مقالات

هل تنجح مصر في تحقيق التوازن الإقتصادي بعد تخفيض سعر صرف الجنيه ؟

بقلم : محمد نبيل الشيمى

 

لا شك أن الإقتصاد المصري يعاني في الوقت الراهن من عدم الاستقرار كنتيجة لحالة الضعف التي أصابته كمحصلة لسياسات نقدية ومالية وتجارية فاشلة مع قصور شديد في الطاقات الانتاجية وعجزها عن تلبية احتياجات المواطنين… في الوقت الذي يعتمد فيه الاقتصاد المصري علي الايرادات الريعية علي حساب الأنشطة الاقتصادية الحقيقية من زراعة وصناعة…مع زيادة مفرطة وغير مبررة من الواردات التي استنزفت جزءا كبيرا من الاحتياطي النقدي بعد ثورة يناير 3011 مما دفع مصر الي دق أبواب الدول والمنظمات للأقتراض منها وعلي رأسها صندوق النقد الدولي والذي وضع شروطا تلتزم بها مصر كي تحصل علي قرض منه ومن أهما تحرير سعر صرف الجنيه وتخفيض قيمته تحت زعم أن ذلك سيؤدي إلي الحد من الإستيراد وزيادة الصادرات..والواقع أن هناك من رحب من رجال الأعمال بشروط الصندوق التي تضمنت حزمة من الإجراءات الأخري منها تخفيض الإنفاق الحكومي ورفع أسعار السلع والخدمات ورفع الدعم عن الطاقة والاسراع في بيع أصول الشعب المتمثلة في قطاع الأعمال العام وتخفيض حجم العمالة الحكومية وقد تم هذا بالفعل دون دراسة متأنية تراعي أحوال المواطنين من محدودي الدخل ومن يعيشون تحت خط الفقر بل كل المواطنين المصريين ذلك أن تخفيض سعر صرف الجنية وكما تشير الوقائع ترتب عليه تداعيات واسعة الأثرعلي الأمن والاستقرار الاجتماعي من حيث ارتفاع الأسعار وتردي قدرات المواطن علي الحصول علي احتياجاته من الغذاء و الكساء والدواء.

وكل الدلائل الإقتصادية وضعت شروطا لنجاح سياسة تخفيض سعر صرف أي عملة خاصة فيما يتعلق في زيادة الصادرات و الحد من الواردات … وهي تتوقف علي :

  • درجه مرونة الإنتاج المحلي من السلع والخدمات القابلة للتصدير بمعني هل يستطيع ذلك الإنتاج أن يتزايد بنسبه تساير انخفاض سعر الصرف .
  • درجه مرونة الطلب في الخارج علي الإنتاج المحلي من السلع و الخدمات القابلة للتصدير و هل يتزايد هذا الطلب بنسبه تساير تخفيض سعر اصرف.
  • درجه مرونة الطلب الداخلي علي السلع و الخدمات المستوردة وهل يقل هذا الطلب نتيجة التخفيض الذي تم علي سعر العملة .

وكما ذكرنا أن تحرير سعر صرف الجنيه وتخفيض قيمته في مواجهة العملات الأجنبية لاقي ترحيبا وقبولا من جانب رجال الأعمال ومن يطلق عليهم قراصنة الإقتصاد (الكوروقراطيون) الذين هم مجموعة من رجال الأعمال هدفهم الأساسي بناء امبراطورية عالمية من خلال المنظمات الدولية المتخصصة بتقديم قروض الي الدول التي تعاني من إختلالات هيكلية في موازين مدفوعاتها وتعتمد هذه الجماعات علي تنبؤات بعد قدرة الدول المقترضة علي تسوية ديونها ومن ثم السيطرة عليها تماما (اقتصاد الازمات في الإقتصاد السياسي لرأس المال المعولم..حسن عطا الرضيع) وتخفيض سعر صرف الجنيه يري المؤيدون له ان هناك أيبابا تعجل بذلك:

– نمو المعاملات غير المشروعة يساعد بل و يدعم من ممارسات البعض تهريب أموالهم إلى خارج البلاد .
– تناقص حصيلة البلاد نظرا لقيام الحائزين علي نقد أجنبي بالإبقاء عليه في الخارج و استخدامه في المضاربة .
– زيادة الطلب علي العملات الأجنبية لأغراض المضاربة وهو الأمر الذي حدا بالمضاربين الشراء بأسعار تزيد عن الأسعار المعلنة للدولار أملا في طرحها بهامش ربح يفوق ذلك و قد امتد ذالك الطلب إلى مدخرات البعض وتوظيفها في عمليات المضاربة (عمل هذا علي خلق انطباعات غير سليمة عن قيمة الجنية علي الرغم من أن أسعار صرف الدولار مقابل الجنيه لا تمثل الحقيقة بالنسبة للعملة الوطنية.)
– إن عدم تحديد سعر واقعي للجنيه أدي إلى خفض الميزات النسبية للعملة الوطنية مع ارتفاع تكلفه التمويل.
– أن وجود تفاوت بين العرض و الطلب علي العملات الأجنبية خلق حاله من عدم الثقة وأدى إلي هروب رؤوس الأموال و ازدياد ظاهره الدولة مما أدي إلي وجود مناخ غير سليم قد يؤدي بالنظام النقدي بأكمله.

