مقالات

قضية: الحرية والشخصية والعقل الاجتماعي

بقلم الباحث السياسي : سيهانوك ديبو

 

قضية الحرية:

ثالوث الركائز الاقتصادية والسياسية والأيديولوجية المنغلقة/ النمطية، التي يَتَحَقَّقُ فيها التكديس، بات بمثابة ترسيخ الحجب المُطْبَقِ الذي تمارسه السلطة المستبدة تجاه مجتمعية المجتمع (الشعب وتسفيه العدالة والإخلال المتقصد بالتوزيع العادل للثروات…) واستبدالها بالأمن الظاهري؛ إرغام الشعب على ذلك وإذعانه بقبول السلطة الاستبدادية.

لهذا السببِ تزداد أهمية أنماط الادخار والتكديس بدلاً من نمط الإنتاج المجتمعي والموصول منه وإليه على يد الشعب الذي لا يرى ماهيته الحقيقية إلا من خلاله، وتَنُمُّ مراحل انتقال أنماط الهيمنة عن نتائج أهم من انتقال أنماط الإنتاج. والحرية تبدو هنا في أسوأ حالاتها ولا يمكن ظهورها بل يمكن عدها في هذه المرحلة على أنها شيء لم يعد الفرد والمجتمع من جلبه والظفر به.

وكان بالإمكانِ النظر إليها على أنها – ربما – هامشية. فضلاً عن أنّ تقييمَ الاصطلاحاتِ المعنيةِ بالمجتمعِ والشكل كان ينبغي عدم التغافلِ عن فكرةِ كَونِ بعض من السياسات الاصلاحية وحتى رؤى بعض من الأحزاب الكلاسيكية باتت تَخدمُ حجبَ الواقعِ الاجتماعيِّ أكثرَ مِن إيضاحه، ولم تكن مساهماتهم المتواضعة وفي أحسن الأحوال وبالمحصلة سوى عدم المساهمةَ في الحل.

تعتبر قضية الحرية من أولى المهمات التي تنطلق منها الثورة وتضعها نصب أعينها، فلا يمكن توسيم الثورة بأنها الثورة إذا لم تحقق هذا المطلب، وعليه فإن الثورة الحقيقية كما يصفها الفيلسوف أوجلان؛ ليست متمحورة في اسقاط دولة وإنشاء دولة أخرى، وليست إذابة سلطة بغية إحلال سلطة أخرى، وإنما الهدف المتوخى من الثورة يكمن في تحقيق الحرية وإقامة مجتمع ديمقراطي بقيّم العدالة والمساواة، ومن ناحية أخرى فإن قضية الحرية مرتبطة أيّما ارتباط بمفهوم الشخصية ومسائلها المتشابكة في الحيز الاجتماعي الذي تقوم عليها قائمة للثورة وتكون، والشخصية العمومية في روج آفا لا تختلف كثيرا عن الشخصية في سوريا أو الشخصية الشرق- أوسطية، فقد تعرضت هذه الشخصية إلى عديدٍ من مناح التسلط والسلطوية، خارجياً وبشكل متدرج على يد العثمانية والتي استهدفت الشخصية الحصيفة، وبدلتها إلى رخوة دون روح.

والتشويه المركب كان على يد الخارجي الحداثوي الرأسمالي، والذي استفاد من استبداد الامبراطورية العثمانية للقيم المجتمعية في الشرق الأوسط وبث العجز فيها وإظهار مشهد قلق عام؛ مفاده الشخصية اللا أدرية؛ حيث جعلها تنوء وتموء بين خيال القوموية وعدها الخلاص له وعلى يده وحده، وتفاقم الأمر أكثر، حينما استبد الداخلي وأنظمة الاستبداد الداخلية أشد قمعا وأشد كفرا وتشويها للخلاقيّة في الشخصية الشرقية، من أجل ذلك نلاحظ أن الاستبداد البعثي مارس اقصاء مزدوجا في الشخصية السورية؛ مرة من خلال نبذه للتنوع ومن خلال شموليته، ومرة في شذب أو قص المخالف وتطويعه إلى مرادفات أخلَّت بالبنيوية في الشخصية الشرقية، وعلى هذا الأساس يُعتقَد أنه يمكن الإقرار بوجود ثلاث مستويات في الشخصية الشرقية؛ والاعتماد على هذه المسميات تنحو في مجال الميتودولوجيا الشرقية نفسها والوظيفية الغربية ، ووفق الاقتناع الكافي لا بد من إيجاد دقة في الوصف نتناول فيه توصيفا للشخصية وتقاربها مع البذرة المتكونة والجذع الناشئ (حامل اجتماعي)، وأخيراً الغصن الجديد (كقانون حتمي للتغيير)، وهذه المستويات تبدو في مستوى الرائي لكل ما سبق:

