الدبلوماسية الأمريكية والتسويات الإقليمية: تحليل ملف العقوبات السوري في سياق مسارات السلام العربي-الإسرائيلي
U.S. Diplomacy and Regional Settlements: An Analysis of the Syrian Sanctions File within the Context of Arab–Israeli Peace Pathways

اعداد : الزهراء عبداللطيف عبدالله الجبري – علوم سياسية _ جامعة صنعاء_ اليمن
- المركز الديمقراطي العربي
ملخص:
تنطلق الدراسة من اعتبار العقوبات الاقتصادية اداة فاعلة في هندسة السلوك السياسي للدول، اذ تتجاوز وظيفتها الضغط الاقتصادي المباشر لتصبح وسيلة لإعادة توجيه القرار السيادي وتعديل انماط التحالف وفرض مسارات سياسية بديلة. وتظهر الحالة السورية بوضوح كيف جرى توظيف العقوبات الاقتصادية لإعادة تشكيل الدولة ومحيطها الإقليمي.
وقد كشفت الدراسة أن العقوبات الأمريكية على سوريا اتسمت بازدواجية في المعايير وانتقائية واضحة، إذ فرضت سياسيا بحسب مدى انسجام السلوك السوري مع المصالح الأمريكية، دون التزام بقواعد قانونية دولية موحدة، متجاهلة حالات مماثلة لدول حليفة، ما يبرز طبيعتها السياسية أكثر من كونها أداة قانونية.
ومع صعود النظام السوري الجديد، شهدت العقوبات تخفيفا تدريجيا في سياق انفتاح امريكي محسوب يعكس انتقال سوريا من موقع المواجهة الى موقع الوظيفة داخل المعادلة الاقليمية. ويفهم هذا التحول ضمن ادارة غير مباشرة لمراحل الفوضى السابقة، حيث جرى توظيفها مرحليا ثم احتواؤها لإعادة ترتيب البيئة الامنية والسياسية.
وفي هذا السياق، توضح الدراسة ان مسار تخفيف العقوبات واعادة توظيف سوريا سياسيا لا ينفصل عن الدبلوماسية الامريكية الهادفة الى انتاج تسويات اقليمية اوسع، حيث يندرج ملف العقوبات السوري ضمن مسار السلام الاسرائيلي العربي، بوصفه اداة تمهيدية لإعادة ضبط التوازنات وتهيئة بيئة التقارب.
وتبرز مؤشرات التقارب السوري الاسرائيلي من خلال تحييد نشاط الفصائل الفلسطينية داخل سوريا، والتحولات الواضحة في خطابات احمد الشرع التي تحدث فيها عن اعداء مشتركين بين سوريا واسرائيل، اضافة الى المواقف الجديدة من الترتيبات الامنية، بما يؤكد اندماج النظام السوري الجديد تدريجيا في مسار يخدم المشروع الاسرائيلي برعاية امريكية غير معلنة.
Abstract
The study begins by considering economic sanctions as an effective tool in shaping the political behavior of states, as their function goes beyond direct economic pressure to become a means of redirecting sovereign decisions, adjusting alliance patterns, and imposing alternative political paths. The Syrian case clearly demonstrates how economic sanctions were employed to reshape the state and its regional environment.
The study revealed that US sanctions on Syria were characterized by double standards and clear selectivity, imposed politically based on the alignment of Syrian behavior with US interests, without adherence to unified international legal norms, ignoring similar cases of allied states, highlighting their political rather than legal nature.
With the rise of the new Syrian regime, sanctions were gradually eased within the framework of a calculated US openness, reflecting Syria’s transition from a position of confrontation to a functional role within the regional equation. This shift is understood as part of an indirect management of previous phases of chaos, where they were employed temporarily and then contained to reorganize the security and political environment.
In this context, the study indicates that the process of easing sanctions and politically reintegrating Syria is inseparable from US diplomacy aimed at producing broader regional settlements. The Syrian sanctions file is thus part of the Israeli-Arab peace process, serving as a preliminary tool to recalibrate balances and prepare the environment for rapprochement.
Indicators of Syrian-Israeli convergence are evident in the neutralization of Palestinian faction activities within Syria, the noticeable shifts in Ahmad Al-Shar’’s speeches referring to shared enemies between Syria and Israel, and new positions on security arrangements, confirming the gradual integration of the new Syrian regime into a path that serves the Israeli project under unannounced US sponsorship.
- مقدمة:
شهد النظام الدولي منذ مطلع القرن الحادي والعشرين تحولات بنيوية عميقة أعادت صياغة أنماط القوة وأدوات التأثير في العلاقات الدولية، حيث تراجع الاعتماد على المواجهة العسكرية المباشرة لصالح أدوات أكثر تركيبا ومرونة، في مقدمتها الدبلوماسية الاقتصادية حيث برزت العقوبات الاقتصادية بوصفها إحدى أبرز أدوات السياسة الخارجية، والتي تستخدم كآلية استراتيجية لإعادة توجيه التفاعلات السياسية وضبط مواقع الدول داخل النظامين الإقليمي والدولي بما ينسجم مع مصالح القوى الكبرى.
وتعد السياسة الأمريكية تجاه سوريا نموذجا دالا على هذا النمط من التوظيف الاستراتيجي، إذ اتسم مسار العقوبات المفروضة عليها بطابع تراكمي ممتد تجاوز في كثير من مراحله الأهداف المعلنة المرتبطة بالردع أو الامتثال القانوني، ليتقاطع مع رهانات أوسع تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوة، وإدارة دوائر النفوذ، وضبط أدوار الفاعلين الإقليميين في سياق الصراع العربي–الإسرائيلي. وقد عكست هذه العقوبات، في بنيتها وتطورها، رؤية تقوم على دمج البعدين الاقتصادي والسياسي ضمن إطار دبلوماسي واحد، يدار من خلاله الضغط والانخراط معا، تبعا لمقتضيات المرحلة.
ومع التحولات السياسية التي أعقبت سقوط نظام بشار الأسد، دخلت المقاربة الأمريكية تجاه سوريا مرحلة جديدة اتسمت بإعادة توظيف أدوات العقوبات والانخراط المشروط في محاولة لإعادة ضبط موقع سوريا داخل النظام الإقليمي والدولي. وقد ترافقت هذه المرحلة مع مؤشرات سياسية ودبلوماسية تعكس تحولات في طبيعة العلاقة، وفتح مسارات محتملة لإعادة التموضع، بما في ذلك ما يتصل بإعادة تعريف موقع سوريا من ترتيبات الصراع العربي–الإسرائيلي ومتطلبات التسويات الإقليمية.
ومن هنا، فإن هذه الدراسة تسعى إلى تحليل الدبلوماسية الأمريكية بوصفها إطارا ناظما لتوظيف العقوبات الاقتصادية، وتتبع تطور استخدامها تجاه سوريا عبر مراحل زمنية مختلفة، للكشف عن دورها في إعادة تشكيل موقع الدولة السورية داخل النظام الإقليمي العربي، واستجلاء الكيفية التي جرى من خلالها الربط بين سياسة العقوبات ومؤشرات التقارب السوري–الإسرائيلي في مرحلة ما بعد سقوط النظام ضمن سياق أوسع لإدارة مسارات التسويات الإقليمية.
- مشكلة البحث:
تعد الدبلوماسية الأمريكية فاعلا محوريا في توجيه مسارات التسويات الإقليمية، خصوصا في ظل استمرار التوترات السياسية وتعقد الملفات الإقليمية بما في ذلك الصراع العربي–الإسرائيلي.
ومع رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا مؤخرا، وظهور مؤشرات لتقارب بين سوريا وإسرائيل يبرز دور الولايات المتحدة في توجيه سياسات الدول العربية بما يخدم مصالح إسرائيل ضمن مسارات التسوية الإقليمية.
وانطلاقا من هذا المعطى، تثار مشكلة البحث في السؤال الآتي: كيف وظفت الدبلوماسية الأمريكية رفع العقوبات عن سوريا كأداة سياسية لإعادة توجيه سلوك الدول العربية، بما يخدم المصالح الإسرائيلية، وانعكاس ذلك على مسارات التسويات الإقليمية في إطار عملية السلام العربي–الإسرائيلي.