أما من يعارض تحرير الجنيه وتخفيضه فيرون أن :
– تخفيض سعر صرف الجنيه سيؤدي إلى زيادة التزامات مصر الخارجية مقوماً بالعملة الوطنية وارتفاع في تكلفة الإنتاج ومن ثم ارتفاع تكلفة المبيعات سواء في الأسواق الخارجية أو السوق المحلية مما يعرض البلاد إلى المزيد من حالة الركود الزائدة هذا بالإضافة إلى ارتفاع تكلفة معيشة المواطنين وزيادة الأسعار خاصة بالنسبة للسلع التي تستورد مكونات إنتاجها .
– مع استمرار العجز في الميزان التجاري فإن حالة من حالات التضخم الحاد سوف تعاني منها البلاد خاصة الطبقات الفقيرة وهو الأمر الذي يعني مزيد من الركود ومزيد من البطالة .. إلخ .
– من المعروف أن مصر تعتمد علي استيراد حوالي 75% من مدخلات الإنتاج والسلع الوسيطة والاستهلاكيةوالرأسمالية … الخ وهذا يعني أن الطلب على هذه المدخلات لن يتأثر نتيجة تخفيض سعر الصرف (مرونة طلب ضعيفة ) أي أنه لن تحدث التخفيضات تأثيرات ملحوظة على حجم الاستيراد في حين ستزيد تكلفته بنفس مقدار تخفيض سعر صرف الجنيه ً .
– لن تحقق الصادرات الزيادة المأمولة من تخفيض سعر الصرف نظرا لارتفاع تكاليف الانتاج وضعف ميزاته النسبية والتنافسية في الأسواق الخارجية أخذا في الإعتبار أن مصر تستورد نحو 80% من الوسائط ومدخلات الإنتاج ومن ثم فإن تكلفة النتاج ستزيد بنفس نسبة الخفض في قيمة الجنيه.

… تخفيض سعر صرف العملة الوطنية سوف يرفع من تكلفة معيشة المواطن المصري نتيجة الزيادة في الأسعار بما يضيف أعباء غير مأمونة العواقب على المستوى القومي .. هذا العبء سوف يشمل كل ما يتعلق بالاقتصاد المصري كله ذلك الاقتصاد والذي لا تتوافر فيه شروط نجاح تخفيض العملة الوطنية .

… التخفيض غير مأمون وغير مضمون وأباً كان نجاحه فهو نجاح مؤقت وقد تكون نتائجه كارثية ويبقي التأكيد إلى أن مصر تملك مفاتيح استقرارها الاقتصادي بما فيها تقليل العجز في الميزان التجاري.

الآن لم يعد هناك خيارات كثيرة لحماية الجنيه والحد من التأثيرات السلبية علي الاقتصاد المصري وتأتي علي رأس هذه الخيارات سوي الوقف الفوري لنوعيات كثيرة من السلع خاصة تلك التي لا تمثل أهمية للمستهلك المصري وتلك التي يوجد منها مثيل محلي وهذا اجراء تلجأ اليه الدول التي يمر اقتصادها بنفس الحالة المصرية حيث يجوز للدول الأعضاء في منظمة التجارة العالمية فرض قيود كمية علي وارداتها لحماية ميزان المدفوعات فضلا عن الاسراع بترشيد الاعفاءات الجمركية والحد من التهريب واعادة النظر في بعض الأنظمة الجمركية الخاصة كنظامي السماح المؤقت والمناطق الحرة وتجارة الترانزيت وكلها تمثل منبعا لعمليات تهريب الي الداخل المصري ومن الضروري اعادة النظر في مستويات الرسوم الجمركية الحالية وجعلها مستويات حامية للمنتجات الوطنية واحدي الوسائل التعريفية للحد من الواردات…كما أنه يتعين مراجعة اتفاقيات مناطق التجارة الحرة مع الدول الأعضاء في تلك المناطق وتطبيق مبدأ المعاملة بالمثل علي صادراتها الي مصر حال فرض هذه الدول رسوما جمركية علي الصادرات المصرية اليها…هذا ما يتعلق بالجانب الخاص بالميزان التجاري المصري ودوره في سعر الصرف..وذلك لا يعني أنه ليس هناك سياسات أخري خاطئة تسهم في تلك الأزمة التي يعاني منها الاقتصاد المصري والتي تحتاج بالقطع التي اعادة النظر في السياستين النقدية والمالية.وترشيد اسخدام القروض والمنح وترشيد أنفاق البعثات البلوماسية والقنصلية وغيرها من الملحقيات بالسفارات كمكاتب التمثيل التجاري والعمالي والثقافي.أيضا اعادة النظر في صناديق الدعم التي لم تحقق بعد أية ميزات أسهمت في زيادة الصادرات كصندوق دعم الصادرات هذا الكيان الذي خلق لمجموعة من رجال الأعمال المصدرين دون فائدة تعود علي المستحق الرئيسي من المنتجين والزراع…..

المطلوب إرادة سياسية .. وعدالة اجتماعية توزع العبء على طبقات المجتمع المصري .. لا يتحمل فيه الفقراء العبء كله في حين يعفي الأغنياء من ذلك .. لم يعد هناك أمام مصر غير الاعتماد على قدراتها الذاتية لإنقاذ مجتمع عصفت به سياسات كانت خاطئة ومازالت علي خطئها وعود إلي الشروط التت حددها الإقتصاديون لنجاح أي سياسة لتخفيض قيمة العملة فإن مصر لن تححق أي نجاحات نتيجة للتخفيض فالفجوة بين الطلب علي العملات الأجنبية والمعروض منها ستظل واسعة واوالقول بأن الصادرات سترتفع هو وهم وزعم وعشم لا يختلف عن عشم إبليس في الجنة

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى