذلك اقرب للاخلاق و الرحمة و رضا الله
7- تجنب النظر الي المعاصي و ذلك يسرع الي ترقية النفس
8- تجنب الاعتماد على الخلق فى حاجه صغرت او كبرت فان ذلك من تمام العزة للعابدين و شرف المتقين و به يقوي على الامر بالمعروف و النهي عن المنكر .
9- قطع اي طمع فى البشر فذلك الغني الخالص و العز الاكبر و التوكل الصحيح و هو باب من ابواب الزهد و به ينال الورع
10- التواضع و به تعلو منزلة العابد و هو من خصال الاخلاق و اصل منها و به يدرك العبد منازل الصالحين الراضين عن الله فى السراء و الضراء [92]

و هناك ممارسات روحية جماعية تتعدي نطاق الفرد الي الجماعة و تكون فى الجهر و العلن و يشترك فيه اتباع الشيخ باشراف منه مثل حضور مجالس الذكر و الحضرات و العبادة المشتركة وكان يرافقها دراسات نظرية حول مقصود المجاهدة و العبادة التي يمارسها فى حياته و بالتالي يفهم ما يفهم و يقنع به و كان هناك دراسة عن الذكر و الاوراد و التقوي و الورع  وما الي ذلك من مظاهر التصوف و الزهد .

3)الاعداد الاجتماعي :

استهدف الشيخ عبد القادر بالاعداد الاجتماعي هو تربية المريدين على العلاقات الاجتماعية الصحيحة و اساليب التصرف و السلوك القويم بين الفرد وبين اخوانه فى المجتمع و ذلك بسبب ما حل بالمجتمع الاسلامي فى ذلك العصر من تفكك اجتماعي و من ثم كانت المدرسة القادرية لها دور هام فى هذا العملية التي انقسمت الي حياة المريد الخاصة و حياته مع شيخه و حياته مع اخوانه فى الطريق و علاقته بالمجتمع من حوله .
اما عن حياه المريد الخاصة فقد نظم المنهج القادري اداب تنظم السلوك اليومي للفرد كاللباس و النوم و الدخول و الخروج و الزينة و الجلوس و السير و الطعام و الشراب و معاملة الزوجة و الابناء و الوالدين و الاقامة و السفر وذلك بما يوافق ما جاء فى الكتاب و السنة و ذلك افصله الامام الجيلاني فى كتابه الغنية ، كما انه حرص على ان يبتعد بالمريد عن كل ما ينزل من مكانته الاجتماعية مثل البطالة و سؤال الخلق و حثه على الكسب والاشتغال مع مراعاة قواعد الادب و الاخلاق و الامانة .

اما عن علاقة المريد مع الشيخ فقد اوجب الامام الجيلاني على المريد طاعه الشيخ فى الظاهر و الباطن و ان لا ينقطع عنه و ان يستشيره فى شؤؤنه و فى المقابل اوجب على الشيخ ان يعامل المريد بالحكمة و الشفقة و ان يؤدبهم ابتغاه مرضاة الله وان يكون لهم ملجأ و سندا و راعيا فاذا لم يكن فى هذه المنزلة فليترك المشيخة و ليعد الي شيخ يؤدبه .

اما علاقة المريدين ببعضهم البعض فلابد من الايثار و الفتوة و الصفح و ان يخدم كل منهم الاخر فى جميع الحالات و يسعي الي قضاء حاجات اخوانه و الا يري لنفسه على احد حق ولا يطالب احد بحق و يظهر لهم الموافقة فى كل ما يقولون و ان يتأول مخالفاتهم و يلتمس لهم الاعذار ولا ينافرهم و يجادلهم و الا يحقد عليهم و اذا خامر قلبه لاحد مكروه ان يتودد له حتي يزول و ان يصلهم و يحسن لهم و علي الغني منهم ان يؤثر الفقير على نفسه فى المأكل و المشرب و المجلس و يشكر الله لانه جعله اهلا لخدمتهم لان الفقراء الصالحين هم اهل الله و خاصته و على المريد الا يمنع اخوانه احد من ادواته و اذا نزل رباطا او مدرسة ان يتحلي بالادب و الخلق مع الشيخ و المريدين .

اما عن علاقة المريد بالمجتمع من حوله فقد وضع الشيخ عبد القادر قواعد واضحة فى ذلك الامر فعلي المريد ان يوالي و يجافي من حوله على حسب الطاعة و المعصية والا يخالط المقصر و ينفر من البطال و لا يعني ذلك معاداة الناس و لكن المقصود هنا موالاة القلب و بغضه و فى المعاملة لابد من الشفقة و الرحمة و حفظ الحرمات و الصبر على سوء الخلق وعدم تتبع عورات الناس ويصلي لهم و القاعدة كما قالها :” ان تصحب الاغنياء بالتعزز و الفقراء بالتذلل .. وعليك بصحبة الفقراء و التواضع و حسن الادب و السخاء و عليه الا يضعف امام عطاء الاغنياء ولا يطمع فى نوال مالهم لان تملقهم له من اخطر الامور على دينه و بشرط الا يحقد عليهم وان يسحن الظن ولا يتعالي عليهم[93]

2) الوعظ بين الجماهير :

لم يكتف الشيخ عبد القادر بالتربية و تعليم المريدين و المربيين و لكنه ايضا لم ينقطع عن الوعظ بين العامة من اجل ايصال دعوته للناس فخصص لذلك 3 ايام هي صباح الجمعة و مساء الثلاثاء فى المدرسة و صباح الاحد فى الرباط[94] و يذكر المؤرخون ان الحضور كانوا يدونون هذه المواعظ حتي عد فى مجلسه مقدار 400 محبرة و قد جمع قسم كبير منها فى كتاب يعرف باسم الفتح الرباني .

من الملاحظ ان الشيخ عبد القادر كان شديد الحماس فى مواعظه و خطبه التي يلقيها على العوام و ذلك شفقه منه على الاسلام و ما آل اليه وكان يود استنفار الناس و الخلق لنصر الاسلام و حفظ المجتمع فقال فى احدي المواعظ : ” دين محمد صلي الله عليه وسلم تتواقع حيطانه يتناثر اساسه . هلموا يا اهل الارض نشيد ما تهدم ونقيم ما وقع ! هذه شىء مايتم يا شمس و يا قمر و يا نهار تعالوا “[95].

و كان يري فى نفسه مبعوث من الله سبحانه وتعالي لنجده الخلق فهو نائب جده رسول الله فى بعث الروح الدينية بين الناس فيقول : ” الهي اسالك العفو و العافية فى هذه النيابة . اعنّي علي هذا الامر الذي انا فيه . قد اخذت الانبياء و الرسل اليك و قد اوقفتني فى الصف الاول اقاسي خلقك فاسالك العفو و العافية اكفني شر شياطين الانس و الجمع و شر جميع المخلوقات . “[96]

ومن اقواله ايضا : ” ألا إني راع لكم, ساق لكم, ناطور مارس وحافظ الكم([97]), ما ترقيت ها هنا, وأرى لكم وجودًا في الضر والنفع, بعد ما قطعت الكل بسيف التوحيد, ألزمت هذا المقام, حمدكم وذمكم, وإقبالكم وإدباركم عندي سواء, .. إقبالي عليكم لله, أخذي منكم لله, لو أمكنني دخلت مع كل منكم القر, وجاوبت عنه منكرًا ونكيرًا, رحمة وشفقة عليكم”[98]

بهذا الحماس راح الامام الجيلاني يستنفر قوي المسلمين و يستحثهم على الالتفاف حول الاسلام من اجل مواجهه الاخطار التي تحيط بالمجتمع وان لا سبيل الا العودة الي تعاليم هذا الدين وحمل رسالته و صلاح الفرد لا يكون الا بصلح قلبه و زهده فى الدنيا و عدم تعلقه بحبالها و يترك كل ما يشغله عن الله .

لا شك ان الامام الجيلاني كان يسير فى نفس الدرب الذي تحرك من خلاله الامام الغزالي وهو اعتبار ان السياسة لابد ان تدور فى فلك العقيدة لا العكس و ينبغي ان يخضع الحاكم للعالم لا العكس و العالم لا يخضع للدنيا و الشهوات .

دارت المواضيع التي اراد الشيخ معالجتها فى مواعظها حول امور بعينه وهي انتقاد العلماء و انتقاد الحكام و الاخلاق السائدة فلم يكن حال علماء عصره يسره لان اهدافهم لم تكن تتفق على الرسالة الاسلامية و الاخلاق التي يجب ان يتحلوا بها فاشتراكهم فى الفتن و الصراع بين السلاطين و الخلفاء و الامراء و التنافس على اعتلاء المنابر و حب الدنيا وما الي ذلك من الاخلاق التي ينبغي الا يتحلها بها العالم الآمر بالمعروف و الناهي على المنكر .

ويقول الشيخ الجيلاني : ” يا سلابين الدنيا بطريق الاخره من ايدي اربابها يا جهالا بالحق ! انتم احق بالتوبة من هؤلاء العوام انت احق بالاعتراف بالذنوب من هؤلاء . لا خير عندكم “[99]

و كان يعيب عليهم التقرب من السلاطين و الطمع فى الحكم و يقول :” لو كانت عندك ثمرة العلم و بركته لما سمعيت الي ابواب السلاطين فى حظوظ نفسك و شهواتها . العالم لا رجلين له يسعي بهما الي ابواب الخلق. و الزاهد لا يدين له يأخذ بهما اموال الناس .و المحب لله عز وجل لا عينيه له ينظر بهما الي غيره”[100]

و فى موعظه قالها بتاريخ 20 شعبان فى سنة 546هـ يقول :” يا خونة فى اللم و العمل يا اعداء الله ورسوله يا قاطعي عباد الله عز وجل . انتم فى ظلم ظاهر و نفاق ظاهر هذا النفاق الي متي؟ يا علماء يا  زهاد ! كم تنافقون الملوك و السلاطين حتي تأخذوا منهم حطام الدنيا و شهواتها و لذاتها؟ انتم و اكثر الملوك فى هذا الزمان ظلمة خونة فى مال الله عز وجل و فى عباده . اللهم اكسر شوكة المنافقين و اقمع الظالمين و طهر الارض منهم او اصلحهم امين.”[101]

و كان ينهي طلابه عن الدراسة تحت يد هؤلاء العلماء فيقول : ” يا غلام ! لا تغتر بهؤلاء العلماء الجهال بالله عز وجل . كل علمهم عليهم لا لهم . هم علماء بحكم الله عز وجل : جهال بالله عز وجل . وهم يفرون منه يبارزونه بمعاصيهم و زلاتهم اسماؤهم عندي مؤرخة مكتوبة معدودة. “[102]

و حذر الجماهير و العامة من حضور مواعظهم و يقول :” يا عباد الله .. ! لا تسمعوا من هؤلاء يفرحون نفسوكم يذلون للملوك و يصيرون بين ايديهم كالذر لا يأمرونهم بأمره ولا ينهونهم عن نهيه . ان فعلوا ذلك فعلوه نفاقا و تكلفا .طهَر الله الارض منهم  ومن كل منافق او يتوب عليهم و يهديهم الي بابه . اني اغار اذا سمعت واحد يقول : الله الله و هو يري غيره . “[103]

و كذلك ندد بخصومت المذاهب و الصراع من اجل الظهور ويقول : ” انت فى هوس تؤلف كلامك من الكتب و تتكلم به . ان ضاع كتابك ماذا تصنع ، او وقع الحريق فى كتبك او انطفأ مصباحك التي تبصر به . من تعلم العلم و عمل واخلص صارت المقدحة و المعين فى قلبه نورا من الله عز وجل فيضىء هو وغيره . تنحوا يا ابناء اللقلقة ! يا ابناء الصحف المؤلفة بايدي النفوس و الاهوية . ويلكم تتنازعون المخصوص ، تنقصمون و تهلكون ولا تبلغون حظكم . كيف تتغير السابقة و العلم بجهدكم ؟”[104]

و كذلك ندد بخصومت المذاهب و الصراع من اجل الظهور ويقول : ” انت فى هوس تؤلف كلامك من الكتب و تتكلم به . ان ضاع كتابك ماذا تصنع ، او وقع الحريق فى كتبك او انطفأ مصباحك التي تبصر به .

من تعلم العلم و عمل واخلص صارت المقدحة و المعين فى قلبه نورا من الله عز وجل فيضىء هو وغيره . تنحوا يا ابناء اللقلقة ! يا ابناء الصحف المؤلفة بايدي النفوس و الاهوية . ويلكم تتنازعون المخصوص ، تنقصمون و تهلكون ولا تبلغون حظكم .

كيف تتغير السابقة و العلم بجهدكم ؟” و فى خطبة مطولة ندد فيها بعلماء زمانه يقول :

” ياعالم !كلامك من لسانك لامن قلبك .من صورتك لامن معناك .لابارك الله فيكم يامنفقون فما اكثركم .كل شغلكم في عمارة مابينكم وبين الحق عزوجل .اللهم سلطني على رؤوسهم حتى اطهر الارض منهم .علامة المنافق في هذا الزمان ان لايدخل عندي ولايسلم علي اذالقيني ، فان فعل ذلك كان تكلفامنه .

هذا الدين اودى تتواقع حياطه ، اللهم ارزقني اعوانا على بنائه .ما يبنى على ايديكم يامنافقون ؟ياجهال ! بنو حيطان اديانكم ثم تفرغوا لبناء غيركم .اذا عاديتموني فقد عاديتكم في الله عزوجل ورسوله عليه السلام على قتله فلم يقدروا كيف كانويقدرون وهو ملك عند الله عزوجل ونبي من انبيائه ، وصديق من صديقيه . وقد سبق عليه ان يجري مصالح الخلق على يديه . هكذا انتم يامنافقي خذا الزمان تريدون ان تهلكوني لاكرامة لكم ايدكم تقصر عن ذلك” .

انتقاد الحكام :
فى كثير من المواقف خص الامام الجيلاني مواعظه حول نقد الحكام والسلاطين الظالمين فى عصره بحماسه و شجاعة ويقول فى احد المجالس :” صارت الملوك لكثير من الخلق آلهة . قد صارت الدنيا و الغني و العافية و الحول و القوي آلهة . ويحكم !! جعلتم الفرع اصلا ، المرزوق رازقا . المملوك مالكا ، الفقير غنيا ، العاجز قويا ، الميت حيا ، .. اذا عظمت جبابرة الدنيا و فراعينها و ملوكها و اغنياءها و نسيت الله عز وجل ولم تعظمه فحكمك حكم من عبد الاصنام ، تصير من عظّمك صنمك .” [106]

و كان الامراء يهابون كلامه و خطبه و يستجيبون لملاحظاته لاعتقادهم بصلاحه و صدق اغراضه و كراماته .

انتقاد الاخلاق المعاصرة :

اعتبر الامام الجيلاني المجتمع الذي عاصره مجتمع نفاق و ظلم و رياء كثير الشبهه و الحرام وتلك المظاهر جعتله مجتمع خاوي لا روح فيه ولا معني و يقول فى احدي مواعظه : ” هذا زمان الرياء و النفاق و اخذ الاموال بغير حق قد كثر من يصلي و يصوم ويحج و يزكي و يفعل افعال الخير للخلق لا الخالق فقد صار معظم الناس بلا خالق . كلكم موتي القلوب احياء النفوس والاهوية طالبون للدنيا ” [107]

و ركز فى كثير من المواضع على التنديد بالنفاق و الاخلاق الاجتماعية التي سادت فى عصره و كان يري ان مهمته هي محاربه ذلك لان المنافقين اعداء كل صلاح و قد تصل موعظته الي درجة من الشدة و العنف حتي يقول : ” ملائكتكم تتعجب من وقاحتكم, تتعجب من كثرة كذبكم في أحوالكم, تتعجب من كذبكم في توحيدكم, كل حديثكم عن الغلاء والرخص, وأحوال السلاطين والأغنياء, أكل فلان, لبس فلان, استغنى فلان, افتقر فلان….., كل هذا هوس ومقت وعقوبة, توبوا واتركوا ذنوبكم, وارجعوا إلى ربكم دون غيره, اذكروه, وانسوا غيره  . الثبات على كلامي علامة الايمان و الهرب منه علامة النفاق يا من تطعن فىّ تعال حتي نحك حالتي و حالتك علي الشرع فمن خرجت حالته شبها و فضة استحق ان يطعن فيه و ان يهجر و يموت باسم الله تعالي . ارز ولا تختبىء وتهرب كالمخانيث ذلك لا شىء وهو و توان [108] .

4.التصدي للتطرف الشيعي الفاطمي و التيارات الفكرية الفاسدة

ناقش الامام الجيلاني عقائد الفرق المعاصرة الا انه اتبع اسلوب موضوعي فى ذكر مالها و ما عليها بالاضافة ان تلك المناقشات دلت على الاطلاع الواسع على عقائد الفرق و نشاطها و تاريخها الا انه فصل تفصيلا واضحا فى مناقشته لعقائد الشيعة الباطنية و لعل السبب فى ذلك ما كانت تسببه هذه الفرقة من قلائل و تحديات للمجتمع الاسلامي فقد استعرض تاريخ الشيعة و عقائدهم و فرق بين الجماعات المعتدلة و المتطرفة التي تسترت بالتشيع و ان لتلك الفرق جذور يهودية حيث يقول فى احد المرات :
وقالت اليهود لا جهاد فى سبيل الله حتي يخرج المسيح الدجال و ينزل بسبب من السماء و قالت الروافض :لا جهاد فى سبيل الله حتي يخرج المهدي و ينادي مناد من السماء و تؤخر اليهود صلاة المغرب حتي تشتبك النجوم و كذلك الروافض يؤخرونها … و اليهود يبغضون جبريل عليه السلام ويقولون هو عدونا من الملائكة و كذلك صنف من الروافض يقولون : غلط جبريل عليه السلام بالوحي الي محمد و انما بعث الي علي رضي الله عنه [109]  كما انه انكر على متطرفي الشيعة قولهم بعدم امامة الخلفاء الراشدين الثلاثة ابي بكر و عمر و عثمان رضي الله عنهم و قرر ان خلافتهم كانت بعهد من النبي صلي الله عليه وسلم و ان عليا بايعهم .. ولكن تلك الانتقادات لم تصل الي الخصومات التي كانت بين المذاهب و انما فى حدود العدالة و الاخلاق و كان للحركة القادرية دور كبير فى مقاومة التشيع المتطرف او الباطنية و لها دور فى تقويض الدولة الفاطمية و الاسهام و التمهيد لدخول صلاح الدين .

  1. محاربة الخصومات المذهبية :

رأينا كيف هاجم الشيخ عبد القادر التعصب المذهبي ونهي طلابه عن طلبه و اتباعه و كان يوصي من يريد العمل في مجال الدعوة ان يبتعد عن الخصومة المذهبية و الا يتعرض لمواطن الاختلاف فى الامور الفرعية و كذلك فقد انفتح علي المذهب الشافعي رغم كونه شيخ الحنابلة الا انه تعاون مع الشافعية و افتي على المذهب الشافعي الي جانب الحنبلي حتي وصفه الامام النووي الشافعي :” كان شيخ السادة الشافعية و السادة الحنابلة ”

و ظل يحتل هذه المرتبة الرفعية لدي علماء المسلمين و مؤرخيهم باختلاف مذاهبم فهو عند سبط ابن الجوزي الحنفي نموذج التقوي و الكرامات العلية[110] و عند الذهبي الشافعي ” قدوة العارفين صاحب المقامات و الكرامات”[111] و عند ابن رجب الحنبلي ” شيخ العصر و قدوة العارفين و سلطان المشايخ “[112] و عند ابن تغري بردي الحنفي ” شيخ الاسلام تاج العارفين .. احد الذين طن ذكرهم فى الشرق و الغرب”[113] .

المبحث الثالث : التنسيق بين مدارس الاصلاح

قبيل الحديث عن كيف حدث التنسيق بين مدارس الاصلاح التي كان بذره وجودها هو المدرسة الغزالي المدرسة القادرية المركزية فى بغداد سوف نورد ذكر اسماء تلك المدارس دون الدخول فى تفاصيل عمل تلك المدارس و يكفينا الذكر بأن افكار المدارس و طريقة عملها كان علي معيار عمل المدرسة القادرية و افكار الامامين الجيلاني و الغزالي و الان نورد ذكر اسماء تلك المدارس .

المدرسة العدوية و مؤسسها عدي بن مسافر فى جبال هكار شمال العراق
المدرسة السهروردية و مؤسسها الشي ابو النجيب عبد القادر السهروردي فى بغداد
المدرسة البيانية و مؤسسها الشيخ ابو البيان نبأ بن محمد بن محفوظ الدمشقي فى دمشق
مدرسة الشيخ رسلان الجعبري فى دمشق
مدرسة حيان بن قيس الحوراني فى مدينة حران شمال سوريا
مدرسة عقيل المنبجي فى مدينة منبج شمال سوريا
مدرسة الشيخ علي بن الهيتي فى العراق
مدرسة الحسن بن مسلم فى قرية القادسية احد قري نهر عيسي في العراق
مدرسة الجوسقي علي يد الشيخ ابو الحسن الجوسقي فى بغداد
مدرسة الشيخ عبد الرحمن الطفسونجي فى بلدة طفسونج بالعراق
مدرسة موسي الزولي شمال العراق علي يد الشيخ موسي بن ماهان الزولي نسبة الي قبيلة زوال الكردية
مدرسة محمد بن عبد البصري فى مدينة البصرة
مدرسة جاكير الكردي فى قرية راذان فى صحراء العراق علي مسيرة يوم من سامرءا
المدرسة الرفاعية علي يد القطب الصوفي الامام احمد الرفاعي الكبير فى جنوب العراق
مدرسة القيلوي نسبة الي الشيخ ابو سعيد اليلوي فى العراق
مدرسة الشيخ ماجد الكردي فى منطقة قوسان فى العراق
مدرسة عثمان بن مرزوق القرشي وهو من الاعيان و كانت المدرسة فى مصر
مدرسة ابو مدين المغربي فى مدينة بجاية بالمغرب
مدرسة ابو السعود الحريمي وهو من تلاميذ الامام الجيلاني
مدرسة ابن مكام النعال فى بغداد
مدرسة عمر البزاز وهو من اعيان اصحاب الشيخ عبد القادر
مدرسة الجبائي فى بغداد

ومما يكمل الصورة للمدارسة التي تناولها البحث ان نقول : انها كانت تطبق منهاجا واحدا فى التربية و التدريس يتطابق الي حد كبير مع التفصيلات التي اوردناها عن مناهج المدرسة الغزالي و المدرسة القادرية و انه كان لها امتدادات اصغر فى الارياف و الجبال و البوادي بحيث يمكن القول انها بلغت المئات لان الامر لم يتطلب اكثر من استقرار احد الخريجين فى مسجد من مساجد الريف مثلا او الاقامة فى رباط او زاوية و تكريس الوقت للتدريس و سلوك الزهد [114]

التنسيق بين المدارس و توحيد مشايخها :

فى الفترة بين عامي 546هـ – 550هـ (1151 – 1155م) جرت حركة تنسيق و اتصالات بين مدارس الاصلاح بهدف توحيد الجهود وتنظيم التعاون ولتحقيق هذا الهدف عقد عدد من الاجتماعات و اللقاءات ادت الي نتائج هامة على المستوي التنظيمي و المستوي النظري .

الاجتماع الاول :
كان هدفه توحيد القيادة المشار اليها و عقد فى رباط المدرسة القادرية الكائن فى منطقة الحلة فى بغداد حيث حضر الاجتماع ما يزيد عن 50 من شيوخ العراق و خارجه[115]

الاجتماع الثاني :
كان خلال موسم الحج و حضرة شيوخ المدارس الاصلاحية من مختلف ارجاء العالم الاسلامي و علي رأسهم الامام عبد القادر الجيلاني و الشيخ عثمان بن مرزوق القرسي الذي ذاعت شهرته و الت اليه المشخي فى مصر و كذلك الشيخ ابو مدين المغربي الذي نشر الزهد فى المغرب[116] . كذلك شيوخ من اليمن ،
ونفس الفترة جرت اتصالات بين الشيخ عبد القادر و الشيخ رسلان الدمشقي الذي انتهت اليه تربية المريدية و رئاسة المشايخ فى الشام.[117]

تلا ذلك اجتماع موسع يعد الاكبر حضره جمع كبير من شيوخ مدارس الاصلاح فى مختلف اقطار الامة الاسلامية و كانت اهم نتائجة تكوين قيادة واحدة كما يلي  :
القطب الغوث ثم يليه الابدال ثم الاوتاد و الاولياء فاذا توفي احد الابدال قام القطب الغوث بتعيين من يحل محله . و اصبح الامام عبد القادر الجيلاني هو القطب الغوث “قائد ركب المحبين الصادقين” و اليه تنتهي “رئاسة علوم المعارف” .
و الابدال العشرة ” خواص المملكة ، سلاطين الوقت” هم الشيخ بقا بن بطو شيخ قرية بابانوس و الشيخ ابو سعيد القيلوي و الشيخ علي بن الهيتي فى قرية زويران و الشيخ عدي بن مسافر شيخ المدرسة العدوية فى جبال هكار و الشيخ موسي الزولي في مارديت و الشيخ احمد الرفاعي شيخ ام عبيده فى جنوب العراق و الشيخ عبد الرحمن الطفسونجي فى قرية طفسونج و الشيخ ابو محمد عبد الله فى البصر و الشيخ حياة بن قيس فى حران و الشيخ ابو مدين فى المغرب[118]

وكانت تلك الهيئة تنظيم قيادي يحتل فيه القطب الغوث وظيفة الرئيس الذي اليه تنتهي القضايا و المشكلات بينما الابدالب هم النواب في كل مدرسة و منطقة ثم يليهم فى المسئولية الاوتاد و الاولياء الذين يتولون الاتصالات و الادارات .

استطاعت تلك المدارس بفضل هذا الاتحاد ان يكون لها فضائل كثيرة نتج عنها الخير فى عملية اصلاح المجتمع الاسلامي فالمحلوظ فى تلك الفترة ان المدارس تلك استطاعت احكام الربط بين الفقه و التصوف او الزهد مما ادي الي اختفاء معارضة الفقهاء و الي التعاون بين الطرفين بل صار الفقهاء دوما ما يجمعون بين الفقه و الزهد و يسمون ذلك تكامل بين الشريعة و الحقيقة من خلال الطريقة و استطاعت تلك الجهود ان تخرج التصوف  من عزلته و ان يسهم فى معالجة قضايا المجتمع و التحديات التي تواجه العالم الاسلامي فقد توثقت الصلات بين نور الدين زنكي فى دمشق و مشايخ المدارس فى بغداد و حران و هكار و دمشق ثم تم التعاون بينهما و بعد ذلك التعاون مع صلاح الدين حيث قام الاثنين بايقاف اموال و عناية واسعة على تلك المدارس و رباطاتها .

الفصل الثالث : السياق المؤسسي

المبحث الاول: الحياة السياسية و الاجتماعية قبيل الغزو الصليبي
المبحث الثاني : اخراج امة المهجر ” الدولة الزنكية”
المبحث الثالث : التعاونبينمدارسالاصلاحودولةآلزنكي ودولة صلاح الدين
المبحث الرابع : الاعداد العسكري
المبحث الخامس : الوحدة السياسية و تحرير بيت المقدس

 

المبحث الاول : الحياة السياسية و الاجتماعية قبيل الغزو الصليبي

نؤمن تمام الايمان بأن الاصل فى قيام الحضارات و انهيارها هو الافكار و القيم و المعتقدات و المعايير التي تقوم علي اساسها تلك الحضارة و من ثم تنها بانهيار المعيار و القيمة الكبري التي بنيت عليها و من ثم يمكن ان نرجع ما حل بالامة الاسلامية من تدهور على مستويات السياسة و الاجتماع بل و الاقتصاد ايضا الي الافكار فغياب وحدة التصور حول الحياة الفكرية و مفاهيم الحياة العامة و ماهيه الرسالة بالاضافة الي شيوع المذهبية والطائفية و القبلية فى جسد الامة الاسلامية فى حينها ادي بدوره الي تدهور الاجتماع داخل الامة فحلت العصبيات و العشائريات محل مفهوم الامة الاسلامية الموحدة و زادت الفتن في عواصم المسلمين و التاريخ يحكي لنا فظائع الفتن فى تلك الفترة بتفاصيلها .

اصبحت الصفة العامة للحياة الاجتماعية هي الشغب و الاضطراب و انتشار اللصوص حتي فى قلب العاصمة بغداد بل وصل الامر احيانا الي احتلال الاحياء و التفوق على قوات الخليفة فيقول ابن الاثير عن الفتن فى دمشق مثلا عام 461هـ ” وقع بدمشق حرب بين المغاربة اصحاب المصريين ” اي الفاطميين” و المشارقة “اي اصحاب العباسيين” فضربوا دارا مجاورة للجامع[119] بالنار فاحترقت و اتصلت بالجامع و كانت العامة تعين المغاربة فتركوا القتال و اشتغلوا باطفاء النار فى الجامع فعظم الخطب و اشتد الامر و اتي الحريق علي الجامع فدثرت محاسنه وزال ما كان فيه من الاعمال النفيسه”[120]

و فى خضم الفساد الاجتماعي الذي ضرب المسلمين انشغل كل فرد بحياته اليومية و قضاياه الصغيرة و صار همه يدور حول الغذاء و المسكن و الكساء و التجار و الشهوات و انتشر النفاق و انهارت القيم و الاخلاق و صار الحديث عن القيم و المثل العليا وسيلة يتكسب بها المثقفون و الخطباء او مثاليات لا يغيرها الناس انتباها و قد وصف المؤرخ ابو شامه مجتمع تلك الفترة فقال :” كانوا كالجاهلية همه احدهم بطنه و فرجه لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا” كذلك وصف الرحالة ابن جبير الحياة الفكرية مقارنا اياها مع المجتمع المغربي فى حكم المرابطين و يقول :” وليتحقق المتحقق و يعتقد الصحيح الاعتقاد انه لا اسلام الا ببلاد المغرب لانهم على جادة واضحة و ماسوي ذلك مما بهذه الجهات المشرقية فاهواء و بدع و فرق ضالة و شيع الا من عصم الله عز وجل من اهلها”[121]

و اقتصرت الممارسات الدينية على الشعائر و العبادات و اختفت اثار الدين فى العلاقات بين الناس و تطفح كتب التاري بشواهد تلك الفترة و مظاهر الانهيار فيها حيث زاد اللهو و فساد الاخلاق و الزني و شرب الخمر و الملاهي و الجواري و المغنيات الي درجة ارتفع من اجلها الشكوي[122] .

لم يكن حال السياسة بأفضل من حال الاجتماع فى تلك الفترة فبعد وفاة السلطان ملشكاة عام 486هـ بدأ التفكك و الانهيار على دولة السلاجقة الاتراك حيث دب الصراع بين ابناء ملكشاه و انقسمت الدولة الي 5 مملاك مقسمة بين اولاده و فى نفس الوقت انقسمت بلاد الشام الي اتابمكيات بعضها كان صغير لا يتعدي اسوار مدينة او قلعة و كان الحاكم بين تلك البلاد هو الشك و الريبة .

زادت و انتشرت الانقلابات و الثورات داخل تلك الدويلات المجزئة و ذلك من قبل امراء الجيش و كبار القادة و صارت الجندية مصدر ارتزاق و كسب و استغلال فرص من اجل النهب و الغنائم .

اما امراء الحجار فكانوا يتلونون بين العباسيين و الفاطميين و كانوا يقتلون الحجاج و ياخذون اموالهم و خاصة امير مكة محمد بن ابي هاشم [123] .

سيطر الفاطميون على مصر و جنوب جزيرة العرب و مضت من اجل محاولة تقويض الخلافة العباسية و نشر المذهب الشيعي الاسماعيلي و فى سبيل ذلك راح دعاتها يروجون الي اسقاط الحكم السني و ضرورة طاعة الخليفة الفاطمي و استطاعوا التاثير على قادة الجيش و العامة و تحريك الفتن حتي قام انقلاب عسكري عام 350هـ بقيادة البساسيري الذي اعلن عزل الخليفة العباسي و دعا للخليفة الفاطمي و راح يقتل فى علماء السنة عام كامل فيقول عماد الدين الاصفهاني المؤرخ :” وفى هذه الفترة تمت فتنة البساسيري و دخل بغداد سادس ذي القعدة سنة 450هـ و خرج سادس عشر ذي القعدة سنة 451هـ و كانت سنة سيئة كادت تكون لنور الله مطفئة فانه دعا الي الدعي بمصر مصرا و لم يجد الخليفة بمقره فى دار الامانة مقرا .. و صلب البساسير رئيس الرؤساء ابا محمد بن المامون رسول الخليفة .. و قتل اصحاب قريش بن بدران عبد الرازق ابا نصر احمد بن علي .. و اختل نظام الاسلام و اعتلت دار السلام و طالت غربة الامام و هالت كربة الانام”[124] .

ظل البساسيري يحكم بغداد باسم الفاطميين حتي جاء السلاجقة و قضوا على الفتنة و انقذوا الخلافة العباسية و من ثم اتخذت الدولة الفاطمية فى مصر القرار بالتحالف مع الحركة الباطنية الاسماعيلية و مضي الطرفان فى اثارة الفتن بين المسلمين و كثرت حالات الاغتيال و استولوا على قلاع للسلاجقة و زادت قوة الباطنية و مما يجب ذكره انهم استطاعوا اغتيال الوزير نظام الملك احد اكبر رجالات السلاجقة وولده و فشل السلاجقة فى السيطرة على تلك الفرقة التي ظلت تنشر الرعب فى انحاء العالم الاسلامي فى المشرق.

استمرت الباطنية فى نشر الرعب و الفتن فى بلاد الشام و اغتالوا الكثير و استعانوا بالصليبيين فى فلسطين و سوريه و عقدوا معهم الاتفاقيات و قد قاموا بمحاولتين لاغتيال السلطان صلاح الدين الايوبي الذي نجا من الثانية باعجوبة .

مع ذلك المشهد من حالة الانهيار العام فى المشرق الاسلامي جاء الطوفان الصليبي الي الشام و اطاحوا بملك السلاجقة فى اسيا الصغري و الت لهم حلب و دمشق بالطاعة و دخلوا انطاكية الي ان سيطروا على بيت المقدس عام 492هـ  ولم يحرك سلاطين المسلمين ساكنين و ظلت الامة مشغولة بشؤؤنها الصغيرة التافهه وتقدم لنا المصادر الاسلامية المعاصرة صورا مفصلة مرعبة من مواقف الحاكمين و جماعات المسلمين الذي فضوا امورهم الخاصة على مواجهه الخطر الصليبي و من ذلك ما ذكرة ابن الاثير و غيره حين احتل الصليبيون الرملة و القدس و عسقلان و فتكوا باهلها و قتلوا فى ساحات المسجد الاقصي سبعين الف تقريبا من المجاورين و العلماء و الطلاب و العباد و الزهاد[125] و علي اثر ذلك استغاث الناس بالخلافة العباسية و يصف ابن لاثير ذلك و يقول: ” وذهب الناس على وجوهم هاربين من الشام الي العراق مستغيثين على الفرنج الي الخليفة و السلطان و منهم وفد بصحبة القاضي ابو سعد الهروي فلما سمع الناس ببغداد هذا الامر الفظيع هالهم و تباكوا و قد نظم ابو سعد الهروي كلاما قريء فى الديوان و على المنابر فارتفع بكاء الناس و ندب الخليفة الفقهاء على الخروج الي البلاد ليحرضوا الملوك على الجهاد فخرج بن عقيل وغير واحد من الفقهاء فساروا فى الناس فلم يفد شيئا فإنا لله و انا اليه راجعون ”

المبحث الثاني : إخراج أمة المهجر ” الدولة الزنكية “

يمكن القول ان مساعي الاصلاح السياسي لبناء دولة تواجه الخطر الصليبي بدات مع الوزير نظام الملك الذي اشار على السلطان ملكشاه سلطان السلاجقة تولية آق سنقر قسيم الدولة مدينة حلب و حماه و اللاذقية و من معها و كان آق سنقر مشهور فى حركة الجهاد عام 477هـ حيث كان مقدم الجيش الذي قادة فخر الدولة بن جهير نحول الموصل و من شواهد علو مرتبته انه لقب بقسيم الدولة وذلك لان الالقاب كانت مصونة لا تعطي الا لمستحقيها كما انه اشهر كفاءة و هيبة فى  القتال و لكنه قُتل عام 487هـ  و تولي ابنه عماد الدين زنكي الذي سار على خطي والده من حيث الكفاءة و الخصال و مما يذكره التاريخ انه حين نشبت الفتنة بين الخليفة و السلطان محمود و تقاتل الطرفان و نهبت الاموال و خرج النساء يستغثن فى الطرقات اعقب ذلك صح لم يجد الخلفية الا استدعاء عماد الدين زنكي ليقوم بدور رئيس شرطة بغداد ليوطد الامن و ينهي الفتنة و لم تكن تلك الفتنة الاولي ولا الاخيرة فى قلب الخلافة فى بغداد الا انه بعد الفتنة المذكورة التي حدثت عام 521هـ  ظهر الاتجاه الجديد فى حكم عماد الدين زنكي حيث ادار ظهره لمشاكل الخلافة و السلطنة فى بغداد و مضي فى بناء دولته الجديدة و مواجهه التحديات التي ابرزها الامارات الصليبية فى الشام .

استشهد عماد الدين زنكي و خلفه ابنه نور الدين الذي اكمل بناء الدولة الجديدة و اعطاها الطابع الاسلامي و منذ ايام نور الدين اصبحت دولة آل زنكي اذا صح القول هي الكيان الذي يلتف حوله كل من يريد التجديد و الاصلاح و تلاميذ المدارس الاصلاحية السالف ذكرها الا ان المصادر التاريخية كما ذكرنا من قبل لا تورد تفاصيل الخطة التي سارت عليها تلك الدولة حيث ان المؤرخين فى ذلك الوقت ينسبون الاحداث باعتبارها انجاز فردي لا وجود للعمل الجماعي فيه الا ان سير الاحداث توضح ان هناك ثمة تخطيط و تعاون جماعي و نذكر هنا ان وزير عماد الدين فى الموصل هو مروان بن علي بن سلامه الطنزي من ديار بكر و مروان هذا تفقه فى بغداد على يد الامام الغزالي ثم عاد الي الوزارة حتي وفاته عام 540هـ .

يمكن تلخيص ما يميز سياسة نور الدين من خلال 6 امور كما يلي :
1- اعداد الشعب اعدادا اسلاميا و تطهير الحياة الثقافية و الدينية من افكار الباطنية و اثار الفلسفة اليونانية و ممارسات الشيعة الفاطميين
2- صبغ الادارة بصبغة اسلامية و شيوع العدل و التكافل الاجتماعي
3- نبذ الخصومات المذهبية و تنسيق الجهود
4- ازدهار الاقتصاد و بناء القوة العسكرية
5- بناء القوة العسكرية
6- القضاء علي الدويلات فى الشام و تحقيق الوحدة بين الشام ومصر و الحجاز 

اولا اعداد الشعب اعدادا اسلاميا

اهتم نور الدين محمود بتدعيم و تقويم الانسان المسلم الذي هو الاساس و الاصل الذي تقوم عليه الامة الاسلامية لذلك اعتمد على نقطتين التعليم بشكل رئيسي .

عمدت دولة نور الدين على بناء المدارس و دور القران و الحديث و استقدم علماء المدرسة الغزالي و القادرية و العدوية و غيرهم من مدارس الاصلاح السالف ذكرها و لم يكن التعليم مجرد عمل اكاديمي بل كان ايضا له هدف عقائدي و فكري يستهدف تعليم الناس العقيدة الصحيحة من اجل استخدامهم فى محاربة الخطر الصليبي

اولا المدارس و دور القران و الحديث و كان الهدف منها اخراج جيل جديد صافي فى عقيدته يعرف ما له و ما عليه و ما هي رسالته و تعلو لدية القدرة العقلية الي المرتبة التي يجب ان يكون عليها الانسان المسلم

ثانيا المساجد حيث اقام نور الدين فى دمشق فقط حوالي 100 مسجد و كانت المساجد بالاضافة الي العبادة و الصلاة مراكز للتعليم ركزت على بث الروح الاسلامي فى صفوف الناس و تجفيف تعاليم الباطنية و اثار الفلسفة التي تركت اثارا عميقة بين الناس و مواقفهم السياسية و الاجتماعية ويقول المؤرخ ابو شامه ان نور الدين اوجز تلك السياسة التعليمية و قال :” ما اردنا ببناء المدارس الا نشر العلم و دحض البدع من هذه البلدة و اظهار الدين” .

الجامع الاموي :
يعد الجامع الاموي بدمشق من المساجد المتميزة بحسن العمارة بناه الخليفة الاموي الوليد بن عبد الملك سنة 86-98هـ و اصبح من معالم العمارة الاسلامية على مر العصور و ظل منارة للعلم و الفكر و استمر ذلك فى عهد نور الدين حيث كان مركزا علميا و قبلة للعلماء و الدارسين و من اشهر مرافق التعليم فى الجامع الاموي :
الزاوية الغزالية : تقع فى شمال غرب الجامع الاموي كانت تنسب الي الشيخ المقدسي ثم نسبت الي حجة الاسلام ابي حامد الغزالي و قد درّس مجموعه من العلماء فى هذه الزاوية بعد الشيخ المقدسي منهم تلميذه عالم الشام ابو الفتح نصر الله المصيصي و الشيخ ابو النصر محمد بن علي الطوسي و خطيب بغداد ابو البركات الخضر بن شيل الحارثي المعروف بابن عبد و الصائن ابو الحسين هبه الله الحسن بن عساكر ثم درس بها مرتين قطب الدين النيسيابوري و تناوب عليها جله من اقطاب الفقة الشافعي فى الشام فى ذلك العصر .

انتشرت فى دولة نور الدين المدارس الفقهيه الشافعية و الحنفية و ظهرت المدارس المشتركة بين المذهبين بالاضافة الي الزوايا الصوفية و الخانقاوات  و بناء الدور و الاربطة و تسليم القيادة فى التعليم الي الشيوخ المتصوفة خاصة خريجي المدرسة القادرية و الغزالية بالاضافة الي توحيد القيادات التربوية و التعليمية و مما يذكره ابو شامه المؤرخ و سبط ابن الجوزي صورة واضحة للتكامل و التعاون فكان هناك مجلس عام للقيادات التعليمية يحضره كبار الفقهاء و شيوخ التصوف و قادة العسكر و كان نور الدين يحضر تلك المجالس و يجلس امام العلماء و الشيوخ و بسبب تلك الرؤية تداعت الهجرة الي الدولة الجديدة حتي تجاوز عدد المدارس الالاف . و استمر هذا النشاط التعليمي حتي بدل نور الدين البنية القديمة لبلاد الشام و احل محلها جيل ذو طابع اسلامي و كالعادة ينسب المؤرخ ابو شامه ذلك التغيير الواسع الي فرد واحد و ينسي القوم الذين كان نور الدين بعض افراد القيادة التي افرزوها .

ثانيا : صيغ الادارة بالصبغة الاسلامية

من الملاحظ من خلال المصادر التاريخية ان اغلب العناصر التي احتلت القيادة و الادارة فى الدولة الزنكية ثم دولة صلاح الدين الايوبي كانت من خريجي مدارس الاصلاح السالف ذكرها اذ يلاحظ ان غالب قيادات الادارة تخرجت من مدارس حرام و دمشق التي مثلتها مدرسة حياة بن قيس الحراني و المدرسة البيانية اما القيادة السياسية و العسكرية فتخرج معظم قاداتها من الموصل وهكار حيث المدرسة العدوية و فروعها اما القيادات العلمية و الفكرية فاغلبها كان من المدرسة القادرية و السهروردية و غيرهما .

صفات الادارة العامة للدولة :
1- الصبغة الاسلامية للقيادة السياسية و العسكرية
2- الزهد و بذل المال فى الصالح العام
3- الامن و العدل و احترام الحرمات العامة

تميزت القيادة السياسية و العسكرية بالالتزام العقائدي و الديني فى جميع الانشطة و السبب فى ذلك يعود الي تلك التربية الاسلامية فقد كان نور الدين محمود تقيا ورعا حتي وصل ببعض المؤرخين ان عده سادس الخلفاء الراشدين و كان محدثا سمع الحديث الحديث و اسمعه و جمعه و كان حنفي المذهب عارفا بمذهب الامام ابي حنيفه و لكن بلا تعصب او مذهبية و كان ذلك ايضا جليا فى رجال نور الدين محمود و قادة الجيش من حيث المستوي الرفيع من العلم و الاخلاق و من امثله ذلك الوزير ابو الفضل محمد بن عبد الله بن القاسم الشهرزوري الذي قدم من بغداد الي دمشق فقد كان فقيها اصوليا شغل مناصب مثل السفارة و الوزارة و ناظر الاوقاف و ناظر المالية و استمر حتي قيادة صلاح الدين .

كان صلاح الدين ايضا فقيها درس الفقه الشافعي و سمع الحدث من ابي طاهر السلفي و غيره و روي الحديث عنه اناس مثل يونس بن محمد الفارقي و العماد الكاتب و يقال انه كان ” يحفظ القران و التنبية فى الفقه و الحماسة فى الشعر”[126]

و المثال الاشهر كان وزير صلاح الدين و مستشاره القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي الذي قال صلاح الدين عنه :لم افتح البلاد بسيفي وانما برأي القاضي الفاضل ولقد كان القاضي الفاضل يجمع بين السياسية و التقي و الورع .

ومن امثلة الرجال ايضا الامير ضياء الدين عيسي الفقيه الذي كان من امراء الجيش زمن صلاح الدين و ايضا الامير بهاء الدين قراقوش العالم الفقيه الذي كان والي صلاح الدين على عكا و كان من اروع القادة و اشجعهم ومن ماثره بناء سور القاهرة و قلعة الجبل فيها و كان فى القاهرة صاحب سياسة حكيمة و حازمة فى ازالة اثار الفاطميين .

اظهر ذلك الجيل المهارات و المزايا جراء التربية التي حصل عليها و ذلك بفضل النسق و الافكار التي وضعها الامام الغزالي و الجيلاني و المدارس الاصلاحية فى بغداد و الشام و العراق و مصر . و من تلك المزايا نذكر بعض الامور.

ادركت القيادات خطورة الارتجال و العمل الفردي لذلك كان الاعتماد فى كثير من الامور على الشوري و اتخاذ راي العلماء و اهل الاختصاص و كان لدي نور الدين مجلس دوري يلتقي فيه بقادته العسكريين و العلماء الذين احتلوا المكانة الاعلي و قد حاول بعض القادة النيل من تلك المكانة ولكنهم فشلوا بفضل رؤية نور الدين حيث يذكر فى احد المرات ان حاول احدهم النيل من الفقيه قطب الدين النيسابوري فقال له نور الدين :” يا هذا ان صح ما تقوله فله حسنة تغفر له كل زله تذكرها وهى العلم و الدين . اما انت و اصحابك ففيكم اضعاف ما ذكرت و ليست لكم حسنة تغفرها ولو عقلت لشغلك عيبك عن غيرك[127] وانا احتمل سيئاتكم مع عدم حسناتكم افلا احتمل سيئة هذا ان صحت مع وجود حسنته علي؟ انني والله لا اصدقك فيما تقول وان عدت ذكرته او غيره بسوء لأودبنك”[128]

الامر الاخر هو اعتماد ادارة نور الدين على الشوري و تبادل الاراء فى كل امر الدين فكان له مجلس فقهاء يتألف من ممثلي المذاهب و الصوفية يبحث فى امور الادارة و كل ما يخض الامة و فى ذلك امثلة كثيره تذكرها كتب التاريخ .

تجلت اثار التربية الاسلامية على مواقف رجال الحكم و السياسة و الجيش في عهد نور الدين محمود حيث زهدوا الدنيا و عزفوا عن الاحتكار و الترف فقد كان نور الدين مقتصدا فى الانفاق علي نفسه و اسرته حتي قيل : ان ادني الفقراء فى زمانه كان اعلي نفقة من نور الدين و كان لا يكنز ولا يستأثر الدنيا و لم يكن له بيت يسكنه وانما كان مقامه فى قلعة البلد الذي يحل فيه[129] ومع ذلك شهدت البلد فى زمانه انتعاشا و تقدما اقتصاديا . و كانت امانته و زهده مثالا يحتذي به لكل من حوله من الوزراء و القادة ومثال لذلك اسد الدين شيركوه احد القادة العسكريين فقد كان يملك اراض واسعة انفق مواردها فى بناء المدارس التي تنشر الفكر الاسلامي بدل الباطني [130] وحين ما لم يخلف الا دنانير قليلة .

و كذلك فعل نجم الدين ايوب والد صلاح الدين حيث بني خانقاه فى مصر و مسجد و قناة خارج باب النصر فى القاهرة و فى دمشق بني خانقاه عرفت باسم النجمية .

ولم يقل عهد صلاح الدين عن هذا المستوي من الزهد و التعفف عن المال فقد مات صلاح الدين و لم تجب عليه الزكاه قط لان الصدقة استنفذت امواله كلها فلم يترك دارا ولا عقارا ولا مزرعة ولا شيئا من الاملاك الا دينارا واحدا و فرسه و سلاحه و خيمته و كان متقللا فى ملبسه و مأكله و مركبة [131] جوادا فى مصالح المسلمين ترع فى حصار عكا باثني عشر الف فرس للمجاهدين[132]

كان القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين مع كثرة ماله كان كثير الصدقات و الصلات و لما بدأت حركة الجهاد ضد الصليبيين اوقف ما يملك من اراض فى مصر من اجل تخليص اسري المسلمين و كان فى ذلك الوقت لباسه لا يساوي دينارين .

و عن العدل و الامن الذي توفر فى عصر الدولة الزنكية يقول ابن الاثير : ” قد طالعت تواريخ الملوك المتقدمين من قبل الاسلام و منه و الي يومنا هذا فلم ار فيه بعد الخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز ملكا احسن سيرة من الملك العادل نور الدين ولا اكثر تحريا للعدل و الانصاف منه قد قصر ليله و نهاره علي عدل ينشره و جهاد يتجهز له و مظلمة يزيلها و عبادة يقوم بها و احسان يوليه و انعام يسديه فلو كان فى امة لافتخرت به فكيف ببيت واحد؟؟ ”

و لحرص نور الدين على العدل كان يتخذ لنفسه مجلسا فى المسجد المعلق الذي بالكشك ليصل اليه كل واحد من المسلمين و اهل الذمة ثم طور الامر و جعله دارا للعدل وهي تشبه الاستئاف العليا التي يرفع اليها ما يعجز عنه القضاء العادي و قد تولاها بنفسه .

المبحث الثالث : التعاون بين مدارس الاصلاح و دولة آل زنكي و دولة صلاح الدين

الشواهد الموجودة و المروية فى صفحات التاريخ و التراجم والطبقات تروي لنا التعاون بين مدارس الاصلاح و بين الدولة الزنكية – الايوبية و بشكل صريح الا ان ذلك لم يكن بشكل مفصل ولا مترابط بسبب المنهج الذي كان يتبعه المؤرخون المسلمون فى حينها فى التركيز على اشخاص السلاطين و العلماء بصورة فردية .

1-الاسهام فى اعداد ابناء النازحين من مناطق الغزو الصليبي :

كان للمدرسة القادرية المركزية فى بغداد دور بالغ الاهمية فى اعداد ابناء النازحين من مناطق الاحتلال الصليبي فى الشام فكانت تستقدمهم و توفر لهم الاقامة و التعليم ثم تعيدهم مقاتلين مجاهدين و كانوا يعرفوا باسم المقادسة نسبة الي القدس او بيت المقدس و كان منهم من اشتهر فى الفقة و السياسة و يمكن القول ان المبرر وراء استقدام هؤلاء الي بغداد كان لحاجه الدولة الي مثل هؤلاء القادة بعد تربيتهم و تعليمهم بالاضافة الي ما اشتهرت به المدرسة القادرية من تجسيد و تطبيق لافكار الاصلاح .

يذكر سبط ابن الجوزي ان والد موفق الدين بن قدامه حين نزح من بلاده الي دمشق كان يقوم بنشاط دائب لحشد الطاقات فى مواجهه الاحتلال الصليبي و ان داره فى دمشق كانت ملتقي القيادات الفكرية و السياسية وان نور الدين زنكي نفسه كان يدوم على حضور هذه اللقاءات كأحد الافراد العاديين و لقد ارسل والد موفق الدين هذا ولده الموفق و بعض اقاربه للدراسة فى المدرسة القادرية و الصورة التي قدمها المؤرخون للموفق و قريبه تقدم مثلا للنمط الذي كان يتخرج من المدرسة المذكورة [133]. يقول سبط ابن الجوزي فى تاريخه :” شادهم من الشيخ ابي عمر و اخيه الموفق و نسيبه العماد ما نرويه عن الصحابة و الاولياء و الافراد فأنساني حالهم اهلي و اوطاني ثم عدت اليهم علي نية الاقامة عسي ان اكون معهم فى دار المقامة”[134] .

2-هجرة العلماء للعمل في مدارس نور الدين و صلاح الدين :

انتشر خريجو مدارس الاصلاح من كل قطر فى البلاد الاسلامية للعمل فى المدارس التي اسسها نور الدين محمود و صلاح الدين و من ذلك من قام به خريجو المدرسة القادرية حيث كان على رأس المهاجرين الشيخ موسي بن الامام عبد القادر الجيلاني الذي قدم الي دمشق و عمل بالدرس حتي توفي عام 618هـ كذلك بني نور الدين مدرسة فى حران و اسمها الي اسعد بن المنجا بن بركات و الذي درس بدوره على يد الشيخ عبد القادر الجيلاني و عاد الي الشام كذلك اسند نور الدين اليه المدرسة المسماورية و اسند اليه القضاء[135] .

و فى زمن صلاح الدين عمل فى التدريس موفق الدين عبد الله بن قدامه – الذي مر ذكره –  و كان رحل الي بغداد و تخرج من المدرسة القادرية ، كما ظل متاثرا بالشيخ عبد القادر ينوه بفضائله و يروي كراماته.[136] و اصبح فيما بعد من مستشاري صلاح الدين و علما من اعلام الفقه الحنبلي .

و الامثلة فى ذلك كثيرة و متعددة ترويها صفحات التاريخ كما فى طبقات الحنابلة لابن رجب و العبر للهذبي و طبقات الشافعية للسبكي و البداية و النهاية لابن كثير و غيرهم .

3-المشاركة فى الجهاد العسكري :

كانت المدرس العدوية ابرز المدارس التي شاركت فى ميدان الجهاد العسكري فقد كان خريجو تلك المدرسة من الاكراد الهكارية و الروادية جمهرة من امراء الجيش و قادة الجند و على راسهم اسرة السلطان الناصر صلاح الدين الايوبي و هذ من الاكراد الروادية . ولقد وُلد نجم الدين والد صلاح الدين فى بلده دوين من اعمال اذربيجان و منها خرج والده شاذي مع ولديه نجم الدين ايوب و اسد الدين شيركوه الي بغداد ومن هناك نزلوا تكريت حيث مات الوالد شاذي ثم وٌلد الحفيد صلاح الدين ثم لم يلبث الاخوان نجم الدين و اسد الدين ان رحلا و التحقا بخدمة عماد الدين زنكي سالف الذكر[137]

اما الاكراد الهكارية هؤلاء فقد شكلوا فيما بعد امراء حيش السلطان صلاح الدين و قادته ومنهم الامير سيف الدين المشطوب الهكاري الذي لم يكن فى منزلته احد و كان اسمه الامير الكبر عينه صلاح الدين على عكا حين خاف عليها من الفرنج هو و بهاء الدين قراقوش .. و يذكر ان الفرنج هجموا عليها و اسروا سيف الدين ثم خلص من الاسر و ذهب الي صلاح الدين فى القدس عام 588ه، و يقول ابن شداد انه دخل عليه السلطان بغته و عنده اخوه العادل فنهض اليه و اعتنقه و سر به سرورا عظيما و لقد وصف القاضي الفاضل يوم وفاته عام 588هـ و قال :” تهدم به بنيان القوم و الدهر قاض ما عليه لوم” .

المبحث الرابع : الاعداد العسكري

اهتم نور الدين و صلاح الدين ببناء القوة العسكرية التي تمكن من الانتصار على العدو و فى بداية الامر ضم نور الدين دمشق و نقل عاصمته اليها ووضع نفسه امام تهديدات الصليبيين بشكل مباشر و يكشف لنا التاريخ عن ان القوة العسكرية التي اشرنا اليها كانت تدور حل بناء الصناعة و التحصين العسكري و ذلك من خلال بناء القلاع و المصانع الحربية فقد بنت فى زمن نور الدين اسوار المدن فى الشام منها دمشق و حمص و حلب و ماردين و غيرها و انفق عليها المال الكثير كذلك بني نور الدين الابراج على الطرق الواصلة بين المسلمين و الفرنج اما صلاح الدين فقد بني الكثير من التحصينات العسكرية و دور صناعة السفن فى القاهرة و الاسكندرية و دمياط و اقام المصانع الحربية التي تزود الجيش بالسلاح و الذخيرة .
كذلك اعتني نور الدين ببناء الجيش و التدريب النفسي و القتالي و اشتمل ذلك على التدريب العسكري و الاعداد الديني “الجهاد” و الاعداد المعنوي و الروحي .

و لسنا فى سبيل بحث اغوار و تفاصيل التدريبات العسكرية و ما يهمنا فى البحث هو ما اسميناه التدريب الديني او الجهاد و التدريب الروحي .

1-الاعداد الديني ” الجهاد ” :
بدأ التخطيط و التنفيذ لهذا النوع من الاعداد زمن نور الدين و غاية هذا الاعداد بلورة مفهوم الجهاد و الحكمة منه و الحرص على تنمية ولاء الجندي لله سبحانه و بذل نفسه فى سبيله و تكريس طاقته له مع الحذر الشديد من الولاء لقائد او سلطان او رئيس فقد رأوا فى ذلك كله شركا يفسد الجهاد و يحبطه و فى هذا المجال الف نور الدين كتابا فى الجهاد و استقدم مئات الفقهاء ممن اشتهروا بالزهد و الغيرة على الاسلام خاصة اولئك الذين تخرجوا من مدارس الاصلاح و جعلهم مدرسين فى مباني التدريب لفقه هذا الجهاد و استظهار احكامه و اخلاقه.[138]

2- الاعداد الروحي :

كان الهدف من مثل هذا الاعداد هو تنمية و تزكية روح الارادة و التفاني فى السعي و المشاركة فى الجهاد و التحلي بصفات الشجاعة و التضخية و الصبر و كانت الوسيلة فى ذلك هي العبادة و اداء الشعائر الديني التي على رأسها الصلاة و لكن ما يذكره التاريخ ان الوسيلة الاولي و الاصيلة كانت الذكر انطلاقا من قول الله تعالي : ” يا ايها الذين امنوا اذا لقيتم فئة فاثبتوا و اذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون”

هكذا كان الحال فكان الذكر فى حلقات عرفت باسم الحضرة و كان يرافقها الاناشيد و القصائد التي تحض على الجهاد و التضحية و الاخلاص و الزهد فى الحياة و الحرص على لقاء الله و رسوله و استرجاع ذكري الشهداء و مما يذكر ان صلاح الدين اهتم كثيرا بهذا الاسلوب من التربية فنشر المؤلفات و التصانيف المتعلقة بالامر و استقد الشيوخ و الصوفية و بني لهم الزوايا و الاربطة و المعسكرات ليقودوا حلقات الذكر و الحضرات .

فى عام 576هـ امر القاضي الفاضل وزير السلطان صلاح الدين بنقل كتاب كيمياء السعادة للامام ابي حامد الغزالي من الفارسية الي العربية و كان ذلك على يد العماد الكاتب .

و الواقع ان ذكر الله كان و مازال سلاح النصر الاول فى المعارك بين المسلمين و اعدائهم و لنا فى حرب اكتوبر مثال و دليل .

المبحث الخامس : الوحدة السياسية و تحرير بيت المقدس

كانت البداية عندما انضمت دمشق عام 545هـ الي سلطان و حكم نور الدين محمود بعد مناورات طويلة مع حاكمها و يقدم الدكتور حسين مؤنس وصفا جميلا حول ذلك و يقول : ” وكانت مملكة دمشق هذه تمتد جنوبا حتي تتاخم حدود مملكة بيت المقدس الصليبية علي خط طويل يمتد مستعرضا شمال ناحية الجليل فزالت الفجوة الواسعة التي كانت تحجز بين نور الدين و ملاقة هذه الممكلة وجها لوجها و ازدادت جبهة الاسلام قوة بدخول دمشق و رجالها و انجادها فى جبهة الجهاد و التحرير و انفتاح الطريق الي مصر ”

كانت الخطوة التالية تتمثل فى المواجهه مع الفاطميين فى مصر و كانت العلاقات بين نور الدين و امارات الصليبيين مضطربة و كان لذلك تاثير على محاولة التقرب من مصر لذلك اتجه نور الدين الي تصفية ذلك و محاولة استمالة الراي العام فى مصر من خلال ارسال الدعاة و الوعاظ لتهيئة الامور لاستقباله و الانضمام الي الجهاد وتحقيق الوحدة الاسلامية التي بدونها لن يتم تحرير البلاد .

اخذ نور الدين يتحين الفرصة تلو الفرصة ليدخل مصر الي ان جاءت عندما اختلف حكام مصر الفاطميين مثل ضرغام و وزيره شاور و استنجدوا بالصليبيين و بنور الدين ضد بعضهم البعض و علي اثر ذلك ارسل نور الدين فى عام 562هـ حملة بقيادة اسد الدين شيركوه و صلاح الدين و دخلت الحملة مصر و وجدوا فيها حملة صليبية و مضت بينهم مناوشات عسكرية و لم يستقر الامر لصلاح الدين فى مصر الا بعد قتل شاور لخيانته و تحالفه مع الصليبيين عام 564هـ .

كان لدخول مصر فى دولة نور الدين عظيم الاثر و الدوي البعيد ليس فقط فى ممالك الصليبيين فى القدس بل فى الغرب الاوربي كله حيث بدأوا فى اعداد حملة صليبية جديدة على مصر و تطورت الاحداث حتي الغيت الخلافة الفاطمية و تم ضم مصر الي الدولة الاسلامية .

استطاع نور الدين ان يسترجع نيفا و خمسين مدينة من الصليبيين [139] و عزم على فتح القدس و اعد منبرا جديد للمسجد الاقضي و لكنه توفي عام 569هـ و آل الامر بعده الي كبير رجاله واليه على مصر صلاح الدين الايوبي .

زحف صلاح الدين الي بيت المقدس بجيش يضم كل القيادات من الامراء و الفقهاء و العلماء و الصوفية بمختلف المذاهب و التخصصات و التحم المسلمون بالمحتلين و دخلوا المدينة منتصرين و تم تحرير القدس و فى اول يوم جمعة اقيمت فيه امتلأ الجامع “ألمسجد الاقصي” و سالت لرقة القلوب المدامع .

الفصل الرابع : العبر

كانت تربية صلاح الدين الذي قدر له فيما بعد ان يلعب الدور الذي لعبه مثال يحتذي به و لعل اوثق المصادر التي تتحدث عن حياة صلاح الدين الاولي قبل العمل السياسي هي سيرة ابن شداد الذي كان قاضيا لعسكر صلاح الدين و لازمه فى حياته و المعروفة باسم ” النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية” و تشير الاحداث ان صلاح الدين ولد عام 532هـ فى تكريت و نشأ فى الموصل فى كنف والده نجم الدين احد ضباط نور الدين و كان صلاح الدين شابا عاديا يكرس وقته فى اللعب و ركوب الخيل و اللهو و استمر فى ذلك حتي خرج مع عمه اسد الدين فى حملته على مصر حيث انضم الي معسكرات التدريب العقدية و الفكرية و العسكري و قد وصف صلاح الدين حالته النفسية فى ذلك الوقت و قال :” كنت اكره الناس للخروج فى هذه الدفعة و ما خرجت مع عمي باختياري وهذا معني قول الله تعالي :” وعسي ان تكرهوا شيئا وهو خير لكم”[140]

تبدلت شخصية صلاح الدين بتأثير تلك المعسكرات التي تدرب فيها و يضف ابن شداد ذلك التحول فى حياة صلاح الدين و استقراره على النهج الاسلامي بعد وفاه عمه اسد الدين و تولته امر مصر و يقول :” وفوض الامر بعده الي السلطان و استقرت القواعد و استتبت الاحوال  فتاب عن الخمر و اعرض عن اسباب اللهو و تقمص بلباس الجدو الاجتهاد و ما عاد عنه ولا ازداد الا جدا الي ان توفاه الله الي رحمته”[141]

و يقول السبكي فى الطبقات :” و كان صلاح الدين حين اتصل بخدمة نور الدين قد طلق اللذات” [142] و يقدم لنا ابن شداد اسماء العلماء الذي تأثر بهم صلاح الدين و منهم الامام الصوفي قطب الدين النيسابوري “الذي كتب عقيدة الاسلام له و لاولاده” [143] و سمع الحديث من الحافظ ابي السلفي و ابي الطاهر بن عوف و عبد الله بن بري النحوي و من جماعة اخرين .

المقصود من ذكر تلك الامور هو ايضاح الصورة كاملة و هي لا تضير صلاح الدين كاحد ابطال الامة الاسلامية العظماء و احد قادتها و لكن الفائدة من ذلك هو تقرير ان صلاح الدين لم يكن احد الملائكة وليس فردا بذاته و لكنه نتاج عمل و نتاج سعي و نتاج ظروف امه فى السياسة و الاجتماع و الفكر و الدين .. لم يكن صلاح الدين قبل التربية سوي احد الشباب العادي و الذي كل همه اللهو و اللعب لا اكثر و لكن السؤال الاكثر اهمية هو ما الذي حدث و كيف حدث كل ذلك التغيير فى شخصية صلاح الدين و هذا هو الذي اردنا ايضاحه فى هذا البحث .

يقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه : ” انما تنقض عري الاسلامي عروة عروة اذا نشأ فى الاسلام من لم يعرف الجاهلية” يقر سيدنا عمر رضي الله عنه بقوله ان من عرف الشر و ذاق ويلاته ثم عرف الخير و ذاق حلاوته يكون معرفته بالخير اكثر كمالا ممن لم يعرف الخير والشر و يذقهما و يكون بغضه للشر اقوي ولهذا كان عمر رضي الله عنه اعدل العادلين و اقوي المقاتلين فقد ذاق الشر و عرفه فى الجاهلية ثم حدث الانقلاب فى شخصيته بدخوله الاسلام فكانت محبته للخير اكثر كمالا من غيره .

خلاصة البحث و العبرة من تلك الفترة التاريخية :

1-تقوم الحضارات و تنهار على اساس صحة الفكر و مرضه

كل مجتمع يتكون من 3 عناصر هي الافكار و الاشياء و الاشخاص و ترتبط تلك العناصر بعلاقات اجتماعية و سياسية و فكرية طبقا للزمن و المكان و تتكون شبكة العلاقات الاجتماعية بين الافراد و يتشكل محور الولاءات فى المجتمع و معايير الحركة و الفكر علي اساس العلاقة بين تلك العناصر الثلاثة .

يكون المجتمع فى اقوي مراحل الصحة حين يكون الولاء للفكرة حين يتمحور الاشخاص و الاشياء هو الفكرة التي تقوم علي اساسها الامة و رسالتها فى الحياة فى ذلك الوقت يتسلم القيادة من هم اهل لها و احق بها و يكون المرجع الدائم هو للافكار و الافكار تكون فى عقول العلماء المربين الفقهاء بالحياة و معرفة القضايا الكبري و التحديات الداخلية و الخارجية و من ثم لا سبيل الي الوصول الي تلك المرحلة الا من خلال ان تدور الاشياء و الاشخاص فى فلك الافكار و عليه فلابد ان تكون الافكار صحيحة و ملائمة لحقيقة المجتمع و بما ان الافكار ليست شيئا فى ذاتها او ليست نبتا شيطانيا بل هي فى عقول حامليها و بما ان من يحمل الافكار هم العلماء فلابد من تربية العالم المربي علي اساس صحيح يجمع بين العقيدة السليمة و بين الزهد فى الدنيا و ملذات الحياه و شهواتها و من جهه اخري يكون على احاطة و علم بدهاليز الحياة الانسانية و القضايا الاجتماعية الكبري و الرسالة التي يحملها المجتمع للعالمين .

اما اذا كان الولاء فى المجتمع الي الاشخاص هو الاصل و تدور الافكار و الاشياء فى فلك الاشخاص تكون الهيمنة حينها لاصحاب الجاه و السلطة و القوي و يتم تسخير مقدرات المجتمع لصالح الافراد وتصبح الفكرة رهن المصلحة الشخصية او الحزبية و بالتالي ينقلب الفكر الي عصبية و مذهبية و تدور المشكلات حول ما يثيره الاشخاص من قضايا عصبية و قبلية و تضيع القضايا الكبري و الداخلية .

اما حين يكون الولاء للاشياء هو الاصل و تدور الافكار و الاشخاص فى فلك الاشياء فتكون السلطة و الهيمنة فى ذلك الحين لاصحاب المال و صانعي الشهوات و تسود ثقافة الاستهلاك و تصبح القيم مجرد مواد و سلع للاستهلاك و يكون الاصل هو انشغال الناس بحاجاتهم اليومية فى مأكل و مشرب و ملبس و ترفية فيكون همة احدهم لا تتعدي بطنه و فرجة لا يعرف معروفا ولا ينكر منكرا و تلك علامة انهيار الحضارات و زوالها و فى ذلك يكون رسول الله صلي الله عليه وسلم :” فوالله ما الفقر اخاف عليكم و لكن اخشي عليكم ان تبسط الدنيا عليكم كما بسطت علي من كان قبلكم فتنافسوها و تهلككم كما اهلكتهم”[144] .

يجسد القران الكريم الولاء للافكار حين يعمل الافراد و ما يملكون من اشياء فى فلك الفكرة التي تقوم عليها الرسالة :” ان الله اشتري من المؤمنين انفسهم و اموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون فى سبيل الله فيتقلون و يقتلون و عدا عليه حقا فى التوراة و الانجيل و القران و من اوفي بعهده من الله فاستبشروا خيرا ببيعكم الذي بايعتم به و ذلك هو الفوز العظيم ” و كان ذلك هو ما يحكم الخلافة الراشدة المهدية .

2- الانسحاب و العودة

حينما تفشل محاولات الاصلاح و تتحول كل مجهودات التغيير الي انتكاسات فما علي الفرد فى ذلك الوقت الا القيام بمراجعة شاملة لما يحمل من افكار و اعادة النظر فى الموروث الثقافي و الفكري الذي يلي القران و الحديث و من ثم اعادة النظر فى فلسفة الحياة فى الزمن الذي تعيش فيه و ما هي اهداف التربية .

يبدأ الامر بالانسحاب و العزلة عن المجتمع و ذلك يتطلب الشجاعة و الصدق حتي تتمكن من التخلص من اغلال الافكار و الثقافة السائدة و القيم و العادات الموروثة و من ثم عليك مراجعة كل ذلك اولا باول .. ثم عليك الاشتغال بخاصة نفسك و تهذيب روحك وعقلك من خلال البحث عن الافكار الصافية الخالصة و البحث عن الشيخ المربي .

3- الاسلام لن يطبق نفسه بنفسه

نؤمن بأن الافكار او القيم التي اتي بها رسول الله صلي الله عليه وسلم يمكنها معالجة المجتمعات و تاسيس الحضارة الراقية و لكن الاسلام لن يؤدي ذلك الدور بذاته و لابد من المسلمين و لكن اي مسلمين !! لن يؤدي دوره الا علي يد اولو الالباب العقلاء الزهاد فى الدنيا و اصحاب العقل الراجح و الفكر القويم و هؤلاء هم اساس الحضارة كما اورد الامام الغزالي حين قرر ان فساد الحكام بفساد العلماء و من ثم لابد من اصلاح العلماء بداية باصلاح انفسهم و تزكية قلوبهم ثم اصلاح الافكار و القيم و فى ذلك يقول الشعبي :” انما كان يطلب هذا العلم من اجتمعت فيه خلصت العقل و النسك فان كان ناسكا و لم يكن عاقلا و ان كان عاقلا و لم يكن ناسكا لم يطلبه فان هذا الامر لا يناله الا النساك العقلاء فقد رهبت الي ان ان يكون يطلبه اليوم من ليس فيه واحدة من عقل ولا نسك “[145] . و يقول الحسن البصري : ” من لم يكن عقله يسوسه لم ينتفع بكثرة روايات الرجال” .

و لنا فى الامام الغزالي خير مثال فقد كان يجمع بين العقل و التدين حتي وصف بانه احد اذكياء العالم الكبار.

 

لقد ارادنا من خلال هذا البحث محاولة فهم الحاضر بعين التاريخ باستعراض احد اصعب الاوقات و اشد المحن التي مرت بالامة الاسلامية فى تاريخها الممتد . كانت البلاد فى المشرق الاسلامي تواجه اخطار تحيط بها كادت ان تقضي عليها سواء كان الفكر الباطني و الدولة الفاطمية فى مصر و صراع السلاطين و الخلفاء فى بغداد و صراع الملوك السلاجقة فى اسيا الصغري الي ان جاءت الفاجعة بالحملات الصليبية على الشام و احتلال بيت المقدس . و كان نص قرن تقريبا يفرق بين احتلال بيت المقدس و تحريره او بين الحملات الصليبية و بداية حركة الجهاد .

اردنا البحث حول الافكار التي ادت الي ظهور مثل تلك الحركة التي انتهت بتحرير القدس حتي قضت على الوجود الصليبي فى الشرق فكان البحث فى  افكار كل من الامام الغزالي و الامام عبد القادر الجيلاني و غيرهما من العلماء الزهاد و دور المدارس التي ظهرت فى ذلك وقت و بنيت على تلك الافكار .. و من ثم التقرير بكون شخص صلاح الدين او شخص نور الدين محمود ليسلا باعجاز او اساطير فى التاريخ و لكن ما فى الامر هو الظرف التاريخي و التعامل معه وكيف استجاب هؤلاء للتحدي الذي ظهر فى عصرهم .

لعل ما يؤخذ علي مفكري الشرق و حتي العامة هو الفكرة السائدة حول المهدي المنتظر التي اصبحت تحرك عقول الناس فى ميادين الاجتماع و السياسة فالكل ينتظر ذلك القائد المخلص المنقذ الذي يأتي هبة من الله عز وجل غير مدركين او متناسين ان الله لا يغير ما بقوم حتي يغيروا ما بأنفسهم و ان القائد لن يفعل شيئا بمفرده و لكن العمل الجماعي ينبغي ان يسود و فكرة الملهم ينبغي ان تتواري و تحل محلها المناهج و المعايير افكار التي هي اساس قيام الحضارة و انهيارها .

قائمة المراجع و المصادر :

الكتب :

1-القرآن الكريم و الحديث الشريف

2- الغزالي ، ابو حامد (505هـ ) ، احياء علوم الدين ،اربعة اجزاء ، القاهرة ، المكتبة التجارية

3- الغزالي ، ابو حامد ، ميزان العمل

4- الغزالي ، ابو حامد ،  سر العالمين

5- الغزالي ، ابو حامد ، التبر المسبوك فى نصيحة الملوك ، الكتب الثلاثة نشر القاهرة : مكتبة الجندي 1967 -1968

6- الغزالي ، ابو حامد ، ايها الولد ، بغداد 1374 هـ

7- الغزالي ، ابو حامد ، الاقتصاد فى الاعتقاد ، تقديم الدكتور عادل العوا ، بيروت : دار الامانة 1969

8- الغزالي ، ابو حامد، المنقذ من الضلال ، بيروت ، دار الاندلس ،1967

9- الغزالي ، ابو حامد، تهافت الفلاسفة ، تحقيق د. سليمان دنيا ، القاهرة ، دار المعارف 1972

10-الغزالي ، ابو حامد ، فضائح الباطنية ، تحقيق دكتور عبد الرحمن بدوي ، القاهرة ، الدار القومية للطباعة و النشر , 1964

11- الجيلاني ، عبد القادر ( 561هـ ) ، الغنية لطالبي طريق الحق ، جزءان . مكة المكرمة

12- الجيلاني ، عبد القادر ، الفتح الرباني والفيض الرحماني ، القاهرة ، الحلبي 1968

13- الجيلاني ، عبد القادر ، فتوح الغيب ، القاهرة ، مصطفي الحلبي 1968

14- الذهبي ، سير اعلام النبلاء ، بيروت ، دار الرسالة

15 – الذهبي ، العبر فى خبر من غبر ، تحقيق دكتور صلاح الدين المنجد ،الكويت وزارة الارشاد و الانباء 1963

16- الذهبي ، تاريخ الاسلام ، بيروت ، مؤسسة الرسالة

17- سبط بن الجوزي ، يوسف ، مرآةالزمان ج8 ، حيدر آباد الدكن : دار المعارف العثمانية

18- السبكي ، عبد الوهبا ، طبقات الشافعية ، القاهرة ، عيسي الحلبي 1965

19- السلمي ، ابو عبد الرحمن ، طبقات الصوفية ، القاهرة 1953

20- الاصفهاني ، عماد الدين ، تاريخ دولة آل سلجوق ، بيروت ، دار الافاق الجديدة 1978

21- ابن الاثير، الكامل فى التاريخ ، بيروت ، دار صادر 1966

22- ابن ابي يعلي ، محمد ، طبقات الحنابلة ، القاهرة 1952

23- ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة فى اخبار مصر و القاهرة ، القاهرة وزارة الثقافة

24- ابن خلدون ، عبد الرحمن ، العبر و ديوان المبتدأ و الخبر أو تاريخ ابن خلدون ، بيروت ، مؤسسة الاعلمي للمطبوعات

25- ابن خلكان ، احمد بن محمد ، وفيات الاعيان و انباء ابناء الزمان ، بيروت ، دار الثقافة

26 – ابن شداد ،بهاء الدين ، النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية ، الطبعة الاولي ، القاهرة ، الدار المصرية للتأليف و الترجمة 1964

27- ابن عساكر ، علي بن الحسن ، تبيين كذب المفتري فيما نسب الي الامام ابي الحسن الاشعري ، دمشق، مكتبة القدسي 1347هـ

28- ابن قاضي شهبه ، الكواكب الدرية فى السيرة النورية ، تحقيق الدكتور مصطفي جواد ، بغداد ، وزارة الثقافة و الارشاد القومي 1963

29- ابن كثير ، عبد الرحمن ، البداية والنهاية ، بيروت ، مكتبة المعارف 1966

30 – ابن واصل ، مفرج الكروب فى اخبار بني ايوب ، تحقيق جمال الدين الشيال ، القاهرة 1957

31- التادفي ،محمد بن يحيي ، قلائد الجواهر فى مناقب عبد القادر ، القادر ،مصطفي البابي الحلبي 1956

32- النعيمي ، عبد القادر بن محمد ، الدارس فى تاريخ المدارس ، دمشق ، المجمع العلمي العربي 1948

33- ياقوت الحموي ، بن عبد الله ، معجم البلدان ، بيروت دار صادر و دار بيروت ، 1956

34- الكيلاني ، ماجد عرسان ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين و هكذا عادت القدس ، دبي ، دار القلم ،2009

35- بدوي ، عبد المجيد ابو الفتوح ، التاريخ السياسي و الفكري للمذهب السني فى المشرق الاسلامي ، المنصورة ، دار الوفاء للطابعة والنشر و التوزيع ، 1988

36- ابن سينا ، الاشارات و التنبيهات ، القاهرة، دار المعارف   ، 1960

37 – الاشعري ، ابو الحسن ، الابانة عن اصول الديانة ،القاهرة، المطبعة المنيرة

38- الاشعري ، ابو الحسن ، مقالات الاسلاميين و اختلاف المصليين ، القاهرة ، مكتبة النهضة المصرية ،1969

39- الاشعري ، ابو الحسن ، اللمع فى الرد علي اهل الذيغ والبدع ، القاهرة ، مطبعة مصر 1955

40 – الجويني ، ابوالمعالي عبد الملك (امام الحرمين) ، الشامل فى اصول الدين ، تحقيق د. علي سامي النشار . الاسكندرية ، شركة الاسكندرية للطباعة و النشر ط1 ، 1969

41- السبكي ، ابو النصر عبد الوهاب بن تقي الدين ، طبقات الشافعية الكبري ، القاهرة ، المطبعة الحسينية، 1324هـ

42- السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن ، تاريخ الخلفاء ، بيروت ، دار التراث 1969

43- الشهرستاني ، ابو الفتح محمد بن عبد الكريم بن ابي بكر ، الملل و النحل ، القاهرة ، مؤسسة الحلبي 1968

44- الطبري ، ابو جعفر محمد بن جرير ، تاريخ الرسل و الملوك ، القاهرة ، دار المعارف 1968

45- الشهرستاني ، ابو الفتح محمد بن عبد الكريم بن ابي بكر ، نهاية الاقدام فى علم الكلام ، بغداد

46- الغزالي ، ابو حامد ، فيصل التفرقة بين الاسلام و الزندقة ،

47 – الغزالي ، ابو حامد ، القسطاطس المستقيم ، القاهرة ، شركة الاعلانات الشرقية

48 – القشيري، ابو القاسم عبد الكريم ، الرسالة القشيرية ، القاهرة ، دار الكتب الحديثة 1966

49- المقريزي ، تقي الدين احمد بن علي ، اتعاظ الخنفا باخبار الائمة الفاطميين الخلفا ، القاهرة ، المجلس الاعلي للشئون الاسلامية ، 1973

50- عزام ، عبد الرحمن ، صلاح الدين و عادة احياء المذهب السني ، قطر ، دار بلومز بري ، 2012

51­­- الصلابي ، علي محمد ، الدولة الزنكية ، بيروت ، دار المعرفة ، ط1 2007

52- الصلابي ، علي محمد ، صلاح الدين الايوبي ، بيروت ، دار المعرفة ط1 2008

53- الصلابي ، علي محمد ، دولة السلاجقة ، القاهرة ، دار ابن الجوزي

54 – البغدادي ، ابو منصور بن محمد ، الفرق بين الفرق ، القاهرة ، مكتبة ابن سينا

55- ابو زهرة ، محمد ، تاريخ المذاهب الاسلامية ، القاهرة ، دار الفكر العربي

56- مرزوق ، ابي حامد ، براءة الاشعريين ، دمشق ، مطبعة العلم 1967

57- الكيلاني ، ماجد عرسان ، نشأة القادرية ، رسالة مقدمة الي دائرة التاريخ فى الجامعة الامريكية لتمام الحصول على درجة استاذ فى الاداب

58- الماوردي ، علي بن محمد ، ادب الدنيا و الدين ، تحقيق مصطفي السقا ، بيروت ، دار لكتب العلمية 1978

59 – حلواني ، احمد عبد الكريم ، ابن عساكر و دوره فى الجهاد ضد الصليبيين ، دمشق، دار الفداء

60- الاصبهاني ، الحافظ ابي نعيم ، حلية الاولياء و طبقات الاصفياء ، بيروت ، دار الفكر

61 ، ابن عساكر ، ابو القاسم علي ـ تاريخ دمشق الكبير ، بيروت ، دار احياء التراث ، 2001

62- اقبال ، محمد ، اخبار الدولة السلجوقية ، بيروت ، دار الافاق الجديدة 1981

63- خليل ، عماد الدين ، عماد الدين زنكي ، بيروت ، مؤسسة الرسالة 1982

64- ابي شامه ، شهاب الدين بن عبد الرحمن المقدسي ، الروضتين فى اخبار الدولتين النورية و الصلاحية ، بيروت ،  مؤسسة الرسالة 1997

65- السيوطي ، جلال الدين عبد الرحمن ، حسن المحاضرة فى تاريخ مصر و القاهرة ، القاهرة 1968

66- كلود كاهن ، الشرق و الغرب فى زمن الحروب الصليبية ، ترجمة احمد الشيخ ، القاهرة / سينا للنشر 1995

67- الصلابي ، علي محمد ، الدولة الفاطمية العبيدية ، عمان ، دار البيارق 1999

68- عاشور ، سعيد عبد الفتاح ، مصر و الشام فى عهد الايوبيين و المماليك ، دار النهضة العربية

69 – الندوي ، ابو الحسن ، رجال الفكر و الدعوة ، دمشق ، دار بن كثير

70- الحياري ، مصطفي ، صلاح  الدين القائد و عصره ، دار الغرب الاسلامي 1994

71- سهيل زكار ، مدخل الي تاريخ الحروب الصليبية

رسائل جامعية :

1-ماجد طه سليم ، الاديان بين التقليد و العقل عند الامام الغزالي ، رسالة جامعية

2- عبد الحميد خطاب ، الغزالي بين الدين و الفلسفة ، رسالة جامعية

3- قدور احمد الثامر ، اثر الغزالي فى علم الكلام ، رسالة جامعية

4- فتاح مثقال عساف ، الفلسفة الاجتماعية عند الغزالي

5- نبيله مصطفي عرفات ، تحقيق ردود الغزالي على فرق عصره و اثر فى الفكر الاسلامي

6- ياسين قاسم الرشدان ، التربية السلوكية عند الامام الغزالي

7- منور احمد القيسي ، المنهج النقدي عند الامام الغزالي

8- عبد المنعم حسن بني عواد ، اصول الفكر التربوي عند ابي حامد الغزالي و ابن رشد و ابن خلدون دراسة تحليلة مقارنة مع الفكر التربوي الحديث

9- خالد احمد ، فلسفة بن سينا الخلقية

10- سليمة قايد ، ادلة وجود الله عند ابن سينا

11- حلمو جلول ، الفلسفة و العلم عند ابن سينا

12- احمد حسن عبد القادر ، اصول الفكر التربوي عند ابن سينا دراسة تحليلية نقدية مقارنة

13- حسين احمد الموسي ، تصوف ابن سينا و منزلته فى الفكر العربي الاسلامي

14- واقع التربية الاسلامية فى عهد نور الدين فى بلاد الشام ، محمود عقلة الرفاعي ، جامعة اليرموك – الاردن

15- دور نور الدين محمود  فى نهضة الامة و مقاومة عزو الفرنجة ، عبد القادر احمد ابو صيني رسالة دكتوراة معهد التاريخ العربي و التراث العلمي للدراسات العليا

[1] ، دار الفكر العربي محمد ابو زهره ، تاريخ المذاهب الاسلامية

[2]محمد ابو زهره ، تاريخ المذاهب الاسلامية ، دار الفكر العربي

[3]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين

[4]ابن الجوزي – المنتظم ج9

[5]الملل و النحل  ج1 ص202

[6]الفرق بين الفرق – 249

[7]ابو حامد الغزالي ، فضائح الباطنية ، مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت ،  37-54

[8]القاضي نعمان المغربي ، الرسالة المذهبية, بيروت  دار الانصاف ص 82 – 84

[9]ابو حامد الغزالي- فضائح الباطني، فضائح الباطنية ، مؤسسة دار الكتب الثقافية الكويت

[10]الحسن بن الصباح الاسماعيلي الملقب بالعباد صاحب الدعوة النزارية وجد اصحاب الموت كان من كبار الزنادقة و من دهاه العالم قال ابن الاثير  كان الحسن بن الصباح رجلا شهما كافيا عالما بالهندسة و الحساب و النجوم و السحر وغير ذلك ، وقد اتهمه صهر نظام الملك بدخول جماعة من دعاه المصريين عليه فخاف ابن الصباح وكان نظام الملك يكرمه وقال له يوما عن طريق الفراسة عن قريب يضل هذا الرجل ضعفاء العوام فلما هرب الحسن من ابي مسلم صهر نظام الملك طلبه فلم يدركه وكان الحسن من جمله تلامذه ابن عطاش الطبيب الذي ملك قلعة اصبهان و مضي ابن الصباح  فطاف البلاد ووصل الي مصر ودخل على المستنصر صاحبها فاكرمه و اعطاه مالا و امره ان يدعو الناس الي امامته فقال له الحسن : فمن الامام بعدك؟ فاشار الي انه نزار و عاد الي من مصر الي الشام و الجزيرة و ديار بكر و الروم و رجع الي خراسان ودخل كاشغر و ما وراء النهر يطوف علي قوم يضلهم الي ان ملك قلعة الموت و اخرج منها نائبها العوي الي دامغان واعطاه ماله و لما بلغ الخبر نظام الملك بعث عسكرا الي قلعة الموت فحصروه فيها و اخذوا عليه الطرق فضاق ذرعه بالحصر فارسل من قتل نظام الملك فرجع العسكر عنها و قد رأي السلطان محمد بن ملكشاه ان مصالح البلاد و العباد منوطة بمحر آثار الباطنية و اخراب ديارهم وملك حصونهم وقلاعهم جعل قصدهم دأبه و كان فى ايامه ما يقارب ست وعشرين سنة و كان المجاورون له فى اقبح صورة من كثرة غزواته عليهم و قتله و اسره رجالهم وسبي نسائهم فسير اليه السلطان العساكر فعادت من غير بلوغ غرض فندب لقتاله الامير انوشتكين و امده بعدة من الامراء فحصرهم وكان السلطان ينقل اليه الميرة و الذخائر و الرجال فضاق الامر علي الباطنية فأنزوا نسائهم و ابنائهم مستأمنين و يسألون ان يفرج لهم ولرجالهم عن الطريق و يؤمنوا فلم يجابوا الي ذلك و اعادهم الي القلعة قصدا ليموت الجميع جوعا فلما بلغ بهم الامر الي الحد الذي لا مزيد عليه بلغهم موت السلطان محمد فقويت نفوسهم و طابت قلوبوهم ففك الحصار و غنم الباطنية ما تخلف عندهم و كان الحسن قوي المشاركة في الفلسفة كثير المكر و الحيل بعي الغور مات سنة ثماني عشرة و خمسمائة (لسان الميزان ج2 صفحة 214 ابن الاثير ج10 صفحة 118 و 119 ) .

[11]عبد المجيد ابو الفتوح بدوي ، التاريخ السياسي و الفكري للمذهب السني فى المشرق الاسلامي صفحة 47

[12]ابو حامد الغزالي ، المنقذ من الضلال صفحة 63 -64

[13]ابو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة صفحة 307 – 308

[14]القاضي عبد الجبار ، المغني ج15 صفحة 164

[15]ابو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة ص 229

[16]عبد المجيد ابو الفتوح بدوي ، التاريخ السياسي و الفكري للمذهب السني فى المشرق الاسلامي

[17]احياء علوم الدين للامام الغزالي – دراسة اصلاح عبد السلام الرفاعي – دار المعارف صفحة 20

[18]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين

[19]ابن كثير ، البداية و النهاية ،ج12، صفحة 137

[20] سنن الترمذي ج8 ، كتاب التفسير :تفسير سورة المائدة (تحقيق عزت الدعاس) صفحة 222 رقم 3060 مثله سنن ابي داوود،ج4، كتاب الملاحم ، وابن ماجه،كتاب الفتن

[21]السبكي – طبقات الشافعية ،ج6 ،ص209،ج5،صفحة 304

[22]ابو حامد الغزالي ، المنقذ من الضلال ص 104

[23]المصدر نفسه –صفحة 105

[24]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين

[25]ابن عساكر ، تبيين كذب المفتري ص294

[26]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج2 صفحة302 ،336

[27]ابو حامد الغزالي ، المنقذ من الضلال ، صفحة 106

[28]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين – صفحة 118

[29]أبو حامد الغزالي، ، إحياء علوم الدين، بيروت: دار المعرفة، باب: العلم الذي هو فرض كفاية، 1/17.

[30]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين – صفحة53

[31]المصدر نفسه صفحة 836

[32]احياء علوم الدين ج 1 صفحة  ” يشبه هذا حرص علماء عصرنا و مفكرينا على حضور الندوات و المحاضرات و اللقاءات الاعلامية على الرغم من كونهم متباغضون متقاطعون

[33]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج1 صفحة 30

[34]المصدر نفسه صفحة 52

[35]رواه الطبراني من حديث بن عباس

[36]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج1 صفحة 30

[37]المصدر نفسه

[38]المصدر نفسه

[39]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج1 صفحة 51

[40]المصدر نفسه ج3 صفحة 376 -378

[41]المصدر نفسه ص378 -379

[42]المصدر نفسه ص379 380

[43]المصدر نفسه ص380-381

[44]المصدر نفسه ص381-383

[45]المصدر نفسة صفحة 382-383

[46]المصدر نفسه

[47]المصدر نفسه

[48]المصدر نفسه

[49]المصدر نفسه

[50]المصدر نفسه

[51]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج2 صفحة 249

[52]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج3 ص397

[53]المصدر نفسه

[54]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج4 صفحة 51

[55]  أخرجه الطبراني

[56]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج4 ص50

[57]اابو حامد الغزالي ، ميزان العمل ص4

[58]نفسه

[59]ابو حامد الغزالي ، ميزان العمل ض124

[60]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص148

[61]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج2 ص302

[62]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج1 ص39

[63]ابو حامد الغزالي ، احياء علوم الدين ج2 ص384

[64]ابو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة ص73

[65]ابو حامد الغزالي ، تهافت الفلاسفة  74

[66]المصر نفسه ص74

[67]اليافعي مرآة الجنان ج3 ص351

[68]عبد القادر الجيلاني – الفتح الرباين ص222

[69]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص192

[70]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص194

[71]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص197

[72]عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني – ص8

[73]المصدر نفسه

[74]المصدر نفسه ص 105

[75]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص226

[76]عبد القادر الجيلاني ، فتوح الغيب ص65

[77]نفسه ص172

[78]نفسه ص 11

[79]نفسه ص11

[80]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص228

[81]عبد القادر الجيلاني – الغنية ج1 ص 44 45

[82]عبد القادر الجيلاني الفتح الرباني ص149

[83]نفسه ص 24

[84]نفسه ص 227

[85]عبد القادر الجيلاني ، الغنية ج1 ص 45

[86]عبد القادر الجيلاني ، الغنية ج2 ص46 47

[87]ابن رجب – طبقات الجنابلة ج1 ص291

[88]ابن رجب طبقات الحنابلة ج1 ص73

[89]ياقوت الحموي – ارشاد الاريب لمعرفة الاديب ج5 ص273

[90]ابن رجب – طبقات الحنابلة

[91]عبد القادر الجيلاني ، الفتح  الرباني ص206

[92]عبد القادر الجيلاني ، فتوح الغيب ص 171 174

[93]عبد القادر الجيلاني ،الغنية ج2 ص 182 – 154 , فتوح الغيب ص57 167

[94][94]عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ص 1 . التادفي قلائد الجواهر ص18

[95]الفتح الرباني ص 295

[96]نفسه ص239

([97]) ناطور تعني: حافظ الكرْم والبستان, والجمع نواطير, وانظر: مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر عبد القادر الرازي, مكتبة لبنان, بيروت, ط2, 1995, تحقيق محمود خاطر,, 1/ 277.

[98]عبد القادر الجيلاني الفتح الرباني ص 297

[99]عبد القادر الجيلاني ، الفتح الرباني ص 289

[100]نفسه ص 202

[101]نفسه ص 173

[102]نفسه ص 42

[103]نفسه ص245

[104]نفسه ص 234

[105]نفسه ص 223

[106]نفسه ص 246

[107]نفسه ص12

[108]نفسه ص 241

[109]عبد القادر الجيلاني – الغنية ج1 ص52- 83

[110]سبط ابن الجوزى . مرآة الزمان ج8 ص 264

[111]الذهبي ، العبر ج4 ص 175

[112]ابن رجب ، الذيل ج1 ص 290

[113]اب تغري بردي ، النجوم الزاهر ج5 ص 317

[114]ماجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 271

[115]نفسه 279

[116]ابن رجب طبقات الحنابلة ج1 ص 306 . التادفي قلائد الجواهر ص5

[117]الشطنوفي – بهجة الاسرار ص183

[118]اليافعي نشر المحاسن الغالي ص142
التادفي فلائد الجواهر ص24
الشطنوفي بهجة الاسرار ص9 10

[119]الجامع الاموي فى دمشق

[120]ابن الاثير –الكامل فى التاريخ ج10 ص 59

[121]ابن جبير الرحلة ص55 56

[122]ابن كثير البداية ج12 ص 105 111

[123]ابن تغري بردي النجوم الزاهرة ج5 ص 256

[124]عبد الدين الاصفهاني – تاريخ ال سلجوق ص18

[125]ابن خلدون – ديوان المبتدا و الخبر ج5 ص 21

[126]السبكي طبقات الشافيعة ج6 ص118 ج4 ص 73

[127]لاحظ النأثر بما كان يورده الغزالي و الجيلاني كما اسلفنا

[128]حسين مؤنس – نور الدين محمود ص 339

[129]حسين مؤنس – نور الدين محمود ص369

[130]طبقات الشافعية ج7 ص 297

[131]ابن شداد ، النوادر السلطانية و المحاسن اليوسفية

[132]بن تغري بردي – النجوم الزاهرة

[133]مجد عرسان الكيلاني ، هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 312

[134]سبط ابن الجوزي – مرآة الزمان

[135]ابن رجب – طبقات الحنابلة

[136]الذهبي – العبر

[137]ابن خلكان – وفيات الاعيان

[138]هكذا ظهر جيل صلاح الدين ص 335

[139]ابن قاضي شهبه ،  الكواكب الدرية

[140]ابن شداد ، النوادر السلطانية ص 39

[141]نفسه ص40

[142]طبقات الشافعية ج7 و ج 4

[143]ابن شداد ، النوادر السلطانية ص7

[144]صحيح مسلم ، كتاب الزهد شرح النووي ج18 ص 95

[145]الحافظ ابو بكر – العقل و فضله

2/5 - (1 صوت واحد)