وينبثق من التساؤل الرئيسي مجموعة من التساؤلات الفرعية :
- ما المقصود بالدبلوماسية ، وماهي أبرز أدوات السياسة الخارجية ، وكيف تستخدم العقوبات الاقتصادية كأداة لضبط سلوك الدول وتحقيق مصالح استراتيجية ضمن العلاقات الدولية؟
- كيف جرى توظيف العقوبات الأمريكية على سوريا عبر التاريخ كأداة استراتيجية لإعادة ضبط موقعها داخل النظام الإقليمي العربي، وما أثر ذلك على إعادة تشكيل موازين القوة المرتبطة بالصراع العربي–الإسرائيلي؟
- كيف أعادت الولايات المتحدة توظيف سياسة العقوبات والانخراط لإعادة ضبط موقع سوريا داخل النظام الإقليمي والدولي بعد سقوط نظام بشار الأسد، وما هي المؤشرات التي تظهر التقارب السوري–الإسرائيلي في هذا السياق؟
- الأهمية العملية:
تتمثل أهمية هذا البحث في تقديم تحليل معمق لكيفية استخدام الولايات المتحدة أدوات الدبلوماسية، وخصوصا العقوبات الاقتصادية وانتقائية تطبيقها، لفهم أثر هذه السياسات على موقع سوريا الإقليمي ومسارات التسويات الإقليمية، مما يثري الدراسات الأكاديمية ويوفر إطارا تحليليا يمكن الاستفادة منه في تقييم السياسة الأمريكية والعلاقات الدولية.
- منهجية البحث:
اعتمد البحث على المنهج الوصفي التحليلي، مع توظيف البعد التاريخي لتتبع تطور العقوبات المفروضة على سوريا وتحليل سياقاتها السياسية والدولية .
- تقسيمات الدراسة:
تنقسم هذه الدراسة إلى مقدمة وثلاثة محاور رئيسية . تتمثل المقدمة في عرض مشكلة الدراسة وأهميتها والمنهج المعتمد في تحليلها، و يتناول المحور الأول الإطار المفاهيمي والنظري للدبلوماسية وأدوات السياسة الخارجية، من خلال تعريف الدبلوماسية واستعراض أبرز أدوات السياسة الخارجية في العلاقات الدولية، مع التركيز على العقوبات الاقتصادية بوصفها أداة سياسية تستخدم لضبط سلوك الدول وتحقيق مصالح استراتيجية داخل النظام الدولي.
ويركز المحور الثاني على البعد التاريخي والاستراتيجي للعقوبات الأمريكية على سوريا، عبر تتبع مسارها التاريخي منذ نشأتها الأولى، وتحليل كيفية توظيفها لإعادة ضبط موقع سوريا داخل النظام الإقليمي العربي، وما ترتب على ذلك من إعادة تشكيل لموازين القوة المرتبطة بالصراع العربي–الإسرائيلي.
أما المحور الثالث فيتناول التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية تجاه سوريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام بشار الأسد، من خلال تحليل سياسة الجمع بين رفع العقوبات والانخراط الدبلوماسي، ودورها في إعادة إدماج سوريا ضمن النظامين الإقليمي والدولي، مع رصد مؤشرات التقارب السوري – الإسرائيلي ودلالاتها السياسية والاستراتيجية على مسارات التسويات الإقليمية.
- الإطار النظري للدبلوماسية وأدوات السياسية الخارجية الأمريكية:
2-1 مفهوم الدبلوماسية:
يعود أصل مصطلح الدبلوماسية إلى الكلمة اليونانية دبلوم ، والذي تعني “يطبق” أو “يطوي”( خلف، النظرية والممارسة،ص٤٥ )، في إشارة إلى الوثيقة أو الشهادة الرسمية التي كانت تطوى على نحو محدد يمنحها طابع الاعتماد. وقد استخدم هذا اللفظ في الدولة اليونانية القديمة للدلالة على الوثيقة الرسمية التي يصدرها أصحاب السلطة وتمنح لحاملها امتيازات معينة ( السامرائي، الدبلوماسية، ص ٤٢)، بحيث تعد إذنا يسمح له بتمثيل السلطة خارج حدودها. ومع تطور التنظيم السياسي والإداري في الحضارات اللاحقة، اكتسب المصطلح بعدا أوسع، وانتقل تدريجيا من معنى الوثيقة المعتمدة إلى الدلالة على المهام التي تمنح للرسل، ثم إلى المعنى المؤسسي المتعلق بإدارة العلاقات بين الكيانات السياسية.
أما في الاصطلاح فقد تعددت تعريفات الدبلوماسية باختلاف الباحثين والكتاب الذين تناولوا تطورها ودورها في العلاقات الدولية، فقد عرفها الدكتور سموحي فوق العادة في كتابه الدبلوماسية والبروتوكول بأنها “فن تمثيل الحكومة، ورعاية مصالح البلاد لدى الحكومات الأجنبية، والسهر على أن تكون حقوق البلاد مرونة وكرامتها محترمة في الخارج، وإدارة الأعمال الدولية بتوجيه المفاوضات السياسية ، ومتابعة مراحلها وفقا للتعليمات المرسومة، والسعي لتطبيق القانون في العلاقات الدولية كيما تصبح المبادئ القانونية أساس التعامل بين الشعوب.” ( سموحي فوق العادة، البروتوكول والدبلوماسية، ص١)
وعرفها الدكتور وضاح زيتون في المعجم السياسي بأنها:
” علم وفن ممارسة التمثيل الخارجي بواسطة هيئة من الممثلين السياسيين تعرف بالسلك الدبلوماسي، وهي تشمل دراسة القانون الدولي العام والخاص وتاريخ وتطور العلاقات الدولية والمعاهدات والاتفاقات التي تنظم هذه العلاقات “( زيتون، المعجم السياسي، ١٦٧).
وانطلاقا من هذه التصورات التي قدمت تعرف هذه الدراسة الدبلوماسية تعريفا إجرائيا بوصفها: الآلية المؤسسية التي تعتمد عليها الدولة لإدارة علاقاتها الخارجية من خلال التفاوض، وتنسيق المواقف، وصياغة التحالفات، وتوظيف أدوات الضغط السياسية والاقتصادية بما يخدم أهداف سياستها الخارجية.
2-2 أدوات السياسية الخارجية الأمريكية:
تستند السياسة الخارجية لأي دولة إلى شبكة متكاملة من الأدوات والوسائل التي توظف لتوجيه سلوك الفاعلين الدوليين والتأثير في بيئاتهم السياسية والاقتصادية والأمنية. وفي الحالة الأمريكية تتفاعل هذه الأدوات ضمن إطار موحد يعكس توجهاتها العالمية واستراتيجياتها الدولية، وتتمثل في :
2-2-1 الأداة الدبلوماسية:
تشكل الدبلوماسية أداة مركزية في السياسة الخارجية الأمريكية، إذ تستخدم لإدارة التفاعلات الدولية من خلال التفاوض، التمثيل السياسي، وبناء التحالفات الثنائية والمتعددة الأطراف. كما توظف لتحقيق أهداف استراتيجية عبر ربط المكاسب الاقتصادية بسلوك الدول المستهدفة، بما يشمل التخفيف التدريجي للإجراءات الاقتصادية مقابل الالتزام بالمسارات التفاوضية المطلوبة.
ويمثل هذا النهج نقطة انطلاق لفهم كيفية توظيف واشنطن لأدواتها المختلفة في الملفات الإقليمية والدولية، وهو ما سنقوم بتحليله بشكل مفصل في المباحث القادمة ضمن سياق السياسة الخارجية الأمريكية وأدواتها الاستراتيجية.
2-2-2 الأداة الاقتصادية:
تتمثل الأداة الاقتصادية في السياسة الخارجية الأمريكية في المساعدات الاقتصادية المشروطة، الحصار الاقتصادي، والعقوبات المالية، حيث تستخدم هذه الأدوات بشكل متكامل لتحقيق النفوذ والتأثير على سلوك الدول المستهدفة ضمن إطار استراتيجي واسع يرتبط مباشرة بممارسات الدبلوماسية الأمريكية. فالمساعدات الاقتصادية المشروطة تُوظَّف كحافز لتشجيع الدول على تبني سياسات تتوافق مع مصالح واشنطن، من خلال ربط الدعم بتحقيق أهداف محددة مثل الإصلاحات الاقتصادية أو الالتزام بالمعايير الدولية.
في المقابل يمثل الحصار الاقتصادي وسيلة ضغط مباشرة تهدف إلى الحد من قدرة الدولة على الوصول إلى الموارد الأساسية والسلع والخدمات المالية والتجارية، كما حدث في العراق خلال التسعينيات، حيث أدى الحصار إلى إضعاف الاقتصاد والبنية التحتية، ويُستخدم أحيانًا لتوجيه سلوك الدول الأخرى وفق الأهداف الاستراتيجية الأمريكية، ما يبرزه كجزء من أدوات الضغط المترابطة مع القنوات الدبلوماسية.
أما العقوبات الاقتصادية والمالية، فتعتبر أداة ضغط قسري تفرض لتقييد أو تعديل سلوك الدول أو الأفراد المستهدفين، وتشمل تجميد الأصول، حظر الاستيراد والتصدير، وتقييد الوصول إلى النظام المالي الدولي. ومن الأمثلة المعاصرة، العقوبات المفروضة ضد النظام السوري السابق، الذي تصور سياسته من منظور واشنطن على أنها عدائية. وقد رُبط تقديم تسهيلات اقتصادية أو تخفيف القيود بالتزام النظام بالمسارات التفاوضية ووقف ما تصفه الولايات المتحدة بالأعمال العدائية، ما يعكس الطريقة التي تدمج بها واشنطن الضغط الاقتصادي ضمن استراتيجيتها الدبلوماسية.
2-2-3 الأداة العسكرية:
تعد الأداة العسكرية إحدى الركائز التقليدية للسياسة الخارجية، وتتمثل في توظيف القوة المسلحة، أو التهديد باستخدامها، كوسيلة لتحقيق أهداف سياسية خارج الحدود. ولا يقتصر حضور هذه الأداة على خوض الحروب المباشرة، بل يمتد ليشمل أشكالًا أكثر تنوعًا، مثل الانتشار العسكري، وبناء القواعد، والمناورات، والدعم العسكري للحلفاء، بما يمنح الدولة قدرة على الردع والتأثير وإعادة تشكيل موازين القوة دون الانزلاق دائمًا إلى المواجهة الشاملة.
2-2-4 الأداة الدعائية:
تعد الأداة الدعائية من الأدوات الناعمة والمكملة للسياسة الخارجية، وتتمثل في توظيف الخطاب الإعلامي والثقافي والسياسي للتأثير في وعي الرأي العام الخارجي، وصناعة تصورات إيجابية أو سلبية تخدم أهداف الدولة الاستراتيجية، ولا تقتصر هذه الأداة على الترويج المباشر للمواقف الرسمية، بل تشمل إعادة صياغة السرديات، وانتقاء المفاهيم، وتوجيه الاهتمام الدولي نحو قضايا بعينها، بما يضفي شرعية أخلاقية أو إنسانية على السياسات المتبعة، ويخفف من كلفة القرارات الصلبة كالعقوبات أو التدخلات غير المباشرة.
2-3 العقوبات الاقتصادية كوسيلة للضغط السياسي:
تعد العقوبات الاقتصادية إحدى أبرز الوسائل القسرية غير العسكرية في العلاقات الدولية، إذ تعتمد عليها الدول والمنظمات الدولية للتأثير في سلوك الفاعلين الدوليين من دون اللجوء إلى القوة الصلبة. وتقوم هذه الأداة على فرض قيود تعيق قدرة الدولة المستهدفة على الوصول إلى الموارد المالية والتجارية والتكنولوجية، بما يؤدي إلى خلق بيئة اقتصادية ضاغطة تُجبرها على إعادة النظر في سياساتها أو تغيير مواقفها الخارجية.
وتتنوع العقوبات الاقتصادية في طبيعتها وحدتها، فبعضها يتخذ شكل قيود محدودة على قطاعات معينة، فيما يمتد بعضها الآخر ليشمل حصارا واسعا يطال التجارة والاستثمار والتحويلات المالية. وقد تأتي العقوبات بشكل فردي تفرضه دولة واحدة، أو جماعي في إطار مؤسسات دولية كالأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي.
وتعرف على أنها: “إجراءات اقتصادية دولية تفرضها دولة أو مجموعة دول أو منظمات دولية بصورة قسرية ضد دولة قامت بانتهاك يهدد السلم والأمن الدوليين من أجل إرغام الدول المستهدفة على تغيير سلوكها” ( حجازين،2021) .
وتجدر الإشارة إلى أن الدول قد تلجأ إلى استخدام العقوبات الاقتصادية بشكل انتقائي لتحقيق مصالحها السياسية والاستراتيجية، وفي هذا الإطار تتمتع الدول ذات النفوذ الاقتصادي الأكبر بقدرة أكبر على فرض هذه العقوبات ورفعها، مستفيدة من موقعها في النظام المالي العالمي وسيطرتها على الأسواق الدولية، ما يمنحها تأثيرا أوسع على سلوك الفاعلين الدوليين مقارنة بالدول الأخرى.
ورغم ذلك تظهر التجارب الدولية أن العقوبات ليست دائما أداة فعالة لتحقيق التغيير السياسي الذي تستهدفه القوى الفارضة. فهناك دول على الرغم من تعرضها لعقوبات قاسية أصابت قطاعاتها الحيوية استطاعت الصمود لفترات طويلة دون أن تنحرف عن خياراتها الاستراتيجية أو أن تقدم التنازلات التي كانت العقوبات تهدف لانتزاعها. هذا الصمود لا يعني أن الضرر كان بسيطا، بل يكشف أن بعض الدول تتعامل مع العقوبات باعتبارها امتدادا للصراع السياسي، فتعيد ترتيب أدواتها الاقتصادية والعلاقات التي تحيط بها بما يقلص من قدرة الضغوط الخارجية على التحكم في مسارها.
وتبرز الحالة الإيرانية مثالا واضحا في هذا السياق؛ إذ واجهت إيران عقوبات معقدة استهدفت مواردها الأساسية وأسواقها العالمية، ومع ذلك استطاعت تطوير شبكات توريد بديلة، وتعزيز صناعات محلية لتقليل الاعتماد على الخارج، كما استحدثت آليات مالية وتجارية تسمح بالالتفاف الجزئي على القيود المفروضة عليها. ورغم استمرار الآثار الاقتصادية الثقيلة، فإن هذه السياسات مكنت الدولة من الحفاظ على موقفها السياسي العام، وإبقاء توجهاتها الإقليمية دون تغيير جذري (صفر ، ٢٠٢٥).
وتدل هذه التجربة وغيرها على أن تأثير العقوبات لا يعتمد على مستوى شدتها فقط، بل يرتبط بقدرة الدولة المستهدفة على إيجاد بدائل داخلية وخارجية، وبمدى تماسك بنيتها السياسية، وقدرتها على تحويل الضغط الاقتصادي إلى مساحة للمناورة .
وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأكثر قدرة على توظيف العقوبات الاقتصادية كأداة فعالة للتأثير على سياسات الدول وسلوكها، وذلك بفضل موقعها المتقدم في هياكل العولمة الحديثة ( مصطفى، ٢٠١٤)، فسيطرتها على النظام المالي الدولي، واعتماد العالم على الدولار إلى جانب هيمنتها على الشبكات التجارية العالمية والشركات متعددة الجنسيات، تمنحها قوة اقتصادية وتأثيرا سياسيا يفوق قدرات أي دولة أخرى، وهذا يجعل العقوبات الأمريكية أداة ضغط استراتيجية ذات أثر واسع على صعيد السياسات الدولية.
- العقوبات الأمريكية على سوريا وأبعادها:
3-1 خلفية العقوبات الأمريكية على سوريا: أهدافها وأثرها على النظام السوري والدول الإقليمية:
ظلت العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا منذ نشأتها الأولى وحتى تعقيداتها الراهنة، إحدى أكثر أدوات السياسة الخارجية الأمريكية تعبيرا عن تحولات مقاربتها الاستراتيجية تجاه الدول غير المنسجمة مع رؤيتها للنظام الإقليمي والدولي. فمنذ إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979 (U.S. Department of State, 1979/2025)، فرضت على دمشق قيود مبكرة، إلا أن هذه الإجراءات بقيت لعقود محكومة بمنطق الاحتواء الجزئي وضبط السلوك دون أن ترتقي إلى مستوى الاستهداف الشامل للبنية الاقتصادية أو العزل الكامل للدولة السورية عن محيطها الدولي.
غير أن التحولات الجيوسياسية العميقة التي شهدها النظام الدولي مطلع الألفية الجديدة، ولا سيما في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 والحرب الأمريكية على العراق عام 2003، دفعت واشنطن إلى إعادة تعريف أدوات الضغط وحدودها متحولة من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية ضغط استباقي أكثر صراحة وحدة. وفي هذا السياق تبلور التصعيد الأمريكي تجاه دمشق مع صدور قانون محاسبة سوريا واستعادة سيادة لبنان لعام 2003 (Congress.gov, 2003)، الذي شكل نقطة انعطاف حاسمة في المقاربة الأمريكية للملف السوري، عبر نقل العلاقة من إدارة الخلاف السياسي إلى تأطير الصراع ضمن منظومة قانونية- عقابية قابلة للتفعيل والتصعيد.
وفي هذا الإطار، جاء قانون محاسبة سوريا بوصفه الأداة التشريعية التي أعادت تأطير التوتر البنيوي بين الطرفين في قالب قانوني قابل للتنفيذ، إذ حمل القانون حزمة من الذرائع المتداخلة، شملت النفوذ العسكري والسياسي السوري في لبنان، ودعم فصائل تصنفها الولايات المتحدة “إرهابية”، واتهام دمشق بتسهيل عبور مقاتلين إلى العراق، وهي ملفات جرى دمجها في سردية واحدة قدّمت سوريا بوصفها مصدر تهديد إقليمي متعدد الأبعاد. وعلى الرغم من أن القانون، إلى جانب الأمر التنفيذي رقم 13338 الصادر عام 2004 (The White House, 2004)، استندا رسميا إلى جملة من المبررات القانونية والأمنية، فإن القراءة التحليلية لمسارهما تكشف أن هذه المبررات لم تكن سوى غطاء تشريعي لسياسة استهدفت في جوهرها المواقف الاستراتيجية السورية التي تعارضت بصورة مباشرة مع الرؤية الأمريكية لإعادة تشكيل الإقليم بعد عام 2001.
وقد أسس هذا الانتقال من الضغط الرمزي إلى الضغط الهيكلي لإطار عقابي واسع مستهدفا الموقع السياسي لسوريا داخل منظومة التوازنات الإقليمية. ففي جوهر هذا التصعيد تمسكت دمشق بموقعها خارج مشروع إعادة هندسة العراق سياسيا وأمنيا بعد الغزو الأمريكي، وامتنعت عن منح شرعية إقليمية للاحتلال، كما حافظت على علاقات وثيقة مع فاعلين صنفتهم واشنطن خارج النظام الإقليمي المرغوب، وفي مقدمتهم حزب الله وفصائل المقاومة الفلسطينية، وبالتوازي واصلت سوريا تبني خطاب رافض لمسارات التسوية الأمريكية في الصراع العربي–الإسرائيلي، وامتنعت عن الانخراط في مشاريع تطبيع إقليمي كانت الولايات المتحدة تسعى إلى تعميمها بوصفها مدخلا لإعادة ترتيب موازين القوة في الإقليم.
وقد شكلت هذه المواقف مجتمعة، أساس التوتر بين الطرفين، بصورة تفوق في وزنها الذرائع المعلنة المرتبطة بملفات جزئية أو أحداث ظرفية. وفي هذا الإطار جرى توظيف الوجود السوري في لبنان حتى عام 2005 بوصفه المدخل الأكثر قابلية للتسويق القانوني والدولي لممارسة الضغط على دمشق، حيث قدم باعتباره انتهاكا للسيادة اللبنانية وعقبة أمام الاستقرار الإقليمي. غير أن هذا التوصيف، عند وضعه في سياق إقليمي أوسع يكشف عن انتقائية واضحة في تطبيق معيار السيادة؛ إذ لم يكن التدخل خارج الحدود سببا كافيا بحد ذاته لفرض العقوبات، بقدر ما كان موقع الدولة المعنية من المشروع الأمريكي لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية هو العامل الحاسم في تحديد مستوى ونوع الاستجابة العقابية.
ويتجلى الطابع الانتقائي لهذا النهج عند مقارنته بحالة تركيا التي منذ عام 2011 انخرطت في تدخل عسكري مباشر عبر الحدود داخل الأراضي السورية (البدري، مصطفى، 2025)، متجاوزة الإطار الدبلوماسي إلى استخدام القوة الصلبة، عبر عمليات عسكرية متكررة، ودعم فصائل مسلحة، وفرض وقائع ميدانية أحادية الجانب في الشمال السوري، ورغم تشابه أنماط السلوك من حيث التدخل العسكري والتأثير الإقليمي، فإن شدة الرد الأمريكي تجاه أنقرة بقيت محدودة، وهو ما يعكس أن معيار العقوبة لم يكن طبيعة الفعل بحد ذاته، بل درجة توافق الدولة المعنية مع المنظومة الاستراتيجية الأمريكية.
بلغ هذا المسار التصاعدي نقطة تحول إضافية عام 2011 مع اندلاع الاحتجاجات الداخلية في سوريا، حيث اتجهت الولايات المتحدة إلى فرض حزمة واسعة من العقوبات تجاوزت في نطاقها وتركيبها ما صدر سابقا. وقد قدمت هذه العقوبات بوصفها استجابة لقمع الاحتجاجات، وهو السبب المعلن الذي شكل الغطاء القانوني والدبلوماسي للأوامر التنفيذية 13572 و13573 و13582 (U.S. Department of the Treasury, 2011)، والتي استهدفت رأس النظام وعددا من المسؤولين، إضافة إلى مؤسسات اقتصادية وقطاعات حيوية، وعلى رأسها النفط والتحويلات المالية.
غير أن الدافع الجوهري لهذه المرحلة ظل مرتبطا بإعادة رسم ميزان القوى الإقليمي. فقد رأت واشنطن في أحداث 2011 فرصة استراتيجية لإضعاف مركز الثقل السوري الذي طالما شكل نقطة إسناد لمحاور سياسية وأمنية خارجة عن نطاق النفوذ الأمريكي، ولا سيما في لبنان والعراق، وفي إطار تحالفه مع إيران ورفضه الانخراط في أي صياغة أمريكية للمنطقة. ولذلك لم تقتصر العقوبات على شخصيات سياسية، بل امتدت لتطال قطاعات اقتصادية تمثل ركائز الصمود وإعادة التماسك الداخلي.
وتطورت هذه السياسة لاحقا إلى مرحلة أكثر شمولا وصرامة مع إقرار قانون قيصر لحماية المدنيين السوريين، الذي صدر في ديسمبر 2019 ضمن قانون تفويض الدفاع الوطني الأمريكي، وبدأ تطبيقه العملي في يونيو 2020، ممثلا الذروة التشريعية لهذا المسار العقابي. وقد استمدت تسمية القانون من الاسم المستعار لمصور عسكري انشق عن النظام وسرب آلاف الصور من مراكز الاحتجاز (الجزيرة، 2020)، وهو ما وفر غطاء أخلاقيا وتشريعيا لتوسيع نطاق العقوبات وربطها بخطاب إنساني يبرر تشديدها وتدويل آثارها.
وبينما اعتمدت عقوبات 2011 على أوامر تنفيذية مرنة تستهدف أفرادا ومؤسسات محددة، أعاد قانون قيصر تعريف العقوبة ذاتها محولا إياها إلى إطار قانوني ملزم يؤسس لحصار اقتصادي واسع النطاق يطال بنية الدولة السورية ومحيطها الإقليمي والدولي في آن واحد. فقد وسع القانون دائرة الاستهداف لتشمل كل شخص أو كيان أجنبي يقدم دعما ماليا أو تقنيا أو استثماريا في قطاعات حيوية، ولا سيما الطاقة والبنية التحتية والطيران والمصارف (congress, gov, n.d ) ، مانحا الولايات المتحدة قدرة غير مسبوقة على ضبط سلوك الفاعلين الدوليين تجاه الملف السوري عبر عقوبات عابرة للحدود.
وعلى المستوى الخطابي، استمر تقديم هذه العقوبات بوصفها أدوات لحماية المدنيين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات غير أن بنيتها العملية تكشف عن هدف أعمق يتمثل في منع أي تعاف اقتصادي قد يعيد لسوريا هامشا من الاستقلال السياسي أو يتيح لها إعادة الاندماج الإقليمي. كما أن توقيت إقرار قانون قيصر لم يرتبط بتصعيد ميداني مباشر، بقدر ما جاء استجابة لمخاوف أمريكية من مرحلة استقرار نسبي بدأت تتشكل منذ عام 2016 بعد التدخل العسكري الروسي وما قد يرافقها من إعادة تموضع إقليمي خارج الشروط المفروضة.
وبذلك يمكن النظر إلى العقوبات الأمريكية على سوريا في مجملها، بوصفها أداة استراتيجية طويلة الأمد لا تهدف إلى إدارة أزمة عابرة، بل إلى ضبط مآلاتها ومنع تحولها إلى تسوية إقليمية لا تنسجم مع الرؤية الأمريكية لموازين القوة في المنطقة.
3-2 تأثير العقوبات على العلاقات العربية الإسرائيلية:
تفهم العقوبات الأمريكية على سوريا، عند مقاربتها من زاوية العلاقات العربية –الإسرائيلية، بوصفها أداة استراتيجية لإعادة تشكيل ميزان القبول والرفض داخل النظام الإقليمي العربي، لا مجرد رد على سياسات محددة. فمنذ نشوء النظام الإقليمي بعد حرب 1948، احتلت سوريا موقعا فريدا بوصفها دولة مواجهة لم تدمج في ترتيبات التسوية التي هدفت واشنطن من خلالها إلى ضمان أمن إسرائيل وتثبيت شرعيتها الإقليمية. هذا الموقع جعل دمشق خارج منطق الإدارة الأمريكية للصراع، وداخل منطق الاحتواء والإضعاف، حيث تقاس الدولة بما إذا كانت تعيق أو تدعم المشروع الأمريكي – الإسرائيلي، وليس بما إذا انتهكت قواعد دولية مجردة.
وتتضح وظيفة العقوبات التحيزية عندما نحلل آليات القوة والتأثير، فكل خطوة في السياسة الأمريكية تجاه سوريا تستهدف الحد من قدرتها على إدارة نفوذها في لبنان وفلسطين، وإضعاف محور المقاومة الذي يعيق توسيع دائرة التطبيع، وإعادة ترتيب أولويات الدول العربية بما يخدم المشروع الأمريكي – الإسرائيلي.
وتبرز أولى هذه العقوبات وأهمها من حيث البعد الاستراتيجي في إدراج سوريا على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1979 الذي جاء متزامنا مع معاهدة السلام العربية الإسرائيلية . هذا القرار لم يكن مجرد إجراء قانوني، بل أداة حاسمة لإرسال رسالة سياسية مفادها أن أي دولة ترفض الانخراط ضمن الترتيبات التي ترعاها واشنطن ستكون عرضة لإجراءات استنزاف طويلة الأمد، اقتصادية وسياسية. كما يؤكد هذا الإجراء المنهج الانتقائي الذي تتبعه الولايات المتحدة فالدول التي تؤدي دورا حيويا ضمن المنظومة الأمريكية أو هي حليفة لإسرائيل تعامل بمرونة في حين أن أي مقاومة تقابل بالضغط المستمر مؤكدا أن السياسية تعلي مصالح إسرائيل.
من هذا المنطلق، يمكن اعتبار عقوبة عام 1979 نقطة ارتكاز لتفسير كل العقوبات اللاحقة، إذ وضعت نموذجا واضحا للانتقائية الأمريكية فأي سلوك معارض يتحول إلى مبرر لإجراءات شاملة وطويلة الأمد، بينما تحول الممارسات المماثلة لدول حليفة إلى شرعية وظيفية، تؤكد أن معيار العقوبة ليس السلوك ذاته بل موقع الدولة في الاستراتيجية الإقليمية الأمريكية –الإسرائيلية.
- رفع العقوبات والسياسية الأمريكية في سياق التهدئة السورية _ الإسرائيلية:
4-1 دوافع رفع العقوبات على سوريا:
في٨ ديسمبر ٢٠٢٤، وبعد أكثر من ثلاثة عشر عاما على انطلاق الثورة السورية في فبراير 2011، والتي بدأت في مدينة درعا قبل أن تمتد إلى مختلف المحافظات سقط نظام بشار الأسد منهكا بفعل سنوات من الصراعات الداخلية والتحولات الإقليمية والدولية. هذه الثورة التي أودت بحياة مئات الآلاف وأجبرت الملايين على النزوح، كانت جزءا من شبكة معقدة من التحالفات والتدخلات الدولية، حيث لعبت قوى عالمية مثل روسيا والولايات المتحدة أدوارا متعددة، من دعم مجموعات محددة أو ممارسة ضغوط اقتصادية ودبلوماسية، إلى استغلال الانقسامات الداخلية لتحقيق مصالح استراتيجية في المنطقة.
وفي أعقاب هذا السقوط، وفي ظل غياب إطار دستوري فاعل أو مسار انتقالي متوافق عليه، أعلن عن صعود أحمد الشرع رئيسا للمرحلة الانتقالية، في خطوة عكست طبيعة اللحظة السياسية التي أفرزها انهيار السلطة المركزية أكثر مما عكست انتقالا مؤسسيا منظما. لم يأت هذا الإعلان نتيجة عملية انتخابية أو توافق وطني شامل، بل جاء استجابة لفراغ سياسي وأمني واسع حيث فرض الواقع القسري للقوة والقدرة على الإمساك بمفاصل القرار نفسه، في بلد أنهكته الحرب الطويلة واستنزفته الانقسامات.
وقد ارتبط هذا الإعلان بسياق داخلي وخارجي متداخل؛ ففعليا كان ما فرض صعود الشرع هو توازنات القوة على الأرض التي أعطته موقع السيطرة، أكثر من كونه خيارا شعبيا أو توافقا سياسيا. أما على المستوى الخارجي فقد تزامن الإعلان مع درجة من القبول الدولي في ظل تحول خطاب الشرع في الفترة الأخيرة نحو لغة أكثر انفتاحا على الغرب والولايات المتحدة، بعد أن كان مرتبطا بتيارات جهادية، بما فيها تنظيم القاعدة. شرع أحمد الشرع منذ عام 2020 في الانفتاح على الخارج، حيث بدأ بالتواصل مع الغرب بلغة تتسم بالمرونة، وأجرى مقابلات إعلامية من بينها مع مجموعة الأزمات الدولية، مؤكدا أن سوريا لن تستخدم كمنصة لمهاجمة الخارج، وأن القتال سيقتصر على الأسد وحلفائه. واستمر هذا التحول في عام 2021 حين ظهر في مقابلة مع الصحفي الأميركي مارتن سميث مرتديا بدلة رسمية بدل بدلته العسكرية السابقة، ما ساهم في إعادة تعريف موقفه السياسي وزيادة القبول الدولي والغربي به ( الجزيرة، ٢٠٢٥).
في هذا المناخ السياسي الجديد الذي تشكل عقب انهيار النظام السابق وصعود قيادة جديدة تختلف رؤيتها عن رؤية النظام السابق تجاه الغرب، لم يعد الملف السوري يدار دوليا بالمنطق ذاته الذي حكم سنوات الصراع مع سلطة بشار الأسد. فسقوط النظام أنهى الإطار السياسي الذي بنيت عليه سياسة العزل والعقوبات الشاملة، وفتح المجال أمام إعادة تقييم أدوات التعامل الدولي مع سوريا. ومن هنا برز ملف العقوبات الأمريكية بوصفه إحدى أولى القضايا التي أعادت واشنطن مقاربتها لا باعتباره إجراء اقتصاديا معزولا، بل كجزء من إعادة ضبط العلاقة مع واقع سياسي جديد منفتح عليها.
ففي الثالث عشر من مايو 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال زيارته للسعودية عن نيته رفع جميع العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، في خطوة فاجأت العديد من الجهات الإقليمية، وينظر إليها على أنها تهدف إلى دعم إعادة بناء الدولة السورية بعد أكثر من ثلاثة عشر عاما من الحرب والدمار ( رويترز، ٢٠٢٥) . هذا الإعلان مثل الإشارة السياسية الأولى لتحول رسمي في مواقف واشنطن ، وأعقبه انتقال من التصريحات إلى الإجراءات التنفيذية.
وفي مايو 2025، أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية الترخيص العام رقم (GL-25) الخاص بسوريا، في خطوة هدفت إلى التطبيق العملي والفوري لقرار الرئيس الأمريكي برفع العقوبات المفروضة عليها. وقد أجاز الترخيص إجراء معاملات مالية وتجارية كانت محظورة سابقا، بما في ذلك الاستثمارات الجديدة، وتقديم الخدمات المالية، والمعاملات المرتبطة بقطاع النفط .
وفي المقابل أكدت وزارة الخزانة الأمريكية أن تخفيف العقوبات لا يعني رفع القيود بصورة مطلقة، إذ جرى التأكيد على عدم تقديم أي دعم للمنظمات الإرهابية أو للأفراد المتورطين في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من وجهة نظر الولايات المتحدة، مع الإبقاء على آليات المراقبة والمتابعة للتطورات السياسية والأمنية في سوريا. ويعد الترخيص العام رقم (GL-25) خطوة أولى ضمن مسار أوسع لإعادة صياغة سياسة العقوبات الأمريكية، والانتقال من نموذج العزل الشامل إلى مقاربة الضبط المرحلي المشروط في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق (U.S. Department of the Treasury, 2025) .
جاء التحول الأوضح في السياسة الأمريكية تجاه سوريا في الثلاثين من يونيو 2025، حين وقع الرئيس الأمريكي أمرا تنفيذيا أنهى برنامج العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا، عبر إلغاء سلسلة من الأوامر التنفيذية السابقة التي شكلت الإطار القانوني للعقوبات منذ عام 2004، وتحديدًا الأمر التنفيذي رقم 13338 الصادر في 11 مايو 2004، بالإضافة إلى أوامر تنفيذية أخرى صدرت بين 2006 و2011، والتي أسست نظام العقوبات الاقتصادية الأمريكية الشاملة على الدولة السورية. وقد نص الأمر التنفيذي الجديد صراحة على إنهاء حالة الطوارئ الوطنية المتعلقة بسوريا وإلغاء الأوامر التنفيذية السابقة، مع الإبقاء على إطار يسمح بفرض عقوبات انتقائية على أفراد وكيانات محددة لأسباب تتعلق بالإرهاب أو الاتجار غير المشروع أو زعزعة الاستقرار الإقليمي. ودخل هذا القرار حيز التنفيذ رسميا اعتبارا من الأول من يوليو 2025، ما مثل نهاية قانونية للهيكل الأساسي لنظام العقوبات الاقتصادية العامة المفروضة على الدولة السورية (U.S. Department of the Treasury, 2025).
ولم تكتمل هذه العملية المؤسسية إلا في أواخر أغسطس 2025، حين أصدر مكتب مراقبة الأصول الأجنبية القاعدة النهائية لإزالة لوائح العقوبات السورية (31 CFR Part 542) من مدونة اللوائح الفيدرالية، في خطوة اعتبرت الإجراء القانوني الأخير لإنهاء البنية التنظيمية للعقوبات الاقتصادية العامة المفروضة على سوريا مع الإبقاء على عقوبات انتقائية ضد أطراف أخرى، بما في ذلك بشار الأسد وبعض الجهات الفاعلة الإقليمية ، وذلك بعد أن أصبح البرنامج غير سار اعتبارا من 1 يوليو 2025 بفضل الأمر التنفيذي الصادر في 30 يونيو 2025 (U.S. Department of the Treasury, 2025).
كما شهدت الأشهر اللاحقة، وتحديدا خلال نوفمبر وديسمبر 2025، رفع عقوبات عن شخصيات ذات وزن سياسي، في سياق دولي أوسع شمل قرارات أممية وخطوات متزامنة من الولايات المتحدة لإعادة فتح قنوات التعامل الدبلوماسي مع السلطة الجديدة في سوريا، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من سياسة العزل إلى الانخراط المشروط (Massoud, 2025).
وقد تبلورت هذه التحولات في زيارات رمزية مثل زيارة أحمد الشرع للبيت الأبيض، التي مثلت مؤشرا على استعادة الثقة والتواصل المباشر بين واشنطن والقيادة السورية الجديدة. كما جاء رفع عقوبات “قيصر” بالكامل ليؤكد بشكل ممنهج التحول من سياسة العزلة التامة إلى سياسة الانخراط كما ذكر سلفا ، مما يهيئ الأرضية ويضع أسسا سياسية واقتصادية قد تسهل مستقبلا الحوار أو التفاهمات مع إسرائيل في إطار مسار التطبيع السوري – الإسرائيلي.
أما على مستوى الأسباب التي أعلنتها الولايات المتحدة لتبرير هذا التحول، فقد أكدت واشنطن أن العقوبات السابقة كانت مرتبطة مباشرة بنظام بشار الأسد، وأن سقوط هذا النظام غير الإطار السياسي الذي فرضت في ظله، ما جعل استمرار العقوبات بصيغتها القديمة غير مبرر سياسيا ولا عمليا، كما أدعى الرئيس الأمريكي في أكثر من تصريح له على أن الهدف من رفع العقوبات هو منح سوريا فرصة للتقدم والاستقرار، وفتح صفحة جديدة بعد سنوات من العزلة.
استنادا إلى هذا السياق الرسمي، ومن خلال تحليل المسار السياسي والاقتصادي المتعلق بمرحلة ما بعد سقوط النظام السابق، يمكن استنتاج تقسيم القرار الأمريكي وتحليله إلى أربعة أبعاد رئيسية تتمثل في:
البعد الأول: إعادة تعريف (المقبول سياسيا).
لم يكن رفع العقوبات الأمريكية عن سوريا تعبيرا عن مكافأة سياسية، ولا اعترافا كاملا بالسلطة الانتقالية الجديدة، بقدر ما مثل إعادة ترسيم دقيقة لحدود الشرعية السياسية المقبولة دوليا. فقد تعاملت الولايات المتحدة مع صعود أحمد الشرع بوصفه واقعا فرضته نهاية النظام السابق، لا بوصفه نتاج مسار انتخابي أو توافق وطني مؤسسي. ومنذ اللحظة الأولى سعت واشنطن إلى ضبط هذا الواقع عبر رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشرعية في مرحلة ما بعد الصراع لم تعد تبنى على صناديق الاقتراع وحدها، بل على قابلية السلطة الجديدة للتكيف مع قواعد النظام الدولي القائم.
في هذا السياق عمل رفع العقوبات كإشارة تنظيمية لا كقرار نهائي مفادها أن المرحلة الانتقالية تعد مقبولة سياسيا طالما بقيت ضمن إطار غير تصادمي مع المصالح الغربية، واحترمت الخطوط العامة للسلوك الدولي المتوقع من الدول الخارجة من النزاعات. وبهذا المعنى لم تمنح الشرعية، بل أُعيد تعريف شروطها.
البعد الثاني: الاقتصاد كأداة ضبط ومنع الانجراف شرقا.
ينظر إلى الاقتصاد في هذا السياق كأداة مركزية لإدارة التحول السياسي، فاستمرار العقوبات كان سيقود السلطة الجديدة إلى البحث عن بدائل خارج الدائرة الغربية، بما في ذلك تعميق العلاقة مع روسيا والصين، وهو مسار كان سيزيد من استقلالية سوريا عن الغرب ويعقد السيطرة على مسار الإصلاح. رفع العقوبات أتاح دمج الاقتصاد السوري جزئيا داخل النظام المالي العالمي، مع خلق شبكة اعتماد متبادل تمنع الانحراف السياسي الكبير دون انهيار كامل، ما يحقق ضبطا اقتصاديا وسياسيا محسوبا (Atlantic Council, 2025).
البعد الثالث: التقارب الإقليمي ومسار التطبيع غير المعلن.
لا يمكن فصل قرار رفع العقوبات عن السياق الإقليمي الأوسع، ولا سيما التحولات المرتبطة بإعادة ترتيب المنطقة العربية وما حولها خلال السنوات الأخيرة. ففي ظل تصاعد مسارات التقارب العربي–الإسرائيلي، وسعي الولايات المتحدة إلى إعادة هندسة التوازنات الإقليمية على قاعدة خفض الصراعات المفتوحة برز الملف السوري كحلقة لا يمكن تركها خارج هذا المسار العام.
ضمن هذا الإطار يفهم رفع العقوبات كخطوة تهيئ سوريا للاندماج التدريجي في بيئة إقليمية جديدة، تدار فيها الخلافات لا عبر المواجهة، بل عبر الاحتواء وإعادة التموضع. هذا البعد وإن لم يطرح صراحة في الخطاب الأمريكي، يظل حاضرا في خلفية القرار، ويرتبط بإعادة فتح قنوات التواصل، وتخفيف حدة العزلة، وإعادة إدخال سوريا في حسابات التوازن الإقليمي. وبسبب تشعبات هذا البعد وتعقيداته فإنه يستدعي معالجة مستقلة، سيجري التوسع فيها ضمن محور خاص سيتم التطرق إليها.
البعد الرابع: الضبط الانتقائي وإعادة هندسة العلاقة داخل النظام الدولي.
في بعد أكثر عمقا يندرج رفع العقوبات ضمن مسار استراتيجي أوسع لإعادة هندسة علاقة الولايات المتحدة بسوريا الجديدة داخل النظام الدولي. إذ ربطت واشنطن تخفيف القيود الاقتصادية بتوقع سلوك سياسي معين من السلطة الانتقالية، يقوم على الانضباط بالقواعد العامة للنظام الدولي، وعدم تبني سياسات تصادمية مع المصالح الغربية أو مع البنية المؤسسية للاقتصاد والسياسة العالميين.
4-2 أثر رفع العقوبات على مؤشرات التقارب بين سوريا وإسرائيل:
لم يكن النظام السوري السابق كيانا ملتبس التوجه في علاقته بالنظام الدولي؛ فقد تأسس منذ عقود على قاعدة قومية – دولتية صلبة جعلت من الصدام مع الولايات المتحدة والغرب جزءا من هويته السياسية. وعلى الرغم من البراغماتية التي وسمت بعض ممارساته ظل النظام في عهد حافظ وبشار الأسد خارج منطق الاحتواء الغربي، متمسكا بخطاب السيادة، ومعتمدا على تحالفات مضادة، ما جعل العقوبات أداة ثابتة في التعامل معه لا ورقة تفاوضية قابلة للتدوير.
في المقابل يطرح النظام الحالي بقيادة أحمد الشرع معادلة مختلفة جذريا. الرجل جاء من خلفية إسلامية جهادية، وارتبط في مراحل سابقة بتنظيم القاعدة، وصنف رسميا على قوائم الإرهاب الأمريكية. ووفق المنطق التقليدي للعلاقات الدولية كان يفترض أن تؤدي هذه الخلفية إلى قطيعة دائمة مع الغرب لا إلى مسار تدريجي من الانفتاح وتخفيف العقوبات. غير أن ما حدث سار في اتجاه معاكس لهذا التوقع، ما يفرض سؤالا تحليليا أعمق: هل تكمن المفارقة في الشرع ذاته أم في طبيعة العلاقة التاريخية بين الولايات المتحدة والتنظيمات الجهادية؟
للإجابة عن هذا السؤال لا بد من العودة إلى الجذور المتعلقة بتشكيل تنظيم القاعدة ، تشير الأدبيات التحليلية إلى أن تنظيم القاعدة لم ينشأ بوصفه ظاهرة معادية للغرب منذ لحظة التكوين، بل كنتاج غير مباشر لسياق الحرب الباردة في الثمانينيات، فقد تشكلت نواة التنظيم ضمن بيئة جهادية واسعة ضد القوات الأجنبية في أفغانستان.
في تلك المرحلة مثلت الحرب هدفا مركزيا في الاستراتيجية الأمريكية لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي، حيث أطلقت وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) برنامجا لدعم المجاهدين عبر التمويل والتسليح والتدريب، وتعاونت في ذلك مع أجهزة استخبارات محلية لعبت دور القناة الرئيسية لنقل الدعم .(Lumen Learning, n.d)، هذا الدعم لم يقتصر على مساعدات محلية فقط، بل ساهم في خلق شبكات تنظيمية وقنوات تعبئة بين المجاهدين الذين اكتسبوا خبرات قتالية وتنظيمية خلال الحرب الأفغانية، وتمكن هؤلاء المقاتلون من إعادة بناء هذه العلاقات في بيئات أخرى بعد الحرب، مما ساعد لاحقا على تطور تنظيمات جهادية مترابطة مثل تنظيم القاعدة وأذرعه الإقليمية (FBI, n.d) .
وتبعا لذلك، لا يمكن فهم التحول اللاحق لبعض الأفراد الذين وسعوا نطاق العنف العابر للحدود بوصفه انحرافا ذاتيا معزولا بل باعتباره نتيجة لسياسات قادتها الولايات المتحدة داخل النظام الدولي وأسهمت من خلالها في إنتاج هؤلاء الفاعلين سياسيا وأمنيا، فالدعم الذي وفرته واشنطن في أفغانستان في الثمانينيات لم يكن موجها إلى بناء حركات وطنية منضبطة أو هياكل قتالية قابلة للتفكيك لاحقا، بل انصب على تعبئة عسكرية – أيديولوجية فضفاضة، جرى في إطارها تغليب الهدف الجيوسياسي المرحلي المتمثل في استنزاف الاتحاد السوفيتي على أي اعتبارات أمنية مستقبلية. وقد صاحب ذلك غض طرف أمريكي ممنهج عن التداعيات بعيدة المدى لتكوين شبكات عابرة للحدود، طالما أنها تؤدي وظيفة استراتيجية آنية. وبهذا المعنى فإن كثيرا من الفاعلين الذين أعادوا لاحقا توجيه العنف خارج سياقه الأصلي لم يتشكلوا خارج المنظومة الدولية، بل تبلوروا داخلها بفعل سياسات أمريكية واعية بالتوظيف ومحدودة في حسابات الارتداد واستفادوا من بنيتها وفرصها، ومن هنا تصبح ظاهرة الإرهاب المعولم في أحد أبعادها الأساسية نتاجا مباشرا و متوقعا لسياسات الاحتواء والتوظيف التي انتهجتها الولايات المتحدة خلال الحرب الباردة أكثر من كونها مجرد تعبير أيديولوجي مستقل معاد للغرب منذ لحظة التكوين.
هذا النسق نفسه يتكرر في سياقات لاحقة ، ففي العراق بعد عام 2003ساهم تفكيك مؤسسات الدولة بفعل الاحتلال الأمريكي في خلق فراغ أمني مكن تنظيمات جهادية من التمدد بما فيها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي تطور لاحقا إلى الدولة الإسلامية في مرحلة لاحقة .
وعند إسقاط هذا النسق التفسيري على الحالة السورية تتضح الدلالات بجلاء فالتنظيمات المرتبطة بالقاعدة، ومن ضمنها التشكيلات التي خرج منها أحمد الشرع نشأت في سياق حرب دولية معقدة وتحت أعين قوى كبرى أعادت ترتيب أولوياتها مرارا على الرغم التصنيف الأمريكي الصارم في المراحل الأولى.
بهذا المعنى فإن التحول في علاقة الولايات المتحدة بأحمد الشرع لا يبدو شذوذا تاريخيا بل امتدادا لنمط متكرر في السياسة الأمريكية تجاه التنظيمات الجهادية: صناعة أو دعم بيئات جهادية في لحظة، ثم إدارتها أو إعادة ضبط العلاقة معها تبعا لتغير موازين القوى. وهو ما يجعل تنظيم القاعدة في التجارب الأفغانية والعراقية والسورية، ليس مجرد عدو خارج النسق الدولي، بل أحد مخرجاته المدارة عمليا وفق منطق القوة والمصلحة، لا الثوابت الأيديولوجية وحدها.
وعليه، فإن المقارنة بين نظام قومي بقي خارج أي إمكانية للاحتواء الغربي، ونظام ذي خلفية جهادية شهد انفتاحا تدريجيا وتخفيفا للعقوبات، لا تكشف فقط عن تغير قيادي، بل عن منطق أعمق يحكم علاقة الولايات المتحدة بالفواعل غير الدوليين.
وبالتالي فإن الشرع نفسه لم يكن نتاجا لمجرد التطورات الداخلية، بل نتاجا مباشرا لسياسات أمريكية منهجية أسهمت في تكوين بيئة جهادية قابلة لإعادة التوجيه ضمن الحسابات الدولية. خلفيته الجهادية وأدواره السابقة في تنظيمات مقاتلة مرتبطة بالقاعدة لم تمنعه من الدخول في مسار سياسي جديد؛ بل على العكس سمحت لواشنطن بإعادة ضبط علاقته وتحويل موقعه من فاعل معاد إلى فاعل يمكن استثماره في تحقيق مصالح استراتيجية مرحلية داخل النظام الإقليمي، بما في ذلك تمهيد الأرضية لتقارب بين دمشق وتل أبيب في ظل إدارة أمريكية.
توضح هذه الخلفية أن التحولات اللاحقة للشرع لم تكن وليدة الصدفة؛ فالديناميكية الأمريكية في توظيف الفواعل غير التقليدية أعادته كأداة سياسية قابلة للمناورة، وقد سمحت له هذه المرونة بإعادة تعريف موقع النظام السوري على الساحة الإقليمية بما يخدم أهداف القوى الكبرى. وفي هذا السياق، يصبح التقارب الحالي بين النظام السوري وإسرائيل امتدادا منطقيا للنسق نفسه: الشرع كأداة سياسية – نتاج السياسة الأمريكية – يسمح بتهيئة أرضية لإدارة دمشق ضمن حسابات استراتيجية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية معا، خصوصا في مواجهة إيران وحزب الله.
ومن هذا المنطلق، يمكن رصد أربعة مؤشرات رئيسية لهذا التقارب:
4-2-1 المؤشر الأول: التصريحات المباشرة لأحمد الشرع حول التعاون مع إسرائيل.
أعرب أحمد الشرع عن موقف يعكس استعداد النظام السوري الحالي للانخراط في تفاهمات أمنية استراتيجية مع إسرائيل، حين صرح بأن “لدينا أعداء مشتركون مع إسرائيل ويمكننا لعب دور رئيسي في الأمن الإقليمي مؤشر يبين ميلا عمليا لتحويل العلاقات من عدائية إلى حسابات استراتيجية مشتركة (i24news, 2025).
4-2-2 المؤشر الثاني: الانفتاح على دبلوماسية أمريكية لتسهيل التفاهمات.
تشير التقارير إلى أن المحادثات السورية‑الإسرائيلية بشأن اتفاق أمني تسارعت تحت الضغط الأميركي، بما يعكس رغبة الأطراف في الانتقال من التوتر المباشر إلى تفاهمات عملية مدعومة من الولايات المتحدة، بهدف ضبط الجنوب السوري وحفظ الاستقرار الإقليمي (الجزيرة، ٢٠٢٥).
4-2-3 المؤشر الثالث: تقييد النشاط الفلسطيني داخل الأراضي السورية وفقا لمصالح إسرائيل.
اتخذت السلطة السورية إجراءات للحد من نشاط الفصائل الفلسطينية داخل سوريا، مثل الجهاد الإسلامي وحماس، كجزء من التفاهمات غير المباشرة مع إسرائيل، ما يعكس استعداد تنسيق دمشق تحركاتها الداخلية مع مصالح إسرائيل الأمنية ( الشرق الأوسط، ٢٠٢٥).
4-2-4 المؤشر الرابع: زيارة الرئيس الشرع إلى واشنطن والتنسيق مع الإدارة الأمريكية.
تزامنت المباحثات السورية _ الإسرائيلية مع زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى واشنطن ولقاءات مباشرة بين الإدارة الأمريكية والسلطة السورية الجديدة، ما أتاح لسوريا تسهيل التفاهمات مع إسرائيل عبر وساطة أمريكية، وهو مؤشر على استراتيجية مدروسة لتقارب محسوب ضمن إطار دولي (الجزيرة، 2025).
- الخاتمة:
توفر دراسة الدبلوماسية الامريكية تجاه سوريا نموذجا لفهم الاستخدام الاستراتيجي للعقوبات الاقتصادية كأداة لضبط السياسات الاقليمية والدولية. فقد اتضح ان العقوبات ليست مجرد اداة عقاب بل وسيلة لإعادة هندسة العلاقات الدولية وفق رؤية امريكية – إسرائيلية من خلال التحكم في مسارات السلطة الانتقالية وربطها بالمعايير الدولية والاقليمية.
كما يتبين من خلال رفع العقوبات الاخيرة أن الولايات المتحدة تعتمد على ادوات تسمح لها بالتكيف مع التحولات السياسية مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. ويبرز البحث اهمية فهم العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية بشكل متكامل فهي تتجاوز التأثير الاقتصادي المباشر لتشمل ابعادا سياسية وامنية واستراتيجية في اطار ادارة الصراعات الاقليمية وتحقيق مصالح القوى الكبرى.
النتائج المستخلصة:
- العقوبات الامريكية على سوريا كانت اداة استراتيجية لإعادة ضبط سلوك الدولة السورية وموقعها الاقليمي، فهي لم تستهدف فقط اشخاص او قطاعات بل الموقع السياسي لسوريا ضمن التوازن الاقليمي.
- الهدف الفعلي للعقوبات تجاوز المبررات القانونية والامنية، ليخدم التوازنات الاقليمية الامريكية –الاسرائيلية، عبر اضعاف محور المقاومة والتأثير على سياسات الدول العربية تجاه التسويات الاقليمية.
- رفع العقوبات يمثل اشارة سياسية لإعادة تعريف شروط الشرعية للسلطة الانتقالية السورية، فواشنطن لم تمنح الشرعية بل وضعت اطارا للمقبول سياسيا في مرحلة ما بعد سقوط النظام السابق.
- الاقتصاد السوري اصبح اداة لضبط السياسة الداخلية والخارجية، ومنع الانحراف نحو قوى اقليمية اخرى كالتحالف مع روسيا والصين، عبر دمج الاقتصاد جزئيا ضمن النظام المالي الغربي وخلق شبكة اعتماد متبادل.
- رفع العقوبات مرتبط بتحولات اقليمية وتهيئة سوريا للاندماج التدريجي ضمن مسارات التقارب العربي– الاسرائيلي، بحيث يصبح دور دمشق ضمن التسويات الاقليمية تحت مراقبة وضبط امريكي مباشر وغير مباشر.
- المصادر والمراجع:
المصادر العربية:
1- البدري، عمار سعدون سلمان وخليل مصطفى، مصطفى . (مارس٢٠٢٥) .التدخل العسكري التركي في ليبيا وسوريا وأبعاده المستقبلية بعد عام ٢٠١١. المجلد ٧. العدد ٢٧. برلين: مجلة مدارات إيرانية .
2- الجزيرة. ( ١٧ يونيو ٢٠٢٠) .”من هو قيصر وكيف وثق وسرب صور التعذيب بمعتقلات النظام السوري؟”. على الموقع الالكتروني: https://www.aljazeera.net.
3- الجزيرة نت. (16 سبتمبر 2025). “دمشق: نعمل مع واشنطن للتوصل إلى تفاهمات أمنية مع إسرائيل”. على الموقع الإلكتروني: https://2u.pw/jeyo5C
4- الجزيرة ، ١٥/ ١٠/ ٢٠٢٥. “أحمد الشرع من جبهات القتال إلى رئاسة سوريا”. على الموقع الإلكتروني: https://2u.pw/j2BnkH.
5- الجزيرة، ١١/١١/٢٠٢٥. “ما أبرز لقاء الشرع بترامب وما نتائجه”. على الموقع الالكتروني: https://2u.pw/aWB8G5.
6- السامرائي، شفيق. (د.ت). الدبلوماسية. طرابلس: الجامعة المفتوحة.
- الشريدة، بندرة. “مصدر فصائلي كشف عن استجواب الأمين العام لمنظمة الصاعقة”. صحيفة الشرق الأوسط. ٦ يونيو ٢٠٢٥ على الموقع الالكتروني: https://2u.pw/tBmk5b.
- بارزين جعفر طاش. (18 تشرين الثاني 2025). “صمود الاقتصاد الإيراني ونقاط ضعفه”. موقع صفر. على الموقع الإلكتروني: https://alsifr.org/economic-resilience.
9- زيتون، وضاح. (٢٠١٠). المعجم السياسي. ط١. الأردن: دار أسامة.
- عيد غطاس حجازين، زياد . (٢٠٢١)، العقوبات الاقتصادية كإحدى أدوات السياسية الخارجية الأمريكية دراسة المقارنة: دراسة المقارنة إيران وكوريا الشمالية، ( رسالة ماستر). مركز الجزيرة للدراسات. على الموقع الإلكتروني: https://2u.pw/LjxXAa.
- فوق العادة، سموحي . (د.ت). البروتوكول والدبلوماسية. ط ١ . د.ن.
- مصطفى، أحمد.(٢٠١٤). العقوبات كأداة من أدوات السياسية الخارجية الأمريكية حالة العراق بعد ٢٠٠٣. مركز البيان للدراسات والتخطيط. على الموقع الإلكتروني: https://2u.pw/S6Pec1.
المصادر الإنجليزية:
1- Atlantic Council. (2025, June 30). Experts react: Trump just announced the removal of all US sanctions on Syria – what’s next? Atlantic Council. https://2u.pw/H9CP86.
2- Congress.gov. (2003). Syria Accountability and Lebanese Sovereignty Restoration Act of 2003. https://2u.pw/QVM3I.
3- Congress.gov. (2019). Caesar Syria Civilian Protection Act of 2019 (National Defense Authorization Act for Fiscal Year 2020).
4- FBI. (n.d.). Al‑Qaeda International. Retrieved December 23, 2025, from
5- i24news. (2025, May 31). “We have common enemies with Israel and can play a key role in regional security.”
6- Lumen Learning. (n.d.). The United States and the Mujahideen – Cold War Support in Afghanistan. In World History. SUNY. Retrieved December 23, 2025, https://2u.pw/MIGMdZ.
7- Massoud, A. (2025, November 7). UN lifts sanctions on Syria’s Ahmad Al Shara as China abstains. The National. https://2u.pw/Tiadtd.
8- Reuters .( 15/05/2025). Trump’s announcement on Syria surprised his own sanctions officials. Available at:
9- The White House. (2004). Executive Order 13338: Blocking Property of Certain Persons and Prohibiting the Export of Certain Goods to Syria
10- U.S. Department of State. (1979/2025). State Sponsors of Terrorism. https://2u.pw/mF4tYE
11- U.S. Department of the Treasury. (2011). Executive Order 13572: Blocking Property of the Government of Syria and Prohibiting Certain Transactions.
12- U.S. Department of the Treasury. (2011). Executive Order 13573: Blocking Property of Senior Officials of the Government of Syria.
13- U.S. Department of the Treasury. (2025, May 25). The U.S. Department of the Treasury issues a decision to immediately lift the sanctions imposed on Syria. U.S. Department of the Treasury. Available at: https://2u.pw/17N1ce.
14- U.S. Department of the Treasury, Office of Foreign Assets Control. (2025, June 30). Enhancing Accountability for Assad and Promoting Regional Stability Sanctions (PAARSS). https://ofac.treasury.gov/faqs/1220.