  • مستوى التخلف أو مستوى الحجر
  • المستوى الطبيعي أو مستوى الطين
  •  مستوى النوع أو مستوى التنين

وعليه فإن شخصية روج آفا وفي أحسن أحوالها عالقة بين مستوى الطين ومستوى التنين، المستوى الطبيعي والتي أنتجته الظروف والأحوال والتقدم في التقنيات وفي مجالات فرضتها تطور الطبيعة، وهنا لا بد من الإشارة أن الكُرد – مثل غيرهم- ناقل جيد للطبيعي أو للتطور الطبيعي، بينما مستوى التنين هو المستوى النوعي ويمثل النار والنور والقوة التي تحتاجها المجتمعات للنهوض بأحوالها.

وبالتأكيد هذه الأوضاع في الشخصية وتلك المستويات كانت قبل اندلاع الثورة في روج آفا، تمايزا عن ما سبق فإن الحرية التي تحققت بالفعل الثوري والذي تمخض عنه مشروع الإدارة الذاتية الديمقراطية أحدثت انزياحات ظاهرية وباطنية، غير متوقعة بالنسبة للمراقبين الدوليين والإقليميين وحتى المحليين، وما حدث في الحقيقة ظهور المستوى الثالث؛ مستوى النوع، كأحد أبرز منتوجٍ لقضية الحرية التي ترأست أهداف ثورة روج آفا.

قوة العقل الاجتماعي:
يقول الفيلسوف أوجلان: (مِن المحالِ تقييم فُرَصِ الحلِّ لأيةِ قضيةٍ متعلقةٍ بالمجتمع بما يليق بها، دون استيعابِ الأواصرِ والقوةِ الكامنةِ بين مستوى ذكاءِ النوعِ البشريِّ والسياقِ الاجتماعيِّ الخاصِّ به. إنّ قياسَ الطاقةِ الكامنة لمستوى الذكاءِ في مرحلةِ الإنسانِ كنوع، قد يَكُونُ، أو لا يَكُونُ موضوعَ مضاربةٍ من حيث البداية. ولكن، إننا وجهاً لوجهٍ أمامَ ذكاءٍ مختلفٍ جداً، ويتبين ذلك بوضوحٍ لا تَشُوبُه شائبةٌ من خلالِ ظاهرةِ الحرب السائدةِ طيلةَ التاريخِ البشريّ، والتي بَلَغَت بالبيئةِ إلى حافةِ الدمارِ الكامل في ظروفنا الراهنة. وتتضح استحالةُ سدِّ الطريقِ أمام الدمارِ الأيكولوجيِّ والاجتماعيِّ بمجردِ الاقتصارِ على التحليلاتِ الطبقية، والوصفاتِ الاقتصاديةِ الجاهزة، والتدابيرِ السياسية، والتراكماتِ القصوى للسلطة والدولة. حتى وكأنّ هذا مُؤَكَّدٌ فعلاً. ساطعٌ بجلاءٍ مدى حاجةِ القضيةِ لِتَناوُلٍ أكثر جذرية).

والأمر الرئيسي حتى تنجح ثورة ما؛ مندلعة في أرض ما؛ تبغى هذه الثورة تغييراً حقيقيا وليس تشويها في مؤسسات المجتمع، لا بد لهذه الثورة أن تبتعد عن الخراب وعلى كل المناحي: المجتمعية بداية و المؤسساتية نهاية، لأن نسبةً كبرى مِنْ مَنْ يدعون الثورية لا يرتكبون سوى نشاطاتٍ مسيِّرة في ظل سيادة العقل الرجوليّ وما أقصده بالتحديد الذكورية السلطوية ولبوسه من تحويل قيم الثورة إلى نشاطات ثأرية وانتقامية. إنها إصلاحيةٌ زيادةً عن اللزوم. وتكاد تكون “نيرونية” بمقصد هدم كل شيء سابق؛ واللواحق تحمل أنفاس المتسلط نفسه، وفي الأخير نكون أمام سلوك غير سوي.

وهنا لا بد من التركيز على قوة العقل على أنه جزء من المجتمع، وتشكل هذه القوة مع نظائرها أسانيد حقيقية للثورة في روج آفا، ويسمى في المحصلة العقل الجمعي والوعي المجتمعي، والوعي هو وجود الشيء في وجوده وسؤال عن وجوده من حيث أن وجوده يتضمن وجود الآخرين كما يقول هيغل في مسألة الوعي المهمة لفهم إشكالية الوجود.

والوجود المجتمعي يعترف بالعقل الجمعي، خاصة إذا ما كان الوجود مهدد بالانقراض والإبادة الثقافية، شأن ذلك؛ الكُرد في أجزاء كردستان، وما ثورة حركة التحرر الكردستانية، وما فِكْرُ الحركة إلا سببا حاسما من أسباب تَشَكُّل العقل المجتمعي والذي نجم من الوجود الاجتماعي نفسه مُؤذنا له بالثورة من أجل الحماية والنهوض والتوازن والتفعيل، والحراك الثوري السوري يكاد أن يكون مصوبا من الوجود الجمعي السوري ومدعوما بقوة العقل المجتمعي الذي أدى إلى ذلك الحراك؛ ومن أجل التغيير، لكن ومن المؤسف أن نقول أن الوجود الجمعي تعرض إلى درجة ضاغطة من التزييف؛ خاصة حينما هُيّأ له أنه مدبر على التغيير وفق الزمنية (الكاذبة) والتي تم تلقينها عبر الميديائية؛ والتي أُقحِمت كعنصر أساس في تشكيل العقل الجمعي، وما فعل قنوات الضلال – ومن الجهتين المتناقضتين- إلا دليل أوضح فيما سردناه، وكان له – ولا يزال- على قضية العقل ومصير الوجود الجمعي وتشكيل الظاهرة المُخلة والتي تسمى “بالعقل الرمزي” أو “العقل الظاهري” أو “العقل المتشيء”.

فالروابطُ بين العقل والمجتمع بائنة. واستحالة تطور العقل دون تطور المجتمعِ أمر يدركه كلّ راصد عاديٍّ للتاريخ. وهذه هي حقيقة العقل الاجتماعي في حقيقة تشكل الثورة في روج آفا، وحقيقة ما يُفهم من مسائل: الردة، والحصار، والهجوم، والاقصاء من قبل مرتكزات تتم بنائها لتحجيم هذه الثورة وتحويلها وبمساعدة ( حتى نُقضائهم) لإحداث الدمار المجتمعي.

إلى جانب العقل الرمزي، يوجد العقل الغريزي والذي يشترك به الإنسان مع الحيوان وفيما يخص مسائل الحفاظ على الذات و التعليم، ويوجد أيضا العقل التحليلي، والأخير هو الذي يسهم بشكل مباشر في تفعيل إحداثيات الثورة وإسقاطاتها من أجل تغير البنية المجتمعية؛ من وضع حالي غير ملبي إلى وضع جديد أكثر تلبية، وفي ثورة روج آفا، ليس من الضروري أن يتحقق ذلك دفعة واحدة، وأن يحدث قطيعة أبستمولوجيا مع الواقع الذي يسبق حال الثورة دفعة واحدة أيضاً، بل هو متدرج وتصويبي، كما في المثل الكردي: أن القافلة تصوّب مساراتها فور تحركها.

قضية السلطة والدولة والإدارة:
إنّ القضية الكردية تضررت بشكا كبير من خلال التعثر أو مأزق مشروعها الوطني في سنواتها العابرة، أو لنقل في سنوات تشكّلها وتشكيلها السابق، والتحول في المشروع الصائر إليه من النموذج الكلاسيكي التقليدي “القوموي” وإلى المشروع “الحداثة الديمقراطي” أي “مشروع الأمة الديمقراطية” وخاصة في برامج وهدف حركة الحرية الكردستانية، يعتبر قفزة نوعية وحلٍّ نوعي للأزمة المُستدامة للقضية الكردية في إيجاد حل عادل يُضمِّن التعايش السلمي لكل مكونات الشرق.

مثلما تضررت من تحوّلها إلى أداةٍ استخداميّةٍ بيد أنظمةٍ استبداديّةٍ فاسدةٍ، لم يضرّ بها أخلاقيًّا وقيميًّا فقط، بل أضرّ بها فعليًّا؛ فالأنظمة ذاتها التي لم توجّه الطاقات إلى إيجاد مخرج ديمقراطي للقضية الكردية، إنما استخدمتها في لغة الاستبداد، بحيث لوّثت الخطاب التحرّريّ الكردي، مثلما لوّثت في مرحلةٍ ما كلمة “ثورة”، قبل المحاولة الدؤوبة في أن تعيد الشّعوب الاعتبار لهذه المفردات في الأعوام الخمسة الأخيرة.

والمثال السوري صارخ في هذا المنحى وخاصة فيما يتعلق بمسألة الانزياح للحراك الثوري إلى تعنيف وتهديد متطور للوجود المجتمعية وبالتالي (تجهيل) العقل وتشويش المهمات الحصيفة التي تقع على عواتقه، فكانت مسألة العنف الثوري من أجل حماية الثورة إلى مسألة الدفاع عن السلطوية في مرحلة قبيل تشكيل: الدولة أو الإدارة.

النظرية الثورية التي انطلقت منها ثورة روج آفا، باعدت أكثر بين هذه المتلاصقات والتي تحولت إلى مصفوفات – قاب قوسين و أدنى- أن تتحول إلى (البديهية)، وما المقصود به ضبطاً وإيقاعاً بالأشكال الكلاسيكية لفهم الثورة، هو السؤال التالي:

  • هل من خطأ منهجي نقترفه حينما نقول: أن هدف الثورة ليس هو السلطة، ولا يكون الهدف منها هي تشكيل الدولة القوموية؟

بينما غير الرائج هو الأدق وفق اعتقاد وتمثيل وتلبية الإرادة المجتمعية: الهدف من الثورة هو التغيير الديمقراطي الذي نحتاجه؛ وهو تحقيق أقصى حالات مستوى إدارة المجتمع لنفسه وبنفسه (فعلاً وليس بالقول فقط)، والفرق هنا يبدو واضح بين الإدارة والسلطة وبالتالي مآلات الدولة بكل أشكالها الكلاسيكية.

لذا فنتيجة النتائج تكون: ربط مفهوم الحرية بقيام دولة قوموية يكاد يكون اللا حل نفسه؛ تجارب المنطقة: الدولة التركية، و22 دولة عربية، وغيرها من الدول المتشكلة بعد اتفاقية سايكس بيكو في الشرق الأوسط ولأول مرة وفق الخرائط التي نراها؛ هل جلبت الحرية؟

لقد جلبت كل شيء أسود، وأظهرت هذه الدول (جغرافية- دستور- هويّة/ هويات) أقسى الحالات ضد الحرية. خلاف هذه النظرة المخلة تبدو نظرية الأمة الديمقراطية جواباً أو أجوبة حاسمة وبديلاً ثورياً للأنماط المتخلعة ومن يريد إعادتها لا يريد حرية للشعب الكردي وإنما تكرار التجربة الفاشلة وإعادة إنتاج الحوكمة السلطوية: زمرة كانت أو عشيرة أو بيوتات؛ لا تصلح هذه المفاهيم في ألفيتنا الثالثة؛ بشكل كبير.

الاصرار على رفض الرؤى المُخلِّة ليس بالتحامل الضيق وإنما محاكاة قصوى للتاريخ والكون التاريخي الذي يدرك حريته بذكاء خارق جداً.

المركز الديمقراطى العربى

المركز الديمقراطي العربي مؤسسة مستقلة تعمل فى اطار البحث العلمى والتحليلى فى القضايا الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية، ويهدف بشكل اساسى الى دراسة القضايا العربية وانماط التفاعل بين الدول العربية حكومات وشعوبا ومنظمات غير حكومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى